الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

قراءة في كتاب: العلم يواجه تخوم المعرفة

عن نشرة كلنا شركاء الإلكترونية

وثائق ندوة البندقية, التي عقدت بمبادرة من منظمة اليونيسكو في الفترة /3-7 / آذار 1986
ترجمة محمد حسن إبراهيم - منشورات وزارة الثقافة – دمشق 1994 - العلوم ( 17 )

علي المحرز

 

 

كانت غاية الندوة, البحث في رؤية جديدة للمادة والإنسان والكون, قائمة على تقابل فكرتين، الأولى, فكرة الذات والموضوع وكل الثنائيات. والثانية, الأفكار التي تؤمن بوحدة واقع يشمل عناصر هذه الثنائيات. والسؤال المطروح يهدف إلى معرفة ما إذا كان الكون هو الذي يزود الأجزاء التي يتكون منها بمعنى خاص بها, أو أن الأجزاء تجعله, بطريق الصدفة, ما هو عليه.
لقد اتفق العلماء المشاركون في الندوة على:
1- أنهم شهود ثورة عظيمة الأهمية في مجال العلم / فيزياء, بيولوجيا / أثرت على المنطق ونظرية العلم/ ابستمولوجيا / وفي حياة البشر. لكنها أحدثت تفاوت بين القيم المسيطرة على الفلسفة والعلوم الإنسانية, وبين هذه الرؤية الجديدة للعالم. وخصوصاً أن القيم التي نملكها مؤسسة على الحتمية الآلية, والوضعية أو العدمية. هذا التفاوت, يعتبر شديد الأذى وينطوي على تهديدات قد تحطم الجنس البشري.
2- بلغت المعرفة العلمية تخوم تسمح لها بالحوار مع أشكال معرفية أخرى . مثال الفوارق بين العلم والتقاليد, يلاحظ تكاملهما لا تعارضهما, وهذا يسمح بفتح باب حوار ورؤية جديدة إلى الإنسانية, حتى العقلانية الجديدة (
ratio-nalisme) قد يصبح بمقدورها أن تؤدي إلى آفاق ميتافيزيقية جديدة.
3- يرفض علماء البندقية كل منظومة فكر مغلقة, وكل طوباوية جديدة. لأنه هناك تداخل بين مختلف العلوم والمذاهب / تبادل معرفي بين الرياضيات والعلوم الإنسانية / بين الفن والتقاليد. يعكسه التداخل بين نصفي كرة المخ. وهذا ما يسمح بمجابهة تحديات العصر.
4- إن طرائق التعليم السائدة والقديمة, عفا عليها الزمن, والعلماء يعترفون بضرورة البحث عن طرق تربية جديدة تأخذ بالحسبان التقدم الذي أحرزه العلم / منظمة اليونيسكو / منظمة مناسبة لتنفيذ أفكار كهذه.
5- العصر كله تحديات, تحدي معلوماتي, تحدي وراثي.وهذا ما يدفع رجال العلم للأخذ بمسؤولياتهم التاريخية, من جهة, هذا يحتاج , إعلاماً للرأي العام دقيقاً ودائماً, ومن جهة أخرى, إنشاء هيئات توجيه, وحتى هيئات اتخاذ قرارات ذات طابع يعتمد على خاصة تعدد وتداخل مختلف العلوم والمذاهب.
في ندوة البندقية: إن الكون وحدة, هذه رؤية كلية, وهي في النهاية ما يربط العلم بالتقاليد. وهذا ما دفع العلماء للخروج من غرفهم ذات الأوراق الصفراء والمجاهر, كي يعيدوا ربط ما يرونه وما يعرف, بسموه كإنسان أرضي وسماوي على حد سواء. يجب الاعتراف أخيراً بأن الواقع ليس كماً وحسب, بل هو انبثاق كيفية, وأننا في زمن الأسئلة الكبرى, فحين تتلاشى الحدود بين ما هو دنيوي وما هو مقدس, بين العلم والإيمان, بين العلم والمعرفة, بين التجريبي والمستدق. بمعنى آخر" إن التفكير مفتوح" وهذا ما يوصل رجال العلم إلى حدود المعارف التي تمنح رؤية جديدة للواقع ولذواتنا وللعالم, بشكل وحدة عميقة وفاعلة, وحدة كل الأشياء وكل الكائنات.
اليوم لا توجد إلا "الرؤية الكلية" فلم تعد توجد لبنة أساسية بل كلٌّ هو في ذاته لبنة لكل أعظم. ومن هذا القبيل, إن الروح العلمية الجديدة تقع بالتعريف على جميع التخوم. تخوم الملاحظة, تخوم التعريف, تخوم مفاهيم المكان- الزمان, تخوم القابل للقول, القابل للملاحظة, القابل للفهم. في الندوة تأكيد على مبدأ كون الطبيعة واحدة, هذا يعني أن كل الطريقة العلمية والفلسفية تتغير. فآينشتاين عندما أنزل الخط المستقيم عن عرشه, بقوله: أن كل خط مستقيم هو خط منحني, وهذا ما قالته التقاليد بأنه لا يوجد في الكون سوى خطوط منحنية. والخط المنحني هو ديناميك ما هو حيّ, إنه أجمل حبل يجعله المكان- زمان يهتز: أي أنه الخلق المستمر. والإنسان مبدع يخاف اللامتناهي القائم فيه. ومع ذلك فإن اللانهاية هي أول بند من بنود الرياضيات.
هذه التخوم تقود إلى مبادئ تنطلق من المواجهة التي تنطلق من نفي الانحطاط الحضاري. فالكون ليس سوى حركة وحرية في الاختراع باستمرار, أشكالاً للحي جديدة. من هذا القبيل يعبر الواقع الكوني, المادة برُمتها, عن حرية وجود, هي أيضاً حريتنا. فالإنسان غير محدد, إنه حر, في عالم التفاعلات المتبادلة هذا, في أن يُظهر حضوره. حضور الإنسان هذا ينفي الصدفة عن المصير, لأنه دائماً يقتات على الدوام من الواقع. الواقع الذي يذكرنا بأننا كونيين. والكون عقليّ, له شخصيته الخاصة لأنه مؤلف من جزيئات, تملك زماناً ومكاناً وصيرورة خاصة بها مستقلة عن ذاتنا, لها اتجاه وسهم زمان على سلمها مثلما نمتلك نحن سهم زمان, في عالمنا الخاص. وهذا الكون في تشكل دائم وله نماذج لا تعد ولا تحصى, ولا توجد نظرية تستطيع القول أخيراً "هذا هو شرح العالم", فالفيزياء الحديثة تحولت إلى فيزياء الممكنات. والإنسان يشترك مع هذا الواقع في حرية الممكنات, طالما هو في صيرورة قائمة على تزايد المعلومات والوعي والذكاء, ولا يوجد نموذج يقدمه عالم فيزياء إلا ويعتبر حالة مثالية, لأنه في البحث الفيزيائي الحديث يستحيل ملاحظة جزيء دون أن يحدث الملاحِظ تغييراً في الجزيء الملاحَظ ( نظرية هايزنبرغ, ونظرية بيل), والواقع المحض( حلم القرن التاسع عشر ) لم يعد له وجود, لأن الواقع في الرؤية الفيزيائية الحديثة, ينتج من التفاعل بين الإنسان والعالم اللذين هما مظهران لواقع واحد هو عين ذاته.
نحن الآن بصدد مفهوم جديد للمادة ال(مادة- طاقة), وهو مفهوم أكثر دقة من المفهوم الكلاسيكي للمادة إلى ما لا نهاية. هذا المفهوم يستدعي تساؤلات مشتركة بين جميع مجالات المعرفة الإنسانية, مثل: ما معنى الحياة؟ ما دور الإنسان في السياق الكوني؟ ما المكان الذي تشغله الطبيعة في المعرفة؟. ذلك لأنه في عالم الحوادث الكوانتية, تتجلى الكيانات الكوانتية على شكل جزيئات وأمواج, معاً. والفراغ ممتلئ, فهو يحتوي بالقوة كل الحوادث. إن العالم الجديد عالم غليان وتلاشي وخلق, عالم سُرع مذهلة. عالم لا يمكن وصفه بلغة العلم الكلاسيكية, ففي مفهوم التكامل الذي أدخله ( نيلس بوهر ) في عام ( 1927): يكون الجزيء عبارة عن جسيم أو موجة بالمعنى الكلاسيكي. لكن الجزيء الكوانتي ليس جسيماً ولا موجة. هو جسيم وموجة. فالجسيم والموجة لهما نفس المعنى. التكامل هنا لم يعد يحمل معنى التجاور, بل هي تعابير مختلفة تؤدي نفس المعنى. وعلى السلم الكوانتي, الضوء" الفوتون " هو أمواج وجسيمات. وهو الرسول الوحيد من مخلفات الانفجار الكبير(
big- bang) الذي يمكن ملاحظته في هذه الأيام وله كتلة معدومة ويتصف بالتناظر. أي إنه والكون, مقترنان اقتراناً حميمياً, وفهمه كلامتناهي في الصغر يساعد على فهم الكون, كلاامتناهي في الكبر. وعالم التفاعل بين الجزيئات يكون موضوع علم الكونيات ( الكوسمولوجيا ), على قاعدة, أن الكون يكون قد احتفظ بذاكرة عما حدث لدى ولادته. وهذا سؤال ذو طبيعة ميتافيزيقية, كالسؤال عن سيرة المكان والزمان. أي أن العالم معقول, وعليه, أن كل ما هو مجهول الآن سيصبح ذات يوم منكشفاً ومعلوماً. فاللامعقول غير حقيقي مرحلي, وما هو حقيقي هو المعقول, أي يخضع لقابلية إعادة الإنتاج وللتجريب والفهم العلمي.
لكن المجهول سيبقى, واللامعقول والمعقول بينهما تعاون دائم ويشكلان قطبين متضادين لحقيقة واحدة, هذا ما يجعل كل منهما متعالياً في تفاعل متبادل, والإنسان في المركز, هذه الديناميكية هي مصدر الحرية والتلقائية والقدرة الخلاقة,في تطور المنظومات الطبيعية.
يقول آينشتاين: "إن الشيء الأكثر استعصاء على فهم العالم, هو أن بوسعنا فهم العالم". يُشرح هذا القول بقول آخر, إن الوجه الوحيد اللامعقول في العالم هو معقوليته. انطلاقاً من التوافق بين الفكر البشري والذكاء المخبأ في قوانين الطبيعة. وهذا ما يشرح إلحاح آينشتاين على دور "الحْدسي" باعتباره شكلاً من أشكال المعرفة المباشرة في نشوء الاكتشافات العلمية الكبرى. إنها روح علمية جديدة, تستلزم درجة معينة من التجريد والشكلياتية المنطقية والرياضية.
تبدأ بادراك أن التجريد هو جزء مكون للواقع, شكل من أشكال الطاقة التي يُعدُ, حاملها, المخّ وكيان الإنسان بأكمله, وقد نستطيع بهذا الشكل, فهم قوة الأفكار. وأيضاً, لماذا توجد تطابقية مدهشة بين وصف رياضي وبنية الواقع.
والإنسان هو المنظومة الطبيعية الوحيدة التي تستطيع أن تقوم بدور أداة قياس للتجريد. وبهذه الطريقة أيضاً يبدو الإنسان كمشارك في الواقع. بفكره, كقوة "فعل", يمنح الحتمية بعداً جديداً, وتدخلاً دائماً في مصيره, عند ذلك تصبح الحتمية, هي التي يبتكرها الإنسان نفسُه لنفسه, بعبارة أخرى, إن الإنسان حر بشكل أساسي لأنه وعي, قبل كل شيء.
من باب الطرافة, كان ( ألفريد فونينزكي ) يقترح إجبار السياسيين, بشكل دوري على تقديم امتحانات تتعلق بالاكتشافات العلمية. لردم الهوة بين رجال السياسة ورجال العلم, لأن وجهة رجال السياسة إلى الرأي العام, فهكذا تصل العلوم إلى كل البشر. وإن لم يكن كذلك, فالمهمة تصبح مهمة رجال العلم ويجب التصدي لها.
في الكوسمولوجيا, الصدفة لها حضور قوي, فهي تمنح حرية, وغيابها يقود إلى الحتمية بالمعنى الكلاسيكي, إذن, إلى غياب الحرية. ولحل هذا التعارض بين الصدفة والحتمية, في الكوانتية, يوجد طريق وسط, هو طريق تقرير المصير والحرية. مما يسمح للإنسان مشاركة فعالة في سياق الخلق, فهو( الإنسان ) في الفهم الكوانتي خليط رياضي جيد التعريف من عناصر شخصية وكونية. وهذا ما يضيف مسؤولية جديدة على كاهل الإنسان, لكي يقلل بالضرورة من القيم الأنانية, وتقوية الحِس بتعاون متوافق مع الآخرين ومع الطبيعة, لقد أصبح يمتلك مصيره.
لقد أقرت ندوة البندقية بالميتافيزياء إلى جانب الفيزياء التي تسمح بالتوصل إلى مفاهيم جديدة عن العالم. وهذا ما سمح بالتحرر من الفكر الوضعي للقرن التاسع عشر, الذي جعل حالة قمع, رافقت الاستعمار, تَسود. بناء على رؤية, بأن الواقع مستقل بذاته, وعلى إنكار حقائق وقضايا الميتافيزيك. وأقرت بأن للكون ذاكرة, وهذا ما يتوافق مع التقاليد, مثل قضايا وحقائق فلسفات الشرق. كما أقرت الندوة, بأنه لا يوجد تعارض بين ما فانٍ وبين البقاء, لأن الطبيعة قائمة على ما يشبه التعايش, وأن التعارض الذي نقيمه بين ما هو عابر وبين البقاء, ما زال, لسوء الحظ, ميراثاً من الماضي.
وأن في الكون رنين ناتج عن سلسلة كاملة من الإجراءات التخلقية في الأساس, ويكون هذا جزءاً من نسيج العالم, ومن الطريقة التي تعمل بها الطبيعة. وأننا نعيش عصر عبور ثقافي متسارع, إنه نتاج, ثقافة - تكنولوجيا , يُحدث تداخل للثقافات, والقوميات, وهذا ما يسمح بالقول لا سيادة مطلقة لأية ثقافة أو قومية في العالم. لكن علماء الندوة يقرون بوجود ثغرة في الميتافيزيقا, نتيجة الإفراط في التخصص العلمي, الذي يعيق امتلاك ثقافة فلسفية كونية, وممكن للمتخيَل العلمي أن يردم هذه الثغرة بين علوم الإنسان والعلوم الفيزيائية. مع الأخذ بالاعتبار بأن لكل بنية اجتماعية تدفق خيالات خاص, فالميول الخاصة لأي مجتمع, يجب أخذها في الحسبان. لكنهم ينكرون وجود حدود بين الأشياء, ما يوجد فقط معايير, وهذه المعايير مؤسسةٌ اشتقاقياً, لأن كلمة (
raison), أي عقل مشتقة من الكلمة اللاتينية (ratio) التي تعني: علاقة, تناسب, قياس, وبالتالي يكون عقلياً (rational), ما هو في متناول قياساتنا, في متناول العلاقة, في متناول التناسب الرياضي, في متناول التحليل العلمي. مما يؤدي إلى نتيجة مؤداها, أنه لا توجد موضوعية أو ذاتية مطلقة. بل يوجد تفاعل متبادل, بين الإنسان والعالم, والواقع هو نتيجة هذا التفاعل. وهذا مبدأ من مبادئ الكوسمولوجيا الذي يظهر أهمية الإنسان, وبالتالي يعيدنا نوعاً ما إلى المفهوم الميتافيزيقي, حيث خلق الله الكون تبعاً للإنسان الذي كان يريد أن يضعه داخله.
وأخيراً, في الكتاب أربعة نصوص لمشاركين في الندوة هم: الفيزيائيون, بازاراب نيكوليسكو (1), نيكولو ديلاّ بورتا(2), هنري سياب(3), والكاتب ميشيل روندوم(4), كما يحتوي على ما هو أساسي في المناقشات والمحادثات التي جرت على هامش ندوة البندقية. والكتاب يتوجه إلى كل الذين يريدون أن يعيشوا في زمانهم, من رجال العلم ومن الفلاسفة ومن الناس المثقفين, أي الذين يريدون فهم الانقلابات العجيبة التي جرّتها الثورة العلمية المعاصرة.
هوامش:
1- بازاراب نيكوليسكو(فرنسا): دكتور في العلوم الفيزيائية, ومنظّر في المركز الوطني للبحوث العلمية, متخصص في نظرية الجزيئات البدئية.
2- نيكولو ديلاّ بورتا (إيطاليا): أستاذ الفيزياء والفيزياء الفلكية النظرية في جامعة بادو.
3- هنري ستاب: فيزيائي, باحث ذو كرسي في مختبر لورونس بيركلي, اختصاصي في فيزياء الجزيئات ويهتم أيضاً بالعلاقات بين الوعي والسياقات الكوانتية.
4- ميشيل روندوم(فرنسا): مؤلف أفلام وكتب عديدة مكرية للتقاليد والفن.

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •