الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

أجمل تاريخ للأرض

 

تأليف

أندريه براهيك

بول تابونييه

لستر براون

جاك جيراردون

 

ترجمة

موسى ديب الخوري

 

الفصل الأول من الكتاب

ولادة كوكب تائه

 

المشهد الاول

ابنة الزمان

 

بعد نحو 10 مليارات سنة من ولادة الكون انهارت سحابة على نفسها، وولد نجم يحيط به قرص من الجسيمات التي التصقت ببعضها بعضاً، من فرط تصادمها، لتشكل تسعة كواكب. وبين هذه الكواكب واحد...

 

كل شيء نسبي!

 

ـ جاك جيراردون: ماذا كان يشبه مكاننا الصغير في هذا الكون قبل أن تبدأ هذه القصة؟

ـ أندريه براهيك: لم يكن يشبه شيئاً. فهو لم يكن موجوداً.

ـ إنها لبداية طيّبة!

ـ إن مفهوم المكان أداة ملائمة ومريحة من أجل وصف ما يحصل في جوار نجم. ولكن المادة التي تجمعت في البداية لتشكيل المنظومة الشمسية كانت مبعثَرَة. فلم يكن يوجد بالتالي مكان أو فضاء يقابلها. إن الكلام عن مكان صغير أو زاوية في الكون يتضمّن وجود مكان مطلق وزمان مطلق. لكن ليس لذلك أي معنى. لا شك أننا نعتقد جميعنا أننا نعرف ما هو المكان والزمان، شرط ألا نحاول تعريفهما! فما أن نطرح المسألة بجدية حتى تبدأ الصعوبات.

ـ كيف ستجعلنا نفهم أن الزمن غير موجود... في حين أننا نحيا وعيوننا مشدودة إلى ساعاتنا وإلى منبّهاتنا؟

ـ لا نعرف تعريف الزمن إلا محلياً. فيمكننا على الأرض على سبيل المثال أن نعطي موعداً بلا صعوبة، لأنه من السهل مُزامَنَة الساعات. أما في الكون فذلك مستحيل تماماً، بسبب الزمن الذي تستغرقه المعلومة لقطع المسافات الفلكية الكبيرة. فلو حاولت أن أزامن ساعتي مع ساعة أحد غير الأرضيين يعيش على بعد عدة ملايين السنين الضوئية، فإنه يكون قد مرّ بالنسبة لي عدة ملايين من السنين عندما تصله المعلومة.

ـ هل يمكن للزمن أن يكون مطاطاً؟

ـ إنه أمر صعب التصوّر بالنسبة لأدمغتنا الصغيرة التي عرّجها التطوّر، لكن الفيزياء تعلّمنا أن الزمان والمكان مرتبطان، وكذلك الأمر بالنسبة للزمن والسرعة. إنها القصة الرائعة لمسافر لانجفان Langevin. لنتخيل توأمين كان عمرهما 25 سنة عندما انطلق أحدهما ليقوم برحلة بعيدة في الفضاء، بسرعة كبيرة، في حين بقي الآخر على الأرض. وبعد سنتين من السفر عاد رائد الفضاء. وكان عمره 27 سنة، بينما أصبح عمر أخيه 75 سنة. ففي حين لم يكن زمن أحدهما سوى سنتين دام زمن الآخر خمسين سنة! إن هذه الحالة، التي عرضها الفيزيائي الفرنسي الكبير بول لانجفان، هي تطبيق مباشر للنسبية العامة التي تعلمنا أن المكان والزمان ليسا إلا عاملين لكون واحد هو الزمكان.

ـ هل سيمكننا يوماً القيام بالتجربة التي ستسمح من التحقق من هذه الفرضية؟

ـ لقد تمّ القيام بها، وعلى مستوى الأرض البسيط. فقد قامت طائرتان، تحمل كل منهما ساعة ذرية فائقة الدقة، بالدوران حول الأرض باتجاهين متعاكسين. فانطلقت إحداهما باتجاه الشرق والأخرى باتجاه الغرب. وعند الوصول كان هناك انزياح في الساعتين بمقدار جزء صغير من الثانية يتوافق بشكل تام مع النظرية. وبالتالي فقد قاست كل من الساعتين فعلاً زمناً مختلفاً. ولكن ماذا بالنسبة للزمن البيولوجي؟ إننا نجهل الأمر تماماً.

ـ هذا لا يمنع أن عمر الأرض هو حقاً أربعة مليارات ونصف من السنين، أكانت تدور حول الشمس أم لا!

ـ أجل. ولكن قبل الحديث عن المراجع المطمئنة لعالمنا المحلي، القابل للقياس، ولهذا الفضاء الأرضي الذي ننطلق فيه ولهذا الزمن البيولوجي الذي نتحقق من مدّته، سيكون علينا النظر حولنا واكتشاف أين كانت تتوفّر المقومات الضرورية لتصنيع الأرض. لقد انقلبت معرفتنا عن الكون انقلاباً جذرياً منذ بضعة عشرات من السنين. و 80 % مما سنتكلم عنه هنا كان مجهولاً منذ أربعين عاماً. ومنذ عشر سنوات فقط كان 20 % من التاريخ ينقصنا. فلنبقَ إذن متواضعين: فمن يعلم، قد يصدر كتاب بعد خمسين سنة من الآن حول هذا الموضوع ويضيف نسبة غالبة من الوقائع المجهولة اليوم؟

 

السماء تفقد اتجاهاتها

 

ـ حسناً. الزمن نسبي، أوافق على ذلك. ولكن ماذا عن المكان؟ فالمكان محسوس. إنه يسمح لنا حتى بوضع أقدامنا على الأرض!

ـ في الواقع، وكما سبق وقلت لكم، المكان غير موجود. إننا نسمي فضاء أو مكاناً مجموعة النقاط المرجعية التي نحتاج إليها: الأعلى والأسفل واليسار واليمين، والأرض والأشجار والجبال... إن هذه المفاهيم المفيدة جداً تسمح لنا بالاستمرار على كوكبنا الصغير. لكنها لا تُستعمل بعيداً عن مركزنا. فما هو الأعلى والأسفل على متن مركبة فضائية؟ وما اليسار واليمين في الفضاء؟

ـ مع ذلك، عندما ينظر الفلكيون إلى السماء فإنهم يكونون قادرين على تحديد موقع نجم القطب في موضع محدد.

ـ بالتأكيد. فبإمكانهم قياس مسافة النجم واتجاهه بدقة عالية. إن مدّة حياتنا لا تقاس بالنسبة لعمر الكون الذي بدأ توسّعه منذ نحو 15 مليار سنة. إن النوع الإنساني لم يظهر إلا منذ نحو مليوني سنة فقط. فلو عاد أرخميدس وأرسطو اليوم فسيتعرفان بسهولة على الأبراج، الدبّ الأكبر وذات الكرسي، مروراً بكافة المجموعات الأخرى... لن يشعرا بالغربة وبتغير المشهد عليهما. وحتى على مدى 10000 سنة ستكون التغيرات طفيفة. بالمقابل، فقد تغير مشهد السماء كلياً على مدى 10 ملايين سنة. ومن باب أولى فإن السماء تغيرت أيضاً على مدى 4 مليارات ونصف المليار سنة! هكذا يمكن أن نفهم أن تعريف أو تحديد نقطة لم تكن موجودة في فضاء لم يكن موجوداً هو أيضاً مسألة تطرح صعوبات جمّة.

ـ إذن كيف بدأت القصة؟

ـ بدأت بحملٍ طويل جداً. فقد لزم في البداية تصنيع الذرات التي تشكل الأرض حتى يمكن أن تولد. وقد تطلّب ذلك نحو عشرة مليارات سنة. إنما نحن أبناء الزمان!

ـ هل يعني ذلك أننا لا يمكن أن نجد كواكب أقدم من كوكبنا؟

ـ أبداً. ولكن إن كانت الولادة قد تمّت في فترة مبكرة جداً فإن الطفل الوليد سيعاني من العديد من حالات القصور. فـ "أرض" وُلدت منذ فجر تاريخ الكون ستكون أقل غنى بكثير بالذرات الثقيلة.

ـ ماذا تعني بـ "بدايات الكون"؟

ـ لو عدنا بالزمن إلى أبعد ما نستطيع، فإننا سنصل إلى ما اعتدنا على تسميته بـ "الانفجار الكبير Big Bang". وربما لا يكون هذا الانفجار الكبير هو بداية كل التاريخ، بل فقط أفقاً لا نرى إلى ما ورائه شيئاً حتى اللحظة الحاضرة. فليس لدينا اليوم أية معلومة حول ما كان يمكن أن يجري "قبله".

 

الانفجار الكبير والحمام

 

ـ إذا لم نكن قادرين على تجاوز هذا الأفق، فهل يمكننا أن نرى "الانفجار الكبير" نفسه؟

ـ تقريباً. أو بشكل أدق فإننا نرى آثاره. فتلك المرحلة كانت عبارة عن حالة مدهشة، حيث كانت الكثافة ضخمة إلى حد أن المادة نفسها لم يكن من الممكن أن توجد. فلم يكن ثمة سوى الإشعاع.

ـ وما هو الإشعاع؟

ـ إنه ناقل المعلومة التي تتبدّى بطريقتين متكاملتين من خلال موجة وحبيبة ضوء: أي الفوتون.

ـ وكيف نعرف أنه منذ نحو 15 مليار سنة كانت كثافة هذا الإشعاع مرتفعة إلى هذا الحد؟

ـ طالما أن كافة الأجسام تتباعد عن بعضها بعضاً في كافة الاتجاهات، فيمكننا بسهولة الاستنتاج أنها كانت في الماضي قريبة من بعضها إلى درجة أن الكثافة ودرجة الحرارة كانتا تصلان إلى قيم لا يمكن بلوغها في مخابرنا الأرضية.

ـ فالأمر مجرد افتراض؟

ـ ليس ذلك فقط. فطالما أننا نلاحظ أن الكون يتمدد، فإن كثافة ودرجة حرارة الإشعاع تتناقصان. ففي نهاية الأربعينات تخيّل جورج غاموف Georges Gamow وبعض مساعديه أنه يجب أن يبقى في هذه الظروف إشعاع متحجّر ناتج عن هذا الإشعاع البدئي الكثيف الذي يرجع إلى اللحظات الأولى. وهذا فعلاً ما تم رصده: ضوء شاحب، وبارد بمعنى ما.

ـ هذا هو إذن الإشعاع المتحجر؟

ـ أجل. فوتونات ولدت لحظة "الإنفجار الكبير".

ـ وكيف يمكننا كشف هذا الضوء؟

ـ في أحد الأيام، صمّم بنزياس Penzias وويلسون Wilson، وهما مهندسان في الاتصالات الراديوية في شركة بل للاتصالات Bell Telephone Company، هوائياً جديداً على شكل بوق، متقناً للغاية، وكانا فخورين به جداً. لكنهما سرعان ما استنتجا أنه كان يُشوَّش بضجيج ما. وحاولا معرفة السبب: هل هو محطة راديوية مجاورة؟ أم قاعدة عسكرية قريبة؟ لم يكن السبب أياً مما سبق. واكتشفا أن حماماً كان قد بنى عشه في عمق الهوائي. فقاما بتنظيف جلّة هذه الطيور بعناية. وتبيّن أن الحمام لم يكن بدوره هو السبب في التشويش. فنشرا عندها مقالاً قصيراً حول إزالة تشويش الهوائيات في مجلة متخصصة بالكهرباء ذكرا فيه الإشعاع المتحجّر. واستحقا على ذلك جائزة نوبل: فقد قاما فعلاً لتوّهما بالتقاطه. والنتيجة التي يمكن أن نستخلصها من ذلك أن القيام بالتنظيف جيداً بعد مرور الحمام في موقع ما يمكن أن يقود بعيداً جداً.

 

المادة مقابل الضوء

 

ـ نحن أكيدون بالتالي: في البدء كان النور.

ـ نعم، وكان كثيفاً وحاراً إلى درجة أنه كان يفني أية مادة.

ـ وكيف يمكن للضوء إفناء المادة؟

ـ لا شك بأنه ليس هناك أي خطر من جرح أحدهم بواسطة مصباح جيب. لكن كل من تعرّض لإصابات ضربة الشمس يمكن أن يفهم أن الضوء والمادة يتفاعلان. وبالنسبة لموضوعنا كان الأمر يتعلّق بضوء فائق التركيز. ولكي نستطيع تكوين فكرة بسيطة عن ذلك يمكن أن نتخيّل ضوء الليزر... وبالتالي كان هذا الضوء كلما شغل فضاء أوسع فأوسع يفقد من طاقته وتنخفض درجة حرارته. عندها فقط استطاعت المادة أن تولد تدريجياً. وخلال نحو مليون سنة  نزلت الحرارة إلى تحت العتبة الحرجة التي تساوي 3000 درجة. وعندها أمسكت المادة بمصير الكون! فالتصقت كواركات ببعضها لتشكّل بروتوناً، ثم إلكتروناً كان يدور حول البروتون مما شكّل ذرّة الهيدروجين. وصنعت أربعة بروتونات وأربعة إلكترونات نواة هليوم... تشكّل العنصران الأبسط، الهيدروجين والهليوم، في البداية مع قليل من الليثيوم والبريليوم والبور. وبدأت قطع التركيب Lego الكوني الكبيرة بالتجمّع...

ـ جرى كل شيء بسرعة كبيرة!

ـ أجل. ولكن في الحقيقة كان الكون لا يزال مؤلفاً من الهيدروجين والهليوم بعد عشرة ملايين سنة من ولادته. فلم يكن ثمة ما يلزم لبناء كوكب الأرض! ولو كان التطور قد توقّف هنا، ما كان ليظهر أيّ من العناصر الأساسية لتشكيل الكواكب والحياة. ولتصنيع ذرات أثقل كان لا بد بالضرورة من بدء صيرورة جديدة. وكانت النجوم، أو بالأحرى الأكثر كتلة من بينها، هي "الخيميائيات" الموهوبات اللواتي أتممن العمل.

ـ وكيف فعلت النجوم ذلك؟

ـ النجوم هي كرات غازية تنتج عن انهيار سحب كثيفة ما بين النجوم تحت تأثير قوى الجاذبية أو الثقالة. وخلال انكماش السحابة تزداد أكثر فأكثر درجة الحرارة والضغط والكثافة. فإن تم بلوغ اللحظة التي تندمج فيها البروتونات لتشكيل نوى جديدة فإن التفاعلات النووية الحرارية أو الاندماجية تكون قد انطلقت. وتكون كرة الغاز قد أصبحت نجماً يمكن أن تتجاوز درجة الحرارة في باطنه 10 ملايين درجة. ويحرق النجم هيدروجينه، ثم يستخدم كوقود له "رماد" هذا الاحتراق، مصنّعاً هكذا ذرات أكثر فأكثر ثقلاً مثل الهليوم والفحم.

ـ وهل تحول هذه النجوم الرصاص إلى ذهب؟

ـ للأسف، فالعكس بالأحرى هو الصحيح، طالما أن الرصاص، الأثقل، يأتي بعد الذهب. ولكن في الواقع ليست كافة النجوم خلاقة بالدرجة نفسها، فالأمر يتعلق بكتلتها. وحتى أكثرها فاعلية لا يمكنه المضي إلى ما بعد تصنيع الحديد. ويعني ذلك أن النجم عندما يصنّع كامل حديده لا يعود لديه القوة للانتقال إلى التفاعل التالي. فلا يعود ثمة نار نووية في باطنه!

 

نجمنا الأناني

 

ـ وشمسنا؟ هل هي منهمكة حالياً في تصنيع مواد لكوكب جديد؟

ـ هناك في الواقع نوعان من النجوم: النجوم الأنانية والنجوم الكريمة. والنوع الأول، مثل الشمس، يوقف عملية التصنيع بعد الفحم. فكتلة النجم تكون أقل بمرة ونصف من كتلة الشمس؛ وهذه النجوم تصرف القليل وتعيش بخيلة وتحيا طويلاً ـ مليارات السنين. ويبقى ناتج تصنيعها في قلبها عندما تنهي حياتها على شكل بقية نجم في طريقه للابتراد. أما نجوم النوع الثاني فتحيا ببذخ، وهي لامعة جداً، وتصرف الكثير من الطاقة. وهي تصنّع بالتتالي الفحم والآزوت والأكسجين والألمنيوم والسيليسيوم والكبريت والكلور... وصولاً إلى الحديد. لكن ذلك لا يدوم طويلاً، فهي لا تحيا إلا بضعة عشرات من ملايين السنين، قبل أن تنفجر مقدمة لنا مشهداً رائعاً من الألعاب النارية، بدلاً من أن تخرّ مثل مراجل خدومة.

ـ وكيف ذلك؟

ـ في الواقع يحصل الشيء نفسه الذي يحصل عند انفجار جهاز تلفاز. فبعد الانهيار يحصل ارتداد أو وثبة أي انفجار. وتحصل ظاهرة مماثلة بالنسبة للنجم. وهذا ما نسميه سوبرنوفا supernova أو مستعر فائق. وتُقذف العناصر المصنَّعة بسرعات أعلى من سرعة الصوت في الكون. ولن يبقى كبقية من هذه الحياة المفعمة سوى الجزء المركزي الكثيف جداً على شكل ثقب أسود أو نجم نوتروني.

ـ هل الانفجار مذهل إلى هذا الحدّ؟

ـ بل وأكثر من ذلك! فنجم السوبرنوفا يظل طيلة عدّة أيام لامعاً مثل الألف مليار نجم الذين يعمّرون إحدى المجرات. وخلال القرون التي تلي تمسح الفضاء موجة صدم هائلة ويتم قذف هبّات خارقة وخيالية من الجسيمات العالية الطاقة. ولحسن الحظ فإنه لم تنفجر أية سوبرنوفا مؤخراً في جوارنا، في حين أن النجوم المجاورة الأقرب إلينا هي نجوم ضعيفة جداً حتى الآن بحيث لا يمكن لها أن تنفجر!

ـ إذا كان تصنيع الحديد يشكّل حدّاً، فمن أين تأتي العناصر الأثقل والتي نجدها على كوكبنا، مثل الذهب والبلاتين والرصاص أو أيضاَ اليورانيوم؟

ـ حدث كل شيء في لحظة الانفجار. إن دفق النوترونات الصادرة عند الانفجار يسمح بتصنيع الذرّات الناقصة. ولا تسمح السوبرنوفا فقط ببذر وإغناء المجرة كلها، بل هي تكمل عملية التصنيع. وبما أن هذه الظاهرات قصيرة نسبياً فإن ذلك يفسّر لنا لماذا غالباً ما تكون الذرات الأثقل نادرة وغالية.

ـ هل صنّعت النجوم كافة هذه الذرات الثقيلة بسرعة؟

ـ تطلب الأمر عدة أجيال من النجوم من أجل طبخ مقوّمات كوكبنا. ففي لحظة ولادة المجموعة الشمسية، منذ 4 مليارات ونصف المليار من السنين، لم تكن الذرات الأثقل من الهيدروجين والهليوم لتشكّل بعد سوى 1 % من القشرة الأرضية المتوفّرة.

ـ هل كان يمكن أن توجد نجوم ذات كتلة أكبر تكون قادرة على تصنيع ذرات غير معروفة؟

ـ لا. فالكرة الكبيرة جداً تكون غير مستقرّة، وتتكسر بسرعة إلى أجزاء. فمجال وجود النجم محدود جداً. إذا لم يكن ثمة كتلة كافية في البداية فإن الجسم الفلكي لا يتحول أبداً إلى نجم. فتحت عشر كتلة الشمس لا تنطلق التفاعلات النووية الاندماجية الحرارية أبداً في مركز النجم. وعلى العكس، عندما تكون كتلة الجسم أكبر من كتلة الشمس بمائة مرة فإنه يكون غير مستقر. وضمن هذا التنوّع من النجوم يمكن لنا أن نستقر حول النجوم الأقل كتلة، مثل الشمس، لكي ننعم بحياة هادئة ومريحة نسبياً، في حين رأينا أن النجوم الأكبر كتلة تقدّم كافة مقوّمات الحياة المستقبلية بعد حياة متوهّجة.

ـ هل ولدت الشمس وكواكبها في الوقت نفسه؟

ـ تقريباً.

ـ وما الذي يؤدي إلى ولادة نجم أو كوكب من جسم ما؟

ـ الكتلة. فقليل جداً من المادة يعطي حُبيبة غبار؛ وأكثر قليلاً من المادة يعطي حصاة؛ وأكثر قليلاً يعطي صخرة؛ ثم نيزكاً أو جرماً صغيراً؛ ثم الأرض؛ ثم المشتري؛ ثم قزماً بنياً؛ ثم الشمس؛ ثم حشداً من النجوم؛ ثم مجرة؛ ثم حشداً من المجرات... بالتالي، في خضمّ حركات الذرّات في الكون، عندما تنعزل "كرية" مادية عن وسطها المحيط، فإن كتلتها هي التي سوف تحدد مصيرها.

 

وكانت الشمس...

ـ ماذا نعني في قصتنا بالكتلة الأولية أو الكرية الأولى؟

ـ نريد بذلك شرنقة من الغاز والغبار. لقد أصبح بإمكان الفلكيين منذ عشرين سنة تحقيق حلم قديم: ألا وهو مشاهدة ولادة النجوم، أو بداياتها الأولى. ويسمح لنا بشكل خاص تطور الفلك في مجال الأشعة تحت الحمراء بمراقبة داخل الكريات الغازية والغبارية العاتم بالنسبة للضوء المرئي، هذه الكريات التي سوف تؤدي إلى ولادة نجم ما. إننا نرصد في هذه اللحظة ولادة نجوم بكامل نشاطها.

ـ ومما يتألف هذا الغبار الفضائي؟

ـ من حبيبات قياسها من رتبة عُشر الميكرون، وتصل أحياناً إلى ميكرون. فهناك الكثير من ذرات الكربون التي ترتبط بسهولة بالهيدروجين والأكسجين وغيرهما... وكما تعرفون هناك الكثير من الجزيئات في الفضاء، ويوجد حتى جزيئات تكون غير مستقرة على الأرض، مثل جذر الـ OH المؤلف من ذرة هيدروجين وذرة أكسجين. ونجد بينها الماء كما والكحول الإتيلي على حد سواء!

ـ ومن أين تأتي هذه الذرات الشاردة؟

ـ كانت هذه الذرات قد قُذفت بواسطة انفجار النجوم. وهي ترتبط ببعضها بعضاً محلياً من حين لآخر. ويعطي ذلك عندها قليلاً من الكربون هنا، وقليلاً من الأكسجين هناك، والقليل من الآزوت... جزيئات تتجمع فيما بينها أحياناً لتشكّل غباراً.

ـ وهكذا فإن سحابة من الهيدروجين وغبار النجوم وجدت نفسها معزولة، وأصبحت شمساً.

ـ أصبحت المنظومة الشمسية بكاملها!

ـ وما الفرق في ذلك ؟

ـ الفرق هام: فقد ولدنا في الوقت نفسه مع الشمس، لكننا لم نأت من الشمس. فالأرض ليست قطعة انفصلت عن الشمس وابتردت، كما اعتقد بعضهم لمدة قرنين من الزمن.

ـ وكيف يمكن لنا أن نكون متأكدين من ذلك؟

ـ بسبب الدوتريوم، وهو عنصر نظير للهيدروجين. أي أنه شكل من أشكال الهيدروجين تشتمل نواة ذرته على نوترون إضافة إلى البروتون. ففي بداية الكون كان جزء صغير من الهيدروجين قد صُنّع على شكل دوتريوم. لكن هذا الأخير لا يقاوم بشكل جيد درجات الحرارة العالية جداً. وبالتالي فإننا نجد الدوتريوم في الوسط ما بين النجمي البارد، بنسبة تقريباً ذرّة دوتريوم واحدة لـ 100000 ذرة هيدروجين. بالمقابل، نجد في الوسط الحارق للشمس أقل من ذرة دوتريوم لكل 5 مليون ذرة هيدروجين. وإن لم تصدقوني تناولوا قليلاً من ماء الصنبور، وافصلوا الأكسجين عن الهيدروجين (سيتطلب الأمر منكم قليلاً من الطاقة!) وعدّوا الذرات. ستجدون ذرة دوتريوم واحدة لكل 100000 ذرة هيدروجين. والنتيجة: أن الأرض نتجت حقاً عن وسط بارد.

ـ هل تشكلت الأرض من السديم نفسه مع الشمس أم لا؟

ـ جاء الإثنان من الشرنقة نفسها. لكن الكواكب نتجت عن محيط السديم، وهو الجزء الأقل حرارة.

ـ ولماذا كان هناك محيط أقل حرارة؟

ـ ببساطة لأن انهيار الأجزاء المركزية الذي سيؤدي إلى ولادة الشمس ترافق مع تحرير هائل للطاقة. وفي حالتنا، كلما كان الكوكب أقرب من النار المركزية كلما تلقى طاقة أكثر .

 

الفالس ذو الألف إيقاع

 

ـ لماذا كانت الشمس وتسعة كواكب بدلاً من نجم وحيد؟

ـ إنه سؤال يطرحه الفلكيون منذ زمن طويل. هل أن المجموعة الشمسية هي "عفريت" ذو شمس تحيط بها كواكب أم أن تشكّل الكواكب كان نتيجة ثانوية عادية لتشكّل نجم؟ لا يمكننا حتى الآن الإجابة على هذا السؤال بشكل حاسم، لكن يبدو من الواضح أن وجود كواكب حول نجم أمر متواتر. فالسديم البدئي، بدورانه حول نفسه، ولّد قوة مركزية...

ـ ولماذا كان هذا السديم يدور حول نفسه؟

ـ دورانه حول نفسه نتيجة مباشرة لقوانين الجاذبية لنيوتن! فما أن تتجاذب الأجسام يكون هناك ثلاثة احتمالات: توسّع مرتبط بالانفجار البدئي، وهذا هو حال الكون بمجمله؛ أو انهيار، وهو ما تكلمنا عنه؛ أو دوران، وهو طريقة للاستقرار. إن كافة أجسام الكون تدور. فالكواكب تدور حول نفسها وحول النجوم؛ والنجوم تدور حول نفسها؛ والمجموعات النجمية تدور حول مركز المجرات؛ والمجرات تدور حول مجرات أخرى؛ وحشدنا المجري يدور حول شيء ما أيضاً... فكل شيء يدور في الكون.

ـ كل شيء يدور في الاتجاه نفسه ؟

ـ ليس بالضرورة. فذلك يتعلق بالشروط البدئية. فعندما تتجمع المادة في لحظة ما في مكان ما يكون للأجسام موضع وسرعة سيحددان اتجاه الدوران. ففي المنظومة الشمسية تدور كافة الكواكب في الاتجاه نفسه لدوران الشمس حول نفسها، وهو أمر طبيعي جداً إذا كانت كافة هذه الأجسام قد نتجت عن دوران السديم نفسه.

ـ هل سُمّيت كواكب planètes لأنها تقع في المستوي نفسه؟

ـ أبداً. فمصطلح planète (كوكب) اللاتيني من أصل يوناني، وهو يعني المتنقّل أو التائه. وكان الأقدمون قد لاحظوا أن هذه الأجسام كانت تشرد في السماء بالنسبة للنجوم. وقد تطلب الأمر نحو 2000 سنة لفهم حركاتها حول الشمس ولكي ندرك أن الأرض كانت هي نفسها كوكباً ولم تكن في مركز العالم.

ـ كان السديم يدور بالتالي وهو ينهار على نفسه.

ـ نعم. ففي المركز بدأ نجم أولي باللمعان. لكن ظاهرات اللزوجة، والتصادمات بين الأجسام المؤلفة للسديم والقوة المركزية كانت كلها تكبح انكماش باقي السديم وتؤدي إلى تشكّل قرص من الغاز والغبار.

ـ ولماذا قرص؟

ـ إنه نتيجة التصادمات وفقدان الطاقة الذي تؤدي إليه. وتوجد أعظمها في اتجاه محور الدوران وهي تسطّح شيئاً فشيئاً المنظومة. ويمكن القيام بالتجربة بسهولة بفضل المماثلة على الحاسوب. إنها ظاهرة طبيعية: فحول جسم مركزي تميل المادة للتجمّع على شكل قرص.

ـ هل هذا هو المبدأ نفسه الذي يطبّق على إطلاق الصواريخ؟ وهل لهذا السبب تم اختيار قواعد الإطلاق ـ بايكونور Baïkonour، كاب كانافرال Cap Canaveral، كورو Kourou ـ أقرب ما يمكن إلى خط الاستواء؟

ـ أبداً. ففي هذه الحالة نستفيد من أثر المقلاع، ولكن ليس هناك من تصادمات في حالة إطلاق الصواريخ، وهذا لحسن حظ الوكالات الفضائية والمؤسسات المساهمة. لكن المماثلة يمكن أن تساعدنا بالتأكيد على الفهم. فجميع الذين يطلقون الصواريخ يعرفون أنه يلزم طاقة كبيرة من أجل إرسال قمر صنعي إلى مدار يمرّ بالقطبين. يلزم الكثير من الطاقة للخروج من المستوى الإستوائي بحيث أن وجود كافة الكواكب في المستوي نفسه، مستوي الخط الاستوائي للشمس، هو مؤشّر قوي جداً، بل وأقول حتى برهان، على أن المجموعة الشمسية تشكّلت ابتداء من قرص. فلو كانت الشمس قد التقطت وأسرت الكواكب خلال رحلتها في المجرة، لكانت كافة هذه الكواكب تنتقل في مستويات مختلفة.

 

الدوائر والمسطحات والمفتولات

 

ـ ما تسميه بالقرص هل هو عبارة عن منظومة من الحلقات، كما هو الحال حول زحل؟

ـ يمكن الأخذ بذلك. ففي الكون نجد ثلاثة أنماط من الأجسام: المستديرة والمسطحة والمفتولة. فالنجم يكون كرة؛ وحشد النجوم، مثل حشد هرقل، هو حشد دائري تماماً لأنه لا تحصل تصادمات بين النجوم فيه، إذ أنها بعيدة جداً بعضها عن بعض. بالمقابل، فإن حلقات زحل، والأقمار حول الكواكب، ومجرّة مثل مجرة المرأة المسلسلة (أندروميدا) أو مجرتنا درب التبانة، هي منظومات مسطحة على مستويات مختلفة تماماً. وعندما يمتص جسم أسود المادة التي تمرّ في جواره يتشكّل قرص مسطّح حوله. تنتج كافة هذه الأجسام المسطحة عن التصادمات بين العناصر التي تتألف منها. وأخيراً، فإن الأجرام ذات الشكل الغريب تكون غالباً ناتجة عن تصادم، مثل بعض الكويكبات أو بعض المجرات. إن جسمين يتصادمان بسرعة كبيرة يعطيان، بعد الاصطدام، شيئاً ما مفتولاً. وما علينا إلا النظر إلى سيارتين مصطدمتين.

ـ يبدو في الواقع أن غياب القرص هو الأمر غير الطبيعي. كما هو الحال حول الأرض.

ـ ليس هناك حلقات حول الأرض ولا حول الزهرة أو المريخ، وذلك ببساطة لأنه لم يكن يوجد ما يكفي من المواد في البداية حولها.

ـ إذن كيف تشكلت الكواكب والأرض؟

ـ هناك بشكل أولي طريقتان لتصنيع كوكب: إما من خلال انكماش جسم أضخم، بما يشبه بعض الشيء انهيار نجم؛ أو من خلال تجمّع قطع متناثرة. ويبدو أن الطريقة الثانية هي المفضلة فعلاً في حالة الأرض. وفي الواقع، لكي ينهار جزء من القرص البدئي على نفسه وينكمش مباشرة إلى كوكب يجب أن يكون غير مستقر، ولم يكن الحال كذلك بسبب وجود الشمس.

 

ولادة كوكب صغير

 

ـ لنلخص الفكرة: لقد انهار إذن سديم من المادة ما بين النجمية على ذاته، مما ولّد بعد فترة نجماً ينكمش ويحيط به قرص من الغاز. كيف ولدت أرضنا بدءاً من هذه المرحلة؟

ـ عندما انتهت الشمس من الانكماش أصبحت أقل ضياء بشكل واضح...

ـ لماذا؟

ـ ببساطة لأن الانهيار الثقالي لنجم يحرر من الطاقة أكثر بكثير مما تطلقه التفاعلات الحرارية النووية. لكنه يدوم فترة أقل بكثير. وهذا يعني أن القرص المؤلف من الغاز والغبار، والذي كان حاراً جداً في البداية، بدأ يبترد هو أيضاً. وعندها ظهرت حبيبات صغيرة يمكن أن يصل حجمها إلى بضعة مليمترات. وكان تركيبها يتعلق بالتأكيد بدرجة الحرارة، أي ببعدها عن الشمس.

ـ هل أدى تراكم هذه الحبيبات إلى تشكيل الكواكب؟

ـ ليس مباشرة. فولادة الكواكب بهذه الطريقة كان سيتطلب زمناً أطول من عمر الكون. لقد تدخلت صيرورات عديدة للوصول إلى ولادة الأرض. فقد ظهرت لاإستقراريات محلية أو دوامات بقطر بضعة مئات من الأمتار.

ـ كيف كان يظهر ذلك عملياً؟

ـ كانت تتجمع الحبيبات عند كل لاإستقرارية لتشكل أجساماً صغيرة بقطر 500 متر إلى 1 كيلومتر. ونسمي هذه الأجسام، وهي أسلافنا، الكويكبات الصغيرة.

ـ وكيف تم الانتقال من هذه التكثفات، المؤلفة من الغبار والغاز المبردين، إلى أرضنا؟

ـ كانت الأجسام الصغيرة تتصادم خلال دورانها. وكانت تتجزّأ عندما تكون الصدمة عنيفة. لنسم هذا اللقاء طلاقاً. ولكنها كانت تتلاصق عندما تكون الصدمة لطيفة. ونسمي ذلك بالزواج. ومن هذا التوالي من الزيجات وحالات الطلاق تم المرور من أجسام صغيرة بقطر مئات الأمتار إلى أجنّة كواكب يمكن أن يصل حجمها إلى 1000 كيلومتر. وشكّلت التصادمات فيما بعد بين هذه الأجنّة كواكب مثل الأرض.

ـ هل تطلب ذلك كله الكثير من الوقت؟

ـ على المستوى الفلكي، لا. فخلال أقل من 100000 إلى 200000 سنة تم الانتقال من قرص غازي إلى الكواكب التي نعرفها، وهي فترة قصير جداً بالنسبة لأربعة مليارات سنة ونصف من عمر المجموعة الشمسية. ويمكننا أن نعتبر أن الأرض معاصرة للشمس.

ـ كان لا بدّ إذن من أجل تصنيع الكواكب من التصادمات، إنما ليس بقوة كبيرة جداً.

ـ نعم. كان يمكن أن نتصوّر أن هذه الاصطدامات المتكررة كانت سوف تؤدي إلى اضطراب فظيع في المجموعة الشمسية. لكن ما حصل كان العكس تماماً. فمليارات الاصطدامات المتبادلة قادت إلى منظومة كواكب تدور كلها في المستوي نفسه، وعلى مسارات شبه دائرية. وفي الواقع، إنما بفضلها بلغت المنظومة الشمسية التي كانت شواشية في البداية حالة فائقة التنظيم.

ـ لقد وُلدت كواكبنا المفضّلة أخيراً بسبب التصادمات.

ـ هذا السيناريو مقنع جداً بالنسبة للكواكب الأربعة الصغيرة القريبة من الشمس، أي عطارد والزهرة والأرض والمريخ. لكن تبقى بعض التساؤلات بالنسبة للكواكب البعيدة، العملاقة والغازية التي ليس لها سطح صلب. ومن الممكن أن تكون نوى هذه الكواكب قد تشكلت بهذه الطريقة. ثم قامت فيما بعد بأسر الهيدروجين والهليوم من السديم الذي كان بعيداً عن الشمس. أما في نطاق أقرب من الشمس فإن درجة الحرارة كانت مرتفعة جداً بحيث لم يكن من الممكن الحفاظ على هذه الغازات المتطايرة جداً. لكن بعض الباحثين، الذين يستعيدون سيناريو النجوم، يدرسون إمكانية أن تكون الكواكب العملاقة قد تشكلت مباشرة من انهيار جزء من السديم البدئي.

ـ هل يمكن أن يكون المشتري العملاق نجماً مجهضاً؟

ـ آه، لا! فهو صغير جداً! إذ كان يلزم أن يكون أكبر عملياً بمائة مرة! إن الكتلة الكلية للكواكب وأقمارها وللنيازك ولكافة الأجسام التي تدور حول الشمس تصل فقط إلى جزئين بالألف من كتلة الشمس. وقد رأينا أنه يلزم على الأقل عشر كتلة الشمس من أجل ولادة نجم.

ـ وأرضنا؟ ماذا تمثل؟

ـ جزء من المليون من كتلة الشمس.

ـ هذا يعني أنها ليست كبيرة فعلياً. هل تحوّل القرص كله إذن إلى كواكب؟

ـ لا. لقد بقيت منه مخلّفات كثيرة. فالمنظومة الشمسية تشبه مشغلاً للبناء قام البنّاؤون فيه ببناء البيت لكنهم لم ينظفوا من حوله بعد انتهاء البناء. فهناك الكثير من الأجسام الأولية المماثلة للتي شكّلت الكواكب لا تزال تهيم في مجموعتنا الشمسية. ولهذا نريد أن نذهب لاستكشافها من أجل فهم ماذا كان يشبه السديم البدئي.

ـ وأين هي هذه الأجسام الأولية؟

ـ في كل مكان. فعشرات آلاف النيازك وآلاف مليارات المذنبات هي السليلة المباشرة للأجسام الصغيرة الأولى الناشئة في السديم. وتشتمل المذنبات التي تشكلت بعيداً عن الشمس على الكثير من العناصر المتطايرة، ويمكن اعتبارها الأجسام الأولى الناشئة في البرودة. أما النيازك، الأقرب من الشمس، فتشتمل أكثر على عناصر مقاومة، إنها الأجسام الأولى الناشئة في الحرارة. وتتابع هذه الأجسام من حين إلى آخر الاصطدام فيما بينها وقصف الكواكب والأقمار.

ـ هل قصف الأرض مستمر؟

ـ نعم. إنما بإيقاع أضعف بكثير مما كان في اللحظات الأولى من عمر المجموعة الشمسية.

ـ لا بد أن هذه الأرض البدئية الناتجة عن كافة هذه التصادمات ما كانت لتشبه الكوكب الذي نعرفه اليوم، بمحيطاته وقاراته وسمائه الزرقاء وغيومه...

ـ هذا صحيح، إنها تبدو لنا مثل جحيم! فسطح الأرض الذي كانت درجة حرارته تصل إلى آلاف الدرجات كان مغطى بالحمم. لكن صيرورة هامة جداً بدأت تتحقق: التمايز الذي كان بالتأكيد أحد أهمّ الأحداث في تاريخ كوكبنا. فالتمايز هو أصل تشكّل النواة والمعطف والقشرة الأرضية، مما سمح للبراكين والمحيطات والقارات والمشاهد التي نعرفها اليوم والغلاف الجوي بالظهور.

 

صلصة خلّ كوكبية

 

ـ كانت الأرض الفتية حارة جداً على الرغم من أنها ولدت في منطقة باردة نسبياً؟

ـ ليس ذلك صحيحاً أبداً. فلا يجب أن نخلط بين حرارة الشمس والكرة الأرضية التي تملك موارد الطاقة الخاصة بها. وهناك عدة ظاهرات هي سبب هذه الحرارة البدئية: التصادمات، الانكماش، الإشعاع والمدّ والجزر. لقد حرر القصف الكثيف عند تشكل الأرض الكثير من الطاقة. ويكفي أن نتذكّر بأن جسماً يضرب الكوكب بسرعة 11 كم / ثانية يحرر طاقة مكافئة لوزنه من مادة الـ ت. ن. ت. بعد ذلك انكمشت الأرض منذ البداية تحت تأثير ثقلها الخاص. وكما رأينا في حالة الشمس فقد ترافق ذلك بتحرير كبير للحرارة. كذلك قدم الإشعاع الطبيعي للصخور حصته، وأخيراً لعب المدّ والجزر دوراً صغيراً.

ـ ولكن هل الأرض معرضة بالتالي لتصبح جرماً ميتاً مثل القمر؟

ـ على المدى الطويل، نعم. إن جسماً مثل القمر قد أصبح عملياً بارداً تماماً، في حين أن الأرض بقيت حية وهي تستمر بتصريف حرارتها الداخلية نحو الخارج.

ـ كيف نصف هذا التمايز، الجوهري جداً؟

ـ في هذه الأرض المنصهرة كانت العناصر الأثقل، مثل الحديد والنيكل، تسقط باتجاه المركز لتشكّل نواة كثيفة جداً. وعلى العكس، كانت العناصر الأخف، مثل الأكسجين والسيليسيوم والألمنيوم والكالسيوم والبوتاسيوم أو الكبريت، تصعد باتجاه السطح وتشكل قشرة رقيقة تعوم على المعطف. كان كل شيء يجري كما في حالة صلصلة الخل: فلو انتظرنا وقتاً طويلاً كافياً فإن الخل الأكثر كثافة سيسقط شيئاً فشيئاً إلى القاع، في حين سيعوم الزيت على السطح.

ـ ما هي المركبات الأساسية للأرض؟

ـ أولاً الحديد، ويشكّل 35% من الكوكب. ثم الأكسجين، 30%. ثم السيليسيوم 15%، والمغنيزيوم 13%، والنيكل 2,4%. يأتي بعد ذلك الكبريت والكالسيوم والألمنيوم، وكل منها أقل من 2%. في حين يمثل الباقي كله أقل من 1%.

ـ لا شك أن عصراً جديداً سيبدأ في اليوم الذي سوف نعرف فيه كيف يمكن أن نحفر حتى النواة!

ـ لا يجب أن نأمل كثيراً بتحقيق ذلك. سنخرج لا شك من المنظومة الشمسية قبل السفر إلى مركز الأرض! ففي هذه الحالة بالذات لم يكن جول فيرن مصيباً: فمركز الأرض هو أحد المواضع التي لا يمكن ولوجها في الكون بسبب الحرارة الجهنمية والضغط الهائل، وهما أعلى بكثير مما يوجد في فوهة البراكين. فكل أداة تنصهر وتنسحق قبل أن تتقدم بكثير. وعمال المناجم العميقة يعلمون أن الشروط تصبح قاسية جداً بعد 1000 متر تحت سطح الأرض، في حين أن عمليات الحفر الأعمق لم تصل إلى 20 كيلومتر. والحال أن مركز الأرض يقع على عمق 6378 كيلومتر تحت سطحها.

ـ هل صحيح أن الأرض جسم صلب!

ـ أكانت صلبة أم لا فإن باطن الأجرام يبقى دائماً غير قابل للبلوغ والنفاذ. وفي حالة جسم غازي، مثل الشمس، حتى الفوتون يجد صعوبة في المرور! فللذهاب من المركز باتجاه سطح النجم يستغرق أكثر من 8 مليون سنة، في حين أنه بعد ذلك لا يستغرق لقطع المسافة بين الغلاف الشمسي والأرض أكثر من 8 دقائق.

 

الهيدروجين يتركنا

 

ـ هل ولدت الأرض مع غلافها الجوي؟

ـ لا. لقد كان عليها أن تصنّعه هي بنفسها. فقد حمل تحرر الغازات عبر صخور القشرة كما والنشاط البركاني المركبات الغازية الأساسية إلى الغلاف الجوي. يسمى غلافنا الجوي ثانوياً. وبالمقابل تملك الكواكب العملاقة أغلفة جوية أولية، فقد ولدت هذه الكواكب مع أغلفتها الغازية من الهيدروجين والهليوم. ويشبه تركيبها تركيب الشمس وغاز السديم البدئي التي عرفت كيف تحافظ عليه.

ـ هل استطاعت الحفاظ عليه بسبب كتلتها الكبيرة؟

ـ لا، بل على العكس: فهي كبيرة الكتلة لأنها أسرت الهيدروجين والهليوم البدئيين. فبسبب بعدها عن الشمس، وفي البرودة، بقيت غازات السديم البدئي موجودة بعد اللحظات الأولى. أما قرب الشمس فكانت درجة الحرارة عالية، وقد تبخّرت العناصر الأخفّ حتى قبل تشكّل الكواكب. كانت الأرض والزهرة والمريخ وعطارد قد تشكلت من وسط محروم من الهيدروجين والهليوم، أي أنها ولدت من البقايا بعد أن كان 99 % من المواد قد تبخّر. ولهذا السبب نجد أن الكواكب الداخلية صغيرة إلى هذا الحدّ. وهي ليس لها حلقات، ولا نظام متكامل من الأقمار، ولا هيدروجين ولا هليوم. إنها بقايا ومخلفات، لكننا نحب كثيراً كتلة البقايا هذه التي نحيا عليها اليوم.

ـ ألا يوجد هيدروجين على الأرض؟

ـ القليل جداً. فهو يفلت من الأرض في حالته الحرّة. وقد بُنيَت الموجّهات بالهيدروجين باستخدام هذا المبدأ. بالمقابل يتم حفظ الهيدروجين إذا كان مرتبطاً مع ذرات أخرى في جزيء ما، مثل الماء H2O أو الميثان CH4. إن ذرات كثيرة لا تنفك تترك الغلاف الجوي للأرض إلى الأبد.

ـ هذا محزن! فعندما يترك الأطفال بالونات من كافة الألوان تنطلق في السماء، والتي سوف يُفلت غازها شيئاً فشيئاً، لأن البالونات ذات مسام ينفذ منها الغاز، فإنهم إنما يرسلون الهليوم إلى الفضاء؟

ـ ليس بالضرورة. فالغاز يمكن خلال رحلته هذه أن يتفاعل مع ذرات أخرى. بل إنه يحصل الكثير من التفاعلات الكيميائية على كافة مستويات الغلاف الجوي، وبين الغلاف الجوي والمحيطات، إلى حد أنه لا تنفك جزيئات جديدة تظهر، كما يحصل خلال الثورانات البركانية. إن الغلاف الجوي الأرضي جسم حيّ يفقد باستمرار المواد ويتلقى باستمرار مواداً أخرى. فليس ثمة مشكلة بالتالي على الأقل بالنسبة للوقت الراهن.

ـ هل يمكن أن يتغير الغلاف الجوي مرة جديدة؟

ـ بالتأكيد! ولهذا يجب أن نظل متيقظين وألا نلعب بأنفسنا بالنار. فنحن نعلم أن الغلاف الجوي للمريخ تغير كثيراً مع مرور الزمن. فقد كان إطلاق الغازات كثيفاً جداً في المراحل الأول من عمره، عندما كان الكوكب حاراً جداً وخلال مرحلة التمايزات. لكن ظاهرة إطلاق الغازات إلى الفضاء استمرت بلا توقّف. أما الأرض فتصنّع باستمرار الغلاف الجوي بواسطة البراكين.

ـ لكن البراكين لا تطلق مع ذلك هواء نقياً كهواء الريف!

ـ لا بالتأكيد. كان الغلاف الجوي للأرض في الأصل مؤلفاً من الآزوت وثاني أكسيد الكربون والميثان والأمونياك... وكانت النباتات هي التي حوّلت غاز الفحم إلى أكسجين. وهي لحسن الحظ لا تزال تقوم بذلك.

ـ هل قامت كافة الكواكب الأرضية بتصنيع غلاف جوي لها؟

ـ بالنسبة لكوكب الزهرة الذي له حجم الأرض نفسه، أجل فقد قام بذلك. أما عطارد والقمر فهما صغيران جداً فلا يستطيعان حفظ أبسط غلاف جوي ممكن. أما المريخ الأصغر من الأرض فقد فقَدَ شيئاً فشيئاً جزءاً كبيراً من غلافه الجوي. لقد حدث تبخر بطيء وطويل عليه على مر الزمن.

ـ ومع ذلك فقد بقي شيء من غلاف جوي على المريخ؟

ـ بالتأكيد. إن الغلاف الجوي الأرضي أقل كثافة بمائة مرة من الغلاف الجوي على الزهرة، وهو أكثف بمائة مرّة من غلاف المريخ. ومع ذلك فقد حفظ المريخ القليل من غلافه الجوي. فمركبات فايكنغ تسقط عليه بواسطة مظلات!

ـ كانت الأرض إذن موجودة هنا، حارة مثل رغيف خبز صغير خارج لتوه من الفرن. كم استغرقت ولادة الأرض هذه؟

ـ كان ذلك سريعاً على المستوى الفلكي. فبين اللحظة التي بدأ فيها السديم البدئي بالانكماش واللحظة التي تكتّلت فيها الأرض مرّ أقل من مائة مليون سنة. وكانت مغامرة الأرض على وشك أن تنطلق.

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •