الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

غاليليو غاليله

 ناصر أسعد منذر

في هذا العام يكون قد مضى 370 سنة على نشر غاليليو لكتابه "حوار حول المنظومتين الرئيسيتين" ونفس المدة على محاكمته وصدور أمر الكنيسة بإقامته الجبرية في منزله حتى نهاية حياته..

   ولد غاليليو في 15 شباط 1564 وتوفي في 8 كانون الثاني 1642 ونشر كتابه المذكور في فلورنسا بتاريخ 15 كانون الثاني 1633 ولهذا السبب وفي نفس العام حكم عليه في روما بالإقامة الجبرية في منزله حتى نهاية حياته وبقراءة المزامير التكفيرية سبع مرات أسبوعياً لمدة ثلاث سنوات!!

   قال آينشتاين: "صار غاليليه -بكفاحه العنيف في توطيد المعرفة التجريبية- أبا الفيزياء العصرية، وربما أباً لكل العلوم الحديثة عموماً".

   نورد فيما يلي مقاطع من كتاب "حوار حول المنظومتين الرئيسيتين" والذي يصور فيه غاليليو مواقف المتعصبين للمقولات الجاهزة، مقابل العلم وإثباتاته وتجاربه الواضحة، وهذه المقاطع ذات مغزى تاريخي في المجادلات التي خاضها غاليليو ضد التقاليد.

uuuuu

اليوم الأول

     ساغريدو: إن إرادة اتخاذ قدرة الفهم البشرية معياراً لما تستطيعه الطبيعة كان دوماً في رأيي أكبر غرور، بل على العكس، لا يوجد أية ظاهرة من الظواهر الطبيعية، مهما قل شأنها، يمكن الإحاطة بمعرفتها على التمام، حتى ولا بأكثر التأملات عمقاً، فالإدعاء الباطل، بإمكانية فهم كل شيء، نابع حصراً من فقدان معرفة أي شيء. وإن من حاول ولو مرة واحدة أن يفهم كل الفهم شيئاً ما وذاق لذة العلم الحقيقي، لا بد أن يعترف بأنه لا يفهم أية حقيقية من الحقائق الأخرى العديدة.

     سلفياتي: إن ما تقوله لا يمكن دحضه، وحال أولئك الذين يفهمون شيئاً، أو يحاولون فهمه لهو دليل على ذلك: فهم كلما ازدادت معارفهم يشعرون ويعترفون بأنهم لا يعلمون إلا القليل، وقد قال بصريح العبارة أكبر حكماء الإغريق، وهو الذي اختاره الوعي رسولاً إنه يعي بعدم علمه بأي شيء.

     سمبليشيو: فالحكيم الرباني أو سقراط قد كذب إذاً لأن الأول كان يعتبر الثاني أكبر حكماء البشر، بينما يعترف الثاني بجهله التام.

     سلفياتي: لا هذا بالضرورة صحيح ولا ذاك لأن الرسول الرباني يقول بتفوق سقراط على البشر، وعلم البشر محدود، أما سقراط فيعترف بجهله في مجال العلم، والعلم غير محدود وبما أن الكثرة لا تمثل من اللامحدود أكثر مما تمثله القلة أو العدم لا فرق في سبيل الحصول على عدد لا متناهي، بين أن نجمع آلافاً أو مئات أو أصفاراً – فإن سقراط كان يعي تماماً أن علمه المحدود لا يزن شيئاً بالمقارنة مع ما يفوته من العلم وهو غير منتهي، ولكن بما أن البشر يملكون بعض العلم، وهذا البعض موزع بينهم، فإن سقراط يمكن أن يتمتع بقسط أوفر مما يملكه الآخرون، وبذلك يتبرر قول الرسول الرباني.

     ساغريدو: أظن أنني فهمتُ هذه النقطة حق الفهم، فالبشر أيها السيد سمبليشيو يملكون قدرة الفعل لكنهم غير متساوين فيها فنفوذ الإمبراطور أكبر بالتأكيد من نفوذ المواطن العادي، لكن النفوذين كليهما لا يقاسان بقدر الله المطلقة، فهناك من البشر من يلمون أكثر من سواهم بالزراعة، فأين عملية غرس فسيلة الكرمة في الأرض من الفن الذي يجعلها تضرب جذورها ومن تغذيتها، ومن انتقاء ما هو صالح لنمو الأوراق وما هو صالح لتشكيل الفروع وما هو صالح لنمو العنب بلبابه وقشوره، ومع ذلك تقوم الطبيعة بكل هذا، وليس هذا سوى واحد من صنائعها التي لا تحصى وهو وحده ينطوي على حكمة لا متناهية، إن ذلك ينبئ عن مدى سعة علم الله فهو اللانهاية مضروبة باللانهاية.

     سلفياتي: لنضرب مثلاً آخر إن الفن في استخراج تمثال رائع من صخرة رخام وضع عبقرية بوناروتي Buonaroti فوق مصاف عامة البشر، أليس كذلك؟ وهذا العمل ليس مع ذلك سوى تقليد خارجي سطحي لوضع وحيد يتخذه جسم إنسان ساكن وأطرافه. وأين هذا من الإنسان الذي خلقته الطبيعة، والذي يتمتع بأعضاء داخلية وأخرى خارجية بعضلات وأوتار وأعصاب وعظام تتيح له شتى أنواع الحركة، ناهيك عن الحواس وإمكانيات الروح والذكاء، أخيراً لا آخراً ألا نستطيع أن نقول بحق إن خلق التمثال عملٌ تافه إذا قيس بصنع إنسان حي أو حتى دودة محتقرة؟

     ساغريدو: وما أعظم الفرق بين الحمامة الطبيعية وحمامة أرشيتاس Archytas.

     سمبليشيو: إذا كنتَ فيمن يملكون القدرة على الحكم في هذه الأمور، فالتناقض واضح فيما تقول، إنك تعتبر الذكاء المزية الرئيسية من بين المزايا التي يتمتع بها الإنسان الذي خلقته الطبيعة ومع ذلك قلتَ تواً مع سقراط إن ذكاءه لا يساوي شيئاً، وعلى هذا كان يجب أن نقبل أن الطبيعة نفسها لم تعرف كيف تصنع ذهناً قادراً على الفهم.

     سلفياتي: إنك ثاقب النظر جداً في اعتراضك، والجواب يتطلب أن نلجأ إلى تمييز فلسفي وهو أن كلمة فهم يمكن أن تستخدم في معنيين مختلفين، بالمعنى الشديد أو بالمعنى المديد، فالذكاء البشري في المعنى المديد أي بخصوص كمية الأشياء التي يحاول فهما وعددها اللامتناهي لا يساوي شيئاً، ولو عرف ألف حقيقة، فالألف لا يزيد عن الصفر إزاء اللانهاية، على أننا لو تأملنا في الفهم بمعناه الشديد بمقدار ما تنطبق هذه الصفة على مدلول الشدة وهو الكمال في معرفة حقيقة معينة فإنني أؤكد أن الإدراك البشري يفهم بضع حقائق بشكل لا يقل كمالاً ولا يقيناً مطلقاً عما تفهمه الطبيعة ذاتها، فالمعارف الرياضية البحتة الهندسة والحساب على وجه الخصوص تنتمي إلى هذا الصنف، صحيح أن الذهن الرباني يعرف عدداً لا متناهياً من الحقائق الرياضية لأنه يعرفها كلها، لكن معرفة ذلك العدد القليل الذي يفهمه الذهن البشري تعادل في يقينها المطلق المعرفة الربانية لأنها تتوصل إلى إدراك ضرورتها ولا يمكن أن تجد درجة يقين تعلو على هذه الدرجة.

     سمبليشيو: إن هذا هو الذي أسميه رأياً معتداً وجريئاً.

     سلفياتي: إنما ما أقوله هذه معترف به لدى الجميع، ولا تشوبه شبهة ولاشك، وهي أقول لا تسيء بتاتاً إلى إحاطة العلم الرباني بكل شيء، كما أن قدرة الله المطلقة لا ينتقص منها أن نقول أن الله لا يمكن أن يخرب ما صنعه لكني يا سيد سمبليشيو أعتقد أن شكوكك ناجمة عن أنك فهمت جزءاً من كلامي فهماً مغلوطاً ولكي أكون أكثر وضوحاً أقول إن الحقيقة التي تتم معرفتها بواسطة البراهين الرياضية هي فعلاً مطابقة للحقيقة التي تعرفه الحكمة الربانية على أنني أتفق معك في أن شكل معرفة الله للحقائق العديدة التي لا نعرف سوى عدداً قليلاً منها أحسن بكثير من شكل معرفتنا، فنحنُ نتلمس طريقنا بمحاكمات تدريجية ونتقدم مرحلة مرحلة أما هو فيفهم من نظرة واحدة فلكي نحيط على سبيل المثال علماً ببعض خواص الدائرة وهي عديدة جداً نبدأ بأبسطها ونتخذه تعريفاً ثم ننطلق منه ونحصل بالاستنتاج على خاصة ثانية وثالثة ورابعة... إلخ، أما الإدراك الرباني فهو بخلاف ذلك يفهم العديد اللامتناهي لخواص الدائرة من مجرد صوغ طبيعتها من دون اللجوء إلى فحص متوالٍ في الزمان، وواقع الأمر أن هذه الخصائص محتواة سلفاً وبشكل خفي في تعريف أي شيء وهي رغم لا نهائية عددها قد تكون كلاً واحداً في جوهره وفي ذهن الخالق، وهذا هو ليس أيضاً خارجاً تماماً عن الإدراك البشري لكنه مغلف بغطاء ضبابي كثيف جداً يتضاءل قليلاً ليصبح أكثر شفوفاً عندما نتقن بعض عمليات الاستنتاج المبرهنة بدقة والتي تنتمي إلى تراثنا الثقافي لدرجة تبيح لنا أن ننتقل منها إلى ما يليها فنظرية فيثاغورث مثلاً القائلة بأن مربع الوتر يساوي مجموع مربعي الضلعين القائمين لا تختلف في أعماقها عن القول بأنه متوازيات الأضلاع ذات القاعدة المشتركة متساوية في المساحة، وهذه المقولة الأخيرة ألا تطابق في نهاية الأمر المقولة التي تنص على أن سطحين متساويان عندما يغطي كل منهما الآخر تماماً عندما نضعه عليه؟ إن هذه الانتقالات التي يحتاج فيها الذهن البشري إلى الوقت والتي ينجزها على مراحل يقفزها الإدراك الرباني كلمح البصر دفعة واحدة أو قل هي حاضرة لديه دوماً، ومن ذلك أستنتج أن معرفتنا بعيدة جداً عن أن ترقى إلى معرفة الله، سواءً بالكيف أو بالكم، على أنني لا أحتقر معرفتنا لدرجة أن أعتبرها معدومة تماماً لكنني لو نظرتُ في عدد الأشياء الرائعة التي فهمها الإنسان واستكشفها وحققها فلن أتمالك نفسي من الاعتراف والاقتناع بأن الذهن البشري من صنائع الله، وأنه أحد أميز مخلوقاته.

     ساغريدو: لقد فكرتُ مراراً قبل اليوم فيما أتيت على قوله بخصوص حصافة الذهن البشري فعندما أستعرضُ كل اكتشافات البشر الرائعة في مجالات الفن والعلوم ثم أفكر في علمي الذي لا يتيح لي بالمرة أن أستزيد منها ولا حتى أن أفهم ما تم اكتشافه أشعر بخجل مذهل وبيأس قاتل وأعتقد أنني شبه بائس، وعندما أتأمل في تمثال بديع أقول في نفسي متى ستعرف إذن كيف تستخرج مثل هذه النواة من كتلة رخام وتكتشف الشكل الرائع الذي كان كامناً فيها، أو كيف تخرج ألواناً مختلفة وتمدها على قطعة قماش أو على جدار فتمثل مملكة المرئيات كلها، كما فعل مايكل أنجل ورافائيل؟ وكيف أمنع نفسي من الإعجاب عندما أفكر في الأسلوب الذي تعلمه الإنسان في تنظيم الفواصل الموسيقية التي ابتدع مبادئها وقواعدها كي يشنف بها آذانه وشتى الآلات الموسيقية الأخرى إذن، وما أبدع قراءة الشعر الذي يملؤك إعجاباً عندما تقتفي مسار أفكاره وتفهم مراميها، وماذا أقول عن فن العمارة وعن الملاحة وفوق كل هذه الاختراعات المدهشة يسمو الذهن الذي اخترع وسيلة إيصال الأفكار إلى الناس الآخرين مهما كانت المسافة المكانية والزمانية التي تفصلنا عنهم والكلام مع أناس يسكنون في الهند مع أناس سيولدون بعد ألف سنة أو عشرة آلاف، وكل ذلك بسهولة لا تصدق، وما ذلك إلى برصف قرابة عشرين رمزاً على صفيحة ورق بطرق مختلفة، وهذا ما يمكن اعتباره أوج كل الاختراعات البشرية المدهشة، وهو ما سنختم به محاورة اليوم فنحنُ قد تخطينا اليوم أسخن المراحل وأعتقد أن السيد سلفياتي سيسعد بتذوق البرودة التي ستؤمنها له نزهة بالجندول وسأنتظركما غداً لاستئناف الحوار.

 

اليوم الثاني

     سلفياتي: لقد انحرفنا أمس مراراً عن الخط الأولي لمناقشتنا، لدرجة أنه يصعب علي اليوم أن أجد الطريق الصحيح وأن نثابر فيه دون مساعدتكما.

     ساغريدو: لا بد أن بعض الأفكار قد اختلطت في ذهنيكما من جراء كثرة ما استعرضناه أمس وما يجب أن نستعرضه اليوم، أما أنا المستمع فلم يكن علي سوى أن أحفظ ما سمعته، وبذلك آمل أن أرتب ما اختلط من خيوط مناقشتنا وذلك بأن أوجز بسرعة كما قيل فإذا لم تخني الذاكرة أعتقد أن موضوع محارواتنا الرئيسي كان يتناول الفحص العميق للرأيين التاليين، كي نكتشف أصحهما وأمتنهما أساساً، الرأي الذي يدعي بأن مادة الأجسام السماوية لا تفنى ولا تتغير ولا تصطنع أي أنها بمختصر القول تستعصي على كل تغير جوهري سوى تغير الموضع، فتشكل بالتالي عنصراً خامساً يختلف تماماً عن أجسامنا العنصرية التي يمكن اصطناعها وتخريبها وتغييرها، والرأي الآخر الذي يرفض مثل هذا الفرق بين ظروف أجزاء العالم ويقول بأن الأرض تتمتع بالمزايا نفسها التي تتمتع بها كل الأجسام الأخرى التي تؤلف العالم، فهي بعبارة أخرى كرة تتحرك بحرية كالقمر والمشتري والزهرة والكواكب الأخرى، ولاحظنا أخيراً وجود عدة وجوه شبه تفصيلية بين القمر والأرض وهي في حالة القمر أكثر عدداً منها في حالة أي كوكب آخر، ولا شك أن هذا ناجم عن أننا نعلم عن القمر أشياء أكثر دقة وأقرب إلى الإحساس بسبب قربه منا، والآن وقد توصلنا إلى أن الرأي الثاني أرجح احتمالاً يبدو لي أن الموقف يتطلب أن نفحص موضوع حركة الأرض، هل يجب أن نعتبرها ساكنة كما ظن اكثر الناس حتى الآن، أو أنها متحركة كما فكر بعض فلاسفة الأقدمين وبعض المعاصرين؟ وإذا كانت متحركة فما هو أسلوب حركتها؟

     سلفياتي: الآن أعرف من جديد الطريق الواجب اتباعه، ولكن قبل أن أستمر أود أن تسمح لي بملاحظة على كلامك الأخير لقد قلت أن توصلنا إلى النتيجة التالية إن الرأي الذي يدعي بأن الأرض هي من نوع الأجسام السماوية الأخرى هو أرجح من الرأي المعاكسن فأنا لم أؤكد أن الرأي الذي يدعي بأن الأرض هي من نوع الأجسام السماوية الأخرى أرجح احتمالاً من الرأي المعاكس، كما أنني لن أعتبر أياً من المذاهب الأخرى المتصارعة شيئاً مبرهناً، لكن ما أنويه بكل بساطة هو أن أعرض الحجج المؤيدة والحجج النافية لكل من تلك المذاهب والاعتراضات التي يمكن أن تساق ضدها وكيفية الرد عليها وما إلى ذلك من كل ما قاله الآخرون، ثم أضيف بعض الأشياء الجديدة التي اكتشفتها بعد تفكير طويل، لكنني أترك مع ذلك لسواي مهمة حسم المسألة.

     ساغريدو: لقد تركت نفسي تساق بشعوري الخاص، ولما ظننت أن الآخرين لا بد أن يفكروا كما فكرت عممت ما كان يجب أن أصوغه بشكل محدود، والحقيقة أنني ارتكبت خطأ، فقد كنت أجهل خصوصاً رأي السيد سمبليشيو الحاضر هنا.

     سمبليشيو: اعترف أنني قضيت الليلة الماضية في تقليب مناقشات أمسنا في رأسي وقد رأيت أنها تحوي فعلاً أشياء عديدة جميلة وجديدة وصحيحة، ورغم كل ذلك أشعر أنني مقتنع أكثر بآراء المؤلفين الكبار وخصوصاً.. أراك يا سيد ساغريدو تهز رأسك وتبتسم كأنك تسمع مني مقولة فظيعة!!

     ساغريدو: لقد اكتفيت بالابتسام، لكن صدقني أن رغبتي في أن أنفجر ضاحكاً تكاد تخنقني، إنك تذكرني بقصة رائعة وقفنا عليها أنا وبضعة أصدقاء لي أستطيع أن أذكر لك أسماءهم.

     سلفياتي: قد يكون من المفيد أن ترويها لنا وإلا فقد يظن السيد سمبليشيو أنه هو الذي أضحكنا.

     ساغريدو: ليكن، كنت ذات يوم في منزل طبيب في البندقية مشهور جداً، وكان الناس يقصدونه بكثرة لأسباب دراسية بقدر ما هي فضولية، كي يروا كيف يقوم عالم حقيقي ماهر ودقيق بتشريح الجثث، وقد اتفق ذلك اليوم أن البحث كان يتناول أصل ومنطلق عصب كان موضوع خلاف شهير بين أطباء مدرسة غاليان والمشّائين من أنصار أرسطو، وعندما أظهر العالم كيف تنطلق حزمة الأعصاب الرئيسية من الدماغ وتنزل على طول العنق وتمتد خلال العمود الفقري وتتفرع في الجسم، وكيف أن خيطاً عصبياً دقيقاً –ليس أثخن من خيط عادي- يصل حتى القلب، التفت نحو مشاهد نبيل كان يعرف أنه من المشّائين ومن أجله عرّى العصب وأبرزه بعناية فائقة، وسأله إذا كان قد رضي بما رأى، واقتنع أن الأعصاب إنما تنطلق من الدماغ وليس من القلب؟ عندها فكر فيلسوفنا المشّاء طويلاً ثم أجاب: لقد أريتني كل ذلك بجلاء ووضوح ولولا أن لأرسطو نصاً يقول فيه بصراحة أن الأعصاب تنطلق من القلب لوجدت نفسي مضطراً للاعتراف بأنك على حق!!!

     سمبليشيو: أود مع ذلك أن ألفت نظر أولئك السادة إلى أن مسألة الخلاف حول منشأ الأعصاب لم تنته بعد ولم تحسم تماماً، كما قد يخيل إلى بعض الناس.

     ساغريدو: إنها لن تحسم أبداً بشكل مؤكد، لأنك لن تعدم أبداً معارضين من هذا النوع! ومع ذلك فإن ما تقوله لا يخفف شيئاً من غرابة جواب المشّاء! فهو لم يجابه التجربة الواضحة بتجارب أخرى ولا بدوافع مستمدة من نصوص أرسطو بل من سلطة الفيلسوف فقط، من مجرد "هكذا قال"!!

     سمبليشيو: إن أرسطو لم يكتسب هذا القدر من الشهرة إلا بفضل براهينه المفحمة وأبحاثه المعمقة، لكن يجب علينا أن نفهمه، وليس هذا فحسب، يجب أن تكون ضليعاً فيما كتبه كي تتمتع برؤية كاملة فتستطيع أن تتذكر كلامه على الدوام، لأنه لم يكتب للجماهير العريضة ولا حرص على تعداد استنتاجاته بترتيبها بأسلوب بدائي، فقد كان يكتب أحياناً بأسلوب مبهم ويأتي ببرهان ما يقوله في فصل يبدو فيه أنه يعالج موضوعاً أخر، ولهذا يجب أن تستمد مما كتبه رؤية شاملة، وأن تركب هذا المقطع مع ذاك وأن تقارن هذه الفقرة مع فقرة أخرى قد تبدو لك بعيدة عن الأولى، ولا ريب في أن من يتقن هذا الفن يستطيع أن يغرف من كتب أرسطو البراهين على ما يمكن أن يعرف، فهي فعلاً تحوي كل شيء.

     ساغريدو: ولكن بما أن مزج النصوص لا يزعجك يا عزيزي سمبليشيو وبما أنك تعد نفسك قادراً على استخلاص روح الكتاب بمقارنة شتى مقاطعه وبتركيبها، فاسمح لي أن أطبق على قصائد فرجيل وأوفيد الطريقة التي تستخدمها أنت وزملاؤك المحترمون في نصوص أرسطو! سأرتق أجزاءها قطعاً صغيرة فأشرح بذلك كل شؤون البشر وكل أسرار الطبيعة! ولكن ما حاجتي إلى فرجيل أو سواه من الشعراء؟ فأنا أملك كتيباً أصغر بكثير من أي أرسطو أو أي أوفيد ويحوي كل العلوم ويمكن أن نأخذ له رؤية شاملة بجهد لا يذكر! وأعني به كتاب حروف الأبجدية، فلا ريب في أنك لو رتبت هذه الحروف كما ينبغي وقربت هذا الصوتي وذاك من هذا الساكن أو ذاك، تستطيع أن تحصل على أوثق المعلومات عن كل قضية مبهمة وتستطيع أن تجد كل مذاهب العلوم وقواعد كل الفنون! شأنك شأن الرسام الذي يكتفي بمزج الألوان التي وضعها منفصلة على لوحة –شيئاً من هذا وقليلاً من ذاك- ثم يستخدم ذلك في خلق أناس أو نباتات أو عمارات أو طيور وبمختصر القول يقلد كل الأشياء المنظورة دون أن يكون عنده على لوح زيوته عيون ولا ريش ولا حراشف ولا أوراق ولا أحجار، ويجب أن لا يوجد بين الألوان المستعملة أي شيء من الأشياء التي تمثلها الصورة حتى ولا أجزاء منها، إذا أردنا أن نتمكن من تمثيل كل شيء فإذا وجد على اللوح ريش مثلاً فلن نستطيع أن نستعلمه إلا لتمثيل الطيور أو منافض الريش.

     سلفياتي: أعرف بعض السادة النبلاء، كانوا حاضرين عندما سمع أحد (العليمين) المنتمي إلى مدرسة مشهورة وصف التلسكوب، وهو جهاز لم يكن رآه من قبل، وأكد أن هذا الاختراع مستمد من أرسطو! وبعد أن طلب كتاباً وجيء له به، راح يبحث عن مقطع قيل فيه: إن بالإمكان رؤية نجوم السماء في وضح النهار في قعر بئر عميق، وعندئذ شرح العليم لسامعيه فقال: هذا هو البئر إنه الأنبوب، وتلك هي الأبخرة الكثيفة إن العدسات تجسيد لها، وهذه أخيراً تقوية المقدرة البصرية بفضل مرور الأشعة عبر جسم أكثف منها مظلم وشفاف!!!

     ساغريدو: إن هذا الأسلوب في تجميع كلما يستطاع معرفته يشبه أسلوب احتواء كتلة الرخام على تمثال أو على ألف تمثال رائع، والصعوبة تكمن في الاكتشاف فقط، ويمكن أن نشبه ذلك بتنبؤات النبي عمران أو بتنبؤات حكماء آلهة الإغريق، تلك التنبؤات التي لا تفهم إلا عندما تتحقق!!

     سلفياتي: ألا تفكران أيضاً بتنبؤات المنجمين التي يمكن استخلاصها من خارطة بروج السماء، أي من مواقع النجوم، لكن بعد تحقق النبوءة؟

     ساغريدو: والأمر كذلك أيضاً في مكتشفات السيمائيين فهم يرون أن كل الأذهان العظيمة لم تعالج في الواقع أي موضوع في معجزاتها سوى فن صنع الذهب على أن تعليم هذا الفن دون إشاعته على الشعب جعل كلاً منهم يخترع للتعبير عنه أسلوباً سرياً يحيطه بأقنعة متنوعة ولا أطرف من الإصغاء إليهم وهم يعقبون على أشعار القدماء فيكشتفون فيها أهم الأسرار التي تلبس لبوس الأساطير.

     سمبليشيو: أعتقد وأنا متأكد في بعض الأحوال أن العقول الغريبة ليست نادرة لكننا لا يحق لنا أن نضع ترهاتها على حساب أرسطو الذي تتكلمون عنه على ما يبدو لي بكثير من قلة الاحترام فأقدميته والشهرة التي اكتسبها في نظر الكثير من الرجال المرموقين يجب أن تكفيا لكي يستحق احترام كل العلماء.

     سلفياتي: ليس الأمر كذلك بالضبط يا سيد سمبليشيو إن بعض أنصاره بضيق أفقهم أو هم بالأحرى كذلك مسؤولون حتماً عن واقع قلة احترامنا لأرسطو، عندما نسمع سخافاتهم ولكن تكرم وقل لي: هل أنت ساذج لدرجة تجعلك تنفي أن أرسطو لو كان حاضراً عندما عزى إليه ذلك العليم اختراع التلسكوب كان سينـزعج من ذلك الشرح أكثر من انزعاجه من السامعين الذين سخروا منه؟ هل تشك مثلاً في أن أرسطو كان سيغير رأيه ويصحح ما كتبه لو كان قد علم بالمكتشفات الفلكية الحديثة، وأنه كان سيتحول إلى مذاهب تتفق مع المعقولات فيتنكر لكل عقل بليد قاصر لدرجة أن يتمسك بحرفيات كلماته دون أن يخطر له أن أرسطو لو كان على شاكلة ما يتصوره لكان إنساناً سخيفاً أنانياً وروحاً همجية تفيض بالجبروت المستبد وتنظر إلى بقية البشر وكأنهم بهائم أغبياء، فلا تعتد إلا بما توحيه إرادته الذاتية بخصوص مدارك الحواس ونتائج التجربة وشؤون الطبيعة ذاتها، فأنصار أرسطو هم الذي منحوه كل هذا السلطان، وليس هو الذي ادعاه لنفسه، ولما كان من الأسهل على الإنسان أن يحتمي بحصانة غيره من أن يجابه مكشوف الوجه فإنه يرتجف فزعاً ولا يجرؤ على الابتعاد عنه قيد خطوة وبدلاً من أن يقبلوا بتعديل أي شيء في سماء أرسطو يفضل هؤلاء الأنصار أن ينكروا ما يشاهدونه في سماء الطبيعة.

     ساغريدو: إن الرجال الذين من هذا الصنف يذكرونني بالنحات الذي صنع، من كتلة رخام تمثال هرقل أو جوبيتير لم أعد أدري أيهما، وبمهارة فنية مذهلة استطاع أن يخرجه آية في الحيوية والجلال، لدرجة أن كل اللذين اقتربوا منه تملكهم الهلع وأن الفنان نفسه شعر بالخوف منه رغم أن تعابير التمثال وحركته كانت من صنع يديه! وقد ازداد رعبه لدرجة أنه لم يعد يجرؤ على الاقتراب منه بالمطرقة والإزميل!!

     سلفياتي: لقد تعجبت مراراً من أن أنصار أرسطو الذين يدافعون عن حرفية كلماته لا يشعرون بفداحة الإساءة إليه وإلى سمعته، ولا يدركون أن حرصهم على زيادة سلطانه قد أدى بعكس ذلك إلى إنقاصه، وعندما أرى عنادهم في الدفاع عن مقولاته رغم تبين خطأها وعندما يحاولون أن يقنعوني أن هذا هو ما يستحقه الفيلسوف الحقيقي وأن أرسطو نفسه ما كان ليسلك غير هذا السلوك أعود فأراجع نفسي في الرأي الذي جعلني أعتقد أن استنتاجاته ممكن أن تكون صحيحة في المجالات الأخرى الأكثر بعداً عني، لكنني لو رأيتهم يتراجعون أمام الحقائق الواضحة ويعدلون أحكامهم لكنتُ على العكس من ذلك اقتنعت بأنهم في المجالات التي يتمسكون فيها بآرائهم وببراهينهم التي لا أعرفها ولا أفهمها على حق مؤكد.

     ساغريدو: وهل لو بدى لهم أن سمعتهم الشخصية وسمعة أرسطو تصبحان في خطر لمجرد أن يعترفوا أن أستاذهم لم يعرف هذا الاكتشاف أو ذاك مما اكتشفه سواه، ألن يجدوا مصلحتهم أن يبحثوا عنه في كتبه بتركيب عدة مقاطع بالطريقة التي أشار إليها السيد سمبليشيو لأنه إذا كانت كل المعارف موجودة عند أرسطو فلا بد أن توجد هذه أيضاً.

     سلفياتي: دع عنك هذا الهزء يا سيد ساغريدو لأنه يبدو لي أنك تمزح فمنذ فترة قصيرة كتب فيلسوف مشهور مخطوطاًعن الروح اورد ميه عدة شواهد من ارسطو كي يوضح بها رايه في خلود الروح وهذه الشواهد لم تنقل عن الاسكندر الذي, حسب قوله,لم يتناول هذا الموضوع ولم يحسم بالتالي شيئاً مما ينتمي إليه، بل كانت نصوصاً واردة في مقاطع غامضة وتفوح منها رائحة خطرة. وعندما قيل له إنه سيجد صعوبة في الحصول على رخصة الطبع طلب من صديقه أن يتوسط له في شأنها، فلو لم يكن أمامه سوى هذه العقبة لكان من السهل عليه أن يغير في تعاليم أرسطو أو أن يبرهن، بواسطة شواهد أخرى على أن وجهات النظر المعاكسة تنسجم مع فكر الفيلسوف.

     ساغريدو: إني أمنح كل احترام لهذا العالم! فهو لم يرض أن ينخدع بأرسطو، بل يجره من أنفه ويجعله يرقص حسب مشيئته، وهكذا ترين أيتها العقول الخانعة ذات الانحطاط المريع! أهمية انتظار الوقت المناسب! أو تستسلمين للعبودية طائعة مختارة، وتتكبلين نهائياً بآراء إرادة أجنبية، فتضطرين إلى الانسياق مقتنعة بأسباب تبلغ من الإفحام والبروز مستوى يجعل المرء لا يدري إذا كانت تنطبق فعلاً على الغرض المدروس وتهدف إلى دعم المقولة المقترحة! إن أغرب ما في الأمر هو أن تلك العقول لا تتفق فيما بينها لتحكم فيما إذا كان المؤلف قد ناصر فرضية ما أو عارضها! أليس هذا ناجماً عن وحي صنمٍ من الخشب؟ أهي التي يجب أن ننتظر منها الأجوبة؟ وهل هذا ما يجب أن نهابه ونجله ونعبده؟

     سمبليشيو: ولكن إذا تخلينا عن أرسطو فمن سيكون دليل العلم؟ اذكر لي اسماً واحداً‍!

     سلفياتي: إن الدليل ضروري في البلاد المجهولة المتوحشة، وإن العميان فقط هم الذين يحتاجون إلى حماية في السهل المفتوح... لكن من يملك الرؤية بالبصر والبصيرة فليتخذها له دليلاً! أنا لا أوصي بعدم الاستماع لأرسطو.. لكنني فقط ألوم أولئك الذين يستسلمون له قلباً وقالباً ويوافقونه موافقة عمياء على كل كلمة من كلماته ويعترفون له بمنزلة الوصايا المحتومة دون أن يبحثوا عن أسباب أخرى، إنها مبالغة تجر إلى خطر آخر خطير وهو أن المرء لا يعود يحاول أن يقنع نفسه ببراهينه الشخصية وهل من فضيحة أعظم من أن ترى رجلاً ينهض في مناقشة عامة تتناول مقولات يمكن إثباتها، فيطرح فجأة شواهد تنتمي غالباً إلى موضوع آخر تماماً ويُسكت خصمه من الذهول؟ وإذا أردتم مع ذلك أن تستأنفوا دراساتكم بهذا الأسلوب فلا تدعوا أنفسكم فلاسفة، بل مؤرخين أو عالمين بما يحفظ عن ظهر قلب، لأن من لا يتفلسف بتاتاً لا يحق له أن يدعي لنفسه شرف الفلسفة – لكن من الخير لنا أن نعود إلى الشاطئ كي لا نتيه في بحر محيط لن نستطيع الخروج منه طوال النهار، وأنت يا سيد سمبليشيو لك أن تطرح أفكارك أو تشرح براهينك أو براهين أرسطو، لكن لا تعتمد على الشواهد فقط، أو على سلطة عالم فقط، لأن أبحاثنا تهتم بعالم الحواس لا بعالم من الورق.

 uuuuu

أورد العالم فيرنر هايزنبرغ المقاطع السابقة في كتابه الطبيعة في الفيزياء المعاصرة، والذي ترجمه للعربية د. أدهم السمان، ونشر بعدة طبعات في وزارة الثقافة ودار طلاس في دمشق - سوريا.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •