الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

كتاب

قصة الأرقام عبر حضارات الشرق القديم

تأليف موسى ديب الخوري

صادر عن وزارة الثقافة بدمشق، 2002

 

الفصل الأول

 من الشكل إلى العدد المجرد

1-  العدّ والحاسة العددية عند البشريات القديمة

تشدنا دائماً دراسة تاريخ الابداعات البشرية إلى الأصول البعيدة لها. إلا أن دراسة الأرقام تأخذنا إلى ماضٍ سحيق جداً من تاريخ ارتقاء البشريات، وذلك أن القدرة على التجريد العددي نفسها مرتبطة كما يبدو بارتقاء الكائن الانساني وتطور إمكانياته. وهكذا، تقودنا أسئلة من نمط متى وكيف ظهرت الأرقام، وكيف توصل الإنسان إلى تعلم الكتابة، إلى أسئلة من نمط هل كان التفكير والتجريد موجودين دائماً، وهل عرف الإنسان الكتابة منذ ظهوره، وهل كان دائماً يستطيع العدّ والحساب، ومتى ظهر الانسان؟ وهل كان مثلنا اليوم أم تطور وتغير قبل أن نأتي نحن؟ وهل ترتبط مقدرته على التجريد والابداع بتطوره وببيئته. أم هي مستقلة عنهما؟ كذا، سأحاول الإجابة قدر الإمكان على هذه التساؤلات ضمن ما يسمح به موضوع بحثنا، علنا بذلك نستطيع وضع تصور شامل لتاريخ الأرقام في الشرق الأدنى القديم.

ولعل دراستنا لمنطقة الشرق الأدنى هي التي تعطينا مبرر العودة على هذا الماضي السحيق. فقد بات معروفاً أن هذه المنطقة كانت نقطة عبور رئيسية للبشريات القديمة من افريقيا إلى آسيا وأوروبا، وقد تواجدت الانسانيات فيها بشكل مستمر عبر أكثر من نصف مليونه سنة. وبالتالي فقد شهدت دون شك بعض أهم مراحل الارتقاء الانساني، وكان آخرها ظهور الانسان العاقل الذي انحدرنا منه.

ينتسب الإنسان إلى الثدييات المصنفة في رتبة الرئيسيات التي ظهرت منذ نحو 70 مليون سنة، وقد بدأ تمايز فرع البشريات منذ زمن طويل، ووصل إلى مرحلة حاسمة مع ظهور الأوسترالوبيثكوس  australopithequeمنذ نحو 4 مليون سنة. وعلى الرغم من أن هذا "البشري المنتصب الأول" لم يكن قد اتصف بعد بميزات انسانية واضحة، لكنه لم يكن قرداً بالمقابل. ويتراوح طول هذا النوع بين 1م و1.10م. وتصل سعته الدماغية إلى 500 سم3 . وسطياً. وقد عثر العلماء على بعض الأدوات الفجة التي اشتغلها واستعملها من الحصى الصوانية ونصال الكوارتز وبعض المواد العظمية والسنية والقرنية.

ومنذ نحو 2.5 مليون سنة ظهر بشري جديد دُعي هوموهابيليس  HomoHabilis، وتتراوح سعة جمجمته بين 500 و 200 سم3. وتُنسب له أولى المعسكرات البدائية، كما أنه طوّر الصناعات الحجرية بشكل واضح ولهذا دعي بالماهر. وبعده، ومنذ نحو 1.7 مليون سنة، ظهر بشري جديد هو الهومو إركتوس HomoErectus، وتتراوح سعته الدماغية بين 780 و 1225 سم3. وقد وُجدت أنواعه في مختلف أنحاء العالم القديم. وكان يتميز بذكاء متطور، واستطاع تنظيم معسكراته واستعمل المواقد منذ نحو 800.000 سنة. وظهر معه نمط جديد من التقصيب الحجري سمي باللوفالوازي Levallois، وفيه لا يكتفي الناحت بنحت الحجر، بل يفكر مسبقاً بشكله المطلوب وبطريقة استعماله.

وبعد الهومو إركتوس، ظهر نوع جديد هو الهوموسابيان HomoSapien الذي عُرف بنوعين أساسيي: هومو سابيان نياندرتالانسيس Neanderthalensis وهوموسايان سايبان HomoSapienSapien. ولا يزال تاريخ هذين البشريين يثير الكثير من التساؤلات حولهما. ويرجع ظهور إنسان نياندرتال إلى نحو 200.000 سنة، وتصل سعته الدماغية على 1700سم3. وهو أول إنساني يدفن موتاه. ولا تزال أسباب انقراضه غير معروفة تماماً، وذلك منذ نحو 35000 سنة، أي بعد ظهور إنسان كرومانيون Crimagnon أو سابيان سابيان، الذي ترجح ظهوره التقديرات الحديثة قبل أكثر من 50.000 سنة. ونحن نعرف هذا الإنسان اليوم بشكل كامل تقريباً في كفزة والسخول في فلسطين، وهو يطابق في العديد من صفاته الإنسان الحالي. وتتراوح سعته الدماغية بين 1000 و2000 سم3. ومن الثابت اليوم أن هذا الإنسان انتقل من منطقة الشرق الأدنى إلى أوروبا، وكان هو أول من إجتاز مضيق بيرنج بين آسيا وأمريكا ليعبر إلى القارة الجديدة ويعمرها منذ 30.000 سنة. وقد تأقلم مع مختلف أشكال المناخ في كافة أصقاع العالم، وتميز بتنوعه الفيزيائي والثقافي، وبتفتح مقدراته النفسية والعقلية.

لقد استطاع انسان كرومانيون تحقيق عدة قفزات أو تحولات على كافة المستويات. وكان أهمها انتقاله إلى حياة الاستقرار في القرية منذ نحو عشرة آلاف سنة في بلاد الشرق الأدنى، ثم بعد ذلك في مناطق عديدة من العالم أهمها مصر والصين وأمريكا الوسطى، ومارافق ذلك من تطور اجتماعي وثقافي ونفسي. لقد تعلم هذا الانسان تدجين الحبوب والحيوانات، وبناء البيوت والزراعة، وأسس أولى الحرف، وتوصل أخيراً إلى ابداع الكتابة وتطويرها وصولاً إلى الأبجدية، كما أوجد أنظمة عدّ وترقيم مختلفة مما قاده إلى أول أنماط العلم والتجريد.

وكان لا بد لانسان كرومانيون، لكي يستطيع دخول التاريخ بهذا الزخم، من خبرات متراكمة كثيرة، ومن قدرات تقنية وذهنية ونفسية متناغمة ومتنامية. ولا شك أن صيرورة النولتة انعكست عليه فيزيولوجياً ونفسياً وعقلياً. فقد اكتمل شكله الفيزيولوجي القريب جداً من الإنسان الحالي، وأصبح أكثر مرونة وامتشاقاً من أسلافه، كذلك تطورت حاجاته النفسية وبات تعبيره عن رؤاه الداخلية ودوافعه وأحلامه أكثر نضجاً، وتعدّ الأساطير مثالاً حياً على هذه الناحية. وجاء اكتشافه وتطويره للعد والكتابة تعبيراً عن تفتح حاذق في بنيته العقلية مما قاده إلى التجريد والقدرة على البحث والاستكشاف.

ولكن ماذا عن البشريات السابقة لانسان كرومانيون؟ يمكننا القول إن هذه البشريات لم تطور عداً خاصاً بها، واكتفت بالقدرة الفطرية لديها على تمييز الكميات الصغيرة دون عدّ. لقد بينت الدراسات التي أجريت على الحيوانات إنها تملك حساً عددياً بسيطاً يسمح لها بتمييز مجموعات صغيرة من الأشياء. وتتوقف هذه الحاسة العددية عند الخمسة تقريباً. ولا بد أن البشريات القديمة كانت تملك هذه الحاسة أيضاً. وكان اكتشاف بعض القبائل البدائية الحالية في أدغال لم تطلها مدنيتنا الحديثة مؤشراً داعماً لهذه الفرضية إذ أن هذه الحاسة موجودة لدى أفرادها ضمن هذه الحدود نفسها. وكذلك الأمر بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 14 شهراً، فهم لا يميّزون العدد، بل المعدود نفسه إذا لم تتجاوز عناصره الثلاثة أو الأربعة.

ولا شك أن إنسان نياندرتال كان قد طوّر امكانيات للعدّ بواسطة المقارنة بشكل بدائي. فحياته كانت قد أصبحت أكثر تعقيداً  من أسلافه. لكنه لم يكن ناطقاً، ولعل النطق كان أحد المعاملات الهامة في تطوير ألفاظ خاصة بالأعداد وبالتالي بظهور الأرقام. ولا شك أيضاً أن إنسان نياندرتال الذي تعايش لفترة مع انسان كرومانيون نقل له بعض خبراته بواسطة الحركة الإيمائية التي تظن أنها كانت لغته الخاصة.

لقد كان انسان كرومانيون المحصلة التي اختزنت خبرات أسلافه كلها بشكل مباشر أو غير مباشر. وترجع أولى الدلائل الآثارية لدينا عن محاولات قام بها في العدّ إلى العصر الحجري القديم الأعلى، الذي يمتد بين نحو 33000 و 12000 سنة ق.م. وتتوزع هذه الدلائل على مناطق مختلفة من أوروبا بشكل خاص. ومع ذلك، فإن استمرارية هذه الآثار الأولى في إمكانيات العدّ البدائية المختلفة موجودة في مختلف أنحاء العالم، مما يؤكد لنا أن دلالة هذه اللقى دلالة عامة، وتشير إلى بداية العدّ عند الانسان العاقل عموماً. ففي تشيكوسلوفاكيا مثلاً، عُثر عام 1937 على عظم كعبرة ذئب وقد حُزَّت عليه 55 فرضة موزعة على سلسلتين تتألف كل منهما من مجموعات صغيرة من خمس حزات. وترجع القطعة العظمية إلى العصر الأورينياسي Aurignacien أي إلى ما بين 30000 و 20000 عام ق.م. ويمكننا الافتراض أن صياداً كان يحز هذه الفرضات كلما صاد فريسة، أو كلما مرت ليلة وهو بعيد عن أهله. وهكذا فإنه يُعدُّ أول من تعامل مع أبسط أشكال الأرقام. وترتكز هذه الفرضية في الواقع على اكتشافات أخرى مماثلة، كما وعلى دراسة متأنية لاهتمامات وإمكانيات الإنسان في تلك الفترة.

قد يصعب علينا تصور الإنسان الحجري القديم يقوم بحز هذه الفرضات بهدف المقارنة العددية بين الفرضة ومقابلها المادي. لكننا إذا تذكرنا إبداعاته الأخرى في مجال نحت الأداة الصوانية أو اختراع الإبرة وتنظيف الجلود وخياطتها وتزيين مغائره برسمات فنية رائعة تشهد له على حس سليم نام ومقدرة إبداعية حقيقية، فإننا لن نتردد بالاعتراف له بالمقدرة على إقامة مثل هذه الموازاة بين الفرضات والأشياء! لقد درس عالم ما قبل التاريخ ألكسندر مارشاك A.Marshack قطعاً عظمية كثيرة ترجع للفترة نفسها، وقد جمعها من مواقع كثيرة مختلفة وبعيدة، كان أحدها في كينيا. وتبين له بالدراسة المجهرية وجود تدوينات معقدة على هذه القطع تتعلق غالباً بمتواليات تشبه مراحل أطوار القمر. وأكدت الأبحاث التالية أن الأمر يتعلق على الأغلب بتتبع أطوار القمر يوماً بيوم. كذلك تبين وجود حزّات موازية تشير إلى تكرار الظاهرة دورياً عدداً من المرات. لكن السؤال المطروح هل كان يعرف هذا الانسان في النهاية عدّ هذه الفرضات؟ إذا كنا نقترض أنه كان لا يزال بعيداً عن تطوير منظومة شفهية للعدّ. فإن ذلك لا يمنع قدرته على العدّ بطريقة المقارنة أو المطابقة مع أشياء ثابتة ومقسّمة على مجموعت يحملها الانسان دائماً معه، كأصابع اليدين والقدمين والنقاط الرئيسية والمميزة من جسمه.

لا شك أن المقدرة على المقارنة مع ترتيب معين ثابت لنقاط أساسية في الجسم يُعدُّ تطوراً هاماً لا يمكننا إهماله في سياق تتبعنا لأصول الترقيم. فالقدرة على الترتيب تحتاج إلى خبرة طويلة في استعمال وتوزيع النقاط الأساسية الثابتة دون وجود أرقام ذهنية مقرونة بها. وبشكل آخر، يمكننا القول إن العدّ كان في تلك المرحلة عبارة عن حفظ شكلي لتتالي نقاط ثابتة بشكل منتظم، دون أن يعني ذلك معرفة أن كل نقطة مرتبة في هذه المتتالية تمثل عدداً أو معنى مجرداً ما. وتزودنا دراسة القبائل البدائية بأمثلة كثيرة هامة ودقيقة حول هذا النمط من العدّ. فأهالي بعض جزر مضيق تورس Torrs  مثلاً يعدون بلمس أصابع أيديهم إصبعاً إصبعاً، ثم نقاط المعصم والمرفق والكتف، ثم النقاط الذي يصل إلى 33 مع نقاط الوجه كالعينين والأذنين وغيرها، فيتم اللجوء إلى حزمة من العصيات الصغيرات المساعدة. ويشير استخدام هذه العصيات كما سنرى إلى أول أشكال العدّ العملي التي تطورت في منطقة الشرق الأدنى، لا بل وفي مناطق أخرى من العالم. فقد اعتمد الصينيون المبدأ نفسه في قراءة الفرضات على دروع السلاحف والعظام، وشعوب أمريكا الوسطى على طريقتها المشهورة في عقد الحبال بدلاً من الفرضات. وكان أساس العدّ يعتمد على المقارنة في كافة هذه الحالات.

يُطرح سؤال هام هنا؛ هل كان البدائيون الذين ورثوا هذه الطرق في العدّ يطلقون تسميات على نقاط العد الجسمية هذه؟

 تبين دراسة الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء الناس أثناء عدهم أنها تسميات الأعضاء نفسها التي تمثل نقاط العدّ. ودليل ذلك أن التسمية نفسها تطلق على رقمين أحياناً، عندما يتعلق الأمر بالمرفق أو العين أو الأذن مثلاً. ولهذا، فإن التسميات ما كانت لتلعب في البداية دوراً هاماً في العدّ بقدر الدور الذي كان لترتيب نقاط العدّ نفسها. ومن المدهش بالطبع أن يتأخر ظهور تسميات لهذه النقاط الثابتة والمرتبة. ونعتقد أن تفسير ذلك يرجع إلى قدم هذه الطريقة، وتوارثها وتأصلها عبر عصور طويلة جداً، بل وربما رجوعها إلى زمن إنسان نياندرتال غير الناطق، وبالمقابل، فمما لا شك فيه أن أولى الأسماء التي أطلقت على الأعداد كانت أسماء هذه النقاط – العلام نفسها في الجسم، وهذا أيضاً قد تؤكده لنا دراسة أسماء الأرقام عند عدة شعوب قديمة أوأقوام بدائية أيضاً.

ومع ذلك، فإن التسمية الرقمية الأولى لم تحمل المعنى المجرد تماماً، بل كانت مساعدة في البداية على تذكر الترتيب "العددي"، وتختصر في الوقت نفسه عملية تكرار العدّ للوصول إلى النقطة المطلوبة. وهكذا، فقد مضى وقت طويل قبل أن يحاول الإنسان القديم اللفظ إلى معنى مقترن بالترتيب العددي.

يجب أن نشير أخيراً إلى أن صيرورة اعتماد فكرة العدّ بواسطة نقاط العلام ومقارنتها بالفرضات أو بالحصى أو بغيرها، ثم إطلاق التسميات عليها، لم تتم وفق مراحل متجانسة ومستمرة. فقد استمرت محدودة وبسيطة كما رأينا عند أقوام لا يزالون حتى اليوم تقريباً يكتفون بالعدّ حتى أربعة (!)، أوبالعد دون تسميات، أو بالعد فقط اعتماداً على ترتيب نقاط الجسم. كذلك، فإن هذه الطريقة اكتشفت مرات ومرات قبل أن تجد البيئة والظرف المناسبين لتعطي منهجاً واضحاً في العدّ.


 

2 – النولتة وأنماط العد الأولى

 

أعترف أن بحثنا حتى الآن اعتمد على الخيال ومحاولة اسقاط المعلومات القليلة التي بحوزتنا على مساحات تارخية واسعة جداً. وإنني أترك للقارئ تقدير مدى نجاحي في تسليط الضوء على أهم المعلومات التي حرضت الانسان القديم على العدّ. وحسبي أن أكون قد استطعت إثارة المخيلة كما والأسئلة حول فترة البدايات تلك، الغامضة والمشوقة!.

أما الآن، فلا بد لنا من التعامل مع معطيات أكثر وضوحاً، ويقيناً، ومع مساحات زمانية ومكانية أضيق. ونحن نشير هنا إلى بداية عصر النولتة منذ نحو عشرة آلاف سنة. والمقصود بالعصر النيوليتي اليوم ليس العصر الحجري الحديث كما توحي اللفظة، لأن هذا التعريف لم يعد كافياً لاستيعاب تطورات ومميزات هذه المرحلة. ويقصد العلماء بهذه التسمية اليوم العصر الذي انتقل فيه الانسان من الصيد إلى الانتاج الزراعي والرعوي. وقد ظهرت أولى بوادر هذا التحول في الشرق الأدنى، وبخاصة في موقعي المريبط والجرف الأحمر في سوريا وشاتال حويوك في تركيا حالياً.

لقد طُرحت عدة فرضيات لتفسير صَيرورة النولتة في الشرق الأدنى القديم. لكن كيف يمكن تقديم تفسير وافٍ لهذا الانتقال من شكل حياة دام مئات آلاف السنين إلى شكل جديد تماماً وخلال فترة قصيرة جداً؟ لا بدّ أن الاستعداد النفسي عند الانسان كان قد بلغ مرحلة من النضج مكنته من تحقيق هذه القفزة. فتمرسه الطويل بالتعامل مع الطبيعة، والخبرات المكتنزة في لاشعوره والمتوارثة عبر أجياله، ذلك كله برز كمعامل داخلي توافق مع عدة معاملات خارجية مساعدة، كالبيئة واعتدال المناخ والنمو الديمغرافي وتطور المهارات وتوفر الغذاء إلخ..  ولنا دلالة على ذلك في استمرارية ظهور هذا التحول، أي فعل النولتة، في أكثر من مكان ومن قارة بشكل منفصل، إذ ظهر بعد الشرق الأدنى في الشرق الأقصى في الصين وبطريقة مختلفة، ثم في أمريكا الوسطى. ويطرح العلماء فكرة وجود أكثر من مركز نولتة في الشرق الأدنى نفسه، مما يدعم فكرتنا حول الاستعداد النفسي العام كمحرّض أساسي للتغير الثقافي. ويبين كوفان J.Cauvin  أن النولتة هي صيرورة ثقافية اعتمدتها الجماعات والشعوب بشكل واع ومتأن ضمن ظروف تحضّر واستقرار نلاحظها للمرة الأولى عند المجموعات النطوفية التي سادت ثقافتها خلال الألف التاسع ق.م مناطق الشرق الأدنى القديم. ويمكن تفسير وفهم إرادة التغيير هذه بتأقلم الانسان النفسي والذهني مع مجتمع أكثر تعقيداً وعدداً، ومع طبيعة أكثر غنى وليونة.

لقد ظهرت القرية ببيوتها الدائرية الشكل منذ الألف التاسع ق.م، ثم ظهرت البيوت المربعة التي شكلت بتألفها نوى اولى المدن مثل أريحا وشاتال حويوك ودمشق وغيرها. وظهر التدجين في الألف الثامن إثر تقنية ربطت بين الإنسان والكلب. وسرعان ما تم تدجين الماعز والخروف والخنزير. وفي تلك الفترة أيضاً زرعت أولى الحبوب من قمح وشعير وعدس وغيرها. وتُدعى هذه المرحلة بقبيل النيوليتية، أو النيوليتية ما قبل الفخارية، إذ أن الفخاريات لم تظهر وتنتشر إلا في الألف السابع ق.م. وشهد الشرق الأدنى القديم خلال ثلاثة آلاف سنة تالية ازدهار حضارة رائعة بحق. ومن أهم المدن التي تميزت بمستواها التقني الرفيع واشعاع تجارتها وتعقيد ديانتها وغنى ثقافتها، نذكر مدناً باتت شهيرة اليوم مثل جرمو وأريحا وحسونة وحلف والعبيد. ونجد في هذه المواقع الابداعات المميزة للعصر النيوليتي مثل النسيج وصقل الصخور وأنماط البناء وكسائه من طين وحجر وخشب وجلود، وتطور تقنيات الزراعة من ري وأدوات، وبناء الأسوار والزرائب والمواقد، وشيّ الآنية الفخارية؛ لقد تميز إنسان تلك الفترة بأدوات حاذقة لا نزال نستعملها حتى اليوم، مثل الدسوت والأباري ومختلف أشكال الآنية وآلات الحياكة والحلج والعزل، كما والطحن والجرش والعصر، وعرف معظم آلات الزراعة من محراث ومعاول ومناكش وغيرها، وطور الإبرة والصابون والخيوط والقنديل. وعلى هذه الخلفية والوسعة من الانجازات، أبدع فنوناً وطقوساً ولغات متميزة، وراح يطور الكتابة والتدوين والعدّ وأولى أشكال الترقيم ليصل إلى عصر التعدين وهو مزود بامكانيات كافية لبدء عصر لا بدّ فيه من معرفة الأرقام والحساب للتقدم خطوة جديدة على درب الحضارة.

كانت منطقة الشرق الأدنى قد بدأت تشدّ علماء الآثار إليها منذ القرن الماضي. لكن التنقيبات المنهجية الكبرى لم تبدأ فيها إلا مع بدالة هذا القرن. وكان أكثر ما فاجأ العلماء بل والعالم كله تلك الألواح أو الرُقم من الطين المشوي التي دُوِّنت عليها كتابات عُرفت فيما بعد بالكتابات المسمارية. لقد اكتشف العالم فجأة أن تاريخ الكتابة والفن والفكر يرجع إلى خمسة آلاف سنة ق.م على الأقل. ومع تزايد الاكتشافات وغناها ظهر بوضوح أن المنطقة عبارة عن منجم هائل لا ينضب لتاريخ عريق وحافل. ولهذا كان لا بد من مجهود جبار يبذله العلماء في تصنيف المكتشفات وفق مواقعها وطبقاتها ومواضيعها. وكانت قصة الرقم الطينية أهمها على الإطلاق ربما، لأنها فتحت لنا الباب على مصراعيه لتتبع ولادة الكتابة والحروف والأرقام.

إن الرُقم الطينية هي ألواح مسطحة ومحدبة قليلاً من الصلصال المصنوع والمشوي بعناية. وقد اكتُشفت منذ بداية هذا القرن في مواقع عديدة من الشرق الأدنى، وكان فالكنشتاين A.Falkenstin ونيسين H.Nissen ومارغريت غرين M.Green من أوائل الذين درسوها. وكان يتم تدوين الأشكال والرموز على هذه القطع بواسطة ريشة من الخشب أو القصب أو العظم أو العاج، بحيث يكون أحد طرفيها مدبباً وعريضاً والطرف الآخر دقيقاً وحاداً. وهكذا، كانت الرموز إما تُطبع بواسطة الطرف العريض على الطين المبلل، أو تُحزّ بواسطة الطرف الدقيق. وكان عدد الرموز والأشكال المستعملة يتجاوز 1500 رمز في معظم المواقع، وذلك قبل اكتشاف رموز الأبجدية في أوغاريت قبل نحو 1400 عام ق.م.

لقد تسائل العلماء دون شك حول اصل هذه الرقم الطينية. إذ لا بد أنها لم تنشأ هكذا دفعة واحدة، ولا بد أن التدوين عليها مرّ بفترات تطور ومراحل تحول عديدة. ومع أن احتمال أن تكون بدايات التدوين مرتبطة بمواد هشة كالخشب أو أوراق البردي أو الجلود هو احتمال قائم، لكنها ما كانت لتفضي على نمط تدوين كالذي تم اكتشافه على الصلصال. ولهذا، حاول عدد من العلماء تتبع صيرورة ظهور التدوين على هذه الرقم، وكانت المفاجأة أن البداية كانت ترجع إلى الحاجة للعدّ!.

لا شك أن إنسان العصر النيوليتي في الشرق الأدنى، مع ما كان يتمتع به من تقنيات وامكانيات واستعداد، كان قادراً على رصد حاجاته المادية عبر أشكال مختلفة من الترميز والتدوين. ومما لا شك فيه أيضاً أنه استخدم مادة الخشب بخاصة لهذه الغاية كما ولصنع العديد من أدواته. ولهذا، فلا بد أننا فقدنا جانباً كبيراً من الوثائق الآثارية بسبب تلف الخشب مع مرور الزمن، إذ لا بدّ أن هذه المادة كانت مادة خام جاهزة توفر للانسان إمكانية حز الفرضات عليها (كما وجدنا بالنسبة للانسان الأقدم منه) وتشكيل العديد من الرموز والقطع التصويرية بها. لكن قصة التدوين الأولى لم تغب عنا لهذا السبب، إذ لحسن الحظ كان ثمة مادة خام أخرى مقاومة لعوامل الزمن قد أصبحت أساس عملية التدوين فيما بعد.

تؤكد الدراسات الحديثة أن أولى محاولات الانسان العملية في التسجيل والقياس بدأت مع الحصى ذات الأشكال المختلفة والمصنوعة من الطين. وكانت هذه الدراسات قد بدأت منذ اكتشاف يوليوس جوردان Jordan عامي 1929 و 1930 لأمثلة على هذه "الحصيات" مع مجموعة من الرقم التصويرية في أوروك. وبيّن التحليل المبدئي آنذاك أن هذه الحصيات كانت بأشكالها المنمقة أكثر تجريداً من الرسمات "الهيروغليفية" التي كانت تدل على ما يشبه الصفقات التجارية، من بيع للأراضي أو للمحصول الزراعي أو غيره من خبز وبيرة وماشية وألبسة. ودُعمت فرضية استخدام الحصيات في مجال "التعيين" أو "العد" أو "الحساب" أو "المقايضة" عبر اكتشافات عديدة أخرى. فبين عامي 1927 و 1930 أجرت المدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية تنقيبات في مدينة نوزي العراقية، قرب كركوك، وهي ترجع إلى الألف الثاني ق.م، واكتشفت فيها نماذج هذه الحصيات التي أثبت أوبنهايم بعد نحو 30 سنة أنها كانت تنتمي إلى نظام تدوين بحسب ما جاء في نصوص هذه المدينة، وأنها كانت تُستخدم في عمليات المحاسبة، ويتم بواسطتها ذكر الإبداع والتحويل والسحب! وفي رأي ليو أوبنهايم، كانت نصوص نوزي تشهد على وجود نظام مزدوج للمحاسبة. ففضلاً عن السجلات الدقيقة للنساخ بالأحرف أو الأشكال المسمارية، كانت إدارة القصر تقوم بحسابات موازية عن طريق حصيات الطين. فكل حصية كانت تمثل مثلاً حيواناً معيناً، وكل نوع من الحصيات كان يمثل نوعاً من الحيوانات. فعند موسم الولادات كانت تضاف الحصيات إلى المجموعة الإجمالية بحسب نوع  وعدد الحيوانات الجديدة، وبالمقابل عندما كان يتم ذبح حيوان ما كانت تُرفع إحدى الحصيات بحسب نوعه.

وقد أدى اكتشاف لوح منفوخ على شكل بيضة في آثار القصر إلى تعزيز فرضية أوبنهايم، إذ تضمنت الكتابة المنقوشة على سطحة لائحة لـ 48 حيواناً. وعند فتح هذا الغلاف الطيني تبين وجود 48 حصاة في داخله. وبعد نحو ست سنوات استطاع بيير أمييه P.Amiet إثبات وجود نظام محاسبة مماثل في سوزا، حيث عثر على العديد من هذه الكرات المجوفة التي تحتوي بداخلها على حصيات من الطين ذات أشكال هندسية متنوعة، كالقرص والكرة والأسطوانة والمخروط والهرم وتتأتى أهمية اكتشاف أمييه من كونه برهن أن هذه الوثائق أقدم من الرُقم المكتشفة في أوروك ونوزي وغيرها، وأنها ترجع إلى ما قبل الألف الثاني ق.م. والحق أن اكتشافاً أسبق كان قد أثار التساؤل حول قدم ووظيفة الحصى الصغيرة هذه فبين عامي 1948 و 1955، اكتشف بريدوود Braidwood قرية جرمو النيولتية (شرق العراق)، وهي ترجع إلى النصف الثاني من الألف السابع ق.م، ووجد في سويتها الدنيا كتلاً مختلفة الأشكال (أسطوانية، مخروطية، كروية..) من الطين المجفف، وذلك قرب شواهد أثرية أخرى تدل على النشاط البشري. وقد أثار قدم هذه الحصيات تحفظ بعض العلماء، فرأى بعضهم إنها أُعدت للتسلية واللعب، في حين رأى آخرون إنها بمثابة أولى أشكال التعداد والمقاييس والمكاييل التي استخدمت في التجارة القديمة.

وكان على رأس هذا الفريق الثاني العالمة دنيز شمانت – بيسيرا D.Schmandt Besserat ، التي بدأت منذ عام 1968 برنامج بحث منهجي بقصد معرفة متى وكيف بدأ استخدام الصلصال عموماً في الشرق الأدنى، وبخاصة الحصيات الصلصالية والغاية منها. وبعد بحث طويل في متاحف العالم، تبين لها بدء استخدام القطع الطينية منذ الألف التاسع قبل الميلاد، مع بداية التحول إلى الحياة المستقرة. وقد وجدت قطعاً غريبة الشكل ومنمنمة عرفت فيما بعد أن بيير أمييه وآخرين اكتشفوها في كرات مجوفة أو مفردة ومجمعة معاً في مواقع مختلفة. وسرعان ما بدأت هذه الباحثة بوضع تصنيف لأشكال هذه الحصيات. وتبين لها أن حجم هذه الحصيات يتراوح بين 1 و 3 أو 4 سم. ومن أهم الأشكال التي صنفتها الكروية والمخروطية والأسطوانية والقرصية والهرمية الثلاثية السطوح والمعينية، اضافة إلى أشكال أكثر تعقيداً كأرباع وأنصاف وثلاثة أرباع الكرات والأشكال البسيطة – المحفورة ومع توسع بحثها، تأكدت شماندت بيسيرا أن هذه الحصيات كانت مستخدمة في مساحة جغرافية واسعة، وأن المواقع التي عثر عليها فيها تنتشر من بلبيدي في الجنوب الغربي من تركيا اليوم حتى شانهو دارو في الباكستان حالياً. كذلك وجدت بعض هذه الحصيات في موقع قرب الخرطوم على نهر النيل وترجع إلى الألف الثامن قبل الميلاد. ويرجع تاريخ أقدم هذه الحصيات إلى النصف الأول من الألف الثامن ق.م، وقد عثر عليها في مستوطنات تل أسود وتل مريبط (في سوريا) وغانج داريه تيبه وتيبه اسياب (في ايران). وقد انتشر استخدام هذه الحصيات (أو "الفيش" أو "المعالم" كما يسميها بعض العلماء أو المترجمين) انتشاراً واسعاً خلال الألف السابع، إذ وجدت في كافة أرجاء الهلال الخصيب من غرب سوريا إلى أواسط إيران، وكان من المثير حقاً تماثل نماذج هذه الحصيات على الرغم من آلاف الكيلومترات التي تفصل مواقع المستوطنات التي وُجدت فيها!

وكانت المرحلة التالية من الدراسة تفرض مقارنة هذه الحصيات القديمة بالحصيات الأحدث التي وُجدت في سوزا (سوسه) مثلاً وترجع إلى العصر البرونزي، ذلك أن خمسة آلاف سنة تقريباً كانت تفصل الحصيات الأقدم عن تلك الأحدث منها. وتؤكد شماندت بيسيرا أنها وجدت هذه الحصيات على امتداد الفترة الزمنية الطويلة بين الألفين السابع والرابع قبل الميلاد في معظم المواقع الأساسية في الشرق القديم. وعلى هذا، فهي تطرح نظريتها في أن هذا النمط من "المحاسبة"، الذي يرجع أساساً إلى نمط المقارنة مع أصابع اليدين أو الجسم الانساني أو مع حز الفرضات، بدأ منذ الألف العاشر ق.م وانتشر في معظم مناطق الشرق الأدنى القديم. ويبدو أن رقعة انتشار هذه الحصيات تتطابق مع منطقة ظهور الانتاج الزراعي واقتصاد التدجين، وانتقال الناس من الصيد وجمع والتقاط الثمار والحبوب البرية إلى الزراعة والرعي والاستقرار. ونعرف اليوم أن نظام المحاسبة أو العدّ هذا استمر إلى عهد قريب جداً. فالرومان كانوا يقومون بحساباتهم بواسطة الحصى، واستمر هذا الأسلوب في ثقافات كثيرة منها الصنية أو العربية، وحتى القرن الثامن عشر في انكلترا كان موظفوا المالية يستخدمون هذا النظام للعد والمحاسبة وجباية الضرائب.

من المدهش أن هذه الحصيات لم تغير كثيراً، بل تعددت، عبر خمسة آلاف سنة. ويؤكد ذلك إلى أي حد كان هذا النظام متفقاً مع حاجات الاقتصاد الزراعي. إن الحصيات المكتشفة في أربعة مواقع ازدهرت بين عامي 5500 و 4500 (وهي تل عربشية وتل أسوان في العراق، وشوغاسفيد وجفاراباد في إيران) لا تُظهر إلا بعض التغيرات الصغيرة، إضافة لظهور نمط جديد على شكل مخروط مزدوج. وقد حلت فيها بعض النماذج الدنيا والخطوط والنقاط السوداء مكان الصور والرموز النقوشية. وكان نظام الحصيات القديم هذا يشتمل على نحو 15 نموذجاً أساسياً يتفرع إلى نحو 200 شكل أدنى تبعاً للحجم والوسم أو فروق الكسور كما في حالة الأرباع أو غيرها. وكانت بعض الأشكال تمثل قيماً عددية واضحة، فيما كانت أخرى تشير إلى بضائع أو منتوجات. وليس من المفيد دائماً تقديم تفسير أو معنى لأحد هذه النماذج، إذ ليس بالامكان معرفة الشيء الذي كان يدل عليه بسبب عدم وجود تسجيل موافق له أو تدوين يشير إليه كنموذج.

لقد شهدت بداية العصر النيوليتي تحولاً كبيراً في أنماط حياة الانسان القديم. ومع توسع وغنى اقتصاده الجديد ظهرت بعض المشاكل التي كان لا بد له من مواجهتها. وكان أحد التحديات دون شك تخزين المحصول والمواد الغذائية، وكان لا بد من تقسيم المحصول على جزء للاستهلاك وآخر للبذار، وربما إلى قسم اضافي للمقايضة. وكان ذلك السبب المباشر برأي شماندت بيسيرا وبيير أمييه لتفسير تطور نظام العد وظهور أولى أشكال الترقيم.


 

3- المدنيات الأولى وتطور أنظمة القياس والعد

 

إلى أين وصل تطور هذه الحصيات الطينية؟ وكيف قاد إلى أولى أشكال الترقيم العملية والفعلية؟ بل كيف كان عاملاً حاسماً في ظهور الكتابة وتطورها؟ لقد تيقنت شماندت- بيسيرا خلال دراستها لهذه الكتل من أنها تمثل رموزاً – أفكاراً ثلاثية الأبعاد، وأنها أقدم النماذج الملموسة لتلك الرموز – المعاني التي نُقشت فيما بعد على الرقم ذات البعدين (الألواح الصلصالية). فكيف توصلت إلى هذه النتيجة؟

لقد طرأت خلال الألف الرابع ق.م تغيرات هامة على القرى والمستوطنات القديمة، إذ ظهرت التجمعات ذات الكثافة السكانية العالية والتي تحولت إلى أولى المدن الحقيقية. وترافق ذلك بتغير عاصف في نوعية الاقتصاد، خاصة مع تطور صناعات الفخار والنسيج والتعدين، ومع تعقيد عمليات انتاج وتوزيع المواد الغذائية وغيرها، مما تطلب إدارة أكثر تقدماً وأوسع إمكانيات. وقد تطلب هذا الاقتصاد الجديد نظام تدوين ومحاسبة أكثر فاعلية، إذ كان لا بد من تدوين المنتجات وعمليات الجرد والغزوات وأسلابها ومدفوعات الأجور والموارد والمقايضات الداخلية والخارجية. وكان على التجار الحفاظ على الوثائق المتعلقة بصفقاتهم مع اشتداد رقابة السلطة على الحياة الاقتصادية. وهكذا، أصبح تأثير نظام المحاسبة التجاري في نهاية الألف الرابع كبيراً على الحصيات ورموزها.

كذا، فقد ظهرت نماذج جديدة من الحصيات مزودة بإشارات وعلامات اضافية محزوزة عليها، بحيث بقي تنوع الحصيات موازياً لأنواع المنتوجات، كوحدات سلة الحبوب أو جرة الجعة أو جزة الصوف الخ. وقد عثر على نحو 660 حصية ترجع إلى نهاية الألف الرابع في مواقع أوروك وتلو وفاره في العراق وسوزا وشوغاميش في إيران وحبوبة كبيرة في سورية، كان أكثر من نصفها منقوشاً أو محزوزاً بأشكال مميزة. وقد لوحظ وجود نحو 4% من الحصيات ذات طبعات دائرية ناتجة عن غرز طرف الريشة أو القصبة في الطين، وهذه الطريقة كانت كما سنرى الامكانية البسيطة التي ستنشأ عنها أولى الأرقام.

غير أنه كانت لهذه الطريقة سيئة كبيرة. فالأختام المطبوعة على السطح الخارجي للغلاف كانت تُظهر شرعية محتواه، وكان لا بد من حفظ الغلاف سليماً للاعتراف بشرعية الختم. ولكن، كيف يمكن عندها تحديد عدد ونوع الحصيات الموجودة بداخله؟ ففي حالة الشك مثلاً، كان يتعذر إعادة حساب الحصيات دون كسر الغلاف. وكان الحل البسيط لهذه المسألة مدهشاً! فقبل وضع الحصيات في الغلاف وختمه، أصبحت تُطبع على السطح الخارجي للغلاف إلى جانب الختم أو الأختام، بحيث أن هذه الطبعات كانت تطابق عدد وأشكال الحصيات، فالكرة مسقطها تجويف نصف كروي، والأقراص مسقطها دوائر مسحطة، والمخاريط تُمثل بأشكال كالأوتاد، إلخ..، وسرعان ما بدأت تظهر الأشكال غير المطبوعة على الغلاف، إنما المرسومة أو المحزوزة للدلالة على الأشكال المعقدة. وتشير شماندت- بيسيرا إلى أن الدمغ أو الطبع كان يتم أحياناً بالإبهام أو بقصبة بحيث يمثل النقش الدائري قرصاً أو كرة، وشبه الدائري أو المثلث مخروطاً، الخ.

لم يكن طبع الأشكال على الأغلفة يهدف إلى تغيير أو تطوير نظام المحاسبة القائم على الحصيات. لكن هذا ما حصل فعلاً. لقد لاقت الأغلفة ذات الطبعات نجاحاً وانتشاراً واسعين لأنها كانت عملية. وكانت الخطوة المنطقية التالية الاستغناء عن الحصيات والتجويف الطيني، والاكتفاء بهذه الطبعات على أولاح طينية مسطحة. وكانت تلك أولى أشكال الوثائق المكتوبة.

لقد تم الانتقال من المغلفات التي لا تحمل الطبعات إلى اللوحات ذات الطبعات خلال فترة قصيرة نسبياً، بين عامي 3500 و 3200 ق.م تقريباً. وخلال هذه الفترة، بدأت المغلفات المطبوعة تنحسر شيئاً فشيئاً لتحل محلها الألواح المسطحة الخالية من الحصيات. وبعد فترة قصيرة، تراجعت هذه الأخيرة أيضاً لتحل محلها الرقم الطينية ذات الطبعات المسمارية الشهرية.

وقد اكتشف حتى الآن أكثر من 200 غلاف طيني في عشرات المستوطنات والمدن القديمة في كافة أنحاء الشرق الأدنى والأوسط. وعُثر في إيران وحدها على نحو 100 غلاف سليم ونحو 70 غلاف مكسور، وترجع هذه الأغلفة بمعظمها إلىسوزا ثم إلى تشوغاميش.. كذلك عُثر على هذه المغلفات في أراضي ما بين النهرين، وبخاصة في أوروك. أما في سوريا فقد عُثر عليها أولاً في ماري (1964) ثم في موقع شكر بازار في الجزيرة السورية، وتم الكشف عن أمثلة كثيرة منها في السنوات الأخيرة في جبل عروضة وتل الشيخ حسن وتل براك وحبوبة كبيرة: ويمكنا رؤية نماذج منها في متاحف حلب والرقة ودير الزور.

ويتبين من تأريخ المغلفات المختلفة المكتشفة أنها كانت منتشرة لفترة زمنية طويلة تمتد من منتصف الألف الرابع ق.م إلى منتصف الألف الثاني ق.م. وعلى الرغم من هذا الامتداد الزماني والمكاني، لكنها ظلت متشابهة إلى حد مدهش سواء من حيث مظهرها الخارجي (مادتها وطريقة صنعها وشكلها وحجمها) أو من حيث نماذج الحصيات التي تحويها.

وهذا يعني أن الناس كانوا في المنطقة الشاسعة الممتدة من شمال سورية إلى أواسط إيران يستخدمون نظاماً مشتركاً للحساب والجرد متفقاً عليه من الجميع.

غير أنه لم يكن حتى الآن تحديد أهمية هذا النموذج أو ذاك استناداً إلى العلامات الموجودة على الأغلفة. والطريقة الوحيدة التي أمكن بواسطتها التعرف على معاني بعض الحصيات والإشارات عليها أو بعض الطبعات بالتالي هي مطابقة الكتل الطينية هذه مع أولى إشارات الكتابة السومرية، ومما لا شك فيه أن الطبعات على الأغلفة والألواح الطينية تعد الخطوة الانتقالية الهامة التي أدت إلى الكتابة التصويرية ثم المسمارية. وسنتحدث بالتفصيل عن هذه المرحلة الانتقالية إلى الكتابة المجردة وعن دور "القلم" أو القصبة في ذلك حين حديثنا المفصّل عن ظهور الأرقام السومرية والعيلامية في الفصل التالي.

وقد استطاعت شماندت- بيسيرا التعرف في هذه اللوحات على 19 نوعاً من الطبعات، وحددت الحصيات أو الكتل الطينية التي تشكل أصلها أو نموذجها الأولي. ومن أهم هذه الطبعات الحفر الدائرية العميقة التي تركتها كرات مختلفة الحجوم على الطين، والحفر القرصية الدائرية الناشئة عن الأقراص، والطبعات الأخدودية أو الإسفينية والمعينية والبيضوية والمثلثية وغيرها. ويصف الجدول الملحق بعض المطابقات التي قامت بها هذه الباحثة.

ومع تغير وتعدد أشكال هذه الحصيات، تطورت أيضاً طريقة استعمالها. فقد تبين أن 30%  من الحصيات سابقة الذكر كانت مثقوبة. وكانت الثقوب صغيرة جداً بحيث لا يدخل فيها غير خيط رفيع. وقد رفضت شماندت- بيسيرا التفسير القائل بأن هذه الكتل الصغيرة كانت تجمع في خيوط وتُستخدم للزينة أو كتمائم، ورأت أنها كانت تُربط معاً لتشكل ما يشبه صك صفقة محددة. كذلك يمكن الافتراض، بل والتأكيد، أن الكتل الطينية التي لم تكن تُنظم في أسلاك كانت تُجمع في أكياس جلدية أو من الكتان، ولم تصلنا هذه المحافظ لأنها تحللت مع مرور الزمن.

لكن هذه الطرق البسيطة في حفظ الحسابات لم تكن لتنفع في حفظ وثائق اقتصادية هامة أو لتتيح حماية أحد الطرفين في الصفقة ضد تزوير محتمل. فعقد السلك أو المحفظة الكتانية لم يكونا آمنين إذا ما فرط عقد السلك أو انفض الكيس ضد ضياع أو تغيير إحدى الحصيات! ولهذا، ظهرت طريقة أخرى لحفظ هذه الكتل الصغيرة منذ منتصف الألف الرابع، وذلك بصنع كرة مجوفة من الطين توضع الحصيات بداخلها وتغلق وتجفف. وترى شماندت- بيسيرا أن هذه الأغلفة سهلت على أطراف الصفقة طبع نقوش أختامهم المميزة لهم على الصلصال وفقاً للعادة السومرية مما يجعل الصفقة شرعية. وهي تدلل على ذلك بالعثور على 350 غلافاً من هذا النوع تحمل كلها ختمين مختلفين. ويرى بيير أمبيه أن هذه الأغلفة كانت تستخدم كوصولات تسليم واستلام. فكان المنتج مثلاً للنسيج في الريف يرسل إلى  وسيط في المدينة كمية من انتاجه مرفقة بغلاف يحتوي على الحصيات المناسبة لكل نوع وقياس من بضاعته. وكان الوسيط يكسر الغلاف حين استلام اللضاعة للتحقق مما أرسل إليه. ولهذا كان لا بد من وصول الغلاف سليماً. ولا بد أن أشكالاً أخرى للتعامل بهذه الأغلفة انتشرت في أنحاء الشرق القديم كله.

وقد ظهرت هذه الأغلفة في وقت واحد تقريباً، نحو عام 3500 ق.م، في بلاد ما بين النهرين وسوريا وعيلام (الوركاء وحبوبة كبيرة وسوزا وشوغاميش).

ومما لا شك فيه أن بعض التفسيرات أو المطابقات لا تزال موضع أخذ ورد بين العلماء، وبخاصة فيما يتعلق بمطابقة بعض الطبعات مع بعض رموز الكتابة المكتشفة في أوروك في بداية التصوير السومري. ومع ذلك، يمكن القول إن ظهور الكتابة في الشرق الأدنى القديم كان مرحلة منطقية في صيرورة تطور لنظام تدويني وحسابي يرجع بأصوله إلى نحو11 ألف سنة. ويمكن تلخيص مراحل هذا التطور كما يلي:

1-             التعامل بالحصى، أو الرموز المادية ثلاثية الأبعاد، كشكل بدائي للتسجيل منذ نحو 8000 عام ق.م.

2-      ظهور الأغلفة الطينية، ثم ظهور الطبعات عليها، وذلك نحو منتصف الألف الرابع قبل الميلاد، وتحول التدوين على المستوى ذي البعدين.د

3-      التخلي عن الأغلفة والاكتفاء بالألواح الطينية التي كانت تدرج عليها الأختام وترسم عليها الطبعات مع تطور تقنية "القلم"، وذلك نحو عامي 3300 و3200 ق.م.

4-      بداية الكتابة التصويرية الأولى في أوروك (ماقبل الهيروغليفية) نحو عام 3100 ق.م، واقتران الرموز الجديدة بالتسميات المنطوقة مما كان يمثل أول إمكانية حقيقية لإدراك العدد بمعزل عن المعدود.

وتفسر شماندت- بيسيرا عدم حصول هذه التحولات قبل الالف الرابع إلى بساطة عمليات المحاسبة خلال الخمسة آلاف عام السابقة. ويمكننا أن نضيف أن النضج النفسي لتحقيق مثل هذا التحول الذي كان سيرتبط مباشرة بتجريد الأفكار لم يكن قد اكتمل بعد. ولكن، مع نشأة المدن وتطور التجارة، أمكن تحويل الحصيات بسرعة نسبية كبيرة إلى رموز، وأدى ذلك إلى تبني الكتابة في آسيا الغربية كلها.

والحق إن هذه المرحلة الطويلة جداً كانت المدخل الطبيعي والضروري للفترة الحاسمة والقصيرة نسبياً التالية. فخلال الفترة الممتدة بين عامي 3200، 2800 ق.م، انتظمت الاشارات الرقمية (الحصيات والطبعات) في اثنتي عشرة منظومة قياسية مختلفة. ويرجع الفضل بفهم صلات وقيم هذه المنظومات للعمل الرائد الذي قام به كل من العالم السويدي فريبرغ Friberg والألمانيين بيتر ديميروف Demerow وبوب إنغلند Englund في الثمانينات. فقد ميز عملهم مثلاً منظومة (المنظومة S) للكميات المنفصلة، كالخراف، وأخرى (المنظومة G) لقياس مساحات الحقول، الخ.. ويمكن للرمز نفسه في هذه المنظومات أن يمثل أرقاماُ مختلفة في كل منها. فالرمز المؤلف من دائرتين متمركزتين يساوي عشرة أضعاف الرمز المؤلف من دائرة إذا كان الأمر يتعلق بالنعاج، ولكن إذا أردنا قياس مساحة حقل، فإن الدائرة الكبيرة تساوي على العكس ستة أضعاف الدائرتين المتمركزتين. أي أن الرموز لم تكن تحمل بذاتها قيماً خاصة، بل ترتبط بالمنظومة القياسية التي توظف بها.

وشهدت الفترة التالية،بين عامي 2800 و 2350 ق.م، تطوير منظومة الكتابة مع تنامي التبادلات التجارية بين الممالك – المدن في بلاد الشام والرافدين وعيلام. وازداد عدد المنظومات القياسية الأمر الذي زاد من صعوبة استخدام الرموز الرقمية المتعددة كثيراً. وبالمقابل تطور استخدام الكتابة مما سمح بتدوين اللغة المنطوقة. وللتخلص من بعض الصعوبات في المنظومات القديمة، كارتباط الأشكال الرقمية بالمنظومات القياسية المستخدمة فيها، بات يُسجَّل شكل أو رسم الواحدة المطبقة بشكل اضافي. وإلى هذه الفترة، ترجع أولى النصوص الرياضية التي نملكها، ومعظمها تمارين مدرسية.

وخلال الفترة التالية، أي حتى بداية الألف الثاني، عملت الامبراطوريات الصاعدة على وضع واعتماد ونشر نظام موحد للكتابة والحساب، وظهرت الكتابة المسمارية وتبسطت. وكان الحل بالنسبة لتبسيط الأرقام وتفادي الاختلافات بين المنظومات القياسية هو الحفاظ على المنظومة (S) في العدّ. وبشكل أدق استمر النظام  الذي تُكتب فيه جميع الأرقام تقريباً خلال عمليات الحساب والتحويل إلى الواحدات الأخرى مع ذكر الواحدة المستخدمة في النهاية بشكل منفصل. وهكذا انفصلت الأرقام للمرة الأولى تماماً عن المعدود.


 

4- الرقم كعدد مجرد

 

كان لانتشار التدوين والكتابة وعمليات العدّ والحساب البسيطة أثر كبير على تطور إمكانيات ا لتجريد عند مختلف الشعوب القديمة. فما سردناه من مراحل قصة العدّ في الشرق الأدنى القديم يمكن أن يتطابق، وإن مع اختلافات تتعلق بالأدوات والبيئة والأسباب المباشرة أحياناً، مع كافة البؤر الكبرى التي نشأت فيها الحضاراتالقديمة. فقد كانت الحاجة المتزايدة إلى العدّ مرتبطة غالباً بالحاجة إلى التسجيل أو الحفظ، وهكذا فإننا نجد الصيرورة نفسها لتاريخ أولى الأرقام تظهر في الصين مثلاً عبر العصيات أو التشققات على دروع السلاحف، أو عند المايا بواسطة العقد المتعددة من الحبال أو التصويرات والمنحوتات الهيروغليفية.

ومع خبرة الانسان المتزايدة في التعامل مع الكميات المعدودة وحسابها استطاع شيئاً فشيئاً إعطاء رمز لكل رقم، مما مكنه في مرحلة تالية من تحويل العمليات الحسابية على كميات الأشياء إلى عمليات ذهنية على الأرقام نفسها، بمعزل عن المعدود. وكانت الطرق التي تم بها هذا التحول كثيرة، وأهمها الطريقة التصويرية، والطريقة الشفهية، والطريقة التسجيلية أو الكتابية.

ومن أهم الأساليب التصويرية أو الحسية الوسائل المادية المختلفة لتمثيل العدد، كالحصيات والقواقع والعظيمات والخرزات والحبال المعقودة ونوى وبذور الثمار الصلبة والكبيرة الحجم نسبياً والعصيات الخشبية والمواد الصلصالية ذات الأشكال الهندسية المختلفة والتي درسناها بالتفصيل، هذا إضافة إلى مختلف أشكال الحز والحفر على العظم والخشب، كما واستخدام الأصابع ومختلف نقاط الجسم المميزة وحركاتها للعد وللدلالة على الأرقام.

أما الطريقة الشفهية في تسمية الأرقام، وبخاصة الأولى منها، فتعتمد على إطلاق صفة أو اسم شيء حسي مميز للرقم على الرقم، كأن يُسمى الواحد رأساً أو قضيباً أو شمساً، والإثنان جناحين أو عينين أو ثديين. ومع ذلك فإن دراسة أسماء الأرقام القديمة تتطلب بحثاً خاصاً في لسانيات اللغات القديمة وتاريخها مما قد يوضح جانباً هاماً من تاريخ تحول الشكل الرقمي إلى معنى مجرد. وإن كنا لا نستطيع أن نجيب الآن مثلاً عن سبب تكون لفظة "الواحد" العربية من الواو والحاء والدال، لكن حسبنا أن نفتح الباب للمختصين بهذا المجال لمحاولة الإجابة عليه.

إن هذا التساؤل يعطينا الحق بسؤال آخر، يتعلق بارتباط التجريد بتطور اللغة، كما والتدوين ونشوء الأرقام والعمليات الحسابية.

يقودنا ذلك إلى الطريقة الثالثة في ترميز الأرقام، والتي بدأت مع أبسط الحزات أو الفرضات على الخشب والعظم والطين وتطورت مع الطبعات أو الرسمات التصويرية وصولاً على الحروف والمقاطع الصوتية، ومن ثم على حروف الأبجدية، ولا شك أن ترميز الرقم كتابة كان يعني تجريداً متوازياً للشكل الكتابي وللمعنى الرقمي على حد سواء.

ومع ذلك، لا بد لنا أن نميز عدة سويات للتجريد مرّ بها العدد عبر أشكاله الرقمية المختلفة. فترميز العدد لم يكن يعني بالضرورة فصله عن المعدود. وكانت الخطوة الأولى إلى التجريد كما رأينا هي تجاوز المقابلة بين المعدودات وأدوات العد كالحصيات أو الأصابع إلى ترميزات شبه مستقلة عن الأشياء المعدودة. أما الخطوة الثانية والأصعب، فكانت بناء منظومة عد يسهل التعامل فيها مع الأعداد الكبيرة. وهكذا، فقد ظهرت عدة منظومات ترجع في أساسها غالباً إلى أنماط العد البدائية التي كان يعتمدها الانسان بأصابعه أو بأدوات عده البسيطة. فالنظام العشري في العد يرجع إلى العد على أصابع اليدين، وهناك نظام عد عشريني يرجع إلى العد على أصابع القدمين واليدين معاً. وثمة أثر لنظام عد خمسي يرجع إلى العد على أصابع اليد الواحدة. أما نظام العد الستيني الأكثر تعقيداً فسنفرد له بحثاً خاصاً لمحاولة معرفة أصوله.

كان الحل الذي توصل إليه الانسان من عدم جدوى تكرار الواحدات، وضرورة ايجاد أرقام "ترتيبية" لعد كميات كبيرة، يتطلب منه إضافة رموز جديدة باستمرار كلما تم تجاوز واحدة ترتيبية معينة. فواحدة العشرة مثلاً كانت حداً يمكن تكراره عشر مرات، ثم كان لا بد عند المرة العاشرة من إيجاد رمز جديد. وقد استطاع الانسان شفهياً في البداية، ثم كتابة، التوصل إلى أنظمة العد التي تساعده على تجاوز هذه العقبة بأقل عدد ممكن من الرموز.

وتعدّ هذه المرحلة منعطفاً أساسياً نحو إدراك  الرقم، أي الرمز أو الشكل، كعدد، أي كمعنى وتجريد. فمعها بدأ الإنسان يميز مفهوم الواحدات، ويفصل بينها، ويقيم الصلات فيما بينها. ويفترض ذلك امتلاك القدرة على التحليل والمقارنة وتجريد حالات الاختلاف الفردية، وهو أساس ما نسميه اليوم "بعلاقة الترتيب". ووفق هذه العلاقات، يصبح كل مفهوم خاضعاً للترتيب بحسب درجة عموميته. وينطبق ذلك على الأرقام عندما يتم تصنيفها في منظومة واحدات عددية تشتمل ترتيباً على بعضها بعضاً، وهذا ما عبر عنه أرسطو (القرن الرابع ق.م، كتابه الميتافيزياء) بقوله "إن العدد الصحيح هو تضاعف قابل للقياس بالواحد". وقد ظل هذا التصور للرقم كعدد قائماً حتى القرن التاسع عشر، حيث نجد أن شوبنهاور يعبر عنه قائلاً: "إن كل عدد صحيح طبيعي يفترض وجود سابقيه من الأعداد بما هي سبب وجوده"، أي أن كل عدد هو في النهاية حاصل جمع الواحدات المنفصلة السابقة له. وهكذا يصبح الرقم بفضل عملية الترتيب والعدّ مفهوماً مجرداً ومتجانساً هو مفهوم الكمية المطلقة غير المرتبطة بطريقة عدّ الأشياء أو توزعها.

وقاد ذلك إلى تمييز جانبين متتامين لمفهوم العدد، العدد الأصلي والعدد الترتيبي. إن عدد أيام شهر كانون الثاني هو 31 يوماً، وهو عدد أصلي بما هو لا يميز بين عناصر مجموعة أيام هذا الشهر. أما رقم اليوم الأخير من هذا الشهر فهو أيضاً 31، وهو عدد ترتيبي يشير إلى ترتيب عناصر هذه المجموعة من الأيام. ولا شك أننا ندرك أهمية العدد الترتيبي لدوره الأساسي في تطور تصوراتنا التجريدية ورياضياتنا عموماً.

كان الانسان القديم غير قادر على الانتباه إلى تماثل الفرضات التي حزها على عظم للدلالة على عدد الغزلان التي صادها وتلك التي حزها على عظم آخر لعد أيام الشهر القمري! بل إنه ما كان يرى فيهما مجموعتين من الفرضات بقدر ما كان يرى مجموعتين من الغزلان والليالي ليس إلا! لكنه شيئاً فشيئاً، ومع مرور آلاف السنين، وتنوع أشكال وأنماط العدّ، بدأ يتنبه إلى قيمة هذه الوثائق التي بين يديه بمعزل عن المعدود غير الماثل أمامه دائماً، وبدأ الفارق يضمحل بين النوع والكم بالنسبة لإدراكه الحسي الآني. وهكذا، فقد مرّت العملية التعدادية من الاحساس بالتوافق بين ذكرى عامة وشاملة وادراك حسي شامل وواضح (حصاة ثم حصاة ثم حصاة..) إلى حذف هذه الصورة النوعية والاحتفاظ فقط بالجانب الكمي لها (واحد ثم واحد ثم واحد..) وذلكم ما يدعى باستقلالية القيمة الحسابية.

لقد استمر الانسان لفترة طويلة، حتى بعد أن أتقن عمليات كثيرة على الأرقام كالجمع والطرح والقسمة والجداء والتربيع وغيرها، غير قادر على تمثل هذه الاستقلالية تمثلاً واضحاً. ويمكننا تبسيط هذا المفهوم بالشكل التالي: إذا كانت لدينا زهرة كبيرة وثلاثة أزرار صغيرة من الزهر لم تتفتح. فإننا نرمز لها مثلاً بدائرة كبيرة وبثلاث دوائر صغيرة إلى جانب شكل زهرة للدلالة على معنى هذه الرموز، وعندها فإن الخطوة التجريدية نحو الاستقلالية تتمثل في حذف شكل الزهرة، فنقول عندها لدينا واحدة كبيرة وثلاث واحدات أصغر، مع ملاحظة أن هذا التعبير يمكن أن ينطبق على أشياء كثيرة غير الزهور، ويمكن أن يُنفَّذ بأعداد وأشكال مختلفة من الرموز.

يقول ليبنيز Leibniz "إن الأشياء التي يمكن لإحداها أن تحل محل الأخرى دون أن يؤدي ذلك إلى أي تغيير قد يصيب الحقيقة هي أشياء متطابقة". وتنطبق هذه المقولة على الفرضات بغض النظر عما تمثله، إذ إن كافة الفرضات متطابقة. ويبسط فريج Frege ذلك رياضياً كما يلي: ((إن العدد المنسوب للمجرد "ق" هو الامتداد المطابق للمجرد "ق")) كذا، فإن الرياضيات كلها ترتكز على هذا المبدأ: "كل شيء يطابق نفسه".

إن التجريد هو العملية التي تسمح بإبراز الصفة المشتركة انطلاقاً من أشياء مادية يُتفق على أنها متطابقة وفق بيان محدد. وقد بلغ مرحلة جديدة دون شك مع ظهور المعادلات من الدرجات الأولى والثانية ثم الثالثة فالرابعة. فمع تطور هذه المسائل وحلولها، والبحث عن أنماط عامة لهذه المعادلات وحلولها، بعيداً عن المسائل اليومية التي أدت إلى وجودها كتقسيم ميراث أو معرفة مساحة أرض أو كمية محصول ما، برز العدد ككائن مستقل عن موضوع البحث. وفي القرون القليلة الماضية أدى تطور الرياضيات عموماً إلى ظهور نظرية الأعداد الحديثة. ومع ذلك، لا بد لنا أن نشير إلى أن التجريد الذي أبدعه رياضيو القرن العشرين يختلف نوعاً عن كافة مراحل التجريد السابقة، وبات العدد اليوم مجرد عنصر رياضي ضمن عنصر رياضي أوسع منه.

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •