الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

الفراغ الكوني ومجالات القوى

موسى ديب الخوري

 

للفراغ اليوم وجهان: أحدهما من منظور المهندسين الذين يربطونه بدرجات الضغط الجوي المنخفضة، والآخر من منظور علماء الفيزياء الكمومية، الذين يرون فيه حالة طاقية دنيا للعالم، حيث يمكن رصده من خلال تموجاته أو تخلخلاته، وهم يرون إنه يملك حتى مفتاح تاريخ الكون.

ما هو الفراغ؟

تغير تعريف الفراغ منذ ألفين وخمسمائة عام. في القرن الخامس قبل الميلاد عرف ديمقريطس الفراغ على أنه ما ليس موجوداً، في حين أن أرسطو كان ينفي ذلك قائلاً إن الطبيعة موجودة في كل مكان، الأمر الذي عاد إليه سبينوزا بعد ألفي سنة ليقول: "الطبيعة ترتعب من الفراغ". فالفراغ لا يمكن أن يوجد لأن الحركة ستكون فيه لحظية أو لانهائية. وفضل أرسطو التفكير بأن الفضاء ممتلئ بالأثير، أو ما سمي بالجوهر الخامس. وقد ترجمت كتابات أرسطو إلى العربية ثم إلى اللاتينية، بحيث أصبحت فيزياؤه هي أساس التعليم في أولى الجامعات الأوروبية في القرن الثالث عشر. وينفي ديكارت قدرة الفراغ على الفصل بين جسمين، لأنه إن كان لا شيء يفصلهما فهذا يعني أنهما متلاصقان. وهو أمر متناقض. ومع ذلك، فقد بدأت في عصر النهضة بوادر التمرد على المعلم اليوناني. فقد قال إيطاليون مثل باتريزي Patrizi وتليسيو Telesio بأن الفراغ موجود، دون أن يثبتا ذلك. وفي القرن السابع عشر وبداية العلوم التجريبية مع غاليليو غاليليه، وتوريتشلي Torricelli وباسكال Pascal، ترك الفراغ للمرة الأولى عالم الفلسفة البحت. وبدأت القصة في عام 1638 عندما لم يستطع مهندسو نوافير المياه الفلورنسيين في إيطاليا فهم لماذا كانت المياه لا تصعد أكثر من نحو عشرة أمتار في الأنابيب، وتوجهوا بسؤالهم هذا إلى غاليليه. وأجاب تلميذه توريتشلي على السؤال بعد نحو ست سنوات. فقد بين أن نسبة معينة من مادة الزئبق كانت تبقى في الأنبوب الذي وضعها فيه بعد أن قلب الأنبوب. فما الذي بقي في ربع الأنبوب تقريباً. يجيب بأن ما بقي ليس الهواء، بل الفراغ. وقد حاول أن يبرهن على ذلك بوضع حشرات في هذا الفراغ، لكن التجربة لم تنجح بالطبع. وبعده، حاول الأب مرسن Mercenne تكرار التجربة بواسطة زجاجات، لكنه فشل أيضاً، ليعيدها من بعده تلميذه بيير بتيه Pierre Petit. لكن بليز باسكال كان هو الذي تابع الأبحاث، وفكر بطريقة صحيحة قائلاً، إذا كان الضغط الجوي هو السبب في بقاء السائل في الأنبوب، فهذا الضغط يجب أن يكون أقل في الجبال. وقام صهر باسكال، فلوران برييه Florin Perier بالتجربة في عدة أماكن وارتفاعات جبلية. وهكذا ظهر للمرة الأولى الفراغ كتعبير عن الدرجات المنخفضة من الضغط. وفي عام 1659 صنع الإيرلندي روبرت بويل Robert Boyle مضخة هوائية. وبيّن في إحدى التجارب الكثيرة التي قام بها وفاقت 40 تجربة أن الصوت لا ينتشر في الفضاء المتروك فارغاً في أنبوب توريتشلي، وأن اللهب ينطفئ فيه، إلخ. وباختصار فقد برهن أن أعلى الأنبوب يكون في حالة فراغ. لكن مسألة طبيعة هذا الفراغ لم تلق أية إجابة. وفي القرن الثامن عشر كان الانتصار المرحلي للنظرية الموجية للضوء يفترض وجود وسط تنتقل فيه الأمواج وتستطيع الانتشار. وهكذا عاد أثير اليونانيين من جديد، لكن لم تفلح أية تجربة في البرهان على وجوده. وهكذا اختفى الفراغ الممتلئ مرة أخرى، وعاد الفراغ الفارغ من جديد. لكن ليس لوقت طويل، فالقرن العشرون، قرن النسبية العامة والاحتمالات، استولد فراغاً كوانتياً يتعلق بحقول وكمونات ممتلئة. ومذاك بدأت نظرة الفيزيائيين للفراغ تتخذ منحى جديداً، خاصة مع تلك الأفكار المدهشة التي ظهرت عن قوة الفراغ، ومحاولات قياسها وإثباتها.

هل للفراغ الكمومي طاقة؟

في الفيزياء الكمومية كل شيء من حيث الكمون حقيقي، أو من حيث الحقيقة افتراضي! فلم يعد يكفي، كما كان يعتقد الفيزيائيون الكلاسيكيون من القرن التاسع عشر، أن نرفع كل نوع من المادة وكل إشعاع كهرمغنطيسي حراري بتبريد الجهاز التجريبي إلى درجة الصفر المطلق. ذلك أنه سيبقى كمونياً شيء ما. ووفق مبدأ هايزنبرغ، ووفقها أن الجسيم موجود بالكمون، فإن الفراغ ممتلئ...ممتلئ بجسيمات افتراضية من المادة والمادة المضادة. إنها حالة الواقعية الكامنة غير المحرضة. وفي العشرينات من القرن الماضي عرف بول ديراك Paul Dirac الفراغ على أنه حالة الطاقة الدنيا لبنية ما. وكلمة دنيا لا تعنى معدومة، طالما أن الحقول لا يمكن أن تكون كلها معدومة في الوقت نفسه. أما الطاقة الدنيا لمجمل البنى، أي للكون، فهي مجموع كافة هذه الفراغات المحلية. وعند درجة حرارة صفر فإن كل نقطة من الفراغ تشتمل على إشعاع يسمى "إشعاع النقطة صفر"، كما أوحى بذلك ماكس بلانك Max Planck في عام 1912. وقد ربطت هذه الفكرة بعد بضعة سنوات بتموجات هذا الفراغ الكوانتي. فهذا الفراغ الكوانتي كما قلنا يتموج محلياً ومن هذه التموجات يمكن أن تتخلق أزواج من الجسيمات والجسيمات المضادة. فالفراغ الكوانتي ممتلئ بحقل كوانتي يسمح للمادة باكتساب كتلة عبر التفاعل مع بوزونات هيغز (وفقاً للنظرية المعيارية لا يمكن أن يكون للمادة كتلة). والفراغ الممتلئ بحقول هيغز وبوزونات هيغز له طاقة أقل أو أضعف من الفراغ الفارغ.

هل يحصل شيء ما في الفراغ؟

ولدت الفكرة العامة عما يمكن أن يحصل في الفراغ من تزاوج الميكانيك الكوانتي مع النظرية النسبية العامة: فالفراغ يتعارض مع حركات الأجسام المتسارعة غير المتجانسة. كان الفيزيائي ويلس لامب Willis Lamb قد بين في عام 1947 أنه حتى إذا كانت ذرة ما توجد في حالة طاقتها الأساسية وكانت معزولة في الفراغ، فإنها تتفاعل مع تموجات الفراغ. ويترجم ذلك من خلال تغير في تواترات امتصاصها للفوتونات. وفي عام 1948، بين الهولندي هندريك كازيمير أن تموجات الفراغ تؤثر على جدران تجويف معدني بتخليقها لقوة كهرمغنطيسية جاذبة وضعيفة جداً إنما حقيقية، لأنه وفقاً لمبدأ الريبة لهايزنبرغ فإن الحقل الكهربائي للفراغ لا يمكن أن يكون معدوماً في كل مكان. وقد أثبت أثر كازيمير هذا تجريبياً بعد عشر سنوات على يد الهولندي ماركوس سبارناي M. Sparnay. فقد استطاع أن يثبت تأثير المسافة بين الجدارين أو المرآتين على كثافة قوة الجذب. واستطاع فريق فرنسي في عام 1996 التنبؤ بأن فجوة في الفراغ مؤلفة من مرآتين عاكستين بشكل جزئي تصدر فوتونات إذا ما تحركت جيئة وذهاباً بتواتر مناسب. كذلك هناك ظاهرات أخرى ترتبط بالفراغ الكوانتي، ومنها مثلاً تبخر الثقوب السوداء الدقيقة التي تدور. فهذه الأجسام التي يقارب حجمها حجم البروتون، إنما التي تصل كتلتها إلى مليار طن وربما كانت قد تولدت خلال الانفجار الكبير، يمكن أن تشع طاقة مثل الثقوب السوداء النجمية وفق ما تنبأ به ستيفن هوكنغ في عام 1974. وقد أثبتت هذه الفرضية في عام 1976 بشكل تجريبي.

القوة التي تأتي من الفراغ

إن الفراغ ليس عدماً بالنسبة للفيزيائيين الكوانتيين: فالفضاء الفارغ الخالي من كل مادة وفي درجة حرارة قريبة من الصفر المطلق يشتمل على طاقة مع ذلك! و"أثر كازيمير" قادر على توليد حركة ابتداء من هذه الطاقة فقط. ومن هنا اهتمام العلماء والصناعيين على حد سواء بهذا الأثر، لأنه قادر على إعطاء الحركة أو تحريك الآلات الصغيرة جداً بل والمجهرية. فما الذي يحصل عندما نضع في الفراغ مرآتين معدنيتين إحداهما في مواجهة الأخرى؟ الجواب للوهلة الأولى سيكون أن لا شيء سيحصل. لكن المفاجأة أن المرآتين سوف تقتربان من بعضهما، كما لو كانت قوة غريبة تجذبهما! كان قد تنبأ للمرة الأولى بهذه الظاهرة المفاجئة في عام 1948الفيزيائي الهولندي هندريك كازيمير Hendrik Casimir. ومذاك حملت هذه الظاهرة اسم مكتشفها وعرفت القوة بين المرآتين بقوة كازيمير. ومع ذلك، وبسبب عدم وجود قياسات دقيقة وإثباتات تجريبية حاسمة، ظلت هذه الظاهرة لفترة طويلة مجرد فضول نظري معروف لدى الأخصائيين فقط. ولم تتحقق القياسات الأولى المرضية لهذه القوة إلا بعد خمسين سنة على اكتشافها بفضل التقدم التقني. وقد فتحت هذه التجارب خلال السنوات الأخيرة مجالات تطبيقية هائلة لقوة كازيمير، وخاصة في مجال التكنولوجيا النانوية، أو النانوتكنولوجيا.

فالتقدم التكنولوجي الحديث وتطور المجاهر ذات القوة الذرية سمح في الواقع بقياسات تجريبية تتوافق مع التوقعات النظرية. إضافة إلى ذلك فقد لاحظ الفيزيائيون خلال السنوات الأخيرة أن قوة كازيمير يمكن أن تستخدم في المنظومات الميكانيكية الكهربائية الدقيقة (MEMS)، وبشكل أعم في كافة الأشياء التي تحتوي على عناصر معدنية على مسافات ميكرومترية ونانومترية. وغذي هذا الاهتمام أيضاً عبر الفيزياء النظرية الأساسية. فكثير من النظرين يحاولون توحيد القوانين الأساسية للفيزياء: وهو يتوقعون على سبيل المثال وجود قوى جديدة قادرة على تعديل قانون الجذب الثقالي الكوني على مسافات قريبة وصغيرة جداً. وتساعد قياسات قوة كازيمير المحسوسة على هذه المسافات الفيزائيين على اختبار فرضياتهم.

ولكن من أين تأتي قوة الجذب هذه؟ وما هو الفراغ بالتالي، إذا كان يستطيع أن يولد قوة بين مرآتين؟ إنه ليس "لاشيئاً" على الأرجح. لقد تطور كثيراً إدراك الفراغ خلال الزمن. في الميكانيك الكلاسيكي، مفهوم الفضاء الفارغ بسيط: إنه ما يبقى عندما يتم إفراغ إناء من كل الجسيمات فيه ويتم تخفيض درجات الحرارة إلى الصفر المطلق.

الفراغ يتموج ويترجرج

لقد قلب ظهور الميكانيك الكمومي في العشرينات من القرن الماضي هذا التصور للفراغ رأساً على عقب. فوفق المقاربة الكمومية تتموج أو تترجرج كافة الحقول وخاصة الحقل الكهرمغنطيسي. وهي تنوس في كل لحظة حول قيمة متوسطة ثابتة. وحتى في الفراغ الكامل، وعند درجة حرارة قريبة من الصفر المطلق تظل هناك تخلخلات طاقية لا يمكن تخفيضها أو تقليصها. وهي تعرف باسم تخلخلات الفراغ. فالفراغ هو في الجوهر ممتلئ بالتخلخلات.

في الأربعينات من القرن الماضي كان كازيمير يعمل على فهم خواص المواد اللزجة مثل التلوين أو الصلصة أو المايونيز. وخصائص هذه المواد تحدد بقوى تسمى قوى فان در والس Van der Waals، وهو اسم عالم هولندي آخر، وهي قوى تؤثر بين ذرات وجزيئات حيادية كهربائياً. وقد لاحظ أحد زملاء كازيمير، وهو ثيودور أوفربيك Theodor Overbeek أن نظرية القوى لفان در والس، والتي كان قد طورها فرتز لندن Fritz London في عام 1932، لا تفسر قياساته التجريبية بشكل صحيح. وطلب أوفربيك من كازيمير دراسة هذه المسألة. وقام كازيمير مع تلميذه دريك بولدر Drik Polder، وبعد بعض الإيحاءات من نيلز بور Niels Bohr، بحدس أن المسألة يمكن أن تطرح من خلال مصطلحات تخلخلات أو تموجات الفراغ. وهكذا قام بدراسة مرآتين ـ بدلاً من جزيئين ـ  في الفراغ، وصاغ تنبؤه الشهير بوجود قوة جاذبة بين صفيحتين عاكستين. وقدمت استنتاجاته هذه خلال محاضرة ألقيت في عام 1948 في باريس[1]. وبعد فترة وجيزة تم الحساب النظري للقوة بين مرآتين كاملتين.

إن قوة كازيمير مفهومة جيداً اليوم على الرغم أنها كانت للوهلة الأولى منافية للحس السليم. وإحدى الطرق البسيطة لوصف أصولها هي في اعتبار المسافة بين المرآتين في الفراغ مثل تجويف أو فجوة (شكل 1). إن لكل الحقول الكهرمغنطيسية طيف مميز لها يشتمل على تواترات مختلفة. والأمر مماثل بالنسبة لتموجات الفراغ: فطيف هذه التموجات يشتمل على كافة التوترات الممكنة. وهي تكون في الفراغ الحر متكافئة كلها. ولا يفضل أحدها على الآخر. ولكن داخل تجويف ما، حيث تنعكس تخلخلات الفراغ بواسطة المرآتين، فإن الوضع يكون مختلفاً. فالتجويف يشتمل على تواترات تسمى بالطنينية، وهي مفضلة على التواترات الأخرى. وهكذا، فإن حقل الفراغ يتسع إذا دخل التجويف بالضبط مضاعف صحيح لطول موجة. أما عند أية أطوال موجات أخرى فإن الحقل يتناقص.

والحال أن كافة الحقول الكهرمغنطيسية تنتشر في الفضاء وحتى في الفراغ وتمارس ضغطاً على السطوح. ويزداد ضغط الإشعاع هذا مع طاقة الحقل الكهرمغنطيسي. فما الذي يحصل من على طرفي تجويف ما؟ عند حصول تواترات الطنين، تتسع وتزداد تموجات الفراغ، ويكون ضغط إشعاعها في الداخل أقوى منه في الخارج. وفي هذه الحالة تتباعد المرآتان عن بعضهما بعضاً. بالمقابل، عندما لا يكون هناك حالة طنينية تتقلص تموجات الفراغ ويكون ضغط الإشعاع في الداخل أصغر منه في الخارج. والنتيجة: تتقارب المرآتان. وفي الواقع، فإن قوة كازيمير ليست شيئاً آخر سوى الفرق بين ضغط إشعاع الفراغ داخل وخارج تجويف ما. ويبدو بشكل عام أن المركبات الجاذبة تسود وتسيطر بدرجة طفيفة على المركبات النابذة. وبالنسبة لمرآتين مسطحتين كاملتين ومتوازيتين فإن قوة كازيمير هي بالتالي قوة جاذبة. وهي تتناسب مع سطح المرآتين وعكساً مع القوة الرابعة للمسافة بينهما.

تصبح قوة كازيمير محسوسة بالنسبة لمرآتين لا تفصل بينهما سوى مسافة قصيرة جداً، من رتبة الميكرومتر. وعلى سبيل المثال، إذا كانت لدينا مرآتان مساحة كل منهما سنتمتر مربع واحد ويفصل بينهما  ميكرومتر واحد، فإنهما سوف تتحسسان قوة كازيمير بمقدار عشرة أجزاء من المليون من النيوتن. أي نحو ثقل قطرة ماء قطرها نصف مليمتر. ويمكن لهذه القوة أن تبدو مهملة وغير ذات معنى لأنها ذات كثافة ضعيفة جداً. لكن الأمر ليس على هذا النحو أبداً، فبالنسبة لمسافات أقل من ميكرومتر واحد تصبح قوة كازيمير هي القوة السائدة بين جسمين حياديين كهربائياً. وهذه المسافات نموذجية في البنى النانوية والمنظومات الميكانيكية الكهربائية الدقيقة (MEMS). وهذه المنظومات هي عبارة عن تجهيزات ميكرومترية  تدمج فيها العناصر الميكانيكية والقطع المتحركة على ركيزة من السيليسيوم. وتشهد المنظومات الميكانيكية الكهربائية الدقيقة (MEMS) اليوم استخداماً متزايداً بسبب تطبيقاتها في العلم والتكنولوجيا. وهي تستخدم بشكل خاص كمجسات للتسارع في السيارات.

قوة مفيدة

تصنّع المنظومات الميكانيكية الكهربائية الدقيقة (MEMS) على مستويات ميكرومترية وتحت ميكرومترية. وبالنتيجة فإن قوة كازيمير يمكن أن تضرّ بعملها وتشغيلها وذلك بإدخال المركبات فيها مثلاً[2]. غير أن قوة كازيمير يمكن أن تكون مفيدة أيضاً. فقد بين فيدريكو كاباسو Federico Capasso وفريقه من مختبرات بل مؤخراً كيف يمكن استخدام هذه القوة للتحكم بالحركة الميكانيكية للمنظومات الميكانيكية الكهربائية الدقيقة (MEMS)[3]. فقاموا بتعليق صفيحة من السيليسيوم حول محور شد لا يتجاوز قطره بضعة ميكرومترات (الشكل 2). واستخدمت قوة كازيمير بين هذه الصفيحة وكرة مطلية بالمعدن لتحريك أو تدوير الصفيحة. واعتبر ذلك نتيجة نوعية بحد ذاتها. لكن استخدام قوة كازيمير في عمل الآلات الدقيقة يتطلب أيضاً معرفة دقيقة بكثافتها.

خلال فترة اكتشافها في عام 1948 كان من الصعب جداً قياس تأثير قوة كازيمير بالوسائل التكنولوجية المتاحة. وكان الروس درجاغين Derjaguin وأبريكوسوفا Abrikosova ولفشيتز[4] Sifshitz في عام 1956 والهولندي ماركوس سبارناي[5] Marcus Spaarnay في عام 1958 هم أوائل من حاول إثباتها تجريبياً. قاس سبارناي قوة كازيمير بين مرآتين مسطحتين من الألمنيوم أو من الكلور أو من الفولاذ. وقد حفظت المرايا حيادية كهربائياً لكي لا تحجبها القوة الكهرستاتيكية. كذلك تحقق سبارناي من كون المرآتين متوازيتين تماماً، لأن قوة كازيمير حساسة جداً لتغيرات المسافة. ومن هذه التجربة فقط استطاع سبارناي الاستنتاج بأن قياساته لم تكن تتعارض مع التوقعات النظرية لكازيمير. وكانت أعماله هذه تعدّ نجاحاً تجريبياً مميزاً في ذلك الوقت. لكن الانزياح بالنسبة للحساب النظري ظل كبيراً. ولهذا قامت فرق أخرى بالعمل من أجل تقليص الفارق بين الواقع التجريبي والحساب النظري. غير أن النجاح لم يحالفها. الأمر الذي أدى إلى التخلي عن هذا المجال من الأبحاث لأكثر من أربعين عاماً. وكان لا بد من انتظار نهاية التسعينات للحصول على قياسات مرضية.

وكما يحصل دائماً فقد تبين أن العلاقة بين النظريات والتكنولوجيا التجريبية كانت حاسمة. فقد سمح بالقيام بسلسلة جديدة من القياسات التقدم الكبير في مجال تحديد القوى الضعيفة بالإضافة إلى تطوير المجهر ذي القوة الذرية. وبدأت هذه القياسات في عام 1997 مع ستيف لامورو Steve Lamoreaux من جامعة واشنطن. فقد قاس قوة كازيمير بين عدسة كروية ومرآة مسطحة. واستخدم لامورو نواساً ذا حبل موضوع ضمن مكان فارغ. وعندما قرب الجسمين من بعضهما حتى بضعة ميكرومترات سببت قوة كازيمير فتلاً أو شداً للنواس أمكن قياسه. ولم يكن الفارق هذه المرة بين قياساته والتنبؤات النظرية[6] أكثر من 5 %.

استخدم فيزيائيون آخرون بعده مجاهر ذات قوة ذرية من أجل قياس قوة كازيمير. فقام عمر محي الدين وزملاؤه من جامعة كاليفورنيا بربط كرة من البوليستيرين على سبيل المثال إلى ذراع رافعة في مجهر ذي قوة ذرية (الشكل 3). ثم تم تقريب الكرة إلى عشر الميكرومتر من مرآة مسطحة. وتم تقدير الجذب الناتج بين الكرة والمرآة بانحراف شعاع ليزر. وأمكن الوصول عبر هذه القياسات إلى توافق شبه تام بين التجربة والنظرية[7] لم يتعد الفرق فيه 1 %.

قليلون من المجربين تناولوا ودرسوا قوة كازيمير في صيغتها الأصلية المؤلفة من مرآتين مستويتين ومتوازيتين. والسبب في ذلك هو أنه يجب الحفاظ على المرآتين متوازيتين تماماً خلال التجربة، وهو أمر من الصعوبة بمكان تحقيقه بدقة كبيرة. فتقريب كرة من مرآة مسطحة أسهل بكثير: والفصل بين الشيئين يحدد ببساطة عندها بمسافة الاقتراب الأقصر. غير أن الحسابات مع هذا التصور ليست بدقة الحسابات عندما يكون لدينا مرآتان مسطحتان. وقد حاولت تجربة أنجزت في عام 2002 في جامعة بادوا Padoue على يد كل من جياني كارونيو Gianni Carugno وروبرتو أونوفريو Roberto Onofrio، إجراء قياسات التصور الأصلي لكازيمير. وقد قاسا القوة بين صفيحتي سيليسيوم مغطاتين بالكروم، وتفصل بينهما مسافة 0.5 إلى 3 ميكرومتر[8]. غير أن القياسات التي أعطت نسبة توافق 10 % مع النظرية تعكس أيضاً وجود صعوبات تجريبية كبيرة.

مرايا غير كاملة

نفهم بالتالي سبب تركيز الباحثين اليوم على مسألة الشروط التجريبية المناسبة. إن فرقاً كثيرة آتية من مجالات مختلف جداً مثل نظرية الحقول الكوانتية، والبصريات الكوانتية، وفيزياء الأجسام الصلبة أو فيزياء الجسيمات الأولية، يعملون كلهم على هذه المسألة في جميع أنحاء العالم. إن الصعوبة الأولى تكمن بأن المرايا البصرية ليست مرايا كاملة كما كان قد اعتبرها هندريك كازيمير في حساباته الأصلية. وفي الواقع، فإن طبيعة المادة تلعب دوراً أساسياً. فالمرآة لا تعكس كافة التواترات بشكل كامل.

إن معظم التجارب الحالية تستخدم مرايا معدنية. غير أن هذه المرايا تسلك كعاكسات كاملة فقط بالنسبة لبعض التواترات. وهي تشكل مرايا عاكسة سيئة جداً بالنسبة لتواترات الحقل العليا. وهكذا تتشوه قوة كازيمير. فلا بد بالتالي من أن نأخذ بعين الاعتبار ارتباط معاملات الانعكاس بالتواتر. وقد درس أستريد لامبريخت Astrid Lambrecht من جامعة بيير وماري كوري في فرنسا مع زميله سيرج رينو Serge Reynaud منذ سنوات قليلة سلوك المرايا المعدنية آخذين بعين الاعتبار الخصائص الفيزيائية للمواد. وكانت إحدى النتائج التي توصلوا إليها هي أنه يمكن مماثلة صفيحتين معدنيتين بمرآتين كاملتين فقط إن كانتا على بعد أكثر من نصف مكيرومتر عن بعضهما بعضاً.

كذلك اعتبر كازيمير درجة الحرارة معدومة. غير أن كافة قياسات قوة كازيمير حتى اليوم تمت بوجود درجات حرارة. فالتموجات الحرارية تضاف بالتالي إلى تموجات الفراغ الكمومي. وهي تنتج ضغطاً إشعاعياً يزيد من قوة كازيمير. وعلى سبيل المثال، فإن القوة بين مرآتين مسطحتين تفصل بينهما مسافة 7 ميكرومتر تكون أكبر بمرتين في درجة حرارة ما منها في درجة حرارة معدومة.

وثمة مسألة أخرى هامة في حساب قوة كازيمير هي حالة سطح المرايا. فمعظم المرايا تصنّع بوضع طبقة رقيقة معدنية على حامل أو ركيزة. غير أن تقنيات توضع هذه الطبقة تنتج خشونات بنحو خمسين نانومتر. وعلى الرغم من صغرها لكنها تؤثر على قياس قوة كازيمير لأن هذه الأخيرة حساسة جداً لتغيرات المسافة. وقد استخدم عمر محي الدين وفريقه مؤخراً سطوحاً خشنة جيبية من أجل إثبات قوة كازيمير الجانبية. وقد وضعت المرآتان بحيث تقابل ذروة المنحنى الجيبي في إحداهما قاع المنحنى في الأخرى. وفي هذه الحالة تظهر قوة موازية لسطح المرآتين وليس قوة عمودية عليهما[9]. ويمكن لقوة كازيمير الجانبية هذه أن تصبح أداة هامة للتحكم بالآلات الدقيقة.

تظل أسئلة كثيرة أخرى مفتوحة. وخاصة تلك البسيطة بظاهرها والمتعلقة بمعرفة ما هي قوة كازيمير داخل كرة معدنية. وكان هندريك كازيمير نفسه قد عمل على هذه المسألة منذ عام 1953. هل هي قوة جاذبة، أم نابذة؟ لا يزال الفيزيائيون حتى يومنا هذا لا يعرفون الإجابة ولا يتفقون عليها. ولا تزال قوة كازيمير بعد أكثر من خمسين سنة على اكتشافها تحتفظ بأسرار كثيرة.

هل ولد الكون من الفراغ؟

يرتبط الفراغ ارتباطاً وثيقاً بالكون وزمكانه طالما أنه حالة من الحقل الكوانتي للكون. فالكون لا يمكن أن يكون قد ولد من الكون! بالمقابل، وكما اقترح الروسي أندريه ليند Andrei Linde في الثمانينات، فإن كل فقاعة تولدها تموجات الفراغ الكوانتي يمكن أن تولد كوناً جديداً. وهذا لا يزال سارياً حتى اليوم. فالكون وفق هذا المنظور هو عبارة عن ميتا كون أبدي، يتضمن كوننا، الذي انبثق من إحدى تموجات الفراغ، منذ نحو 15 مليار سنة. إن هذه الفكرة التي تبدو ميتافيزيائية ربما لا تتبدى من علم الكونيات في شيء للوهلة الأولى طالما أن هذا العلم لا يقارب مسألة لحظة الخلق نفسها. لكن هذه الفكرة تطرح بقوة في إطار نظرية كونية كوانتية، إنما التي لم تتم بلورتها تماماً حتى الآن. إن فهمنا للكون يتوقف عند اللحظة 10-43 ثا، أي عند زمن بلانك، بعد الانفجار البدئي وفق نظرية الانفجار الكبير. وفي هذا الإطار، فإن طاقة الكون يجب أن تكون فائقة الكبر والحساء الكوني فائق الانتظام. وكانت الطاقة الدنيا، طاقة الفراغ، هي أيضاً كثيفة جداً ومتموجة. ووفق هذا التصور تكون فكرة ليند مقبولة. ويقبل اليوم الكثير من العلماء فرضية ثابتة كونية غير معدومة تكون هي التعبير عن طاقة الفراغ هذه، وأنها كانت مشاركة في مصير الكون منذ بداياته. وتسمح فرضية حصول مرحلة تضخم للكون عند اللحظة 10-35 ثا بعد الانفجار الكبير، والذي ضاعف من حجم الكون 5010 مرة، بالسير قدماً في هذا الاتجاه على الرغم من الكثير من الصعوبات الفيزيائية، وخاصة مع تقديم انتقادات خلال السنوات القليلة الماضية حول فكرة التضخم نفسها. غير أن تموجات الفراغ يمكن أن تكون هي المسؤولة عن هذا التضخم ويمكن أن تفسره بشكل جيد. وكان آلان غوث Alan Guth قد أعلن هذه النظرية في عام 1981، فكان له الفضل في نقل مسألة نشوء الكون إلى أزمنة يمكن للفيزياء التعامل معها اليوم.

ومن جهة أخرى، كانت التجربة التي قام بها عمر محي الدين وزملاؤه لقياس قوة الفراغ على كرة ومرآة قد قدمت البرهان من جهة أخرى على أن الكون سيظل في توسع إلى مالانهاية. . فهذه الكرة التي لا يتعدى قطرها عشر الميليمتر تتجه نحو الصفيحة الملساء كاستجابة لتموجات الفراغ، أو بالأحرى لطاقة غير مرئية نعرف أنها موجودة في الكون. وتتراكم البراهين اليوم على أن معظم طاقة كثافة الكون هي على شكل غير معروف يسمى الطاقة العاتمة، مما يعيدنا بقوة إلى طاقة الفراغ. فشكل وأصل الطاقة العاتمة مجهولان تماماً تقريباً، ويبدو أن هذه الطاقة العاتمة والغريبة تدفع جاذبياً كل شكل للمادة، وهي تحرض بالتالي توسع الكون إلى ما لانهاية.

 

وهكذا، يعود القائلون بالخلق المستدام ex-nihilo بقوة إلى ساحة الفلسفة الفيزيائية. وهكذا، بالعودة إلى نظرية إبيقور Epicure ولوقريس Lucrèce التي وفقها لم يخلق شيء، وأن كل شيء يولد مما هو موجود منذ الأزل، وأن لا شيء يأتي من لاشيء، فإن الفيزائيين يقولون اليوم إن هذا "العدم" ليس سوى تموج للفراغ، و"زبد الزمكان" وفق ميشيل كاسي Michel Cassé، ومعطى أو كمية يمكن تكميمها والوصول إليها بالتجربة عبر أثري لامب أو كازيمير. وكما كان ليقول ديفيد بوم David Bohm، ليس ثمة على سطح الأعماق السحيقة للاوعي سوى تموجات الوعي والفكر.

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •