الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

المجموعة الشمسية من منظور معاصر

تأليف

المهندس فايز فوق العادة

دار الفكر المعاصر - بيروت -  دار الفكر دمشق - 2002

 

          يضم الكتاب خمسة وعشرين فصلاً، كما يلي:

 الفصل الأول:    المجموعة الشمسية لهواة الفلك.

 الفصل الثاني:    علم الميكانيك السماوي.

 الفصل الثالث:    ما نعرفه عن الشمس.

 الفصل الرابع:    ما لا نعرفه عن الشمس.

 الفص الخامس:   عندما تموت الشمس.

 الفصل السادس:  كتلة من الحديد في جوار الشمس.

 الفصل السابع:    الزهرة توأم الأرض.

 الفصل الثامن:    أرضنا ذلك الكوكب المجهول.

 الفصل التاسع:    علاقة الأرض بالكون.

 الفصل العاشر:   البراكين والزلازل.

 الفصل الحادي عشر:      الطقس وحركات الأرض.

 الفصل الثاني عشر:        القمر والأرض.

 الفصل الثالث عشر:       القمر واستخداماته المستقبلية.

 الفصل الرابع عشر:       أصل القمر.

 الفص الخامس عشر:      لو لم يكن القمر موجوداً.

 الفصل السادس عشر:     اكتشاف الحياة على كوكب المريخ.

 الفصل السابع عشر:       المذنبات والكويكبات.

 الفصل الثامن عشر:       مركبة غاليليو تستكشف كوكب المشتري.

 الفصل التاسع عشر:       حلقات كوكب زحل وتابعه تايتان.

 الفصل العشرون:      قصة اكتشاف أورانوس ونبتون.

 الفصل الحادي والعشرون:          نبتون المحطة الأخيرة لفويجير.

 الفصل الثاني والعشرون:           كوكب بلوتو وتابع شارون.

 الفصل الثالث والعشرون:           الكوكب العاشر.

 الفصل الرابع والعشرون:           النفط في المجموعة الشمسية.

 الفصل الخامس والعشرون:         الارتحال الأعظم.

 

وهذه بعض الفصول الواردة في الكتاب:

 

  مقدمة

 

        لاحظ الأقدمون أن الأجسام السماوية تتظاهر في حركتها المباشرة وكأنها قد ثبتت إلى جسم صلب. إنها تحافظ على الأبعاد الفاصلة فيما بينها دون تغيير. لقد افترضوا، ولهم كل الحق في ذلك، أن الأرض هي المركز وأن ذلك الجسم الصلب يدور حولها جاراً معه الأجسام المثبتة إليه. سجل الأقدمون لدهشتهم شذوذات عن هذه القاعدة. كانت هناك أجسام تتجول على هواها على صفحة ذلك الجسم الصلب، لم يكن تفسير ذلك بالأمر اليسير أو الهين. نتطرق في متن الكتاب إلى ما رآه الأقدمون في تلك الشذوذات.

إن الأجسام الشاذة، وفق انطباعات الأقدمين، هي موضوع كتابنا، كانت تلك الأجسام: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل إضافة للشمس والقمر. أصبح المنظور المعاصر لتلك الأجسام مختلفاً تماماً. لم تعد الأرض هي المركز، كما توسعت الأسرة بإضافة أجسام أخرى تابعة لها اكتشفت فيما بعد.

لقد حاولنا مراجعة أحدث ما خلص إليه العلماء في سياق أبحاثهم الخاصة بهذه الأسرة الكونية الصغيرة، إنها أسرة مركزية بمعنى أن جسما ًهائلاً هو الشمس يتوسط الحيز من الفضاء الذي تشغله وهو يضم معظم مادة الأسرة. إن أي ناظر من بعيد لن يميز إلا الشمس بينما تغيب عنه كل أفراد الأسرة الآخرين نظراً لضآلتهم. إننا نقطن ركناً صغيراً من أركان الأسرة الشمسية هو كوكب الأرض.

¿¿¿¿¿¿

  كتلة من الحديد في جوار الشمس

إنه كوكب عطارد، تنحدر التسمية اللاتينية للكوكب Mercury من رسول الآلهة الرومانية سريع الخطى، ذلك أن عطارد بدا أسرع من كل الكواكب الأخرى، إنه الأقرب إلى الشمس، وهو ثاني أصغر جسم في المجموعة الشمسية، كما أن قطره أصغر بأربعين بالمئة من قطر الأرض وأكبر بأربعين بالمئة من قطر القمر، هذا إلى أن عطارد أصغر من غانيميد تابع المشتري وتايتان تابع زحل، لو خطا مستكشف على سطح عطارد لوقع على يابسة أبه بسطح القمر، لقد تعرضت تلال عطارد المتموجة والمغطاة بالغبار إلى حتٍّ مستمر بسبب القصف النيزكي المتواصل للكوكب، تصل مناسيب المرتفعات المحاذية للصدوع حتى عدة كيلومترات، وتمتد المرتفعات ذاتها لمئات الكيلومترات، إن سطح عطارد مرصّع بالفوهات، ويلاحظ المستكشف أن الشمس في سماء عطارد تكبر الشمس كما نراها من سطح كوكبنا بمرتين ونصف، وعلى الرغم من ذلك فسماء عطارد مظلمة على الدوام! لأن عطارد يعدم الغلاف الجوي الضروري لانتثار ضوء الشمس، فإذا حدق المستكشف في سماء عطارد يرى جسمين سماويين ساطعين، أحدهما بلون أبيض وهو كوكب الزهرة، والآخر بلون أزرق هو كوكب الأرض.

قبيل تحليق المركبة مارينر-10 لم يكن العلماء يعرفون الكثير عن عطارد، بسبب صعوبة متابعته من المراصد الأرضية، لا يبتعد عطارد أثناء الاستطالة العظمى بأكثر من 28 درجة بالنسبة لراصد من الأرض، لهذا السبب بالذات تستحيل رؤيته إلا في ساعات النهار أو قبيل الشروق مباشرة أو بعد المغيب بفترة بسيطة، عندما يرصد عطارد في الفجر أو الغسق يكون قريباً من الأفق إلى درجة أن الضوء القادم منه يقطع عشرة أضعاف المسافة عبر الغلاف الجوي للأرض التي يقطعها الضوء نفسه فيما لو وقع عطارد مباشرة فوق الراصد، لقد أتت معظم المعلومات التي نعرفها عن كوكب عطارد من المركبة مارينر-10، وقد أطلقت المركبة من الأرض يوم الثالث من تشرين الثاني من العام 1973، واقتربت من عطارد حتى 705 كيلومترات يوم التاسع والعشرين من آذار من العام 1974، عادت المركبة لتحلق في جوار عطارد للمرة الثانية يوم 21 أيلول من العام 1974، وللمرة الثالثة يوم السادس عشر من آذار من العام 1975، التقطت المركبة في المرات الثلاث أكثر من 2700 صورة غطت ما يتجاوز 45% من سطح الكوكب.

كشف دراسات مارينر-10 وجود مجال مغناطيسي لعطارد، يعني ذلك أن نواته مازالت منصهرة، وأن حركة ذرات الحديد فيها هي المسؤولة عن توليد المجال المغناطيسي، قد يعزى المجال المغناطيسي للكوكب إلى المغنطة المختلفة في صخوره والتي نشأت أصلاً بسبب المجال المغنطيسي القوي الذي امتلكه الكوكب إبان مرحلة تشكله الأولى، لا تتجاوز شدة المجال المغناطيسي الحالي لكوكب عطارد 1% من الشدة المناظرة للمجال المغناطيسي الأرضي.

تشير الكثافة العالية لكوكب عطارد والبالغة 5.44 غرام/سم3 إلى أن الحديد يدخل في تركيبه بنسبة 70% بينما تسهم السيليكات بنسبة 30%، وقد بينت الصور التي بثتها المركبة مارينر-10 من عطارد أن عطارد يشبه القمر فعلاً فهو مليء بالفوهات، وتنتشر على سطحه الأحواض متعددة الحلقات وتشكيلات من بقايا دفق الحمم البركانية، يتراوح امتداد الفوهات بين 100 متر وهي أعلى قدرة للحل في صور مارينر-10، حتى 1300 كيلومتر، وتختلف أعمار الفوهات بشكل جلي، فبعضها حديث العهد ذو حواف حادة وأشعة ساطعة صادرة عنها، وبعضها الآخر أصابها الحت بدرجات متفاوتة وغدت حوافها ملساء نتيجة الانهمار المستمر للنيازك الصغيرة، إن حوض كالوريس هو أكبر فوهة على سطح عطارد قد عرّفه الفلكيون على أنه منخفض دائري واسع تميزه حلقات متمركزة وأشعة نصف قطرية، على أية حال يذهب بعض الفلكيون إلى إطلاق اسم الحوض على أية فوهة يزيد قطرها عن مئتي كيلومتر، ويساوي قطر حوض كالوريس 1300 كم، وربما أنه نجم عن اصطدام قذيفة يزيد امتدادها عن 100 كم، تمخض الاصطدام عن حلقات جبلية متمركزة يصل ارتفاعها إلى ثلاثة كيلومترات وعن شظايا انتثرت فوق سطح الكوكب إلى مسافة 800 كم من موقع الاصطدام، لقد تجمعت الأمواج السيسمية الناجمة عن الاصطدام على الجانب الآخر من الكوكب وخلّفت قشرة سطحية عشوائية وغير منتظمة، صبت الحمم البركانية في الحوض بعد فترة وملأته بشكل جزئي.

تنتشر على عطارد مرتفعات عالية منحنية أو منحدرات منخفضة تشكلت لدى تبرد الكوكب وانكماشه، بعدة كيلومترات في ارتفاعها ومئات الكيلومترات في امتدادها.

إن معظم سطح عطارد سهلي من حيث المبدأ، يتميز هذا السطح بقدمه وبانتشار الفوهات عليه، وإن كانت بعض سهوله فقيرة بالفوهات، صنف العلماء سهول عطارد إلى قسمين: السهول بين الفوهات، والسهول الملساء. تتميز السهول الأولى بقلة إشباعها بالفوهات وبمحدودية امتداد الفوهة إلى ما دون 15 كم، تشكلت هذه السهول لدى سيلان الحمم البركانية وتغطية القشرة القديمة، أما السهول الملساء فهي حديثة العهد وكثافة الفوهات فيها منخفضة، نجد سهولاً ملساء في جوار حوض كالوريس، نلاحظ في بعض المناطق رقعاً من حمم ناعمة قد ملأت فوهات قديمة.

يشبه تاريخ عطارد التاريخ المناظر للأرض، تشكلت كواكب المجموعة الشمسية منذ ما يقرب 4500 مليون سنة، تميزت تلك الحقبة الموغلة في القدم بقصف مكثف لكواكب المجموعة الشمسية بينما كانت تغرف المادة والشظايا من السديم الأول لتكوين نفسها، أصيب عطارد أثناء ذلك بفصل تفاضلي عزل نواته المعدنية الكثيفة عن قشرته المصنوعة من السيلكيات، بعد انحسار القصف النيزكي سالت الحمم البركانية وغطت البنى القديمة، دخل عطارد بعد ذلك فترة قصف جديدة، لكنها أقل في شدتها، تشكلت السهول بين الفوهات إبان تلك الفترة، أخذ عطارد بالتبرد بعد ذلك، فتكسرت قشرته السطحية ونشأت المنحدرات المجعدة، في المرحلة الثالثة سالت الحمم البركانية على الأراضي الواطئة مخلفة السهول الملساء، قصف عطارد في المرحلة الرابعة بجسيمات صغيرة أدت إلى خلق سطح رملي ممتد، أما الحجوم الأكبر من المقذوفات فقد أسهمت بتكوين فوهات ذات أشعة ساطعة، بقي سطح عطارد إثر ذلك على حاله دون تغيير لملايين السنوات باستثناء بعض الارتطامات النيزكية الطارئة.

يبدو أن عطارد بيئة معادية لوجود المياه، لكن العلماء أطلقوا عام 1991 موجات راديوية صوب الكوكب ودرسوا أنماط ارتدادها، لكن هناك سطوع ملفت للنظر من القطب الشمالي لعطارد، لا يفسر ذلك السطوع إلا بوجود جليد الماء على السطح أو تحته! لم يستغرب العلماء ما وقعوا عليه، فعطارد يدور حول محور يتعامد تماماً مع مستوي مداره حول الشمس، يعني ذلك أن الشمس عند القطبين تبقى دائماً عند الأفق، وبالتالي فإن مساحات كبيرة من أعماق الفوهات النيزكية تبقى وبشكل دائم في منأى عن وصول الأشعة الشمسية إليها، لا شك أن بعض ما تشرب من ماء من باطن الكوكب أو ما خلفته اصطدامات المذنبات قد تجمع هناك في هيئة جليد سرمدي لا يتعرض للذوبان إطلاقاً، لربما يستفيد منه رواد الفضاء المستقبليون!!

نجمل فيما يلي بعض المعلومات الرقمية الخاصة بالكوكب:

الكتلة: 3.3x1023 كغ، نصف القطر: 2439.7 كيلومتر، الكثافة الوسطية: 5.44 غرام/سم3، زمن اللف الذاتي: 58.64 يوم، متوسط البعد عن الشمس: 57910000 كيلومتر، زمن الدوران حول الشمس: 87.9 يوم، السرعة المدارية: 47.88 كيلومتر/ثانية، تسارع الثقالة: 2.78 كيلومتر/ثانية2، سرعة الهروب: 4.25 كيلومتر/ثانية، درجة الحرارة الأعظمية: 427 درجة مئوية، درجة الحرارة الأصغرية: 173 مئوية (تحت الصفر).

أما الغلاف الجوي لكوكب عطارد فهو يتركب من العناصر التالية:

الغاز

النسبة المئوية

هليوم

42%

صوديوم

42%

أوكسجين

15%

عناصر أخرى

1%

 

¿¿¿¿¿¿

  الزهرة توأم الأرض

ما مدى تطابق كوكب الأرض مع كوكب الزهرة الذي يدعوه العلماء مثيل الأرض؟

          يساوي نصف القطر الاستوائي للأرض 6378 كم، أما نصف القطر الاستوائي للزهرة فهو 6051 كم، يبلغ حجم الزهرة 0.87 من حجم الأرض، وتكافئ كتلته 0.815 من كتلة الأرض، وبينما تعادل الكثافة الوسطية لكوكب الأرض 0.52 غ/سم3 تقع كثافة كوكب الزهرة بحدود 5.2 غ/سم3، إن التحرر من الجذب الثقالي للأرض يستلزم سرعة قدرها 11.2 كم/ثا، عند هذا الحد تنتهي المواصفات المتشابهة للكوكبين وتبدأ الاختلافات، تلف الأرض حول نفسها كل 24 ساعة واتجاه لفها كما هو معروف من الغرب إلى الشرق، بالمقابل تلف الزهرة حول نفسها من الشرق إلى الغرب مرة كل 244 يوم أرضي، إن الغلاف الجوي للزهرة أكثف بتسعين ضعفاً من الغلاف الجوي للأرض، ويتكون بمعظمه من غاز الفحم، ويكاد الأوكسجين أن يكون معدوماً فيه، أما في الغلاف الجوي للأرض فلا تزيد نسبة غاز الفحم عن 3% وتصل نسبة الأوكسجين إلى 21%، يعادل الضغط الجوي على الزهرة تسعين ضعفاً من الضغط الجوي على الأرض، وبينما تتحدد درجة الحرارة الوسطية على الأرض بثلاثين درجة مئوية ترتفع على كوكب الزهرة إلى 500 درجة، بما يكفي لصهر الرصاص. إن المحيطات المائية على الأرض تعدم أية نظائرها على الزهرة.

حاول العلماء الآن دراسة كوكب الزهرة بعمق أكبر علهم يفهمون لغز الاختلافات الجذرية بين كوكبين يبدوان للوهلة الأولى متماثلين في كل شيء، وجدت مركبات الفضاء التي حطت على الزهرة أن سطحه مكون بشكل رئيسي من فحمات الكالسيوم، لا غرو في ذلك فالحرارة العالية في كوكب الزهرة سرعان ما تفكك فحمات الكالسيوم لتطلق غاز الفحم في أجوائه، من هنا كانت النسبة الكبيرة لغاز الفحم في الغلاف الجوي للزهرة، تهطل الأمطار على الأرض بغزارات متفاوتة وتتكون بشكل أساسي من قطرات الماء، أما في الزهرة فالسحب بمجوعها مصنوعة من قطرات حمض الكبريت الكثيف الذي يستطيع إذابة كل ما عداه.

توقف العلماء عند هذه الحقائق في محاولة منهم لاستقراء مستقبل كوكب الزهرة، إن بمقدور حمض الكبريت وفحمات الكالسيوم الاتحاد فيما بينهما، ويمكن لهذا الاتحاد أن يخلص كوكب الزهرة من مخزونه من حمض الكبريت في غضون مليوني سنة من الآن نظراً للبطء النسبي لتفاعل الاتحاد، قد تبدو هذه المدة كبيرة بالمقاييس الإنسانية لكنها صغيرة بالمقاييس الكونية ذلك أن عمر مجموعتنا الشمسية يزيد الآن عن 4600 مليون سنة، وماذا لو رفدت مصادر مختلفة حمض الكبريت المتناقص على الزهرة! إن المدة المذكورة ستزيد ولا شك..

تشكل البراكين مصدراً رئيسياً لحمض الكبريت في كوكب الزهرة، إن كان النشاط البركاني على كوكب الزهرة بحدود 5% من النشاط البركاني على الأرض فإن معين الكبريت هناك لن ينضب لفترة طويلة جداً بالمقاييس الكونية، يبدو أن النشاط البركاني على الزهرة هو من القدر المذكور.

تتميز الأرض برقة قشرتها السطحية وبانقسامها إلى مجموعة من الصفائح تتحرك وتصطدم ببعضها، تعتبر هذه الظاهرة بمثابة صمام أمان لكميات الحرارة الدفينة في باطن الأرض، تجد الحرارة المشار إليها طريقاً آخر للانطلاق هو البراكين، أما على الزهرة فالقشرة السطحية سميكة جداً ولا يوجد منفذ لهروب الحرارة من باطنه، لا يجد العلماء ما يدعوهم للشك بأن الحرارة في باطن كوكب الزهرة تقل عن الحرارة المناظرة في كوكب الأرض، لعل هناك طريقة أخرى يلقي الكوكب بوساطتها بحرارته الداخلية خارجاً، على أية حال إن الموضوع يستوجب الكثير من الدراسة والتمحيص.

تساوي المسافة الوسطية بين الشمس والزهرة 108200000 كم، يميل محور الزهرة على مستوي مداره حول الشمس بزاوية قدرها 177 درجة، لم يستطع أحد أن ينفذ بمنظار أرضي عبر جو الزهرة الكثيف، واقتضى الأمر انتظار بزوغ عصر الفضاء كي تحل العقدة المستعصية لذلك الكوكب، إن استطاع شخص أن يقف على سطح كوكب الزهرة "ولن يستطيع ذلك أبداً" فسيرى الجانب الخلفي من رأسه بسبب الانعكاسات المتتالية للأشعة الضوئية في جو الزهرة بالغ الكثافة!!

اقتربت مركبات فضائية عديدة من كوكب الزهرة في فجر عصر الفضاء، إلا أن ما يهمنا هي النظرة الأولى التي ألقيت على هذا الكوكب عن كثب، كانت المحاولة الناجحة الأولى في هذا السياق هي إنزال المركبة فينيرا-4 عبر الغلاف الجوي للكوكب في غضون 94 دقيقة، وصلت المركبة حتى ارتفاع 25 كم من سطح الكوكب، وسجلت درجة حرارة قدرها 271 مئوية لغلاف الكوكب عند ذلك الارتفاع وحوالي 20 ضغطاً جوياً، كما بينت الحساسات المركبة عليها أن الغاز الغالب في الغلاف الجوي للزهرة هو غاز الفحم. قامت المركبتان فينيرا-5 وفينيرا-6 بعد ذلك بسبر ذلك الغلاف الجوي دون الوصول إلى سطح الكوكب وذلك في العام 1969، أما المركبة التي استطاعت أن تصل سطح الكوكب وأن تلامسه مجتازة كل الظروف بالغة الصعوبة السائدة في كوكب الزهرة فكانت المركبة فينيرا-7 التي أطلقت عام 1970، وسجلت آنذاك درجة حرارة عند سطح الكوكب قدرها 500 درجة مئوية، وضغطاً بحدود 90 ضغط جوي، يساوي هذا الضغط الضغط السائد عند عمق حوالي كيلومتر تحت سطح المحيطات على كوكب الأرض، بينما تكفي درجة الحرارة المذكورة كما أشرنا إلى صهر الرصاص والتوتياء. استطاعت المركبة فينيرا-8 عام 1972 تحقيق هبوط هادئ آخر على سطح الكوكب، وأرسلت  من وجهه المضيء معلومات هامة عن كثافة التربة وشدة إضاءة الشمس، تتالت مركبات فينيرا بعد ذلك، وشهد العام 1975 إطلاق المركبتين فينيرا-9 وفينيرا-10 صوب كوكب الزهرة أيضاً، تميزت كتلة كل من المركبتين بأنها كانت أكبر من كتل فينيرا السابقة، عند اقتراب كل من المركبتين من الكوكب حرفت مسارها بما يضعها على بعد 1600 كم عن سطح الكوكب ثم أطلقت دفعات نفاثة اوصلتها إلى مدار بيضوي حول الكوكب يستغرقها قطعه مدة يومين أرضيين، انفصل عن كل من المركبتين في الفترة التالية مسبر خاص دلف داخل الغلاف الجوي للكوكب وهبط بهدوء على سطحه في القسم المضيء الذي لم يكن مرئياً من الأرض آنذاك، عمل المسبران الهابطان والتابعان المتخلفان في مداريهما حول الكوكب بشكل متناغم بهدف إيصال المعلومات إلى الأرض، قدم التابعان معلومات خاصة بهما عن المجالات والجسيمات بالقرب من كوكب الزهرة، وكذلك عن الخصائص الطيفية والضوئية والحرارية لأعالي الغلاف الجوي للكوكب، لقد وضع كل من المسبرين اللذين هبطا هبوطاً ناعماً على سطح الكوكب ضن كرة مقاومة للحرارة قطرها 2.4 متراً، استطاعت حمايته حتى ارتفاع 65 كم عن سطح الكوكب، حيث بلغت سرعة الهبوط إذ ذاك 250 م/ثا، انفصلت الكرة الواقية بعد ذلك واستخدمت مظلات خاصة لإنجاز عملية الهبوط عبر 50 كم تالية، أخيراً سقطت المظلات وتابع المسبر هبوطاً حراً حط بعده بهدوء في مكان يبلغ الضغط فيه 90 ضغطاً جوياً، ودرجة الحرارة 500 درجة مئوية، عمل كل مسبر بعد ذلك مدة 53 دقيقة قبل أن يسحقه الضغط الهائل وتعصره الحرارة اللاهبة!! حمل المسبران معهما آلات تصوير تلفزيونية، وعلى الرغم من الكثافة الكبيرة للغلاف الجوي لكوكب الزهرة فقد بينت الصور المرسلة إضاءة على سطح الكوكب تكافئ إضاءة يوم غائم على الأرض، وبدت تفاصيل سطح الكوكب واضحة حتى بعد مئة متر عن موقع الهبوط، كانت منطقة الهبوط أشبه بصحراء صخرية مغطاة بصخور من أقطار مختلفة وصل بعضها إلى عشرة أمتار.

كان برنامج عمل المركبتين فينيرا-11 وفينيرا-12 اللتين أطلقتا عام 1978 مشابهاً لعمل المركبتين السابقتين، لكن المركبتين الجديدتين قامتا بدراسة الرعود والصواعق التي تحدث هناك بتواتر 25 مرة في الثانية، وأحصت فينيرا-12 ألف حادث مماثل، لقد حلقت غيمة شديدة الكثافة فوق المركبة فينيرا-12 لمدة 15 دقيقة، بينت الدراسات المتأنية لفينيرا-11 وفينيرا-12 ندرة الماء في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة ووفرة حمض الكبريت الذي كان لوجوده الدور الأكبر في إحداث العواصف الكهرومغناطيسية المذكورة.

شهد العام 1983 إطلاق المركبتين فينيرا-13 وفينيرا-14 حيث انفصل عن كل منهما منطاد كبير بقطر تسعة أمتار وحمولة من الأجهزة زنتها 30 كغ، حلق كل منطاد في الغلاف الجوي للكوكب مجتازاً معظم أجواء الكوكب في ستة أيام، درس كل منطاد الخصائص المميزة للغلاف الجوي المذكور، وكان موقعه يحدد بشكل مستمر من سطح الأرض وبخطأ لا يتجاوز خمسة أمتار.

نذكر أيضاً أن المركبة ماجلان التي أطلقت من مكوك الفضاء عام 1989 والتي حلقت حول كوكب الزهرة ودرسته من ارتفاعات متباينة باستخدام تقنيات مختلفة كالأمواج الرادارية وسواها، انتهت المركبة بعد دراسة شاملة للكوكب إلى الاحتراق والتحطم في غلافه الجوي وعلى سطحه الحار، كما يخطط العلماء لإطلاق مركبة دعوها إكسبرس الزهرة نحو الكوكب في صيف العام 2005، لتدرس مجاله المغناطيسي وحزاماً عريضاً من الطيف الكهرطيسي لغلافه الجوي، ويأمل العلماء باستخدام المعلومات التي ستبثها المركبة أن يكتشفوا الآليات التي تؤدي إلى تغيير الطقس مثل فعل الدفيئة الزجاجية وانقشاع طبقة الأوزون والمطر الحامضي.

¿¿¿¿¿¿

  علاقة الأرض بالكون

ينتمي نجمنا الشمس إلى تجمع نجمي كبير يضم أكثر  من مئتي ألف مليون نجم يعرف باسم مجرة درب التبانة، تقع الشمس ومعها أرضنا على بُعد حوالي 30 ألف سنة ضوئية عن مركز المجرة المذكورة، هل يقلل هذا البُعد الكبير لأرضنا عن مركز المجرة من احتمال أن تصيبنا الأحداث الكونية على صعيد المجرّة بنتائجها الكارثية.. لقد دارت الشمس ومعها الأرض حول مركز المجرة 20 دورة منذ نشأة المجموعة الشمسية، لم يستطع أي نجم أن ينهي الأسرة الشمسية بانفجار أثناء ذلك.. نستطيع أن نصوغ استناداً إلى ذلك استنتاجاً مباشراً مفاده أن الأذى لن يلحق بتلك الأسرة جراء انفجار النجوم في غضون المدة المتبقية من حياة الشمس، على الأقل في مدى مئة سنة ضوئية من الشمس، إذا شبهنا المجرة بمدينة ضخمة صاخبة فإن الأرض تقع في ضاحية هادئة منها، يبدو هذا للوهلة الأولى أنه صحيح، إلا أن قليلاً من التأمل يجعلنا نعيد النظر بهذه الطريقة من التفكير.. يدفع مركز المجرة شظايا انفجارات هائلة تحدث في باطنه مرة كل 500 مليون سنة، تساوي كتل هذه الشظايا حوالي مئة ألف ضعف كتلة الشمس، لا تفلت الأرض من أثر هذه الانفجارات التي تصل الغلاف الجوي في هيئة أشعة غاما عالية الطاقة والتي تسهم بقسط وافر بتخريب طبقة الأوزون في أعالي الغلاف الجوي، تلك الطبقة التي تحمي الحياة من الأثر القاتل للأشعة فوق البنفسجية، أما النجوم البعيدة فإن لانفجارها الشديد أثر سيء أيضاً، لو كان النجم على بعد 100 سنة ضوئية لوصلت طاقة انفجاره إلى الأرض بعد حوالي 200 عام، في شكل حزم من الأشعة الكونية عالية الطاقة والتي تسيء بدورها إلى طبقة الأوزون، تلعب المجالات المغناطيسية دوراً في إبطاء وصول نواتج الانفجارات النجمية إلى الأرض، يمتص كل إنسان طاقات عالية ضارة بسبب الكوارث الكونية، في حالة الانفجارات التي أشرها إليها يصل مجموع ما يمتصه جسم الإنسان من الطاقة الضارة أثناء حياته بسبب الأشعة الكونية وأشعة غاما القادمة من قلب المجرة إلى حوالي 1000 جول، وقد يتم تجاوز هذا الرقم في حالة الكوارث الكونية الكبرى، أما ما يصل من تلك الطاقة الضارة إلى أعالي الغلاف الجوي فيساوي حوالي ألف مليون مليون مليون جول، إن كان الكون آخذاً بالتمدد فلِمَ لا يتمدد معه كل شيء على غراره؟ أرضنا مثلاً: هل يطالها التمدد أيضاً؟ ما موقف العلماء من هذا الموضوع؟ لقد درس الموضوع فعلاً وعُزي إلى انخفاض في الثابت العام للجاذبية، بدأت الدراسة بملاحظة بعض الشذوذات الطفيفة في حركة القمر، اكتشفت الشذوذات المذكورة بمراجعة سجلات الخسوف المحفوظة منذ 1680 م، والتي اعتمدت وحدة زمنية مشتقة من الحركة الظاهرية السنوية للشمس، دخل الزمن الذرّي إلى حيّز الاستخدام منذ العام 1955م، يرتكز الزمن الذري على دور اهتزاز ذرة السيزيوم الذي يُفترض أنه دور ثابت، تحوّلت دراسة مختلف الظواهر ومنها الظواهر القمرية إلى الزمن الجديد منذ ذلك التاريخ.

لدى مقارنة المعلومات القديمة بنظائرها الجديدة تبين وجود فارق بين الزمنين المشار إليهما يرقى حتى 25 ثانية كل قرن، كان الافتراض الخاص بانخفاض الثابت العام للجاذبية أول الافتراضات المطروحة في سياق تفسير هذا الفارق، وقد قدّر الانخفاض بثمانية أجزاء من مئة ألف مليون جزء في السنة، تترتب على هذا الافتراض نتيجة تفيد أن الأرض تتمدد، لا بل يذهب بعض العلماء إلى القول أن التاريخ البيولوجي الطويل للأرض يثبت ذلك، إن كان هناك انخفاض فعلي في ثابت الجاذبية فسيطال التمدد مدارات الكواكب حول الشمس، ومدارات التوابع حول كواكبها أو تابع حول جسمه المركزي، ينجم بعض هذا التمدد الجديد عن قوى المد الثقالي الفاعلة في داخل هذه المنظومات، لذا  فإن إثبات التمدد الجديد لا يمكن أن يحقق عالم يعزل هذا الجزء من إجمالي ظاهرة التمدد، أكد بعض الفلكيين أن نصف قطر مدار القمر يزداد بأربعة سنتمترات في السنة، وإن هذه الزيادة لا علاقة لها بالمد الثقالي، ذلك أن المد الثقالي يعمل كذراع كبيرة ترطم القمر فتبعده عن الأرض وتزيد من نصف قطر مداره، إن فصل الأثرين وتبيان كل منهما على خلفية مستقلة هو عمل شاق ولا شك لكنه ليس مستحيلاً من حيث المبدأ.

هل يمكن ربط تمدد كوكب الأرض والمدارات المختلفة مع التمدد الكلي للكون؟

يرتكز تمدد الكون على ما يعرف بثابت هبل الذي يقيس معدل التمدد مقدراً بالكيلومتر في الثانية لكل وحدة مسافة كونية هي الوحدة المعروفة بالميغا بارسك والتي تساوي ثلاثة ملايين ومئتان وستين ألف سنة ضوئية، هكذا إن تمدد الكون يمط كل مكان في الكون بالغاً ما بلغت ضآلته بما في ذلك الأمكنة التي تشغلها الجزيئات المكونة لجسم كوكب الأرض، وكذلك الفضاءات الفاصلة بين الكواكب والنجوم والمجرات، من ذلك مثلاً أن القمر يبتعد عن الأرض بتأثير فعل هبل بمعدل أربعة سنتمترات في السنة، بينما المعدل الكي لهذا الابتعاد هو 13 سنتمتر في السنة، هل يعني ذلك أن أثر هبل في تفريق الأرض عن القمر يصل إلى ثلث سرعة الابتعاد الكلي للجسمين، يظهر الأثر التمددي الشامل لهبل كفعل كوني كلي لا يمكن تفسيره بشكل مباشر بسيط، عندما تحدث هبل في عشرينيات القرن الماضي عن الأثر المذكور إنما فعل ذلك على خلفية أرصاد كثيرة أجراها وخلص منها إلى قانون تجريبي يربط سرعات ابتعاد الأجسام الكونية عن بعضها بالمسافات الفاصلة بينها عبر الثابت الذي عرف فيما بعد بثابت هبل، إلا أن هبل لم يقصد آنذاك المعنى العميق الذي أسقط مؤخراً على ثابته والذي يجسد تمدد الفضاء بحد ذاته، يتعلق الأمر هنا بتناضد جملة من الآثار المعقدة مثل تقلص وحدة القياس وتمدد الأزمنة وفق النسبية الخاصة وتباطؤ الأزمنة العامة، ولربما تخليق أنماط جديدة من المادة وانتشار مجالات ثقالية لم تكن موجودة سابقاً، إن الحسابات المباشرة البسيطة قد تعجز عن إقرار أو دحض مثل هذا الافتراض، من ذلك مثلاً ما حاوله بعض العلماء لدحض الافتراض، لقد ذهبوا إلى أن تناقص ثابت الجذب الثقالي هو تناقص خطي، وحسبوا استناداً إلى ذلك بعض الكميات مثل السرعة الزاوية للأرض وكمية الحركة للأرض والقمر والمشتقات الزمنية لها، ثم انتهوا إلى أن معدل التغير الزمني لنصف قطر الأرض هو صفر، أي أن الأرض لا تتمدد.

¿¿¿¿¿¿

  حلقات كوكب زحل وتابعه تيتان

تلفت حلقات زحل النظر إليها على نحو خاص، إنها تشكل منظراً أخاذاً للراصد الفلكي، قد ترى هذه الحلقات من حافتها، وقد تظهر قبالة الناظر وفق ميل خط النظر بالنسبة للكوكب، إن مسألة نشأة هذه الحلقات هي من القضايا الأساسية في دراسة كوكب زحل، تتداخل الفوهات الناجمة عن صدم القذائف الكونية لسطح كوكب ما إلى أن يغدو السطح مشبعاً بتلك الفوهات، ما الذي يحدث لو أن القذائف استهدفت تابعاً صغيراً كقمر المريخ فوبوس الذي لا يتجاوز امتداده 24 كيلومتراً، أو قمر زحل ميماس الذي يساوي قطره أربع مئة كيلومتر، تتجمع هذه الفوهات الصغيرة أولاً حتى درجة الإشباع، يزداد الاحتمال بعد ذلك بأن يصبح التابع هدفاً لقذيفة كونية بإمكانها حفر فوهة أكبر من التابع نفسه، لن تكون نتيجة عملية الصدم هذه فوهة وحسب، بل سيتطاير التابع وسيتحول إلى شظايا لا تلبث أن تتراصف لتطوف بالكوكب في شكل حزام من الأجسام الصغيرة، أيعقل أن تكون حلقات زحل في الأصل تابعاً حولته قذيفة كونية إلى مجرد بقايا؟ إن أول ما يخطر على الذهن هو أن تكون الحلقات تكونت جراء تفتت تابع قديم لزحل، أو لعل الحلقات تابع فشل في التجمع، بيّنت صور فوبوس فوهة ضخمة تمتد عبر نصف التابع، تنطلق من تلك الفوهة وديان لا مثيل لها في باقي أرجاء المجموعة الشمسية، لربما أن كويكباً ضخماً قد صدم فوبوس، وأن الوديان المذكورة هي صدوع خلّفها الاصطدام، لو أن الكويكب كان أكبر قليلاً لتفتت فوبوس وتحول إلى قطع متناثرة، أظهرت الحسابات أن حصول ذلك كان سيخلق حلقات لكوكب المريخ، لكن تلك الحلقات لم تكن لتدوم طويلاً بالمقاييس الزمنية الكونية، إذ ستتجمع مادتها مكونة تابعاً جديداً فيما بعد.

في اليوم الثاني عشر من شهر تشرين الثاني من العام 1980 عندما التقت مركبة فويجير كوكب زحل  للمرة الأولى بثت آلات التصوير لقطات لميماس، وقد علته فوهة يساوي قطرها ثلث قطر التابع، أما التابع تيش فقد احتلت فوهة واحدة أربعين بالمئة من امتداد التابع.

قد يتساءل القارئ وما شأن حلقات زحل بكل ما تقدم؟ لقد برزت نظرية جديدة تتناول حياة الأقمار والتوابع في المجموعة الشمسية ترى تلك النظرية أن الأقمار والتوابع تتشظى وتتشكل في إيقاع مستمر، أما التشظي فيعزى إلى القذائف الكونية، تصنف القذائف الكونية في نوعين: هناك الكوكبات والنيازك التي تصدم الكواكب الداخلية وتوابعها حتى كوكب المريخ، وهناك المذنبات التي تُعد الكواكب الخارجية وتوابعها مجالاً حيوياً لها، أما التشكل فيرد إلى الجذب الثقالي للكوب الآسر للتابع، لقد أجريت حسابات أشبه بالحسابات التي تمت في حالة فوبوس تناولت الحسابات هذه المرة المسألة من منظورها العام، وأتت النتيجة مطابقة للحالة الخاصة، تُفتت القذيفة الكونية التابع محوّلة إياه إلى حلقات لا تلبث الحلقات أن تتجمع في هيئة تابع من جديد، يتركّز الخلاف بين الحالات الخاصة في المدد الزمنية التي تلزم لإعادة بناء الحلقات في تابع، كلما الحلقات أقرب للكوكب كلما كانت أكثر عرضة لقوى المد الثقالي الهائلة للكوكب، ولتأخرت بالتالي عملية التشكل التالية للتابع، إن صح هذا التصور فلا شك أن حلقات زحل ستكون قديمة نسبياً، تؤكد هذا القدم نظرية أخرى تفيد بشمولية القصف النيزكي والمذنبي لأفراد الأسرة الشمسية، تلعب الكواكب الخارجية دوراً أساسياً في تسديد القذائف الكونية وتوجيهها على نحو خاص صوب توابعها، وحتى صوب التخوم الداخلية للمجموعة الشمسية، يكون اقتراب المذنبات من أرضنا أحد نتائج هذا التسديد، بقي أن نقول إن النظرية الجديدة تجد تأييداً لها في صور التوابع الكثيرة للكواكب الخارجية، تبدو بعض هذه التوابع خالية من الفوهات، الأمر الذي يعني أن هذه التوابع حديثة العهد وأن تعرضها للقصف كان أقل بسبب أعمارها الصغيرة وفق المقاييس الزمنية الكونية.

إن لزحل توابع كثيرة، لكن العلماء يهتمون بأحد توابعه تيتان على نحو خاص، اكتشفت المركبة فويجير أن تيتان محاط بغلاف جوي كثيف وأن قطره يتجاوز خمسة آلاف كيلومتر، يتكون الغلاف لتيتان بشكل رئيسي من الآزوت والميثان، لا يتأثر الآزوت بأشعة الشمس التي تتدفق بعيداً عن زحل، لكن هذه الأشعة التي تقطع عشرة أضعاف المسافة الفاصلة بين الأرض والشمس لتصل زحل تؤثر في ذرات الفحم والهيدروجين وتدفعها إلى الاتحاد ببعضها لتكوين الميثان ومركبات هيدروكربونية أخرى تملأ الغلاف الجوي لتيتان بضباب كثيف، لقد عجزت آلات التصوير المحمولة على متن فويجير من اختراق الغلاف الجوي لتيتان ولم تبين الصور المرسلة إلا حزاماً باهتاً من ضوء خافت يلف التابع، لجأ العلماء بعد ذلك إلى إرسال حزم من الأشعة الميكروية صوب تيتان وانتظار ارتدادها عنه بهدف اكتشاف طبيعة سطحه، لو كان تيتان مجرد كرة صماء لوجب ألا يحدث أي تغيير على الحزمة المرتدة وأن تطابق في مواصفاتها الحزمة المرسلة، إن أي طارئ على الحزمة المرتدة سيعني أن تيتان يدور حول نفسه بسرعة معينة، إن كان سطح تيتان غير متجانس وغير منتظم لعانت الموجة المرسلة من درجة معينة من الانتشار قبل ارتدادها، ترتبط درجة الانتثار هذه بنسبة عدم الانتظام وعدم التجانس على سطح تيتان، كان العلماء قد درسوا سطح كوكب الزهرة بإرسال موجات مماثلة، لكن إرسال الموجات صوب تيتان كان يعني أمراً مختلفاً، إن المسافة الفاصلة بين تيتان وبين الأرض تساوي خمسة وثلاثين ضعفاً المسافة الفاصلة بين الزهرة والأرض، مما يجعل الموجة المرتدة عن تيتان أضعف باثني عشرة مرة من الموجة المرتدة عن الزهرة.

كان لابد من تصنيع آلات خاصة لتحقيق الهدف الخاص بإرسال موجات ميكروية صوب تيتان، وفي حزيران من العام 1989 أرسل العلماء الموجات الميكروية الأولى نحو تيتان وتلقوا أصداءها، كانت تلك الأصداء أضعف ما تعامل به العلماء على الإطلاق.

يلف تيتان حول نفسه مرة كل ستة عشرة يوماً، لذا أرسل العلماء ثلاث حزم أيام 3 و 4 و 5 حزيران 1989 وارتطمت الحزم بمناطق مختلفة من تيتان وعادت مرتدة نحو الأرض. كانت الحزمتان المرسلتان يومي 3 و 5 حزيران ضعيفتين جداً عند ارتدادهما عن سطح تيتان وكأنهما انعكستا عن سطح سائل. أما حزمة الرابع من حزيران فكانت بالغة القوة مما دعا العلماء إلى افتراض أنها أصابت سطحاً صلباً كاليابسة على سطح الأرض، خلص العلماء من هذه التجربة المثيرة إلى نتيجة مثيرة مفادها أن تيتان هو الجسم الوحيد في المجموعة الشمسية الذي يماثل كوكب الأرض من حيث تناوب التكوينات السائلة والصلبة على سطحه، يعني ذلك أن تيتان مكون من قارات وبحار ومحيطات، هذا على الرغم من أن التركيب الكيميائي لمكوناته يختلف اختلافاً جذرياً عن التركيب الكيميائي لتشكيلات كوكب الأرض، قد تكون البحار والمحيطات في تيتان من الآزوت السائل أو من الميثان السائل، لكنها ليست من الماء بشكل أكيد!

يرجح العلماء أن الميثان السائل هو المركب الرئيسي في محيطات وبحار تيتان، وماذا عن قارات تيتان؟ هل هي من الصخور المألوفة أم أنها من الجليد وغاز الفحم المتجلد؟ كيف يبدو زحل لناظر من سطح تيتان؟ لربما أن الحمرة تلف التابع في جوّه ومحيطاته وقاراته. لذا يرى الناظر كوكب زحل معلقاً في سماء حمراء كما يشاهد خياله في بحيرة حمراء من بحيرات تيتان!

إن ما يهم حقاً هو تماثل البنية الكيميائية الحالية لتيتان مع البنية الكيميائية القديمة لكوكب الأرض إبان تشكله منذ 4600 مليون سنة، لن يُقدر للتطورات التي طرأت على كوكب الأرض أن تتكرر في حالة تيتان إن لم يكن لسبب فلأن المسافة الفاصلة بين تيتان والشمس كبيرة جداً، لا يعني ذلك أن تيتان سيعجز في المستقبل عن إيواء نمطٍ ما من أنماط الحياة.

¿¿¿¿¿¿

  الكوكب بلوتو وتابعه شارون

إن بلوتو أبعد كوكب معروف في المجموعة الشمسية، اكتشفه كلايد تومبو في 18 شباط من العام 1930 وذلك بفحص صور مختلفة أعدت خصيصاً للبحث عن  الكوكب، كان برسيفال لويل وبيكرينغ وآخرون قد توقعوا وجود كوكب تاسع بالاستناد إلى حسابات شبيهة بالحسابات التي أدت إلى اكتشاف الكوكب نبتون، باختصار أشارت الاضطرابات في مدار نبتون إلى ضرورة وجود كوكب آخر تنشأ الاضطرابات بسببه لعد اكتشف بلوتو في الموقع الذي حدده العلماء لكن المفاجأة الكبرى هي أن كتلة الكوكب المكتشف كانت أقل بكثير من الكتلة التي افترضت في سياق الحسابات النظرية بالتالي إن بلوتو ليس السبب الرئيسي في اضطراب حركة نبتون!!

يبلغ البُعد الوسطي لبلوتو عن الشمس 5900 مليون كم وينجز بلوتو دورة واحدة حول الشمس في 248.4 سنة بسرعة تساوي 4.7 كم في الثانية، ولا يُرى بلوتو إلا بالمراصد الكبيرة، وتدل التغيرات الدورية في إشعاعه على أن سطحه مغطى بلطخ عاتمة وأخرى ساطعة، كما تحدد مدة للفة حول نفسه تبلغ 6.4 يوم، إنها أطول فترة لف لأي من الكواكب العملاقة بدءاً من المشتري وهي قريبة من مدة دوران تريتون حول نبتون.

يذهب بعض العلما تبعاً لذلك إلى تصور أن بلوتو نفسه كان قد أسر من قبل نبتون وأن اصطداماً عنيفاً بتريتون حرره من ذلك الأسر.

اكتشف الفلكيون عام 1978 تابعاً لبلوتو أسموه شارون، إن لشارون مداراً متزامناً، يعني ذلك أن مدة دوران التابع حول بلوتو هي ذاتها المدة اللازمة للف بلوتو حول نفسه، خلص العلماء من هذا الاكتشاف إلى أن كتلة بلوتو تعادل تقريباً سبع كتلة قمر الأرض أما كثافة بلوتو فهي 1غ/سم3 وقطره لا يتجاوز 4000 كم، أما قطر شارون فهو 1270 كم

ويختلف بلوتو عن الكواكب الصخرية القريبة من الشمس، ففي حين تبلغ كثافة قمر الأرض 3.3غ/سم3 وهي كثافة تتسق مع بنية أساسية من السيليكات، أما بلوتو فلا شك أنه مبني من المواد المتجلدة كما تدل على ذلك حزمة امتصاص الأشعة تحت الحمراء للميثاق المتجلد، إن وجود غاز الميثان في بلوتو هو أمر محتمل، وفي حالة وجوده لاشك سيكون في إطار توازن حراري مع الميثان المتجلد في درجة حرارة تنخفض عن 240 درجة تحت الصفر المئوي.

يعتقد العلماء بوجود غاز أثقل كالآزوت أو الآرغون يمنع الميثان من التسرب إلى الفضاء الكوني. طبعاً مازال بلوتو بحاجة لدراسات متأنية وطويلة للكشف عن أسراره!!

¿¿¿¿¿¿

  النفط في المجموعة الشمسية

       إن هناك سبعة توابع كبيرة في المجموعة الشمسية يُصنف القمر أحد تلك التوابع، لا يملك القمر غلافاً جوياً ذلك أن صغر كتلته لا يمكنه من الاحتفاظ بمثل هذا الغلاف، ناهيك عن أن تعرضه الدائم لحرارة الشمس الكبيرة ينفي إمكانية نشوء أي غلاف جوي حوله، ذلك أن المقدرة على توليد الغلاف الجوي تضعف مع ازدياد درجات الحرارة، إذا تحركنا بعيداً نحو المشتري نجد أربعة توابع كبيرة لكنها صغيرة وغير باردة إلى الحد الذي يسمح بوجود غلف جوية حولها. إن التابع الأهم هو تيتان الذي يطوف حول زحل على بعد 3000 مليون كم عن الأرض، اكتشفت المركبة فويجير2 عند مرورها بالقرب من تيتان عام 1981 وجود غلاف جوي كثيف يلف التابع ويتكون بشكل رئيسي من الميثان والآزوت، إن التحقق من وجود الآزوت باستخدام المراصد الأرضية فقط هو أمر بالغ الصعوبة، إن الآزوت من الغازات الخاملة، لذا يعتقد العلماء أنه يبقى هناك في منأى عن أي تغيير ولفترة طويلة، من جانب آخر تؤثر الأشعة الشمسية في جزيئات الميثان فتفككها وتعيد تكوينها من ثم في هيئة مركبات أخرى، يمتلك جزيء الميثان في الأصل ذرة فحم واحدة لكن الأشعة الشمسية تستطيع إعادة تشكيله بإضافة عدد من ذرات الفحم إليه. يبقى الميثان والآزوت في الحالة الغازية عند درجة حرارة تيتان، لكن الجزيئات الأعقد تتحول ولا شك إلى سوائل، تبعاً لما تقدم لا يستبعد العلماء أن تتواجد على سطح تيتان وتحت غلافه الجوي الكثيف بحيرات وأنهار وحتى محيطات من جزيئات أعقد من الميثان كالإيثان مثلاً، الذي يضم ذرتي فحم في كل منه أو كالبروبان الذي تدخل ثلاث ذرات فحم في كل جزيء من جزيئاته، لربما أن هناك جزيئات بعدد أكبر من ذرات الفحم! وفي حالة وجودها تتجمع في تكوينا صلبة بسبب الانخفاض الكبير لدرجات الحرارة عند سطح تيتان، لكن مزيج الإيثان والبروبان السائل سرعان ما يحلّها، نخلص مما تقدم إلى أن الغلاف الجوي لتيتان يحجب عنه محيطاً هائلاً من الغازولين يفوق باحتياطه كل الآبار النفطية على الأرض!!

       التابع الأخير والكبير وهو تريتون الذي يدور حول نبتون، إن لتريتون غلافاً جوياً لكنه أرق من غلاف تيتان ويشابه في بنيته البنية المناظرة لتيتان، أما عن استثمار تلك الثروات النفطية فهو ليس أمراً اقتصادياً على الإطلاق كأن نجلب الغازولين من تيتان على بُعد 3000 مليون كم! أو من تريتون على بُعد 4500 مليون كم!! فناقلات النفط الفضائية مستهلكة وغير مجدية، ناهيك عن أن جلب الغازولين من خارج الأرض واستخدام الأوكسجين الأرضي لحرقه سيفضي ولا شك إلى إخلال كبير بالتوازن البنيوي لكوكبنا، ويكفي أن حرق النفط الأرضي قد وصل بالبيئة الأرضية حدوداً حرجة حقاً! إن الرحالة المستقبليين لن يلجؤوا إلى النفط مصدراً للطاقة، وهم إن أقاموا في جوار زحل أو نبتون فلن يفيدوا من الغازولين المتوفر في تيتان أو تريتون مصدراً للطاقة، إن الاندماج النووي هو المصدر الأساسي لهؤلاء الرحالة، ولكن وقود الاندماج النووي هو الهيدروجين لذا قد يلجأ الرحالة المستقبليون إلى الغازولين في تيتان أو تريتون لتفكيكه والحصول على الهيدروجين، ولا بد من الإشارة إلى أن الحاجات البنيوية لأولئك الرحالة  ستتجسد بضرورة توفر الآزوت والفحم وحتى بعض المركبات العضوية الأخرى التي يقدمها تيتان وتريتون بكميات كبيرة.

¿¿¿¿¿¿

  الارتحال الأعظم

أطلقت المركبة فويجير-2 من الأرض في 20/8/1977 وتبعها فويجير-1 في الخامس من أيلول من العام نفسه، مرت فويجير-1 بالقرب من زحل في الثاني عشر من تشرين الثاني من العام 1980 وتوجهت بعد ذلك صوب الحدود الخارجية لمجموعتنا الشمسية، أما فويجير-2 فقد اندفعت نحو أورانوس ونبتون، تبحر المركبتان الآن بسرعة تصل إلى مليوني كيلومتر في اليوم بهدف بلوغ نطاق الصمت الشمسي، إن مساري المركبتين مختلفان تماماً فبينما يقع مسار فويجير-1 إلى الشمال من الشمس، ترسم فويجير-2 مسارها المناظر أي جنوب الشمس، أما نطاق الصمت الشمسي فهو ذلك في الحيز من الفضاء حيث تستبدل الجسيمات الأولية والمجالات المغناطيسية المنتمية إلى مجموعتنا الشمسية بجسيمات ومجالات ذات أصول كونية، لقد وقعت مركبتا فويجير في العام 1992 على إشارات راديوية بالغة الشدة يعتقد أنها ناجمة عن صدم الريح الشمسية لذرات الغازات الكونية، تجاوزت استطاعة الإشارات مليون مليون واط، وأمكن بواسطتها حساب المسافة الفاصلة بين الشمس وبين نطاق الصمت الشمسي، والتي تبين أنها تساوي مئة ضعف المسافة الفاصلة بين الشمس والأرض، وفق تقديرات العلماء ستخترق فويجير-1 نطاق الصمت الشمسي متسللة إلى الفضاء الكوني في العام 2010 إن بقيت مصادر الطاقة النووية للمركبة على حالها فإن العلماء على الأرض سيتلقون أنباء مثيرة عن ذلك الاختراق.

لا يعني كل ما تقدم أن المركبتين ستفلتان من قبضة الجذب الثقالي للشمس في وقت قريب، تصور العلماء لفترة قصيرة أن الأمر سيحدث في غضون قرنين، لكن الحسابات الدقيقة تؤكد أن المركبتين لن تتحررا تماماً من جذب الشمس إلا بعد عدة مئات تالية من القرون، ستبحر المركبتان عبر سحابة أورت للمذنبات بعد أكثر من 20000 سنة، يبدأ عندها الطور الثاني من عمل المركبتين، حيث ستتجول المركبتان في الفضاء الفسيح الهادئ الصامت والمظلم، ولن يعكر صفوهما أي حدث ملف للنظر، ستقتربان من مركز المجرة وتدوران حوله لعدة آلاف من ملايين السنين دون توقف.

تعتبر مركبتا فويجير رسالتين من حضارتنا تعكس كل منهما السوية التي استطاع علماء الجنس البشري بلوغها، لكن العلماء لم يكتفوا بذلك، فلا بد من إيضاح خصائص هذا الجنس، هكذا حمل العلماء كلا المركبتين رسالة على هيئة تسجيل مكثف على قرص من الذهب الخالص وضع في حاوية من الذهب الخالص أيضاً، تضمن كل قرص تحيات مكررة باستخدام تسع وخمسين لغة من لغات البشر وإحدى لغات الحيتان وتسجيل بشري مدته اثنتي عشرة دقيقة لإرهاصات بشرية متباينة منها صرخة وليد، كما تم ترميز 116 صورة عن المدنية المعاصرة وضغطها على كل قرص، احتوى كل قرص أيضاً على تسجيل مرمز مدته 90 دقيقة لأهم الإنجازات الموسيقية التي أبدعها الجنس البشري، فكانت هناك مقطوعة موسيقية تعود إلى ثلاثة آلاف سنة وأخرى تمثل زفافاً شعبياً عند الشعوب القديمة التي قطنت البيرو، وضعت على كل قرص مقطوعات لبيتهوفن وموتسارت وسترافنسكي وسواهم، من سيتلقى هذه المعلومات يا ترى؟ هل يوجد أصلاً من سيقع عليها؟ ....وإذا وجد فإن بنيته المعرفية وطابعه الوجودي لن يتطابقا مع بنيتنا وطابعنا! وهل يجوز أن نستخدم ضمير (هم) للدلالة عليهم؟ ماذا ستعني التحيات بالنسبة إليهم؟

إن انتهى الجنس البشري بانفجار الشمس فإن فويجير ستكون الدليل القوي على أنه وجودنا، والأرجح أن حضارات أخرى ستبرز في مجرتنا ولعلها ستلتقي بفويجير وتفك ألغاز رسالتها، لكن دون أن تتمكن من مواجهة المرسلين! ماذا لو أزفت نهاية مجرة درب التبانة وتفتت كل الحضارات فيها؟ ستكون الصورة إذ ذاك قاتمة! فالمجرة ملآى بفويجير ونظائرها لكن لا يوجد مرسلون ولا مستقبلون!!

غدت فويجير-1 الآن على مسافة أكثر من 70 وحدة فلكية عن الشمس، تساوي الوحدة الفلكية متوسط بعد الأرض عن الشمس أي حوالي 150 مليون كم، إنها أبعد ما أرسله الإنسان من موطنه الأصلي: الأرض، إن الأوامر المنطلقة إلى المركبة بسرعة الضوء تبلغها بعد حوالي تسع ساعات ونصف، أما زمن الرسالة الجوابية من المركبة إلى الأرض فهو أكبر بقليل بسبب الابتعاد المستمر للمركبة، مازالت أجهزة المركبتين تعمل على نحو فعال، عند اختراق المركبتين لنطاق الصمت الشمسي يبقى الأثر الثقالي للشمس أساسياً في توجيه المركبتين، إن المصدر الرئيسي للتوجيه الذي ستفقده المركبتان إذ ذاك هو ضوء الشمس، ذلك أن المركبتين تستخدمان هذا الضوء للتعرف على الشمس وإرسال المعلومات بالتالي إلى الأرض، تبدو الشمس بالنسبة للمركبتين على هذه المسافة الهائلة مجرد نجم مثل نجوم المجرة الأخرى، لكنه نجم مميز اللمعان، في العام 2020 تصبح الشمس بالغة الخفوت مثل باقي النجوم الواقعة في مرأى المركبتين، عندها تفقد المركبتان أية إمكانية لتحديد موقع انطلاقهما، في الوقت نفسه تقريباً تنضب مواردهما الطاقية مما يسبب توقف معظم الأجهزة العلمية على متن كل منهما، أما في الرحلة الراهنة فما زال بمقدور المركبتين تحديد الشمس ونجم آخر بما يسهل مهمة التعرف على الأرض وإرسال الإشارات الراديوية نحوها، تنجز المركبتان عملية تحديد الموقع بإطلاق دفقات نفاثة صغيرة تدار كل منهما بسببها صوب الأرض تماماً.

من الجدير بالذكر أن مركبتين مناظرتين هما بايونير-10 وبايونير-11 قد اتجهتا بدورهما خارج المجموعة الشمسية، أطلقت المركبتان في العامين 1971 و 1973 وتبتعدان الآن نحو الفضاء المظلم السحيق بسرعة 2.6 وحدة فلكية في السنة، لقد توقف الاتصال بالمركبة بايونير-10 يوم 31 آذار 1997، كما أنهيت مهمة بايونير-11 قبل ذلك في تشرين الثاني من العام 1995 لأسباب مالية! تبحر المركبتان لوحدهما حيث تصلان أقرب نجم للشمس في غضون مليون سنة..

عود إلى فويجير.. في عام 8571 تكون فويجير قد ابتعدت عن الشمس 0.42 سنة ضوئية، علماً أن أقرب نجم للشمس يقع على مسافة تساوي عشرة أضعاف هذا المقدار، في ذلك العام تمر فويجير من أقرب نقطة لها مع نجم برنارد الذي يبعد 5.9 سنة ضوئية عن الشمس، تصبح فويجير على مسافة سنة ضوئية واحدة من الشمس عام 20319 وتعبر حينئذ أقرب نقطة في مسارها من نجم بروكسيما سنتوري أقرب النجوم إلى الشمس، وبعد 310 سنوات تقترب فويجير من ألفا سنتوري وهو نجم مزدوج أبعد من بروكسيما سنـتوري بقليل، ستشاهد فويجير النجم من مسافة 3.47 سنة ضوئية، تدلف فويجير إلى سحابة أورت عام 26262، وتبحر فيها لمدة 2400 سنة، مغادرة إياها عام 28635 بعد مليون سنة، تبتعد فويجير عن الشمس حتى 50 سنة ضوئية، إنها مسافة هائلة بالمقاييس الأرضية لكن بالمعايير الكونية تكون المركبة مازالت على مقربة من الشمس! لن تقترب فويجير في المليون سنة المذكورة إلى مسافة غير مأمونة من أي نجم، إن أقرب تماس لها سيكون مع نجم بروكسيما سنـتوري على مسافة 3.21 سنة ضوئية من النجم.

هنا على الأرض تتدهور البيئة وتسوء ظروف الحياة ولا يختلف اثنان على أن مستقبل الحضارة الإنسانية في مأزق، قد تواجه هذه الحضارة نهايتها المحتومة في وقت ليس ببعيد، لقد غدت فويجير تذكاراً معلقاً في أجواء الفضاء، يتحدث عن نوازع خيرة لدى جنس نشأ وترعرع في كوبك بعيد، لكن ذلك الجنس لم يستطع تنمية تلك النوازع إلى حدها الأقصى، ومع بقاء فويجير مدداً أطول في ظلمة الكون الدامسة يزداد احتمال اكتشافها من قبل الحضارات الكونية الأخرى، قد يكون التذكار بمثابة درس لتلك الحضارات أن تضع أولويات صارمة في سياق مخطط ارتقائها لا سيما وأن رسالة فويجير تتضمن إشارة واضحة إلى الأخلاقيات الرفيقة للحيتان، ومن يستطيع الجزم بافتراض أن تكون الكائنات الغريبة همجية!! لربما أن التقدم الحقيقي والمعجزة يختزلان بتطوير أخلاقيات رفيعة عالية في جنس حي معين ولعلهم هناك قريبون منا جداً لكنهم يحجمون عن الاتصال مهابة أدواتنا المدمرة؟!!

¿¿¿¿¿¿

   خاتمة

لا توجد خاتمة، فالمحاولات لن تتوقف، والمعرفة آخذة أبداً بالاتساع، النوازع الخيرة وحدها كفيلة بفتح بوابة بيتنا الشمسي على الآفاق الكونية المستقبلية، ومع قفزة كتلك، تتغير وترتقي البنيوية الإنسانية، هنا نتوقف، إذ إننا نعجز عن تعقل، لا بل تخيل ما الذي قد تتفق عنه البنيوية المستحدثة الغريبة التي كانت ونحن في تاريخ موغل في القدم.

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •