الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 العصر الجليدي القادم[1]

موسى ديب الخوري

تشهد الأرض منذ نحو 10000 سنة مناخاً معتدلاً نسبياً. لكن هذا النمط من الفترات الدافئة ضمن الدورة المناخية الأرضية، والمسمى العصر ما بين الجليدي، لا بد يأتي بعده عصر جليدي. متى تعود الفترة الباردة إذن؟ تبين حسابات حديثة أن العصر الدافي الحالي يمكن أن يكون طويلاً بشكل استثنائي وأن يدوم نحو 50000 سنة بعد.

 

هل ستشهد الأرض قريباً عصراً جليدياً جديداً؟ يمكن أن نندهش لهذا السؤال وكافة الانظار تتجه اليوم إلى ارتفاع درجات حرارة الأرض. ومع ذلك، منذ نحو ثلاثين سنة، اجتمع العلماء في عام 1972 في الولايات المتحدة Providence, Etat de Rhode Island وكان معظمهم يعتقد أن العصر ما بين الجليدي الذي تمر فيه الأرض حالياً قارب نهايته[2].

وكان هؤلاء العلماء يرتكزون على التغيرات المناخية للماضي، التي كشفت عنها التسجيلات الجيولوجية أو الجيوكيميائية المحفوظة على سبيل المثال في الرسوبيات أو في الجليد. وهكذا نجد أن المليون سنة الأخير كان قد تخلله إيقاع متتالية من الفترات الجليدية ومن الفترات الدافئة، ما بين الجليدية، حيث تقارب مدة كل من هذه الأدوار نحو 100000 سنة. فكان من المنطقي أن يبني العلماء على هذا المخطط التطور المستقبلي للمناخ على مستوى الأزمنة الجيولوجية، أي على مدى مئات آلاف السنين. وكانت المعطيات المتوفرة في عام 1972 تبين أن آخر عصرين دافئين ما بين جليديين ـ وأقربهما لنا هو الإيمياني Eemien ويرجع إلى 125000 سنة ـ كانا قد داما نحو 10000 سنة. . غير أننا نحيا الآن في دورة ما بين جليدية دافئة، نسميها الهولوسين Holocène، وقد بدأت منذ نحو 10000 سنة. ومن هنا جاءت الفكرة أن "عصرنا الدافئ يجب أن ينتهي قريباً، على الأقل ضمن الظروف الطبيعية ودون تدخل الإنسان"[3].

وكان هذا الاستنتاج يرتكز على فرضيتين: كانت الأولى تفترض فترة متساوية بالنسبة لكافة العصور الدافئة؛ والثانية أنه مر في الماضي عصر دافئ مطابق زمنياً للهولوسين. لكن الفرضيتين لم تتأكدا على مر السنين. فالتحليلات الجيوكيميائية في الرسوبيات بينت أن بعض العصور الدافئة كانت أطول بكثير[4]. وهكذا، منذ 400000 سنة دام العصر الدافئ بين 20.000 و 30.000 سنة. ونعلم اليوم أن المعايير التي تطلق الانتقال إلى فترة دافئة يمكن أن تتغير بشكل كبير من دورة إلى أخرى[5]. وقد حث مؤتمر بروفيدانس على دراسة هذه العوامل. وهي بشكل رئيسي تغيرات في توزع الطاقة التي تتلقاها الأرض من الشمس على مر الفصول ووفق خط العرض. وتحكم هذه التغيرات نفسها التغيرات في مدار الأرض ومحور دورانها. إن تطور النظرية الفلكية التي تصف تطور هذه المعايير والعوامل المدارية كان قد سمح منذ العشرينات بحساب تغيرات التشمس على مر الزمن. ولكن من أجل تحليل تأثيرات هذه العوامل الفلكية على المناخ الأرضي كان لا بد من تصميم نماذج رقمية قادرة على مماثلة المناخ على مدى مئات آلاف السنين! غير أن إمكانية التنبؤ بالمناخ على مثل هذا المستوى من الفترات الزمنية ظل محدوداً بين السبعينات والتسعينات (حيث كانت بمعظمها نماذج إحصائية أو مبسطة جداً لديناميكية الغلاف الجوي). ووفق معظم الأعمال التي تمت خلال هذه الفترة فإن الابتراد الذي بدأ مباشرة بعد أوج عصرنا الدافئ، منذ نحو 6000 سنة، يجب أن يستمر حتى يصل إلى مرحلة أكثر برودة منذ الآن وحتى نحو 25000 سنة، ليحل عصر جليدي بعد ذلك بنحو 30000 سنة[6].

ومع ذلك، ومع التدقيق في المعطيات، فقد بدأت تعلو منذ تلك المرحلة بعض الأصوات المتعترضة. فقد استطاع الهولنديان يوهانس أورلمانس Johannes Oerlemans وكورنليس فان در فين Cornelis Van der Veen، من جامعة أوتريخت، اعتماداً على نموذج نمو القلنسوتين القطبيتين، التنبؤ بعصر ما بين جليدي يدوم نحو 50.000 سنة تليه ذروة جليدية أولى بعد 15.000 سنة[7]. ووصل هوبرت غاليه Hubert Gallée إلى النتيجة نفسها، وكان في حينه في جامعة لوفان Louvain الكاثوليكية، وذلك بفضل نموذج مناخي أكثر كمالاً يأخذ بعين الاعتبار الغلاف الجوي والمحيطات والقلنسوتين القطبيتين والقارات[8]. وبعد عدة سنوات، قامت تمارا ليدلي Tamara Ledleyمن جامعة رايس Rice University في هيوستن، بزيادة فترة العصر الدافئ اعتماداً على ربط التغيرات في حجم الجليد على الأرض مع الإشعاع الشمسي الصيفي: فبالنسبة لها من المستحيل الدخول في عصر جليدي قادم خلال الـ 70.000 سنة القادمة[9].

 

علم الفلك وزيادة ثاني أكسيد الفحم

كان التحول الكبير في دراسة التغيرات المناخية في التسعينات. فقد تم إثبات أن تركيز ثاني أكسيد الفحم في الغلاف الجوي قد اختلف كثيراً خلال آخر عدة مئات من آلاف السنين، إذ أن الأسبار في الجليديات القطبية وتحليل الأسطوانة الجليدية الشهيرة المسخرجة من فوستوك Vostok قد غيرا المعطيات المتوفرة تماماً[10]. إن هذا التركيز بثاني أكسيد الفحم ينوس وسطياً بين 180 جزء من مليون من الحجم بالنسبة للفترات الجليدية و 280 جزء من مليون من الحجم الكلي خلال العصور ما بين الجليدية. ومثل هذه التغيرات تؤثر بالتأكيد على المناخ، وبشكل خاص على على ديناميكية الأدوار الجليدية / الدافئة. ولم يعد من الممكن بالتالي تجاهلها. ويبين الأمريكي باري سالتزمان Barry Saltzman على سبيل المثال أنه خلال العصر الدافئ يمكن لزيادة 70 جزء من مليون من الحجم من كثافة غاز ثاني أكسيد الفحم أن تؤدي إلى نظام مناخي مستقر مع وجود فقط بعض القلنسوات الصغيرة جداً ـ بل وحتى دون جليد على الإطلاق ـ في نصف الكرة الشمالي[11]. ووفق النتائج التي حصلت عليها ماري ـ فرانس لوتر فإن تضاعفاً للتركيز الحالي خلال قرنين قادمين سيقود إلى الذوبان التام لجليديات غرينلندا خلال بضعة آلاف من السنين[12].

يتطلب بالتالي التنبؤ بالمناخ على مدى مئات آلاف السنين أن نأخذ بعين الاعتبار وبشكل تزامني المعاملات الفلكية وزيادة نسبة ثاني أكسيد الكربون. وإن كانت المعاملات الفلكية تتبدى كمؤثرات آتية من خارج الكوكب، لكن ليس ذلكم هو حال غاز ثاني أكسيد الفحم. فهو ينتمي إلى الديناميكية المناخية نفسها، أي أن تغيراً طفيفاً في نسبة أو كثافة غاز ثاني أكسيد الفحم في الغلاف الجوي يؤدي إلى تغير في المناخ. ونتحدث هنا عن مفعول رجعي. ولكن لا يزال من الصعب جداً حتى الآن نمذجة هذه التفاعلات الداخلية المعقدة. فليس أمامنا بالتالي من خيار آخر سوى أن ندخل تركيز غاز ثاني أكسيد الفحم بشكل مصطنع كمعامل خارجي في نماذجنا... أما بالنسبة للمعاملات الفلكية، فإن الحسابات تتنبأ بوضعية استثنائية بالنسبة لـ 100.000 سنة قادمة. فالتشمس سيختلف بدرجة طفيفة وأقل بكثير مما كان عليه الحال خلال العصر الآمياني. وهكذا، عند خط عرض 65 درجة شمالاً وعند الانقلاب الصيفي تكون هذه التغيرات أقل بـ 25 واط / م2 خلال الـ 25000 سنة قادمة. غير أنها وصلت إلى 110 واط / م2 بين – 125.000 و -115.000 سنة. ولكي نوضح المسألة فإن 100 واط / م2 تمثل 20 % من الطاقة التي تصل إلى الأرض حالياً عند خط العرض 65 شمالاً يوم الانقلاب الصيفي!. ومن هذا المنظور يمكن بصعوبة اعتبار الأمياني كعصر دافئ نموذج مطابق للآلاف القادمة من السنين. إن تغيرات طفيفة كهذه لم تحصل إلا مرتين أو ثلاث مرات خلال المليوني سنة الأخيرين، وكان التغير الطفيف الأخير بينها قد حصل منذ نحو 400.000 سنة[13] (الشكل 1).

 

السيناريوهات المستقبلية

من أجل تصور ودراسة الآثار التي يمكن أن تكون لهذا التصور الخاص جداً قام عدد من العلماء من الجامعة الكاثوليكية في لوفان بتطوير نموذج يسمى التعقيد المبسط. وهو يستخدم تمثيلاً مبسطاً للغلاف الجوي والمحيط والجليد البحري والنباتات والكتل الجليدية الكبرى. ولا تسمح معارفنا الحالية ولا وسائل الحساب المتوفرة بأكثر من ذلك. ولكن هذا النموذج يأخذ بعين الاعتبار التفاعلات المختلفة بين مختلف القطاعات[14]. أما معاملات الإدخال المعتمدة فهي تغيرات التشمس التي يتم الحصول عليها بواسطة الحسابات الفلكية وتركيز غاز ثاني أكسيد الفحم في الهواء.

وقد تم التحقق في البداية من أن النموذج يعيد بشكل جيد إنتاج الأحداث الكبرى في الماضي السحيق: وقد تم العثور من خلاله فعلاً على نمذجات لأحداث سابقة منها الدخول في فترة البرد الكبرى خلال الحقب الرباعي (منذ 2.7 مليون سنة)، والنوسانات الجليدية / الدافئة، وانحسار العصر الجليدي بين نحو – 21000 و – 10000 سنة، وصولاً إلى التطور في القرن الأخير مع أخذ بعين الاعتبار للنشاطات الشمسية والبركانية والبشرية (غازات الدفيئة والسلفات). وقد اختبر العلماء من أجل المستقبل القريب نتائج النموذج  في حالة مختلف سيناريوهات ازدياد غاز ثاني أكسيد الفحم المقترحة من قبل المجموعة الدولية من خبراء تطور المناخ GIEC. وتبين أن الارتفاع في درجات الحرارة الذي ننمذجه من الآن وحتى عام 2100 (وهو بين 1.5 و 3 درجات مئوية) يقع تماماً ضمن حدود النتائج في نماذج الـ GIEC (بين 1.4 و 5.8 درجة).

وعند الانتقال لاختبار المناخ خلال 100.000 سنة قادمة، فإن كافة السيناريوهات تقود إلى عصر دافئ ما بين جليدي استثنائي الطول سيدوم لخمسين ألف سنة قادمة. وبعد هذه الفترة فقط سيعود حجم الجليد في نصف الكرة الشمالي إلى الازدياد (الشكل 1). وهكذا سوف تظهر مرحلة جليدية أولية بعد نحو 65000 سنة، ولن يتم بلوغ ذروة العصر الجليدي القادم قبل نحو 100.000 سنة.

من أجل الدخول في عصر جليدي مبكر لا بد من أن يبقى التركيز بغاز ثاني أكسيد الكربون منذ الآن أقل من 220 جزء من المليون من الحجم[15] الكلي. وهو سيناريو غير واقعي طالما أن هذه النسبة تجاوزت في عام 2000 370 جزء من المليون من الحجم الكلي، وهي قيمة أعلى منذ الآن بكثير للنسب النموذجية للعصور ما بين الجليدية الدافئة (وهي تساوي تقريباً 280 جزء من المليون من الحجم الكلي)! حتى أن بعض تحليلات الـ GIEC تفترض أن تركيز غاز الفحم سيتجاوز 1000 جزء من المليون من الحجم الكلي خلال القرن القادم. وقد أراد العلماء أن يختبروا أيضاً تأثير هذا النمط من السيناريوهات على المستوى الجيولوجي. فإذا تخيلنا أن تركيز غاز ثاني أكسيد الفحم وصل من الآن وحتى 200 سنة قادمة إلى نحو 750 جزء من المليون من الحجم الكلي، وأنه في ذلك التاريخ تم التوصل إلى طرق تقنية توقف إصداره إلى الجو. عندها يعمل المحيط والغلاف الحيوي على امتصاص الزيادة منه في الغلاف الجوي، لكن نسبته لن تعود إلى ما هي عليه الآن إلا بعد 800 سنة من ذلك. تفترض بالتالي نتائج النمذجات المقترحة إنه ضمن شروط خاصة للتشمس شبه ثابتة سيكون هناك عتبة لقيمة نسبة غاز ثاني أكسيد الفحم إذا ما تم تجاوزها فإن قلنسوة غرينلندا الجليدية سوف تختفي. وفي هذه الحالة، فإن المنظومة المناخية سوف تحتاج إلى نحو 40.000 سنة لكي تعود إلى وضعية معافاة من التأثير البشري ولكي تمحو بطريقة ما التخلخلات الإنسانية التي سببها الإنسان للطبيعة.

إن كافة المعطيات والنمذجات المتوفرة اليوم تعطي الحق لموراي ميتشل J. Murray Mitchell Jr، وهو أحد القلائل من علماء المناخ القديم الذي تنبأ منذ عام 1972 بأن "تأثير النشاط البشري على المناخ في المستقبل سيكون على الأرجح على شكل ارتفاع عام في درجات الحرارة، الأمر الذي سوف يؤدي إلى تخلخل النظام البيئي والمناخي للعصر الدافئ الحالي".

وقد اقترح مقابل هذا الأثر الإنساني، كل من بول كروتزن P. Crutzen وهو أخصائي في الغلاف الجوي وحائز على جائزة نوبل للكيمياء في عام 1995، وزميله عالم البيئة أوجين سترومر E. Stroermer في عام 2000 تسمية عصر الهولوسين بالأنثروبوسين Anthropocène[16]. إنه عصر دافئ استثنائي بكل معنى الكلمة سيستمر كمرحلة انتقالية بين الحقب الرابع والمرحلة الجيولوجية القادمة (الحقب الخامس؟) إذا ما اختفت غرينلندة والقسم الغربي من القطب الجنوبي.

لا شك أن هذه النتائج تتطلب مزيداً من الإثباتات بواسطة نمذجات أكثر كمالاً وتسمح بشكل خاص بتمثيل أفضل للكتل الجليدية الكبرى وللانتقالات المحيطية. غير أنه أصبح من الثابت من الآن فصاعداً أننا دخلنا في فترة سوف يتغير فيها التشمس بدرجة طفيفة. وكما بينت النمذجات حول هذا النمط من العصر الدافئ (منذ نحو 400.000 سنة)، فإن تغيرات ضعيفة جداً في التشمس تهيج دور العوامل الأخرى التي تضبط تطور المناخ، وبخاصة عامل غازات الدفيئة[17]وبالتالي يبدو أن احتمال الدخول السريع في عصر جليدي مستبعداً حالياً. والحجة التي كانت تقدم في العادة بأن عصراً جليدياً قادماً قريباً جداً ليتقاطع مع الارتفاع العام في درجات الحرارة، ولذي غالباً ما كانت تقدم من أجل إبعاد الأنظار عن إصدارات غاز ثاني أكسيد الفحم، لم تعد حجة صحيحة.

 

الشكل 1: التغيرات في الماضي والتغيرات المتوقعة للمستقبل بالنسبة لمدار الأرض (في الأعلى)، وللتشمس عند خط العرض 65 شمالاً (في الوسط)، وبالنسبة لحجم الجليد في نصف الكرة الشمالي (في الأسفل). منذ 400.000 سنة كما هو الحال اليوم كان مدار الأرض حول الشمس شبه دائري الأمر الذي كان يخفف بشكل كبير تغيرات التشمس اليومية على المدى البعيد. أما بالنسبة للتنبؤ بحجم الجليد على مدى 130.000 سنة قادمة، فثمة ثلاث سيناريوهات مطروحة وفق زيادة حجم CO2. فالخط الأزرق يشير إلى زيادة مطابقة لتلك التي كانت خلال الأدوار الجليدية / الدافئة، والخط الأحمر يأخذ بعين الاعتبار الاصدارات البشرية من CO2 في الغلاف الجوي، والخط الأبيض يستخدم تركيزاً ثابتاً لـ  CO2يساوي 210 جزء من المليون من الحجم الكلي. وحده هذا السيناريو الأخير يمكن أن يقود إلى عصر جليدي مبكر. أما السيناريوهان الآخران فلا يقودان إلى ابتراد للطقس إلا بعد نحو 50000 سنة، بينما لا يتم بلوغ ذروة عصر جليدي إلا بعد نحو 100.000.

 

الصورة 46: من بين التفاعلات الكثيرة جداً بين مختلف عناصر المنظومة المناخية، لا بد من أخذ بعضها بعين الاعتبار لأنها تلعب دوراً أساسياً في زيادة تخلخلات المناخ. ونعدد منها الآثار الرجعية بين: قدرة الكوكب على عكس الأشعة ودرجة الحرارة؛ غازات الدفيئة ودرجة الحرارة؛ طبيعة الغطاء النباتي والمناخ؛ ارتفاع وموضع الكتل الجليدية الكبرى، كما والهطولات الثلجية؛ نمو الكتل الجليدية الكبرى وقشرة الأرض تحتها. إن ظواهر كثيرة لا بد من إدراجها بالتالي في آن واحد في النمذجات المناخية، هذا دون أن ننسى العلاقات الأساسية بين المحطيات واليابسة والغلاف الجوي، وخاصة فيما يتعلق بتبادلات غاز ثاني أكسيد الفحم.

 

نظرية الفالس المناخي، أو الأدوار الجليدية / الدافئة

صيغت هذه النظرية لأول مرة في القرن التاسع عشر على يد الفرنسي جوزيف ألفونس أذمار J. A. Adhémar والاسكتلندي جيمس كرول J. Croll، ثم في بداية القرن العشرين على يد اليوغوسلافي ميلوتين ميلانكوفيتش M. Milankovitch.

تفسر هذه النظرية الفلكية معاودة  الأدوار الجليدية / الدافئة.

وفق ميلانكوفيتش يحدد التشمس القطبي الصيفي المدخل إلى العصر الجليدي: فعندما لا يذوب ثلج الشتاء السابق فإنه يتراكم، ويعكس بالتالي الإشعاع الشمسي، مما يؤدي إلى ابتراد يمكن أن يصل إلى تشكيل كتل جليدية جديدة. وعلى الرغم من أن الحسابات الحديثة أظهرت وجود عوامل كثيرة أخرى، لكنها أثبتت هذه النظرية من حيث المبدأ.

يتعلق الأمر إذن بتغيرات الطاقة التي تتلقاها الأرض من الشمس عند مختلف خطوط العرض على مر الفصول. ولكن على المدى البعيد فإن ثلاثة معاملات فلكية هي التي تحكم تغيرات التشمس:

  1. شكل مدار الأرض الذي يقاس بواسطة انحراف المركز. إذ ينتقل مدار الأرض من شكل دائري شبه كامل إلى إهليلج مفلطح قليلاً ليعود إلى شكل الدائرة خلال نحو 400.000 سنة. ويتوافق مع هذا الدور الفلكي تغير شبه دوري من نحو 100.000 سنة.

  2. ميلان محور دوران الأرض الذي ينوس بين 22 درجة و 25 درجة، مع دورية رئيسية من نحو 41.000 سنة.

  3. "مبادرة الاعتدالين" المناخية ترتكز في الواقع على أن الأرض تنوس مثل "لعبة البلبل": فمحور دورانها يرسم مخروطاً حول الاتجاه العمودي على مستوي المدار. وتنزاح هذه الحركة ببطء موضع الانقلابين والاعتدالين بالنسبة لنقطة الحضيض بالنسبة للشمس (أقرب نقطة لمسار الأرض إلى الشمس) وتغير بالتالي تأثير الميلان على التشمس الفصلي وذلك عبر دورتين من 23.000 و 19.000 سنة, حيث نجد آثار هذه الدورية المزدوجة في الرسوبيات. وهي تتبع وسطياً دوراً من 21000 سنة. إضافة إلى ذلك فإن سعة مبادرة الاعتدالين المناخيين تتأثر هي نفسها بدرجة تفلطح مدار الأرض. ويقلص هذان المعاملان بالتالي من التناوبات الجليدية / الدافئة. فكلما كان مدار الأرض أقل تفلطحاً فإن تغيرات التشمس تكون أقل، وبالتالي تكون الفترة المناخية أكثر استقراراً.

 


[1] A. Berger et M.-F. Loutre, A quand la prochaine glaciation?, La Recherche, oct. 2003, n. 368, p. 42.

[2] G. J. Kukla, R. K.. Mattews et  J. M. Mitchell Jr., Quat. Res., 2, 261, 1972.

[3] المرجع السابق.

[4] L. J. Winograd et al., Quat. Res. 48, 141, 1997.

[5] A. Berger, J. Atmos. Sci., 35, 2362, 1978.

[6] Imbrie et J. Z. Imbrie, Science, 207, 943, 1980; A. Berger et al., dans Future Climate Change and Radioactive Waste Disposal, C. M. Goodess et J. P. Palutikof (dir.), 1991.

[7] J. Oerlemans et C. J. Van der Veen, Ice Sheets and Climate, Reidel, Dordrecht (Pays-Bas), 1984.

[8] H. Gallée, "Rapport scientifique 1989/7", Université catholique de Louvain, institute d'astronomie et de géophysique G. Lemaître, 1989.

[9] T. S. Ledley, Geophys. Res. Lett., 2, 2745, 1995.

[10] J. R. Petit et al., Nature, 399, 429, 1999.

[11] B. Saltzman et al., Geophys. Res. Lett., 20, 1051, 1993.

[12] M.- F. Loutre, Geophys. Res. Lett., 22, 783, 1995.

[13] A. Berger et M.-F. Loutre, CR. Acad. Sci. Paris, 323, 1, 1996.

[14] H. Gallé et al., J. Geophys. Res. 96, 131139, 1991.

[15] M.-F. Loutre et A. Berger, Clim, Change, 46, 61, 2000.

[16] P. Crutzen et E. F. Stoermer, IGBP Newslett., 41, 17, 2000.

[17] A. Berger et M.–F. Loutre, Science, 297, 1287, 2002.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •