الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 بذور النباتات 

موسى ديب الخوري

تولد البذور في قلب الأزهار، وتكون مغلفة أو عارية، وترتحل بطرق عديدة عبر مسافات بعيدة، وتنتش بعد قرون أحياناً. ما هي البذور؟

البذور هي أجسام عطالية وغالباً ما تكون دقيقة مثل حصياة ناعمة أو حتى غبارية، حتى لتبدو تافهة جداً. ومع ذلك، فإنها تبدأ بعد عدة سنوات من ولادتها أحياناً بالانتاش وتتحول إلى غراس ثم إلى نباتات كاملة. وهي توجد في كل مكان من حولنا، إذ إن النباتات كانت من أولى أشكال الحياة التي نمت على الأرض. وهكذا يمكن أن نجد البذور في تربة الحقول أو الغابات كما وفي الطرق المعبدة وفي مجاري المياه وعلى المصاطب والأسطحة! بل إنها موجودة في أطباقنا التي نتناولها على شكل حبوب ومجففات كما وعلى شكل بذور الفاكهة ولبها. وبالنسبة لعالم النبات، تنتج البذرة من التناسل الجنسي للنباتات البذرية. وهي تنمو في قلب زهرة بعد التأبير الذي يليه تلقيح بذيرة بحبوب الطلع. والبذيرة أو البويضة هي عضو يشتمل على عناصر كثيرة منها المخزون الغذائي والمشائج الأنثوية. وحبيبة الطلع عبارة عن وحدة صغيرة من خليتين أو ثلاث خلايا تشكل مشيجة ذكرية. وتنطوي كل بذرة على جنين نبتة.

هل لهذه البذور فائدة بالنسبة للنباتات نفسها؟

إن البذرو تؤمن تضاعف النوع النباتي، وتسمح له بإعمار وسطه وبمقاومة الشروط المناخية غير الملائمة. إن التضاعف بالتكاثر الجنسي يخلق أفراداً مختلفين مورثياً تماماً. فالصفصاف مثلاً، الخصب جداً، ينتج في كل سنة ملايين البذور الدقيقة (إنما التي لا تنتش كلها). وهذا الامتزاج المورثي يسمح لمجموعات النباتات بالنمو والتطور مع بيئتها. والوظيفة الثانية للبذور هي الانتشار والتوزع. فالبذور تسافر في الفضاء الجوي. وهكذا توسع النبتة مجالها الحيوي وتدافع عن نفسها ضد منافسة ومزاحمة النباتات الأخرى. ويمكن بالتالي للنبات أن ينتقل من مساحة بيئية لم تعد مناسبة له بنقل بذوره التي يعهد لها بمهمة إعمار مساحة جديدة. والنباتات قادرة على الانغراس بسرعة والنمو في أرض مستصلحة، أو محترقة، أو في شق صخري، أو في جزيرة بركانية، أو حتى في حوض زينة. والوظيفة الثالثة للبذور هي مقاومة الشروط المعادية. ففي خط عرض بلادنا مثلاً، لا تستمر النباتات السنوية بالحياة في الشتاء إلا على شكل بذور. وتحيا النباتات الأخرى على شكل براعم في حالة سبات. ولكن حتى بالنسبة لهذه الأخيرة، فإن البذور هي أشكال حياة مقاومة وقادرة على تحمل صدمات مناخية كبيرة كجفاف مستمر ومديد أو حالة صقيع غير معتاد أو حتى حريق... فأغلفتها الثخينة بدرجات مختلفة وغير النفوذة تعطيها مقاومة آلية معينة. إن البذور مجففة أو خالية من الماء مما يسمح لها بالبقاء في درجات حرارة عالية جداً. وبالمقابل، تقاوم النباتات حالات الهجوم البيولوجي التي يمكن لبعضها أن يكون قاتلاً بالنسبة للنبتة الخضراء. فغالباً ما تكون أغلفتها يابسة ولا يمكن لليرقات مثلاً أكلها كما تأكل الأوراق أو البراعم. وإضافة إلى ذلك، فهي يمكن أن تُحشى بالعفص المضاد للفطور وبمركبات من المضادات الحيوية، بل وحتى السامة بالنسبة للقناصة. إن النباتات لا تتكاثر بالبذور فقط، فالعديد منها قادر على القيام بعملية استنسال: وهو ما يسمى بالتضاعف النباتي. وهي طريقة مثلى عندما تكون النبتة متلائمة مع بيئة مستقرة؛ كما أنها مفيدة في الشروط غير المؤاتية للتكاثر الجنسي (كما في الجبال مثلاً).

هل للنباتات كلها بذور؟ وكيف ومتى ظهرت الأنواع ذات البذور؟

بعض النباتات ليس لها بذور، مثل السرخس والطحالب. إن تكاثرها الجنسي يمر بأبواغ وحيدة الخلية لا تحتوي على أفواق (وهي أجنة النباتات). لقد كانت أولى النباتات الأرضية نباتات ذات أبواغ. وتنتشر هذه الأبواغ في الهواء، وتنتش في موضع رطب وتشكل الخلايا الجنسية. إن تلاقي واندماج المشائج الذكرية والأنثوية يتم في وسط سائل، كالمطر أو الندى أو بركة صغيرة. وقد تم الاستقلال عن الوسط السائل الخارجي من أجل التلقيح بواسطة النباتات ذات البذيرات، وذلك في نهاية الحقب الديفوني منذ نحو 370 مليون سنة. ويحمل الهواء غبار الطلع منها. وعند الاتصال مع سائل بذوري، يصدر حبيبات غبار الطلع مشيجة ذكرية إلى جانب المشيجة الأنثوية. ويتم الالقاح في هذه المساحة الداخلية الرطبة. وعندما تسقط البذيرة على الأرض، تتطور البويضة ببطء إلى جنين نباتي (فوقٌ) ينتش فوراً. فالذي ينتشر في الهواء هو البذيرة ولم تصبح بذرة بعد. ومنذ نحو 345 مليون سنة ظهرت النباتات ذات البذور. إنها أولى البذور العارية التي ولدت منها الصنوبريات الحالية. وتحمل هذه الأخيرة مخاريط (هي أكواز الصنوبر) مشكلة من حراشف توجد بينها البويضات. ويعطي الالقاح بعد النضج بذرة قادرة على الدخول في حالة حياة بطيئة وانتظار الظروف الملائمة لكي تنتش. ويؤمن لها ذلك استقلالية معينة على مر الزمن. وتشتمل عاريات البذور حالياً على نحو 700 نوع. أما النباتات الزهرية والثمرية فظهرت في الحقب الكريتاسي، منذ نحو 130 مليون سنة. وهي البذور ذات الأغلفة. وكانت الأولى منها تشبه المنيوليا. وانتشار غبار الطلع لم يعد قاصراً معها على الهواء بل وبواسطة الحشرات والحيوانات التي تجذبها الأزهار. وتكون البيوضات مغلفة تماماً بعدد من أعضاء الزهرة هي الأخبية. وبعد الالقاح، تنمو هذه الأخيرة وتتحول إلى ثمار. وتحمي الثمرة البذور وتؤمن لها الانتشار. وهذه الأنواع مسيطرة حالياً على الأرض ويوجد منها نحو 250000 نوع.

مما تتألف البذور؟ وكم هي مدة حياتها؟

عند عاريات البذور يكون الالقاح سهلاً: فالجنين النباتي يولد من اندماج مشيجة ذكرية وأخرى أنثوية، وتكون أغذيته متشكلة في النسيج المسمى بالسويداء. ويتم النضج في المخروط الصنوبري. وفي مغلفات البذور يكون الالقاح مزدوجاً. فأعضاء التذكير، أي الأسدية، تحرر حبيبات الطلع. وتتوضع هذه الأخيرة على أعلى المدقة، ومنها تدخل إلى البويضة وتُفرغ مشيجتين ذكريتين. وتندمج إحداهما مع المشيجة المؤنثة وتشكل البيضة في حين تشكل الأخرى المادة المغذية من السويداء. وعندها تولد البذرة. والبذور تتميز بأنها يمكن أن تنحفظ في حالة حياة بطيئة لسنوات طويلة قد تصل إلى مئات السنين. ويتعلق طول عمرها بالنوع وبشروط الحفظ. فالبذور التي مخزونها من طبيعة دسمة، مثل البندق، لا تتجاوز مدة حياتها غالباً السنة. أما التي مخزونها سكري، مثل معظم زروعنا، فلها مدة حياة تصل لعدة سنوات. ولبعض البقوليات التي لها جدار واق سميك غير نفوذ للهواء أو للماء فتعيش لفترة أطول. وقد استطاعت بعض بذور اللوتس أن تزهر بعد 400 بل بعد 1000 سنة من انغمارها في طين مستنقع بسبب انحفاظها الجيد. والرقم القياسي كان لبذور الترمس التي وجدت في جليد كندي، وقد انتشت بعد أن أزيل عنها التجلد مباشرة بعد حياة استمرت نحو عشرة آلاف سنة بحسب التأريخ بالكربون 14. وبالمقابل فإن العديد من البذور الاستوائية مثل الكاكاو والمنغا لا تعيش أكثر من بضعة أسابيع.

شكلت البذور النباتية مادة أساسية في حياة الانسان عبر عصور طويلة. هل لا تزال البذور تشكل مادة أساسية في طعامنا؟

بينت الدراسات الاحصائية والتاريخية كما والآثارية والانثروبولوجية أننا نتناول كميات أقل من الزروع أو الحبوب من أسلافنا. ومع ذلك فهي لا تزال تشكل الغذاء الأساسي للشعوب الريفية في البلاد النامية. وتشكل الزروع نحو 50 % من غذاء البشرية الحالية. وهي تؤكل على شكل بذور، أو خبز، أو أشكال مختلفة من العجائن أو الحساء أو المثلجات، كما وعلى شكل شراب. كذلك فإن البقوليات الجافة تعد مصدراً غذائياً هاماً في حياتنا، وهي مصدر هام للسكريات كما وللبروتينات، ومنها العدس والصويا والفاصولياء والحمص. وهناك العديد من الحبوب الأخرى التي تكمل موازنة غذائنا. فالزيتيات منها تزود عظامنا بالزيت الكلسي، ومنها عباد الشمس والصويا والزيتون والقطن والبندق وغيرها.

ما هو الفرق بين البذور والثمار التي نأكلها؟

عندما ينضج خباء الزهرة فإنه يشكل ثمرة، بينما تصبح البذيرات الملقحة بذوراً. وتغلفُ الثمرةُ البذرة. وهناك ثمار جافة وثمار كثيفة اللب، وثمار لها بذرة واحدة وأخرى لها عدة بذور. لكن هذا التصنيف النباتي مليء بالمطبات. والحق أنه يصعب أحياناً التمييز تماماً بين الثمرة والبذرة. ففي الطماطم يكون التمييز واضحاً بين اللب الأحمر والبذور الصغيرة. أما عند الكرز، فإن البذرة ليست النواة في الثمرة كما نعتقد للوهلة الأولى! فالبذرة توجد داخل النواة التي هي الجزء الداخلي من الخباء. وبالنسبة للثمار الجافة، فإن الخلط بين الثمرة والبذرة متواتر كثيراً. فحبة القمح ثمرة أم بذرة؟ إن النجيليات مثل القمح تُنتج الثمار، بحيث تسمى كل حبة منها البُرّة، وهي كل ثمرة جافة غير متفتحة. ويكون غشاؤها ملتصقاً بجدار الخباء. وهكذا فإن البندق مثلاً هو ثمرة جافة والبذرة فيه هو ما نأكله.

كيف تنتشر البذور وتنتقل عبر المسافات لكي تنتش؟

تشكل البذور أكانت عارية أم من ذوات الأغلفة وحدات انتقال. وهذه الواحدات متنوعة جداً وقادرة على استخدام كافة الوسائل للارتحال. فبفضل أغلفة غير نفوذة وبنى عوامة يستطيع بعضها الارتحال في مجاري الانهار على مسافات بعيدة. ومثال ذلك جوز الهند: فهذه النخيلية تعمر سواحل الحزام الاستوائي كله تقريباً. أما المنظومات التي اخترعتها هذه الوحدات من أجل الانتقال بالطيران فأكثر من أن تعد، كالأجنحة والأغشية والأهداب وغيرها. فالهندباء مثلاً لها عفرات ينتزعها الهواء من رؤيسات النبتة عند هبوبه. وهي تتميز بما يشبه المظلات مما يجعل أية نسمة هواء تحملها. وفي الحقيقة فإن النبتة هي التي تطلقها. وعند بعض أنواع الثمريات، مثل الوزال ، تقوم الثمرة في حالة الجفاف الشديد بالانفتاح وإطلاق محتواها بشكل فجائي. وأخيراً فهناك الكثير من الوحدات تلجأ إلى الحيوانات لكي تنتقل معها. فبعضها يتعلق بقوائم أو بجلد الحيوانات. وأشكالها مذهلة كالملاقط والخطافات والمخارز والسنانير وغيرها! وهي تتعلق أيضاً بأحذيتنا وتنتقل معنا. وتشكل الثمار كثيفةُ اللب جاذباً كبيراً لعدد هائل من الطيور والحيوانات التي تعيش على أطراف الغابات الرطبة الاستوائية، وهي تستهلك الثمار وتنقل البذور بطرق مختلفة. وأخيراً فقد لعب الانسان دوراً كبيراً في تدجين الزروع ونشرها منذ آلاف السنين.

هل يجب ان تنتش البذور بمجرد وضعها في التراب؟وهل هي تنتش دائماً؟

لا تنتش البذور بالضرورة بمجرد وضعها في التربة، ولا تنتش كلها في آن واحد. وليس من النادر العثور على بذور لم تنتش في التراب. فمثلاً لا تنتش كافة نوى الكرز البري بعد انتثارها على أرض الغابات لشهور طويلة ثم تعود فتنتش. والسبب أن بعض البذور تكون قد فقدت نهائياً قدرتها على الانتاش، في حين أن بعضها الآخر يلزمه شروط خارجية ملائمة، وإشارات خاصة من أجل الاستيقاظ من السبات ثم من اجل الإنتاش. وتحدد كافة هذه الشروط المكان والزمان المناسبين للانتاش وللنمو اللاحق للنباتات الصغيرة لنوع معطى. وبالمقابل لو وضعنا بذور الكرز البري في الشروط الملائمة للانتاش فإنها لن تنتش أيضاً. ونقول إنها في سبات أو نائمة! وهي لا تنتش إلا بعد أن تكون قد مرت بمرحلة طبيعية من البرد حتى تستجيب للحراة. فالبرد الشتوي هو الذي يرفع حاجز السبات هذا. ويتوافق ذلك مع تأقلم النبات مع المناخ المعتدل. فلو أنتشت بعض البذور في الصيف أو في الخريف فإن حظوظها ستكون قليلة في مقاومة صقيع الشتاء. وعلى العكس فإن بذور الصحارى تستيقظ في فصل الحر، مما يسمح للبذرة بألا تنتش إلا بعد الفصل الحار والجاف، أي في الشتاء الرطب.

كيف تستعيد البذور الحياة؟

إن آليات السبات والاستيقاظ والانتاش معقدة وتختلف من نوع إلى آخر. ولا يوجد حالياً أي تفسير عام ونهائي لهذه الأحداث الأساسية في حياة النباتات. وتجري حالياً أبحاث في التحليل المورثي لفك آلية التحولات الجنينية من سبات وانتاش. وتُحَدد عملية الانتاش بانها ظهور رأس الجذرخارج قشرة البذرة. وهي تتم عبر سلسلة محددة من العمليات. فهناك سبات عندما تكون أية مرحلة سابقة للنمو مجمدة. ويخضع الانتاش لضبط توازن هرمونين متعارضي التأثير يخضعان بدورهما لمعاملات الإيقاظ من السبات، كالبرد مثلاً. فالحمض أو الهرمون الذي يساهم في نضج البذور يحفظ هو نفسه السبات ويكبح الانتاش. ويكون بعض أنواع السبات متعلقاً بالقشرة. وبالتالي يتم الاستيقاظ في هذه الحالة ما أن يتم شق القشرة أو إحداث جرح فيها، الأمر الذي يمكن أن يحدث عن طريق التآكل أو التحلل. وثمة أنواع سبات جنينية سببها وجود حمض معين. فهي لا تستيقظ حتى عندما تُشق أغلفتها. وهذه هي حالة الكرز البري. أما متى بدأت عملية الانتاش، فإن النبتة الصغيرة الوليدة تستهلك غذاء البذرة. ثم ينغرس الجذر في التربة في حين يرتفع البريعم نحو الضوء. وتصبح الأوراق الفتية قادرة على التركيب الضوئي، وبذلك تكون النبتة قد اكتملت.

 

عن   Recherche, n 309, Mai, 1998

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •