الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

تأملات

حول تطور الفكر الإنساني

 

جورج عوض

 

 

تقديم بقلم

المهندس فايز فوق العادة
رئيس الجمعية الكونية السورية

 

والفصل الأول من الكتاب، أو السيرة الذاتية لمؤلفه

 

إن مواجهة الحقيقة كما هي مهمة شاقة وصعبة، ولا يستطيع المضي فيها حتى النهاية إلا من شغلته الحقيقة وشاغلته فثابر على مقاربتها دون تردد أو وجل.

الحقيقة مباشرة وسهلة، مثلما هي حال العلاقة الرياضية 2 + 2 = 4، ويجب ألا يقترن الحديث عنها برغبة في جمع مال أو جنوح إلى شهوة وجاه. لقد أكد جورج عوض في كتابه على هذه المزايا، كما وأهدى كتابه برمته إلى كل من ينظر إلى الحقيقة بعمق وحق وإلى كل من يريد أن يسمع أكثر مما يتكلم.

أن تكون الفكرة حديثة وصحيحة يعني أن تكون بسيطة وأنيقة قدر الإمكان. يستوجب ذلك أن تتم صياغة الفكرة بعدد أصغري من الكلمات والمصطلحات.

"الألم واللذة هما الدافعان الأساسيان للحياة".

إنه استنتاج أنيق ومحكم قدّمه الكاتب جورج عوض.

لا يستطيع أن يخلص إلى مثل هذا الاستنتاج إلا الإنسان البسيط، الصافي والمخلص. صّرح أينشتاين ذات مرة أن أفكاره العميقة ترتكز على بساطته وصفائه. إن صديقي جورج عوض هو نموذج للأناس البسطاء والمخلصين. نلمس لدى جورج عوض قلقاً دائماً على مصير أصدقائه وأحبته. إن كتاب تأملاته هو كتاب جدير بالقراءة. إنه تجربة لإنسان بعيد عن التكلّف والديكور.

 

دمشق في 25/ 5/ ‏2002

 
 

الإهداء

أهدي نتائج ملاحظاتي إلى كل من ينظر إلى الحقيقة بعمق وحقّ. أهديها إلى كل من يريد أن يسمع أكثر مما يتكلّم. أهديها إلى كل من يستطيع أن يرى الجمال من غير تكلّف ومكياج. أهديها إلى كل من يوافق دون أن يتأثر بقوات أخرى.

إن الفنان الحرّ يستطيع أن يرى في "سكيتشات وخربشات" ليوناردو دو فينشي قدرة فنّ ومعنى أكثر من لوحات زيتية ملوّنة ومبروزة.

لغتي ومقدرتي في الكتابة ضعيفة، وكلماتي محدودة وبسيطة، وبها أريد أن أكتفي، ببساطة، دون أن أزيّنها بلغة وكلمات عالية ومنمّقة ولا بالفصاحة ولا بالبلاغة.

جورج عوض

نيويورك في 1 / 1 / 1994


 

 

تصدير

 

لا أعلم بالضبط ما الذي يدفعني إلى الكتابة في هذا العمر البالغ 60 سنة. سألت نفسي: لماذا أريد أن أكتب؟ هل أنا طالب شهرة لأعوّض النقص، أم لأكسبَ المزيد من المال؟ لا هذا ولا ذاك، إنه برنامج في داخلي، مصمَّم في الغريزة، يدفعني لأظهر ما أحرزت من ملاحظات لعلّها تساعد في فهم لغز هذه الحياة. ولكنني لا أعرف لماذا أريد أن أساعد في فهم لغز هذه الحياة. كل ما أعرفه هو نداء في داخلي، يحثّني لإظهار ما أحرزت من ملاحظات، ملاحظات شغلت بال الجميع وخلقت أسئلة وأجوبة، والأجوبة تعددت وتضاربت وحيّرت أكثر الناس، حتى دبّ الخلاف وصار موروثاً وأوقع الخصام.

الملاحظات تخلق أسئلة، ولكل جواب أسئلة أخرى متعددة، ولكن لبعض الملاحظات أسئلة ذات جواب واحد مقنع لا خلاف فيه: أسئلة في الرياضيات والهندسة والمنطق يتوارثها الناس للإفادة منها لا للاختلاف فيها.


 

 

السيرة الذاتية

 

من أنا؟

من مواليد دمشق 1931، من أبوين أميّين، وكبير خمسة أخوة وثلاث أخوات. عشنا من مساعدة جمعية مار منصور أربع سنوات ونصف السنة في الإبتدائية، كنت الأول في كافة الدروس، وقد أوليتُ اهتماماً خاصاً في التعليم الكاثوليكي وشرح الإنجيل.

ملاحظاتي قبل الخامسة عشرة

بدأت العمل في التاسعة والنصف من عمري كمساعد نجار لإعانة العائلة. كنت أستمع إلى أحاديث الكبار والصغار محاولاً أن أشاركهم الآراء. إلا أنني لم أفلح فقد لاحظت بأن الاهتمام كان يوجّه إلى هؤلاء الذين لهم المقدرة في قوة الخطابة ذوي الصوت الموزون والكلمات الواعية العالية المنبثقة من شخصية لها ماض جبار أو كرم العطاء، أو أن المتكلم له من يؤيده. كنتُ أتفحّص القصد المطلوب من الحديث، هل أن ما أسمعه معقول حقاً بنسبة 90 بالمائة كان غير مرضٍ، وأغلب الأحيان مغلوطاً.

وقفت حائراً لا أستطيع إبداء أي رأي لأنني لا أتمتع بشخصيتهم القادرة على الإقناع، وليس لدي مقدرة سابقة تستحق الانتباه وحتى ولو كان حديثي محقاً فإن إثباته يتطلب محادثة طويلة ومناقشة حادّة ينتصر بنتيجتها القادر على الإقناع بواسطة قوى الخطابة والسيطرة على المستمعين.

لاحظت إثباتاً لنظرية ما أنه يجب على المحلل أن يجيب على أسئلة لا حصر لها. وخلال مناقشته في أجوبة الأسئلة تظهر مواضيع أخرى مرتبطة بها ينبغي الإجابة عليها أيضاً. وتطول المجادلة وتتشعّب وينتصر الأقوى في رأي أغلب المستمعين. الوقت محدود  وإثبات البرهان طويل ومعقّد يختصره القادر في نقطة يفرضها ويتمّ الإقناع بدون برهان ثابت.

لاحظت أنه عندما يكون النقاش حول موضوع له برهان ثابت تختصر الأسئلة والمناقشات، وبسهولة يقتنع المستمع بالنتيجة الوحيدة الثابتة. وهنا يكون المحلِّل قد وصل إلى مقصده دون حاجة إلى أي قوة تساعده. بهذه المقارنة وجدت أنه أسهل عليّ أن أعتنق الملاحظات التي لأسئلتها جواب ثابت مبرهن. وأول ما قلب أن الثابت المبرهن هو 2 + 2 = 4.

حوّلت اهتمامي إلى الرياضيات والهندسة والرسم وحلّ الألغاز منذ عمر العشر سنوات حتى عمر الخمس عشرة سنة. كانت رسوماتي تجلب لي الفخر والاعتبار. لقد اخترعت طريقة لنقل المنظر إلى اللوحة (كما يظهر في الشكل التوضيحي السابق)، وهي عبارة عن إطار يضمّ مربعات من خيطان تشبه خطوط مربعات اللوحة. ومع تحديد نقطة ثابتة للمنظر يتمّ نقل المنظر إلى اللوحة على حقيقته. كنت أصنع حركات خشبية شهد لها أمهر النجارين. وعملت ألعاباً سحرية أدهشت كل من حولي. كما صنعتُ آلة تصوير بدون عدسة عندما عرفت أنه كلما صغر الثقب ازدادت نقاوة انعكاس الصورة. تابعت دراستي لانعكاس الضوء وحركات التصوير.

كانت مطالعاتي قليلة، وعندما تحسّنت قراءتي أدركتُ أهمية الثقافة. فكّرت في الدراسة ولكن دون جدوى، إذ لم يكن لدي المجال والوقت الكافيين.

نشاطاتي بين الخامسة عشرة والخامسة والعشرين

في الخامسة عشرةَ من عمري عرفت أن الرسام للهندسة المعمارية لا يحتاج إلى أية شهادة. عملت المستحيل للانتقال من
النجارة إلى راسم خرائط. وأخيراً سُمح لي بالتمرّن في دائرة حكومية بدون أجرة. ولما استلمت ريشة الرسم وتصفّحت الخرائط شعرتُ وكأنني أعرف هذا الفنّ ولم أجد أية صعوبة في حلّ مصطلحاته. وسرعان ما عرفت التقدير والتشجيع من حولي، لا سيما من المهندسين، حتى تجرّأت وقلت لهم: إنني أستطيع أن أرسم المنظور لهذا البناء من الخرائط. دُهش المهندسون لجرأتي، وسخروا مني. وبعد أسبوع جئتهم بأول منظور. وقد رسمتُ المنظور بتحديد النقاط المراد إسقاطها على لوحة القطع بواسطة مقطع المخروط. ولما عرضت هذه الطريقة على المهندسين أرشدوني  إلى طريقة نقاط الفرار السهلة. وعرفتُ أن طريقة رسم المنظور في الهندسة الوصفية معقدة وصعبة. ولما راجعت فكرتي وجدت أن نقاط الفرار موجودة فيها. اطمأنيت لصحة طريقتي وتابعتها في دراسة الظل والتظليل والألوان حتى أتقنت المنظور بجميع أطرافه دون أية معونة من أحد.

في السادسة عشرة استلمت أول وظيفة حكومية كرسّام. وسرعان ما عكفتُ على دراسة الرسم الميكانيكي حتى أتقنته بجميع طرقه. وبعد سنتين ترفعت إلى رتبة مساعد فني، وعندها دخلت في التصميمات المعمارية، وأصبح لي تصميمات مقدّرة. ونلت مكافأة لجهودي.

اشتغلت بعد الظهر في كثير من مكاتب الهندسة للرسم ورسم المنظور وكنت الوحيد في إتقان رسم المنظور وتصميم الواجهات. غرقتُ في العمل الدائم وأضفت إلى ذلك صناعة النماذج المعمارية التي لم تكن معروفة بعد في سورية.

درّبت أخوتي وأصدقاء كثر على الرسم حتى وجدتُ عملاً لكلّ منهم. كثر دخلي في هذا الوقت وارتضيت بحالي. ولم ُيثنِني هذا الرضى عن طلب المزيد. فكّرت في العودة إلى الدراسة الرسمية للرياضيات، إلا أن الطريق طويل، وأنا بلا شهادة ابتدائية، فعدلت واتجهت نحو اللهو! برعتُ في الرقص، وربحتُ عدة مباريات في الروك أندرول، وكنت لا أبخل بتعليم الرقص لكل من طلب مني. أما الرياضيات فأبقيتها كهواية.

لم يكن لدي وقت فراغ. عملٌ متواصل، لهو ودراسة. كان القلم في يدي دائماً، وقد لقيت في هذا القلم مفتاح أبواب تطل على ملاحظات لا حصر لها. ما أجمل هذا القلم! إنه صديق مسلٍّ ومرشدٌ إلى حلول. ساعات تمضي وأنا وقلم الرسم في حوار ومباريات وحل الألغاز. رياضيات، هندسة ورسم وزخرفة تصاميم: لانهاية من الأفكار.

كانت مناقشاتي الفكرية محدودة، لأنني لم أكن واثقاً من أفكاري مائة بالمائة، ينقصها الإثبات الحقيقي، لذلك احتفظت بهذه الأفكار، إلى اليوم الذي أرضي بها نفسي وغيري. بقيت مع هذا القلم لوحدي، أقنعه ويقنعني. يا لها من مناقشة هادئة تنتهي بحلاوة الحل الوحيد المقنع. وهكذا لاحظت أن نتائج المناقشات العملية لها حلول ذات فائدة، يتوارثها الناس للإفادة والفخر دون أن توقع خلافاً أو خصاماً.

سألني القلم إذا كان ضلعا المثلث معروفين، والزاوية محددة، لابد أن يكون الضلع الثالث ثابتاً ووحيداً وجدت الحل أولا للزاوية القائمة، كما يلي:

قالوا لي: هذه هي نظرية فيثاغورث. لم أفهم ولم أهتم، ولكن تبين لي أنها الواسطة لحل جميع مسائل المثلثات وتوابعها، وهكذا بدأت أجد لكل زاوية عامداً ورقماً ولكل درجة رقماً، ثم قالوا عن هذا الجدول من الأرقام بأنّه جدول "الجيب والتجيب"، وأنه مصطلح عليه منذ القدم. وبعد هذه الثقة، تابعت البحث في مسائل أصعب.

مطالعاتي وأعمالي ابتداءً من الخامسة والعشرين

في الخامسة والعشرين من العمر، توسعت أشغالي، وانهمكت أكثر في العمل حتى أصبحت رسّام المنظور، ومصمم الوجهات، وصانع النماذج الأول في سوريا، ولاقيت تقديراً كبيراً لتصميماتي المعمارية، واكتسبتُ اكثر، ولكن لم يكن يحق لي ممارسة مهنة الهندسة، وأنا بدون شهادة.

ازداد تفكيري في الفلسفة والمنطق، وحاولت أن أكتب دون جدوى. كتابتي لاترضي، وأفكاري أعود لأنقضها، كونُها تتمحور حول أشياء يصعب أن تُدرك.

شيء في الأعماق يصعب الوصول إليه

قرأت أول كتاب عن الفلك لأحمد زكي مع الله في السماء وبه تجولت في أعماق الفضاء، وبكل جهد ولذة استوعبت الأحجام والأبعاد والمدارات وعظمة المجرات. أمضيتُ ليالي مع أفكاري سارحاً في هذه المسافات وأعماق الذرة. وما نحن في هذا الوسط بين هذه القياسات؟ وما هو القانون الذي أوجب أن تكون الحياة في هذا الوسط؟ ومن أين جاءت الحياة؟ وكيف ستنتهي؟ وإلى أين تذهب؟ ولماذا أريد أن أعرف؟ وما معنى معرفتي؟ عدلت عن التفكير العميق. ورجعت إلى الهندسة والرياضيات.

عُرضت عليّ مسألة تقسيم الزاوية إلى ثلاثة أقسام بواسطة البيكار وحده، وإنهاء أطروحة دكتوراه. اشتغلت بهذه المسألة سنتين فلم أفلح، ولكن بواسطتها تثقفت أكثر في الهندسة السطحية. عرفت بعد ذلك أنه قد وجد لها حل عكسي، أي أنه قد ثُبت أنه لا يمكن أن تحل بواسطة البيكار (الفرجار) وحده. رجعت إلى دراساتي فوجدت أنني قد وجدت الحلّ لهذه المسألة بواسطة البيكار الحلزوني (أنظر الشكل التالي) كما وجدتُ حلاًّ ثانياً يقضي بأن تكون لوحة الرسم مقعرة أو محدبة. وكلّ ذلك يتطلب بُعداً آخر للرسم غير مقبول.

في دراستي للمنظور ابتكرت السؤال عمّ إذا كانت الكاميرا تصور ثلاثة عواميد بهذا الشكل، وأيٌّ من العواميد يظهر أكبر كان جواب كل من درس المنظور هو العامود الوسط القريب من الكاميرا.

وهكذا أثبت لهم العكس.

اشتركت في مسابقات معمارية وكنتُ الأوّل في بعضها، ولكن فائدتي منها كانت ضئيلة، لأنني بدون شهادة. كنت واثقاً من أنني أستطيع أن أشترك في تصاميم على مستوى أكبر، وأستطيع أن أبدع، ولكن إمكانيّات بلادي محدودة. أصبحت أحلم بالهجرة. تحقق حلمي وعمري 31 سنة. في شباط 1962 وصلت إلى نيويورك بلد أحلامي، البلاد التي لاتعرف الراحة، وهي دائمة المنافسة والسرعة والإنتاج.

كان أول عمل كسبت منه هو تعليم الرقص. حصلت على الإقامة وعلى عمل رسم. وأنا لا أعرف الإنكليزيّة. تفاهمت مع المهندسين بقلم الرسم وحده، وكان أسهل على التعبير.

لاحظت حاجة نيويورك إلى المزيد من "صف السيارات" فعكفت على تحسين تصميم صفّ السيارات، وتخزينها ميكانيكياً. وضعت عدة حلول فوجدت أنها كلها موجودة في السجلات المعمارية، ما عدا خمسة حلول. ولما راجعت مكتب تسجيل الاختراعات وجدت أنه يوجد 610 اختراعات عن "الباركينج" وحده، ومن بينه تصاميمي الحديثة ماعدا واحد. ويُقدّم اختراعٌ جديد كل ثلاثة أسابيع، وتكاليف تسجيل الاختراع باهظة وطويلة الأمد. عرفت من ذلك حقيقة صعوبة المعركة فلم أستسلم بل تابعت نضالي في مجالات أخرى، في لذة ونشاط.

توظفت في شركة I.M.P. للهندسة المعمارية كصانع نماذج، وبسرعة تلقيت التقدير والمكافآت. استغليت الفرصة وعرضت على المسؤول تصميماتي المعمارية وخبرتي في رسم المنظور فتكرم المسؤول ورحب، ولكن أصرّ على تحسين الانكليزيّة وحصولي على الشهادة الدراسية. قلت لنفسي: لا‍! لا‍! إذا توفرت لي الدراسة فسوف تكون للرياضيات.

رجعت إلى العمل في صنع النماذج بجهد ومثابرة، وسرعان ما أدخلت تحسينات على طريقة العمل فزادت عدد الزبائن وكثر الدخل. وأسست أول شركة لصنع النماذج واهتممت في الدقة وسرعة الإنتاج. اخترعت آلات جديدة ليس لها مثيل في هذا الميدان. نجاح متواصل وعمل 90 ساعة في الأسبوع ومضاعفة الدخل متواصلة.

وظفت أخوتي وأبناء بلدي في العمل, حتى أصبح أكثر من نصف عمال صنع النماذج في نيويورك عرباً. كبرت الشركة حتى أصبحت أكبر شركة لصُنع "نماذج" في أميركا. ومعدل إنتاج العمال أكثر من ألف ساعة في الأسبوع، وكانت أكبر شركة إنتاج عمالها أقل من 500 ساعة في الأسبوع. كنتُ مسؤولاً عن أكثر من 15 عائلة في المساعدة على الإقامة والكفالة وإيجاد العمل والمعونة المادية، كما لم أنسَ واجبي تجاه جمعية مار منصور في دمشق التي رعت طفولتنا.

وعلى الرغم من كل هذه المسؤوليات كنت لا أزال أفكر في الرياضيات والمنطق، مؤكّداً ملاحظاتي. خصصت أوقاتاً كثيرة لمشاهدة الأفلام الوثائقية والطبيعية وبرامج المناقشات الدينية والفلسفية وتابعتها في شغف واهتمام، وكنت أول من حصل على الفيديو وفي مراجعتي للبرامج لاحظت الكثير، وتعلمت أكثر. وتمنيت لو أستطيع الاشتراك في هذه المناقشات.

بدأت أشعر بثقتي بأفكاري، وتأملت ذلك اليوم الذي تُطرح فيه تقديراً لقيمتها أريد أن أفعل شيئاً غير مضاعفة الأموال.

كارل سيجان ـ فيليب مورسون ـ ايزك ابزاموف، هؤلاء الأساتذة كان شرحهم للعلوم مشوّقاً ومقنعاً، وكنت أرتاح لبعض ملاحظاتهم. وعندما عرض مسلسل كوزموس ازداد تقديري للدكتور سيجان في شرحه المبسط المقنع. فهمت منه الكثير وتمنيت أن أشرح الفلك بطريقتي الشخصيّة كرسامٍ وصانع نماذج.

قررت أن أصنع نموذجاً للكون كله، وفعلاً تركت قسماً من عملي لأخوتي، وكرّستُ بقية أوقاتي لتنفيذ هذا المشروع.

واستيعاباً لأبعاد هذا الكون الواسع لاحظتُ أنّه لابد من إيجاد مقياس مناسب، بل عدة مقاييس. إن مضاعفة المقياس في كل خطوة تستدعي خطوات كثيرة وحتى خمس خطوات كثيرة أيضاً. إذن مضاعفة كلّ خطوة عشر مرات جميلة، يا لها من جمال كونها تتناسب مع التقسيم العشري، أي قوة عشرة.

جمعت المعلومات من المكتبات واستشرت الفلكيين ورسمت المشروع في سكيتش وعرضته على الدكتور سيجان، وبمراجعة قصيرة تكرم علي بكلماته المشجعة، مع ابتسامة الرضى. وبهذا اللقاء القصير تضاعفت همتي وشعرت أنني قد وجدت لنفسي الهدف.

هذه هي الفرصة لإرضاء فضولي وفحص موهبتي وتحديّ الصعوبات. بدأت لوحدي في التصميم والبحث والعمل والتمويل فلم أجد من يستطيع مساعدتي. المشروع جديدٌ من نوعه وليس له خبرات. قضيت سنتين في البحث والتجارب: عملٌ متواصل، تصميمُ عدةٍ جديدة، تخريب، وإعادةُ مراجعة الكتب، حساباتٌ جديدة للزوايا الفلكية، أذكر منها هذه "المنقلة" التي بواسطتها استطعت توقيع نجوم الأبراج من زوايا ومسافات بالنسبة إلى مسطح «Eclips» أو مسطح "خط الاستواء"، أو أي مسطح مطلوب. أنها تقوم مقام الكمبيوتر، وقد شهد لصحة نتائجها كل الفلكيين.

واجهت من الناس من رحّب بما أعمله، ومن تعجّب. وبعضهم سخر لهذا التبذير. ثابرت حتى النهاية، وتمّ المشروع، وكان مؤلّفاً من 85 نموذجاً تحتوي على كل الكواكب والأقمار، مع المدارات. وفي الناحية المظلمة ترى النجوم والمجرات مضيئة. كل هذا معلق في السقف في غرفة 9×25متراً، وكانت التكاليف أكثر من 400 ألف دولار. تم النموذج إلاّ أنني لم أرض عنه مائة بالمائة.

في أيار 1988 تم عرضه برعاية "جمعية الكواكب" برئاسة الدكتور سيجان، كما تكرم الحضور الدكتور ايزاموف، وأعضاء الجمعية، وكثير من العلماء، وعامة الشعب، وحتى رفقائي وصلوا من دمشق لحضور الافتتاح.

حدث الاحتفال بنجاح أكبر مما كنت أتوقعه. لم أتلقى أي ملاحظة أو اعتراض من أحد. الكل وجد فيه شرحاً جديداً عن الفلك، وكأنهم وجدوا فيه عدة نوافذ تطلّ  على الكون من عدة زوايا. كان تفهّمهم للمسافات والأحجام والمدارات والزوايا سهلاً واضحاً. تلقيت التهاني وتمّ الاحتفال برضى الجميع. هذا هو اليوم الذي كنت أتمناه، كنت أتكلم ببساطة طبيعية، وكان الجميع يحسنون الإصغاء.

 

كان سروري أعظم عندما زارني تلامذةُ المدارس، فقد كان الشرح لهم يجمع بين اللّذة والمحبّة. كانت أسئلتهم البريئة تلهمني إلى ملاحظات جديدة.

وبفضل هذا النجاح، تلقيت "كتب التقدير" وفي مايلي بعضٌ منها. الرسالة الأولى من كارل سيجان:

 

Dear George:

My Family and I enjoyed immensely the opportunity to attend the "premier” of your powers of ten scale model of the universe. (I’m especially pleased by the two books at the jumping off point.) I’m convinced that if there were a way to duplicate this exhibit -- particularly on the 1-meter-per-box scale you mentioned – that it would provide a major teaching and inspirational tool for museums throughout the country and worldwide. As you know, Steven Soter, who is Special Assistant to the Director of the Smithsonian’s National Air and Space Museum, was there and was, along with everyone else, very much taken by it.

The Planetary society would be happy to try to help interest science museums in the United States and abroad if there were a way of “mass producing” the exhibit. What do you think?

With every good,

Cordially,

Carl Sagan

 

والرسالة التالية من اسحق عظيموف:

 

Dear Mr. Awad,

Yes, of course.

Your “Model of the Universe”

Was the most immaginative representation of the Universe that I have ever seen, or could have conceived of. I could have wondered through ever seen, or could have conceived of. I hadn’t absorbed it for hours, seeing something new at every turn that I hadn’t absorbed it for hours, seeing something new at every turn that I hadn’t absorbed before.

Isaac Asimov

 

وهذه رسالة من مدير متحف الفضاء مارتان هرويت في واشنطن:

 

Dear Mr. Awad:

First, let me thank you and your associates for the guided tour you gave me of your astronomical exhibit, when I visited you last Thursday.

As I stated at the time, your presentation of astronomical objects, scaled in powers of ten, is both impressive from a technical viewpoint and beautifully carried out from an artistic view. I was impressed, both as a practicing astrophysicist and as a museum director.

I am hoping to have a number of people from our staff contact you to see whether they could visit you as well. They would need to examine in greater depth, whether it would be possible to exhibit your work at the National Air and Space Museum. Our curators and exhibition staff will know better than I whether our schedule would permit an exhibition at any time difficulties of transport, the dangers to your work from a public which can be very rough on exhibits, the amount of work required by us to provide explanatory labelling, so visitors would clearly know what they were seeing, and so forth. These all are questions that we always need to ask before deciding on the adoption of any exhibit.

Having said all that, let me congratulate you once more, on a wonderfully beautiful an instructive view you have created of our universe. It deserves to be seen widely.

Sincerely yours,

Martin Harwit

Director

 

وهذه رسالة أخرى من رئيس جمعية هواة الفلك في نيويورك:

Dear Mr Awad,

Iwas honored to represent the Amateur Astronomers association at the unveiling of your power of Ten model on May 1st. In two words my reaction to your creation is: mama mia!

Apart from being astronomically accurate, at least up to the limit of our science and art, your power of Ten exhibit is truly beautiful. I wrote a full review of the exhibition in our June 1988 EYEPIECE,copy attached. Be free to recount from this review with merely the usual source citation.

While several other Association members were at the viewing, on behalf of their other affiliations, I want to arrange with you a specific visit for our general membership. As people cultured in astronomy and the arts I know they will be deeply moved by your power of Ten model.

Beyond this visit, I definitely want to include the power of Ten exhibit as an educational experience for our astronomy class students. Sessions start in the fall. The students by inspecting the power of Ten structure will appreciate the size and scale of the universe as they never could by any mode I heretofore fashioned.

We’ll keep in touch.

Yours truly

John Pazmino

President

 

وفيما يلي نص المقال بالإنكليزية:

The universe is incredibly vast. It is also intricately complex. We relate to our world on a “human mile. Only with difficulty do we visualize our planet as a planet, yet Earth is small enough to fit inside Jupiter’s Great Red Spot. Jupiter is puny compared with a red giant, like Betelgeuse in the shoulder of Orion. Interstellar distances, the galactic scale, clusters of galaxies, and so on-all beyond our ability to visualize. Or are they?

A few months ago, I gad a chance to see a scale model of the universe. It is hard to believe that a museum exhibit could so successfully show the human scale, the scale of the universe and everything else in between. But a man named George Awad, a member of The Planetary Society’s New Millennium committee, has built a fantastic array of models that does just that. It is not located in any museum or planetarium, at least not yet. But it is open to the public, after a fashion. If you are in New York City, I suggest that you arrange to see it.

George awad is president of a company that makes architectural models-scale models of skyscrapers and developments. But his hobby is astronomy, and he turned his craftspeople loose on an awe-inspiring project, to build a model of the universe. Needless to say, one scale model of the universe, event if it filled a great hall, could hardly show the details of anything as puny as our Milky Way galaxy, let alone the features of the solar system that are so relevant to us. So Awad adopted a scheme called “the powers of ten” that has been popularized in a couple of books and in an educational movie.

Instead of building one model, Awad has built 75 models, each within a cube just a foot and a half per side, and each representing a linear dimension exactly 10 times that of its neighbor. The models are suspended overhead in a darkened gallery. As you walk from model to model, it’s as though you gad moved 10 times farther away each time. The display begins, simply enough, with a close-up of Carl Sagan’s book Cosmos on the hood of a car. Moving to the next model, you see the whole parking lot, and the book is now tiny. In three more steps, you see the whole eastern coast of Florida, as if you had been launched in the shuttle a couple of minutes before. In three more steps there is a beautifully intricate model of the whole planet Earth; the book and the parking lot have long since been squeezed to the vanishing point.

Continuing from model to model, you then see the whole solar system, which thereafter shrinks to become an insignificant come of our galaxy. We see the local group of galaxies, then larger clusters of galaxies, and super clusters, before finally reaching a somewhat fanciful representation of the entire visible universe. The effect is breathtaking because of the craftsmanship of the planetary models and the use of fiber optics to depict stars and galaxies.

George Awad is fascinated by the diversity of the universe, and he couldn’t stick with just the geocentric perspective. At places, the model branches out to show other planets at the same scale as Earth, or other stars at the same scale as our Sun or the solar system. Altogether, there are 75 separate models hung in a rectangular array in the gallery. As a scientist, I was particularly struck by the extraordinary precision of the work. Every lunar crater is shown to correct scale, all the orbital inclinations have been measured properly, and the integrity of what we know about the cosmos has not been sacrificed to serve artistic ends, although the exhibit is exquisitely beautiful, indeed.

Awad has used his own resources to build this fabulous model. It is located in a mid-town building, not in a museum. Since Awad first unveiled his model a year ago, he has been in touch with various museums and planetariums around the country. There has been an expression of interest from the National Air and Space Museum, among others, but there are no firm plans for the exhibit to be shown outside New York City.

Meanwhile, it is possible for you to see this three dimensional model of the universe through the powers of ten. George Awad is happy to arrange dates for public viewing at 260 west 36th street. Just telephone Awad Astronomical Models in advance at (212) 563-5480. Although unheralded, this project is surely one of the major wonders to see in the Big Apple.

(Clark R. Chapman is a member of the imaging team of the Galileo million, schduled for an October launch toward Venus and Jupiter).

لقد صنعت أيضاً نموذجاً صغيراً متنقلاً، وهو اليوم في متحف "منشاير بفرمانت" وقد لاقى النجاح نفسه بشهادة مدير المتحف كما كتبت عنه الصحف المحلية، ولايزال حتى اليوم بعد مرور بضع سنوات يستقبل الزوار، وقد كلفني أكثر من 100 ألف دولار.

أبقيت النموذج الأكبر معروضاً لمدة سنتين، زارني خلالها كثير من رؤساء المتاحف، حيث أبدوا جميعاً رغبتهم لعرضه في متاحفهم، ولكنّهم كانوا على حذرة وخوف، إذ إنه لم يسبق أن عُرِضَ نموذج بهذا الموضوع. كانت هناك حيرة، تردد، مماطلة تأجيل ميزانية، موافقة القمة، اجتماعات اللجنة، دون أن أسمع أي خبر عن عدم صلاحية النموذج.

عرفت من ذلك أن الذي ساعد على نجاح النموذج هو أنه كنت الوحيد في اتّخاذ القرارات في التصميم والتنفيذ والتمويل والهمة في العمل. وقد تبيّن لي بأنّ أي مؤسسة إذا أرادت إتمام مثل هذا النموذج لكلّفها أكثر من عشرة أضعاف الوقت والثمن، نظراً للتعقيدات التي يوجبها المسؤولون.

لم أيأس، لا بل تابعت جهودي أكثر فأكثر، وباشرت بصنع نموذج أكبر يحتوي على عشرة أضعاف المعلومات، يرضيني مائة بالمائة، معتمداً على خبرتي السابقة آملاً أن يكون نجاحه بقدر قيمته، ويلفت أكثر أنظار أصحاب المتاحف لعرضه.

كتبت إلى الدكتور سيجان قائلاً: أتمنى أن يكون نموذجي الجديد على مستوى عالمي يزيد ثقافة الناس في الفلك، أقدمه كما يقدم الموسيقي لحنه، كي يساعد على جمعنا في مجال العلم، بدل أن تفرقنا الأحزاب والأعراق والأديان. وبعد أن أتممت نصف النموذج الجديد، وفي بداية سنة 1991 توقفت عن العمل، نظراً لسوء حالة الأشغال المعمارية، ولم يعد لي أي مدخول يساعدني، بعد أن صرفت كل ما عندي من «كاش»

ولأول مرة طلبتُ المساعدة.

قدمنا طلباً مبدئيّاً للحصول على منحة من مؤسسة NSF. وبعد إطّلاعهم على الطلب حصلنا على الموافقة المبدئية. قدمنا الطلب الرسمي في آب 1991، وتكرم الدكتور سيجان بإرسال كتابٍ منه إلى NSF يشهد لي ولأهمية المشروع الثقافية.

تلقينا دعوة من متحف سمسونيون لعرض النموذج في القسم التجريبي. فجأة وبدون أي واسطة تمّ الافتتاح وكان الإقبال كبيراً والتقدير عظيماً. بعدها واجهنا إقبال الجمهور، وجمعنا منهم الملاحظات الخطية التي أجمعت على نجاح المعرض نجاحاً منقطع النظير.

كان معدل الوقوف أمام النموذج 17 دقيقة، وهو رقم قياسي بالنسبة لأي معروض أو تحفة في هذا المتحف. وقد جاءتني كتب التقدير والتهنئة على النجاح الكبير الذي حققه هذا المعرض.

وقفت أجيبُ على أسئلة الجمهور، مثقفين وعامة الشعب. أسئلة كلّها شوق ولهفة وإعجاب. وكان شرحي لهم يلاقي آذاناً صاغية، مصدّقين هذه المعلومات. لقد أيقنت بأنّ النموذج هو أداة تعليم فعالة لكل طبقات الشعب. فقد كان للفلكيين والعلماء واسطة جديدة لاستيعاب الأحجام والمسافات، وكان لبقية الشعب معلوماتٌ جديدة بعيدة عن الاهتمام والتصديق. وكان البعض يتصوّر من الدهشة وصول هذه المعلومات من النجوم أو من الأنبياء.

هذه بعض الأضواء على ما قمتُ به من نشاطات وإنجازات.

ولا بد لي في النهاية من أن أضيف إلى ذلك اهتمامي بإيجاد حلول للمسائل المستعصية وتحدي الغموض.

وهذه بعض المسائل في خداع النظر استطعت أن أجد لها الحل في التصوير والمنظور ثم في الصناعة. وأقدم لها الحلول التصويرية التي توصلت إليها وهي مسائل:

ـ المثلث الملتوي فراغياً،

ـ الدرج الصاعد والنازل إلى ما لانهاية،

ـ والبناء الملتوي فراغياً.

هذا هو أنا

قضيت هذا العمر في البحث والعمل حياة بدون ملل. كنت ولاأزال أسعى إلى المزيد. واليوم أريد أن أكتب وأتكبّد أتعاباً أخرى. الكتابة صعبة تتطلب دراسات خاصة. ليس عند أي شهادة دراسية كما أنّ إلمامي باللغتين: العربيّة والانكليزية ضعيفاً. ودراستي للرياضيات ليس لها القواعد المصطلح عليها. وعلى الرّغم من ذلك حقَّقتُ هذه النجاحات. إنّ هذه الدراسة هي حصيلة ملاحظاتي الخاصة التي ليس لها أي مرجع، أو معلم أو قدوة.

بقي عليّ أن أصنّفَ كتابتي بالشكل الذي يرضي القارئ وفقاً لأصول الكتابة المعروفة. وهكذا، تجرأت أخيراً ودخلت ميدان القلم باحثاً عن مكاني بين المؤلفين، غير مبالٍ بالنتيجة التي قد أوصفُ بها. ثرثار أو غيره!

ترتكز الفكرة التي أريد معالجتها في القسم الأول من هذا الكتاب على ثلاث ملاحظات أقدّمها حول ثلاثة مواضيع وهي مختصر لكلّ ما أريد توضيحه:

                  · رسالة مرقس

                  · حديث سمكتين

                  · الدعاء

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •