الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

ارتقاء الكائن الإنساني

موسى ديب الخوري

 

يشكل الماضي ذاكرة هائلة تحفظ تاريخاً طويلاً من التجارب الإنسانية والكونية. إنه يمثل بنية كلية تنطوي فيها الحصيلة النفسية والمعرفية لتجربة الإنسان في الكون، بل ولتجربة الحياة في الكون. وهذا الماضي هو الذي يربطنا بالوجود بما هو حقيقة انتمائنا في كل لحظة لصيرورة الحياة المتطورة والمتجلية فينا. إن تجربة الإنسان عبر العصور هي حقيقة راسخة لانستطيع التنصل منها لأنها باقية في ذاكرتنا الجمعية وفي ذاكرة الكون الكبرى. وإن كنّا لانعرف بعد طبيعة هذه الذاكرة الكلية، هذه الخبرة الكونية المكتنزة، فإننا نتيقن من وجودها لأنها في الجوهر القانون الطبيعي في حركته الديناميكية عبر لانهايتين كبرى وصغرى. ومن هنا فإن صيرورة التجربة الكونية تعتمد على وجودنا طالما كنا موجودين. لكن الخبرة الإنسانية باقية ومستمرة في الكون أبقينا أم فنينا. فإذا لم نبال بمصيرنا واستهترنا بقيمة وجودنا ورذلنا معاني خبرتنا وتجربتنا عبر العصور، فإن الخبرة الكونية ليست مهملة لخبراتنا، وإن التجربة الكونية ليست مستهترة بتجاربنا. فهذه الخبرة الكونية هي حكمة الكون ووعيه المستتر والقانون النابض في كل ذرة وكل رعشة حياة. وهذه الخبرة هي المعرفة الحقة التي على الإنسان أن يتحمل مسؤوليته بالمشاركة فيها.

إننا لانهتم اليوم، في زحمة انشغالنا بحياة استهلاكية مُنهكة، إلى أننا بتنا نقف عند منعطف حاسم في سياق تطورنا. لا بل إن فكرة تطورنا نفسها لاتشغلنا إلا كمسألة وقتية ومعلوماتية، ويغيب عنا تماماً أن هذه المسألة تمسنا مباشرة، في صميمنا، لأننا نتطور في الحقيقة من لحظة إلى لحظة، ونتحول باستمرار نحو إمكانيات متنامية فيزيولوجياً ونفسياً وعقلياً وروحياً... فلئن كان الإنسان حتى عهد قريب غير مدرك لمعنى وجوده على الأرض، وغير عارف لتاريخه عليها، فقد بات يعرف اليوم أكثر من أي وقت مضى أهمية دوره في صيرورة تطور الحياة على الرغم من تجاهله له، الأمر الذي يضعه أمام مسؤوليته وجهاً لوجه. فلا مناص له من تحمل هذه المسؤولية، وإلا كان غير جدير بالدور الذي أوكل إليه. وبقدر ما تمثل هذه المرحلة من تاريخ الإنسان والحياة منعطفاً حاسماً في تبلور إمكانية التوافق بين الاختيار الحر والواعي والتناغم مع الطبيعة والكون. فإنها لمحملة بنتائج ستشكل يقيناً زخماً هائلاً في ذاكرة الكون مما سيحرض بالتأكيد تطوراً للحياة موازياً لهذه النتائج. وضمن هذا المنظور نستطيع أن نرى إلى الماضي كخلفية ديناميكية للحاضر (سبق وأشرنا إليها) تعمم المعارف والمشاعر البشرية وتحقق الاستعداد النفسي والعقلي عند الجماعات والأفراد لتقبل مقدرات جديدة أو حتى لتفتح كينونات جديدة. ومن هنا فإن مسؤولية الإنسان مضاعفة. فهو مسؤول تجاه الطبيعة وقانونها كما هو مسؤول أمام نفسه من حيث وعيه لخياره الحر، فإما يكون مؤخراً لصيرورة التطور ومعيقاً لتفتح الوعي الكوني أو يكون مهيِّأً لظهور الإنسان الجديد المزمع أن يأتي!

سمحت الدراسات التي تمت خلال العقدين الأخيرين، كما والاكتشافات التي جرت في أفريقيا (جنوب أقريقيا، إثيوبيا، كينيا، تنزانيا، المغرب...) وآسيا (الصين، فلسطين، سوريا، تركيا...) وأوروبا (فرنسا واليونان) بوضع مخطط واضح نسبياً لتاريخ ظهور وتطور وانتشار الإنسانيات القديمة على الأرض. وينتسب الإنسان إلى الثدييات المصنفة في رتبة الرئيسيات التي ظهرت منذ نحو 70 مليون سنة. وقد تمايز فرع البشريات كما يبدو منذ نحو 15 إلى 5 مليون سنة. إلا أن بعض الاكتشافات الحديثة جداً، والتي لايزال الجدال قائماً حول تفسيرها، ترجع هذا التمايز إلى نحو 30 مليون سنة. والحق إن الأصول البعيدة لتمايز البشريات الأولى لاتزال غامضة، والاكتشافات الحديثة في البيولوجيا الجزيئية والبالونتولوجيا لاتتفق تماماً بعد حول هذه النقطة.

وتدرس البيولوجيا الجزيئية والصبغية المركبات الكيميائية الحيوية (وبخاصة بنى البروتينات) لخلايا الحيوانات الحالية، وتقارن الصبغيات فيما بينها. وتسمح الاختلافات أو التشابهات بتحديد القرابات مما يساعد عمل الباليونتولوجي إلى حد كبير. وتثبت الأبحاث وجود تطور حيوي كيميائي وتطور على مستوى الصبغيات بشكل خاص. والبروتينات هي تجمعات في سلاسل في نظام محدد لجزيئات أساسية هي الحموض الأمينية. وضمن المجموعة نفسها من الحيوانات تظل هذه السلاسل ثابتة بدرجة كبيرة، لكنها تختلف بين أنواع الحيوانات. وقد تبين أن الإنسان وقرد الشيمبانزي قريبان جداً من بعضهما مورثياً، إذ لهما 99% من المورثات المشتركة. وقد حاول أحد العلماء طرح توقيت جزيئي يُرجع الانفصال بين الإنسانيات والشيمبانزي إلى نحو 5 مليون سنة. لكن المناهج التي اعتُمدت في ذلك غير كاملة ولاتسمح إلا بتحديد شكل من أشكال التشابه ليس إلا، أما القرابة الحقيقية أو القِدم فهما أمران منوطان بالباليونتولوجيا حصراً. ومن جهة أخرى فإن نسبة 1% فقط من المورثات المختلفة لايعقل أن تكون سبب ما نلحظه من فارق شاسع بين إمكانيات القرد والإنسان. ويؤكد الباليونتولوجيون أن تحقق هذه النسبة المتقاربة في تفرعات شجرة واحدة يعد مقبولاً وإن كان يصعب تفسيره إحصائياً من وجهة نظر البيولوجيا الجزيئية. ويطرح ذلك من جهة أخرى مسألة إعادة النظر بمفهوم الطفرة التي لايمكن لها ضمن المعطيات الحالية ظهور الإنسان ابتداء من القردة. أفلا يثبت ذلك أن للتطور منحى داخلياً موازياً للمنحى الخارجي؟

إن الحديث عن منحى داخلي يتطلب منا تحديده بشكل واضح. لكن من منا يستطيع تحديد ما هو غير محدد؟ إن قياس الجانب الجواني لمسألة التطور الشكلي يفترض إخضاع الأبعاد اللانهائية للأبعاد المنتهية. ولعلنا نستطيع التنصل من الوقوع في مطب التحديدية بأن نتمثل البنية النفسية للإنسان كانعكاس لبنية نفسية للكون. بل وأكثر من ذلك، فلعلنا نجد في الكون نفسه انعكاساً لأنماط بدئية كامنة في لاشعور كوني. ومن هنا يمكننا أن نعد هذه النماذج الأصلية الأعيان الثابتة هي البعد الحقيقي الجواني لكل تشكل طبيعي! فالأنواع الطبيعية هي أعيان ثابتة كامنة في لاشعور كوني، وإفصاح هذا اللاشعور عن نفسه يتوافق مع صيرورة التطور في حديها النازل (من النموذج البدئي إلى الشكل) والصاعد (من الشكل باتجاه النموذج الأصلي).

الأصول البعيدة

يرجع ظهور الإنسان على الأرض إلى فترة غامضة تثير جدلاً كبيراً بين العلماء، وترجع إلى ما بين 20 و 8 مليون سنة. ولعلنا لانجد في الأنواع المعروفة التي ترجع إلى هذا الماضي السحيق سلفاً حقيقياً للإنسان. ومع ذلك، لابد لنا من الاعتراف بأن هذه الفترة تشكل البوتقة التي انطلقت منها شرارة أول كائن بشري، ألا وهو الأوسترالو بيثكوس أما الأنواع التي ترجع إلى هذه الفترة فهي: الدريو بيثكوس Dryo pithèque (قرد شجر البلوط) والأوراثو بيثكوس Ourano pithèque (قرد المطر) السيفا بيثكوس Siva pithèque (قرد الإله شيفا) والراما بيثكوس Rama pithèque (قرد الإله راما). ويقر العلماء اليوم بوجود حلقة ضائعة بين هذه العائلة والبشريات الأولى، حيث بات من الثابت تطورها نحو أشكال مختلفة من القردة.

ويمكننا القول أن العلماء لم ينقبوا عن هذه الحلقة في الموقع الصحيح. فمفهوم التطور ليس مجرد استمرارية حلقات من التغيرات الشكلية، وعلينا في الحقيقة أن نبحث عن الأسباب الجوهرية التي تؤدي إلى ظهور خصائص جديدة وإمكانيات جديدة وأنواع جديدة. ولاشك أن العوامل المادية لمثل هذا التحول هي عوامل لانهائية تتعلق بالبيئة بكل أبعادها. لكن من المؤكد أيضاً وجود عوامل أخرى تتعلق بالاستعداد الذاتي لدى الإنسان الأول، النموذج البدئي (آدم)، على الظهور والانطلاق في العالم الطبيعي إلى عالم أوسع من العالم المادي. لقد حققت كافة أشكال الحياة هذه الانطلاقة ابتداء من خمائر بدئية كما يعبر تيار دو شاردان. لكننا نعرف أن إمكانيات هذه الانطلاقة كانت محدودة عند الحيوان بأشكال شتى، والحق أن هذه المحدودية تتبدى من جانب آخر كأقصى ما يمكن للنوع إنجازه في ظرفه وبيئته. وضمن هذا الإطار يمكننا ليس فقط فهم ظهور البشريات الأولى، بل وتتالي ظهور أنواع الإنسانيات بمقدرات أكثر فأكثر تفتحاً.

إن ظهور أولى الإمكانيات النفسية العقلية المتطورة عند البشريات الأولى كان السبب الحقيقي لتفردها ولتمايزها. ولست أريد بذلك أبداً أن هذه الطاقة المتفتحة كانت السبب المباشر في ولادة الكائن الإنساني، لكنني لاأستطيع القبول أيضاً بأن الشكل الفيزيولوجي والتطور المعلوماتي المورثي وحتى الطفرة المورثية هي أسباب ظهور هذا الكائن بمقدراته النفسية والعقلية. بل يجدر بنا فهم التطور كسياق كلي للباطن وللظاهر على حد سواء، للمعنى والشكل، للروح وللمادة. فإذا كانت الطبيعة قد طورت الخلية إلى كائنات معقدة تتميز بالمهارات المتناغمة مع الطبيعة، فهذا يعني أنها كانت قد وصلت إلى مرحلة حاسمة تمكنها من إبراز قدرات معنوية كامنة من خلال قدرات شكلية ظاهرة. وبعبارة أخرى يمكننا القول إن التطور الطبيعي بلغ حداً يمكنه من استيعاب تفتح نماذج كونية جديدة كانت لاتزال هاجعة في اللاشعور الكوني!

لابد لي من الإقرار هنا بوجود عوالم في الطبيعة توازي العالم المادي وتتغلغل فيه، وهي العوالم التي يمكننا دعوتها بعوالم النفس والعقل. وإن كنت لست في معرض برهان وجود عالم عقلي أو نفسي تنسجه عقول أو نفوس شتى، لكن كيف يتسنى لنا فهم ظهور الطاقة النفسية والعقلية في الإنسان دون أن يكون ثمة في الأصل منجم خام لمواد أو بالأصح لقوى هذه الطاقات؟ إن التطور الإنساني من هذا المنظور يعد تعبيراً ذا حدين عن تفتح النماذج الثابتة الأصيلة في الكون. ففي الإنسان تجسدت القدرة على طرح إشكالية المعرفة والشعور. وفيه أيضاً تبلور مفهوم الحرية والتمييز. كذا نستطيع التأكيد على أن ظهور الإنسانيات الأولى كان نتيجة تناغم كوني أفصح فيه الكون عن تجربته الكبرى، المغامرة الأزلية، بتجسّد فريد!

الأوسترالو بيثكوس Australo pithèque

الأوسترالو بيثكوس أولى الإنسانيات باتفاق العلماء كافة، ومع أن هذا البشري الأول لم يكن قد اتصف بعد بميزات إنسانية واضحة، لكنه لم يكن قرداً بالتأكيد. ويمكننا القول إنه كان أول كائن تتفتح فيه إمكانيات فيزيولوجية ونفسية واعدة. وقد انتشر الأوسترالو بيثكوس (قرد الجنوب) شرق أفريقيا (إثيوبيا، كينيا، تنزانيا) وجنوب أفريقيا بين نحو 6.5 و 1 م.ع. وقد تبين أن هناك عدة أنواع منه خاصة بعد اكتشافات موقع آفار Afar الثورية في إثيوبيا خلال العقدين الماضيين في سويات ترجع إلى 3 م.ع وأكثر. ونميز حالياً أربعة أنواع كبرى منه: أفرنسيس afarensis وأفريكانوس Africanus وروبوستوس robustus وبواسي boiesi.

ترجع متحجرات أوسترالوبيثكوس أفرنسيس الذي اكتشف عام 1976 إلى ما بين 3.2 و 3.8 م.ع (لايتولي Laetoli في تنزانيا وهدر Hadar في إثيوبيا). وأهم وأشهر متحجراته المكتشفة هي لوسي Lucy، وهي متحجرة شبه كاملة. ويتراوح طول هذا النوع بين 1 و 1.10م، وهو منتصب مثل كافة أنواع الأوسترالو بيثكوس الأخرى، ويلاحظ أن إبهام القدم موازية لبقية الأصابع عنده. وتتميز أنواع الأوسترالو بيثكوس بسعة دماغية تقارب الـ 500 سم3 وسطياً. وهذه السعة أضعف عند أفريكانوس الذي عرف منذ نحو 3 م.ع في جنوب أفريقيا وشرقها (إذ تصل إلى نحو 440 سم3) في حين أن طوله يصل إلى 120 سم تقريباً، بينما يتراوح وزنه بين 20 و 30 كلغ. أما روبوستوس وبواسي فمتوسط سعة دماغيهما 500 سم3 وكانا نباتيين أكثر من أفريكانوس. وفي كل الأحوال تدلنا هذه الأنواع الأربعة على تلمسات طبيعية واضحة باتجاه الأنسنة وإن كان العلماء غير قادرين حتى الآن على وضع خارطة واضحة لارتباط أفراد هذه العائلة ببعضهم.

وقد وصلنا عدد قليل من أدوات الأوسترالو بيثكوس، وهي من الحصى المشغولة ونصال الكوارتز إضافة إلى أدوات عظمية وسنية وقرنية. أما معطيات البيئة الحيوانية والنباتية في ذلك الوقت فقد كشفت عن تغير من وسط أكثر رطوبة إلى وسط أقل رطوبة بين 4 و 2 م.ع. ومن الثابت تقريباً أن البيئة كانت مؤلفة منذ نحو 4 م.ع من غابات وسهوب كثيفة من السافانا. ومنذ نحو 2.5 م.ع حصل جفاف فجائي، وفي هذا الوقت بالذات ظهر الهومو هابيليس على المسرح.

النوع الإنساني: هومو Homo

يعترف معظم علماء الأنثروبولوجيا القديمة بنوع الهومو هابيليس Habilis الذي يثير جدلاً كبيراً مع ذلك حول ظهوره وعمره. ونجده في كينيا وإثيوبيا وتنزانيا كما اكتشف في أفريقيا الجنوبية عام 1976. ويرجع عمره تقريباً إلى 2 م.ع، لكن من الممكن أنه كان موجوداً في أفريقيا الشرقية منذ نحو 4 م.ع (كينيا) ومنذ نحو 3 م.ع في إثيوبيا. وتتراوح سعة جمجمته بين 500 و 800 سم3. وقد تطورت معه الصناعة الحجرية، وتنسب له أولى المعسكرات البدائية والأدوات الصوانية التي اكتشفت في أولدفاي Oldwai. ومن المرجح ظهور بدايات التنظيم الاجتماعي لديه مما وفر له إمكانية الشعور بالاستقرار النسبي.

ولاشك أن هذا المناخ الحميم والأكثر استقراراً قاد إلى ظهور الهومو إركتوس Homo erectus. وقد اكتشف أولاً في جاوة (pithécanthrope) في نهاية القرن الماضي، ثم في الصين (Sinanthrope) بين عامي 1921 و 1937. لكن التنقيبات التالية كشفت عنه في أفريقيا الشمالية (Atlanthrope) ثم في تنزانيا وتشاد وكينيا وإثيوبيا، ومن ثم في أوروبا. ومن الثابت أن هذا الإنسان انتشر في العالم القديم كله. وترجع آثار هذا الإنسان في الصين إلى 1.7 م.ع، بينما يُقترح عمر 1.6 للبقايا المتحجرة التي وجدت شرق بحيرة تركانا Turkana في كينيا، الأمر الذي يبقى المجال مفتوحاً حول أصوله مع إمكانية طرح فرضية هامة في ظهوره في أكثر من موقع بشكل متزامن تقريباً. وتتراوح سعة جمجمته بين 780 و 1225 سم3. ونلاحظ أن الجمجمة طويلة وخفيضة وأن عظامها الدماغية ثخينة. ونلاحظ أيضاً بدايات ظهور للذقن في حين أن أسنانه تطابق أسناننا الحالية إنما بنسبة حجم أكبر قليلاً. ولعل ظهور الذقن يشير إلى نضجه النفسي، حيث تعبر الذقن في الوجه الإنساني عن العواطف والمشاعر.

وقد أصبح تنظيم المعسكرات واضحاً جداً عند الهومو إركتوس حيث نجد فيها مثلاً أماكن مخصصة للحامة وأخرى للنحت الحجري. ويبدو أن الهومو إركتوس عاش في مواقع بيئية متنوعة، من المدارية المغلقة والرطبة في جاوة إلى القريبة من السهوب المعتدلة في الصين (زوكوديان) وفي مناخ أكثر جفافاً في المغرب وإثيوبيا. وكان هذا الإنسان أول من استعمل المواقد في معسكراته منذ نحو 800000 سنة. ومع الهومو إركتوس ظهر نمط جديد من التقصيب الحجري يدعى باللوفالوازي (levallois) وفيه لايكتفي الناحت بنحت الحجر، بل يفكر مسبقاً بالشكل الذي سيعطيه له وبطريقة استخدامه. ولعل الجماجم المكسرة عمداً التي وجدت في جاوة والصين وتنزانيا تشير إلى أولى (الطقوس) التي مارسها الإنسان. وتُعدّ كافة هذه المعاملات الجديدة التي دخلت في الصيرورة التطورية نتاجاً طبيعياً لتطور نفسي طويل عمل اللاشعور الجمعي للإنسانية على تعميمه على مدى مئات آلاف السنين، هذا دون أن نشير إلى أهمية العامل المورثي والعامل البيئي، خاصة أنه ليس لدينا أي دليل مباشر على تحدر الهومو إركتوس من سلفه الهومو هابيليس. ونصادف هذه المسألة عينها عندما نعرض لظهور الهومو سابيان الذي يرجح أنه تحدّر عن الهومو إركتوس. فمع كل مرحلة جديدة من مراحل ظهور هذه الإنسانيات نجد فجوة لانستطيع ردمها فيما يخص إنكفاء نوع وانتشار نوع جديد. ومع أن هذه العملية كانت تتطلب عشرات آلاف السنين أو أكثر في العصور القديمة، فإننا نجد أن نوعين من الهومو سابيان قد عاشا معاً لفترة زمنية طويلة، دون أن نستطيع تحديد الشكل الانتقالي بينهما. وفي الحقيقة، فإننا لانستطيع تقديم تفسير نهائي لهذه المراحل الانتقالية الحاسمة دون أن نأخذ بعين الاعتبار كما يبدو تدخل معاملات جديدة هي في الأصل تبلورات لنماذج ثابتة أكثر فأكثر تفتحاً ومقدرة على استيعاب الخبرة الإنسانية الأسبق.

الهومو سابيان Homo Sapien

عرف الهومو سابيان بشكلين: هومو سابيان نياندرتالانسيس Neanderthalensis وهومو سابيان سابيان Homo Sapien Sapien.

وقد اكتشف علماء الآثار إنسان نياندرتال في غرب أوروبا أولاً، حيث عاش بين نحو عامي 80000 و 35000 ق م. واقترحت فرضية قديمة هجرته إلى الشرق الأدنى حيث اكتشفت آثاره في فلسطين (الطابون) والعراق (شانيدار). لكن الاكتشافات الحديثة وخاصة في فلسطين وسوريا ترجح أن هذا الإنسان ظهر في المنطقة بشكل مستقل. بل إن التنقيبات الجارية في بعض المواقع في سوريا (وأهمها عفرين) تثبت على ما يبدو أنه انتقل على العكس من الشرق الأدنى إلى أوروبا. ويمكن أن تصل السعة الدماغية عند إنسان نياندرتال إلى 1700 سم3. وهو أول إنسان يدفن موتاه (لافراسي La Ferrassie في فرنسا، وشانيدار في العراق). وقد عاش هذا الإنسان في مناخ بارد، واجتاح الجليد جزءاً كبيراً من أوروبا في عصره. وتميزت بيئته الحيوانية بحيوانات قادرة على احتمال البرد مثل الدب والرنة والعنز البري وظبي الجبل. وانطفأ هذا الإنسان منذ نحو 35000 سنة لأسباب لاتزال مجهولة. وتثبت الاكتشافات الحديثة أن النياندرتاليين عاصروا خلفهم الإنسان العاقل وأنه أمكن حصول ما يمكن أن ندعوه بالاختلاط بين الطرفين كما تؤكد ذلك إحدى الجماجم في السخول في فلسطين.

وبشكل معاصر لإنسان نياندرتال تقريباً ظهر في منطقة الشرق الأدنى نمط حديث من الإنسانيات منذ ما يقارب 50000 سنة (الأبحاث الحديثة ترجح تاريخاً أبعد لإنساني نياندرتال وكرومانيون). ونعرف هذا الإنسان اليوم بشكل كامل في كفزة والسخول في فلسطين، وهو يطابق في العديد من صفاته الإنسان الحالي. إنه إنسان كرومانيون، هومو سابيان سابيان. وتتراوح سعته الدماغية بين 1000 و 2000 سم3. ونلاحظ ظهور الذقن بشكل كامل لديه. ويمكن اليوم اعتبار إنسان السخول وكفزة السلفين المباشرين لإنسان كرومانيون في أوروبا. وتثبت الدراسات الحديثة هجرة الهومو سابيان سابيان من الشرق الأدنى إلى أوروبا من خلال عدة دراسات على مستوى الصبغيات كما والتنقيب الأثري. غير أن الانتقال من الهومو إركتوس إلى النياندرتال أو إلى الهومو سابيان سابيان لايزال غير واضح. ومع ذلك فإن منطقة الشرق الأدنى وآسيا بعامة مرشحة بامتياز لاحتضان هذا التحول.

كان إنسان كرومانيون، أو الهوموسابيان سابيان، أول من اجتاز مضيق بيرنج بين آسيا وأمريكا ليعبر إلى القارة الجديدة ويعمرها منذ نحو 30000 سنة. وهو سلف الإنسان الذي يعمّر العالم اليوم. وقد تأقلم مع كافة أحوال المناخ في كافة أصقاع العالم، وتميز بتنوعه الفيزيائي والثقافي، كما وبنمو وبتطور مقدراته النفسية والعقلية. وهو ينتشر اليوم بأعداد هائلة على سطح الكرة الأرضية، وكان أول الإنسانيات التي تعد نفسها متميزة عن الطبيعة!

العصور الحجرية

تقسم العصور الحجرية، وهي العصور التي اعتَمَدت فيها أنواع الإنسانيات بشكل رئيسي على الأدوات الحجرية، إلى العصر الحجري القديم (الباليوليتي) والعصر الحجري الأوسط (الميزوليتي) والعصر الحجري الحديث (النيوليتي). ويقسم الباليوليتي إلى أدنى وأوسط وأعلى. وخلال مراحل الباليوليتي الطويلة تطورت الصناعة الحجرية من أشكال خشنة إلى أشكال دقيقة وفعالة وظهرت الصناعات العظمية الغزيرة حيث صنعت من عظام الحيوانات الرماح القصيرة والخطافات والإبرة ذات العين والمخارز. ومع بداية الباليوليتي الأعلى تنوعت الثقافات إلى حد كبير في كافة أنحاء العالم. لكننا لانستطيع إلا وأن ندهش أمام توازي هذه الثقافات خلال مراحل معينة، مما يشير إلى تطور أداتي يرافقه تطور تصوري إدراكي متواز لدى الشعوب المختلفة.

أما الميزوليتي فيتميز بالثقافات التي اعتمدت نظاماً اقتصادياً يرتكز على الإنتاج، أي في بداية مرحلة التدجين والزراعة. ويرجع ظهور الثقافات الميزوليتية في الشرق الأدنى إلى 10000 سنة ق م. وتبين أحدث البقايا المكتشفة لإنسان هذا العصر توافقاً تطورياً كبيراً باتجاه الإنسان الحالي. وقد استخدم هذا الإنسان أدوات حجرية صغيرة الحجم غالباً. ومع اعتماده في غذائه على الصيدين البري والبحري فقد اهتم بشكل كبير بالتقاط الحلزونات والأصداف. وقد انتشرت ثقافات الميزوليتي بسرعة عبر أنحاء العالم لتؤكد مجدداً توازي التطور الإنساني، ولتثبت أكثر فأكثر فرضية وجود ذاكرة جمعية تغذي الجماعات والشعوب بالمعارف المكتسبة في مواقع مختلفة على كوكب الأرض. ولعلنا نلمح هذا التعميم بأكثر ما يكون وضوحاً بالإشعاع النيوليتي الذي عم الكرة الأرضية انطلاقاً من بوتقة الشرق الأدنى خلال آلاف قليلة من السنين.

والنيوليتي هو العصر الحجري الحديث الممتد بين الميزوليتي وعصور المعادن. وهو يشير إلى عصر الحجر المصقول. لكن هذا التعريف لم يعد كافياً لاستيعاب هذه المرحلة، ويُقصد بالتسمية اليوم العصر الذي انتقل فيه الإنسان من الصيد إلى الإنتاج الزراعي والرعوي. وقد ظهرت أولى بوادر هذا التحول في الشرق الأدنى. وأدى تطور تأريخ البقايا العضوية التي ترجع إلى نحو 10000 سنة (الكربون 14، التأريخ بالخشب) إلى تجديد معارفنا حول هذا التحول إضافة إلى الاكتشافات الهامة التي تمت خلال العقدين الماضيين كما في شاتال حويوك (تركيا) وفي المريبط (سوريا). وقد طرحت عدة فرضيات لتفسير صيرورة النولتة في الشرق الأدنى. لكنها كلها لاتقدم تفسيراً وافياً لهذا الانتقال من شكل حياة دام مئات آلاف السنين إلى شكل جديد تماماً خلال فترة قصيرة جداً لاتتعدى الألفي سنة. والحق أن الاستعداد النفسي عند الإنسان كان قد بلغ مرحلة من النضج مكنته من تحقيق هذه القفزة. هذا إضافة إلى تمرس الإنسان القديم بالخبرة الطبيعية، أي بقدرته على الملاحظة والتجريب. إن خبرة طويلة مكتنزة في لاشعوره بات بإمكانها في ذلك الحين أن تبرز كمعامل داخلي موافق لعدة معاملات خارجية، كالبيئة والنمو الديمغرافي والمهارات اليدوية. ولنا دلالة على ذلك في استمرار حصول هذا التحول في أكثر من مكان ومن قارة بشكل منفصل ومتميز. ويطرح العلماء فرضية وجود أكثر من مركز نولتة في الشرق الأدنى مما يدعم فكرتنا حول الاستعداد النفسي العام كمحرض أساسي للتغير الثقافي. ويبين كوفان J.Cauvin أن النولتة هي صيرورة ثقافية اعتمدتها الشعوب بشكل واع ومتأن ضمن ظروف تحضر واستقرار نلاحظها للمرة الأولى عند المجموعات النطوفية التي سادت ثقافتها خلال الألف التاسع ق م مناطق فلسطين والشرق الأدنى عموماً. ويمكن تفسير إرادة التغيير هذه بتأقلم الإنسان النفسي مع مجتمع أكثر تعقيداً وعدداً. وضمن هذا المعنى يمكن الحديث عن نضج نفساني جماعي يبدو أنه لم يبلغ هذه الذروة قبل ذلك.

وبعد ظهور القرية ذات المنزل الدائري (الألف التاسع ق م) نجد القرية ذات البيوت المربعة (الألف الثامن) التي تمثل بدايات المدن مثل أري (الألف السابع) ثم شاتال حويوك (الألف السادس). وقد ظهر التدجين في الألف الثامن إثر تقنية في الصيد ربطت بين الإنسان والكلب. وسرعان ما تم تدجين الماعز والخروف والخنزير. وظهرت في الألف الثامن أيضاً أولى حبوب القمح وبعض الحبوب الأخرى التي زرعت. وتدعى هذه المرحلة أيضاً بقبيل النيوليتية، أو النيوليتية ما قبل الفخارية، إذ أن الفخاريات لم تظهر إلا في الألف السابع ق.م. وخلال ثلاثة آلاف سنة تالية شهد الشرق الأدنى ازدهار حضارة رائعة. ومن أهم المدن إضافة إلى شاتال حويوك بمستواها التقني الرفيع وإشعاع تجارتها وتعقيد ديانتها نذكر مدناً أصبحت شهيرة مثل جرمو وأري وحسونة وحلف والعبيد. ونجد في هذه المواقع الإبداعات النيوليتية المميزة لهذا العصر مثل النسيج وصقل الصخور والعجلة ومختلف أشكال الأفران، ثم بدايات التعدين فيما بعد. لقد اكتشف الإنسان النيوليتي الزراعة والتدجين وبنى البيوت ودفن موتاه وعبد الآلهة، وعرف الآنية الفخارية وآلات الحياكة البدائية والإبرة والصابون والمحراث، وطور فنوناً وطقوساً ولغات متميزة. ولاشك أن صيرورة النولتة انعكست عليه جسدياً ونفسياً وعقلياً. فقد اكتمل شكله الفيزيولوجي الحالي وأصبح أكثر مرونة وامتشاقاً من أسلافه. كما تأقلم مع حياة اجتماعية غنية جداً. وتطورت حاجاته النفسية إلى حد كبير، وبات تعبيره عن رؤاه الداخلية أكثر صراحة ونضجاً. ولاشك أن الأساطير القديمة خلال هذه المرحلة بالذات. ومع نهاية العصر النيوليتي في الشرق الأدنى، نحو عام 3300 ق م، اكتشف الإنسان الكتابة والعد، وكانت تلك بداية التاريخ!

الارتقاء النفسي العقلي

إذا كان ارتقاء الكائن الإنساني قد مرّ عبر مراحله المختلفة بعدة أنماط تطورية ميزت تحصيله لقدرات متزايدة على الفهم والتعبير، فإن هذا الارتقاء بلغ مرحلة حاسمة عندما تعلم الإنسان الكتابة والتدوين، إذ اتخذت كافة أشكال التعبير بعداً جديداً. فالرقص والغناء والموسيقى والرسم والنحت والشعر والعبادة والأسطورة والطقوس حُمِّلت كلها بقدرة تعبيرية إضافية. والحقيقة أن اختراع الكتابة لم يكن مجرد حدث في مسيرة الإنسان التطورية. وإذا جاز لنا القول فإن الكتابة لم تكن اختراعاً بل تحقيقاً لنموذج بدئي أصيل في التعبير انتقل معه الإنسان من كونه مستبطناً للمعنى إلى كونه كاشفاً له. ومع عبوره هذه العتبة كان الإنسان قد اكتمل كبنيان نفسي.

إن اللقاء المذهل لحضارات اليونان وفارس والرافدين والشام ومصر في الشرق الأدنى شكل ذروة توهج هذا الاستعداد النفسي الجماعي. والحق أن هذا المثال يعد دليلاً في الوقت نفسه على نضج نفسانية أممية. فالقرون القليلة السابقة للميلاد كانت مفعمة بروح ديناميكية حرضت نفسانية الشعوب على الإبداع والتجديد، ليس فقط في الشرق الأدنى، بل في الهند والشرق الأقصى وأوروبا وأفريقيا وأمريكا! ومنذ ذلك الوقت تطورت اللغة فأصبحت أغنى وأمتن. وبذلك فإن الفكر الذي تمثل بأساطير وفنون وعلوم الشعوب القديمة كان تحقيقاً ومداً للطاقة النفسية. ولعل هذه المرحلة كانت الأولى من نوعها التي ظهرت فيها بشكل جلي إمكانيات النفس على تجاوز ذاتها إلى تعبير عقلي بالدرجة الأولى.

قد يبدو الرباط الذي شددنا النفس إلى العقل به مُقحَم ولا ضرورة له في سياق التطور الإنساني. لكننا في الحقيقة لانستطيع إلا أن نرجع العقل والنفس إلى بذرة واحدة، إلى طاقة بدئية تمايزت شيئاً فشيئاً إلى وجهين لحقيقة واحدة. فالصيرورة النفسية كانت الرحم الذي احتضن العقل حتى ساعة ولادته. ويمكننا أن نلحظ هذا الفكر النفساني منذ الهومو إركتوس على الأقل. فمجرد تعلم الإنسان لنحت الأداة الصوانية جعله يرتقي إلى مستوى أعلى من رد الفعل الغريزي غير المدرك. إن العصور الطويلة التي أمضاها الإنسان في نحت الأداة الصوانية تشير دون شك إلى ولادة بطيئة لقوى النفس والعقل. ويمكننا تصور هذه القوى بشكل متداخل وهيولاني في الإنسان القديم تمايزت ببطء شديد وعلى مراحل موافقة لتطوره الفيزيولوجي كما ولتفتح إمكانياته الداخلية.

كذا فإننا لانستطيع في الحقيقة تطبيق نظرية توينبي Toynbe على هذه المراحل الموغلة في القدم. فالتطور الثقافي، الذي يعكس تطوراً نفسياً وعقلياً، لم يكن ليتم عبر مواجهة التحديات وإيجاد الحلول لها. ومع ذلك نقبل أن البيئة الخارجية ساهمت إلى حد بعيد في تطور العقل والنفس. فقد تغذى هذا الكيان النفسي على مدى مئات آلاف السنين بمشاهد كثيرة كان لها انعكاس مباشر أو غير مباشر على طبيعته الداخلية، كالأمطار والصواعق والخسوف والكسوف والنجوم والنيران والثلوج والبحار والأنهار والحيوانات، والأهم من ذلك كله دورات الحياة المتكررة باستمرار، ولادة الشمس وانطفاؤها، وولادة الإنسان وموته... لم يكن الإنسان القديم ليشعر تجاه هذه الظاهرات بالتحدي، بل كان يستمد منها انطباعات نفسية ومشاعر شتى. ولانستطيع هنا التمييز بين الفكر والشعور.. فالشعور والفكر كانا واحداً... ولعل إنسان نياندرتال شهد أولى لحظات تمايز العقل عن النفس عندما وقف وقفته التاريخية أمام الموت. وكان إنسان كرومانيون على الأرجح أول من استطاع إدراك نفسه في الطبيعة ككائن قادر على الشعور بها، وفي تلك اللحظة بدأ العقل ينمو في اتجاهه الخاص.

إن المشاعر التي بدأ الإنسان القديم يأنسها، وبخاصة مع إنسان نياندرتال ثم إنسان كرومانيون، غدت مصدراً ملهماً لنفسانية اكتملت صورها الطبيعية والرمزية وبدأت تستلهم معانيها. ويرجح أن بدايات النطق عند الإنسان ترجع إلى هذه الفترة. ويمكننا القول إن إنسان نياندرتال شهد أهم لحظات البزوغ العقلي هذه. لكن تمايز العقل هذا كان داعماً للنفس إلى حد كبير. ولعل إنسان نياندرتال كان مهيأ في تلك اللحظات لاستذكار أحلامه! لكن لاشك بالمقابل أن إنسان كرومانيون ترك لنا تعبيراً صريحاً عن هذه الأحلام في رسماته الرائعة على جدران المغائر!!

التطور المعرفي

تدلنا دراسة تاريخ الإنسان إلى أن صيرورة تطورية كانت تقود الإمكانيات البشرية باتجاه معرفة عقلية متنامية. وتدلنا هذه الدراسة أيضاً أن هذه الصيرورة كانت ولاتزال صيروة دورية في جوهرها، أي أنها تحقق تفتح الطاقات البشرية من خلال أدوار زمنية تتصف بأحوال نفسية وعقلية خاصة. وهكذا فإن التطور الإنساني يبلغ مداه الأقصى خلال دور ما في مجال معين، فيكون لابد من اكتمال الدور عندها وتحقيق التطور في باقي المجالات قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من التطور في هذا المجال بالذات. ولكأن هذه الأدوار تفصح في الحقيقة عن إيقاع التفتح الداخلي للنماذج الثابتة في الإنسان. ويمكننا الاستطراد في هذا الطرح فنقول إن الأدوار يمكن أن تكون جزئية تتم خلال أزمنة قصيرة في مناطق محدودة وخلال ظرف معين، أو كلية أي تحكم الصيرورة التطورية الشاملة على الكرة الأرضية أو في مناطق واسعة منها وخلال أزمنة طويلة نسبياً. ويكون التطور خلال دور جزئي غير ملموس ويظهر عموماً من خلال بعض الإنجازات. لكن توالي الأدوار الجزئية واكتمال الدور الكلي المشكل لها يُظهر تطوراً جلياً ليس من خلال الإنجازات المعرفية فحسب، بل ومن خلال مقدرات الإنسان النفسية والعقلية.

وضمن هذا المنظور فإن التطور الثقافي يخضع لإيقاع متضمن في القانون الطبيعي لوجودنا، التجربة الكونية الأزلية. ولايخرج عن هذا النطاق إيقاع التحديات والحلول الذي تحدث عنه توينبي. لكن توينبي لم يتنبه للصيرورة الدورية، واعتبر أن عدم إيجاد شعب أي حل لتحد واجهه يعد ضعفاً وهزيمة. لكننا نجد أمثلة كثيرة في التاريخ كان لابد فيها من توقف إنجاز معرفي عند حدود معينة حتى يكتمل الدور التطوري الذي تم فيه. ومن جهة أخرى، ألا يجب أن ندخل معامل التطور النفسي والعقلي للإنسان في معادلة التحدي والحل، هذا المعامل الذي يشتمل في جوهره على ديناميكية متأصلة في النماذج البدئية للإفصاح عن نفسها؟! وبعد، ألا يحق لنا أن نطرح التحدي الأكبر، مشكلة المعرفة، كمرحلة تطورية في صيرورة التطور الكلية؟!

إن دراسة تاريخ المعرفة الإنسانية تقودنا إلى الغوص في مسألة المعرفة ذاتها. لكننا لن نسترسل في بحث طبيعة المعرفة، بل سنتوقف فقط عند نقطة أساسية. فالمعرفة مفهوم مرن جداً يتخذ شكلانية معينة خلال عصر معين تتناسب ومقدرات الإنسان في حينها كما والظرف العام السائد. وخلال دور معين تلبس المعرفة ثوب الفهم الذي يناسب "الشكل" خلال هذا الدور؛ لكن هذا الثوب يخفي الحقيقة الأعمق للمعرفة، وهي حقيقة التاريخ نفسه، ألا وهي التطور والتفتح اللامحدودين. فجوهر كل إنجاز معرفي يحققه الإنسان إنما هو حالة الارتقاء الموازية التي يبلغها. كذا يبني كل عصر الشكل المعرفي الخاص به، أو إذا شئنا "أسطورته المعرفية". أما الأسطورة المعرفية الحقيقية فلا تنفك تتجدد في كل دور، وتنمو وتزدهر مع الأجيال، طالما أنها ليست مجرد الأفكار، بل و"الحالات" النفسية والعقلية التي أبدعتها.

ولعلنا نستطيع من هنا استخلاص مقياس عام للتطور الحضاري. فكلما كانت إنجازات الحضارات المعرفية متوافقة مع "أسطورتها المعرفية الحقيقية". كان مستوى هذه الحضارات أرفع وأعلى. ولتوضيح ذلك نقول إن الإنجازات بحد ذاتها لاتشكل معياراً حقيقياً لقياس نمو وتفتح حضارة ما، بل يجب علينا أن نسبر التطور النفسي العقلي الذي ترافق وهذه الإنجازات وأن نقدر مدى توازن هذا التطور الداخلي مع الإنجاز الظاهري. وتلكم طريقة من جهة أخرى لفهم إنجاز حضاري ما. فخلال العصور القديمة كانت النفس البشرية هي قائدة التطور المعرفي الإنساني. في حين كان العقل لايزال في طور النمو. ولهذا كانت الإنجازات الكبرى ترتدي غالباً زي الأسطورة الموافق لرموز النفس وللحدس العقلي الذي كان غير مقيد بعد بإشراطات خارجية. وخلال ذلك الدور الطويل الذي مهد لنمو المنطق العقلي بشكل متوازن مع مقدرات النفس البشرية، والذي شارف على الانتهاء كما يبدو مع اختراع الأبجدية، حقق الإنسان إنجازات رائعة بما هي إبداعات تجريبية وتراكمية على مستوى الظاهر، وحدسية على مستوى الباطن. وهذا التوازن بين القيمة النفسية العقلية والشكل الخارجي للإنجاز هو الذي كان ولازال يعطي الأسطورة المعرفية القديمة خلودها وغناها.

جلاء النماذج البدئية

لعل إحدى أهم المراحل التطورية النفسية التي مر بها الإنسان هي تلك الفترة التي صاغ خلالها أساطيره. ولا حاجة بنا للقول إن الأسطورة لم تكن مجرد تأليف أدبي كتب بهدف التسلية أو إقامة الشعائر الدينية. وتفيدنا دراسة النصوص القديمة أن الأسطورة كانت تتعلق بجوهرها ببعد معرفي لدى الإنسان القديم. ففيها ضمن كافة معارفه الرمزية، ومنها كان يشتق مبادئه في التنجيم والطب والزراعة، وبها كان يستشعر ذلك الجانب الداخلي فيه الذي كان ينمو وينضج. لكن الأسطورة في جوهرها كانت حلماً بشرياً جمعياً، وتوقاً للطاقة الإنسانية غير المتفتحة بعد. بلى، كان الإنسان القديم يشعر أنه يخبئ، في أعماقه طاقات عظيمة، وهذه الطاقات كان يحدس أنها متصلة مع الكون. وكانت اتصاليتها هذه ظاهرة له في كل شيء. ومن هنا فإن الوثن بالنسبة له كان أعظم من مجرد حجر. لكننا نستطيع أن نستشف عمقاً أبعد لهذا التوازي لا بل التواحد مع العالم. فلا ننسين أن الإنسان القديم ظل لفترة طويلة يتعامل مع الطبيعة عن قرب شديد. وهكذا انطبعت في ذاكرته وفي لاشعوره ذكرياته معها. ولاشك أن أكثر هذه الصور تكراراً وأهمية بالنسبة له اتخذت معنى أعمق في نفسانيته من مجرد طبيعتها البسيطة. ولاشك أن هذه المعاني توافقت مع تفتح النماذج البدئية الأولى في لاشعوره الجمعي. ومن الصعوبة بمكان تحديد مرحلة جلاء هذه الأعيان الثابتة، لكننا نرجح أن إنسان نياندرتال كان حالماً من طراز فريد. حالم رأى تشكل النماذج البدئية الأولى! لا بل إننا لانغالي إذا قلنا إن هذه الأعيان الثابتة كانت معاملاً حاسماً في نطقه وتعبيره عن شعوره. وعند هذه النقطة تتسنم النفس ذروة مشاركتها في التطور الإنساني!

إن هذه العلاقة بين النفس الخافية والنفس الواعية هي أساس التطور الأولي لبذر العقل النفس قبل تمايزها. ولعلنا نلمس في التطور المتسارع لمقدرات إنسان كرومانيون هذا التطور المتوازي للأسطورة الداخلية والأسطورة الخارجية. ففي حين كانت الأسطورة الخارجية تبنى على أحداث أو وقائع يمكن أن تكون قد وقعت جزئياً، فإن الأسطورة الداخلية كانت ترفدها باستمرار بأعيانها الثابتة. وهكذا ولدت أساطير الشعوب التي تتحدث عن خبرات متماثلة بلغات مختلفة: ولادة العالم وأصله، الطوفان، البطل الإلهي، البعث والقيامة،...

كذا كانت الأسطورة الداخلية المحرض الرئيسي للأسطورة المعلنة، وعندما تراجعت الأسطورة الداخلية تراجعت الأساطير عموماً وتحولت إلى فلسفات!

ولعل أهم الأعيان الثابتة التي بلورتها النفس الوليدة كانت على الأرجح الرموز الماثلة في العالم الخارجي بشكل دائم، ومنها الشمس والقمر، والأم والأب، ومنهما القرين والقرينة، وتضخيمات للحيوانات الأساطيرية التي كانت تمثل ثنائية الوحشية البرية والحرية السماوية، أي تلك الحيوانات المجنحة كالحصان الطائر أو التنين أو العنقاء، ثم فيما بعد الحيوان الإنسان الطائر كما في التمثيلات الآشورية الفريدة. ولعل الشجرة والجبل والنهر والماء والدم والنار كانت من أهم هذه الأعيان الثابتة. ويمكننا القول إن الأشكال الهندسية ظهرت فيما بعد كالدائرة أو المثلث أو المربع. وربما كان اللون الأحمر أهم الألوان التي حلم بها الإنسان القديم، بما هو لون النور والنار، الشمس والدم، إضافة إلى الأزرق لون السماء والبحر، والأخضر، لون البيئة الأكثر دفئاً التي لجأ إليها الإنسان، والأسود لون الليل والكهوف المظلمة. ونعتقد أن الكهف كان من أهم الأعيان الثابتة التي ترسخت في اللاشعور الإنساني كرمز لهذا اللاشعور نفسه. إن هذه الرموز كانت دون شك محرضاً رئيسياً للتفتح الروحي للإنسان.

الارتقاء الروحي

إن تكوين الكائن الإنساني النفسي والعقلي يشير إلى طاقات كامنة فيه لما تتفتح بعد. فالإنسان مكون وفق صورة أصلية، آدم أولي، عين ثابتة كلية، ونموذج بدئي كوني. ولهذا فالإنسان محمل بمسؤولية كبرى، هي تركيز لمسؤولية كونية في تحقيق تفتح وإفصاح لروح الكون. وبشكل آخر فإن الإنسان مرآة معرفة الذات للذات. وتطور الإنسان هو جلاء هذه المرآة أكثر فأكثر لتصبح قدرة على عكس نور ألطف وأشف.

وإن كان التطور الروحي للإنسان لايُلحظ عبر تاريخنا الطويل إلا من خلال تحقيقات فردية نادرة، لكننا لانستطيع ألا نلحظ تطوراً روحياً جمعياً في تبلور نفسانية كلية أقدر على تعميم التجربة الفردية وعلى تمثلها. وهذا التطور الروحي الجمعي يتلخص بكلمات بسيطة؛ إنه الانبثاق المستمر عبر العصور لإنسانيات أكثر فأكثر مقدرة على التمييز والشعور والفهم. وفي الحقيقة يتبطن هذا التطور الجمعي على استئثار حقيقي بالنماذج البدئية الأصلية وعلى طرح كل الشذوذات التي يمكن أن تشوش صورتها، بما هي الينبوع الذي يمدنا باستمرار بالشكل المعرفي العام، وبما هي الخزان الذي تعود فتنصهر فيه كافة معارفنا.

ومن هنا، فإن المعرفة الإنسانية، في أقصى تجلياتها، ليست نهجاً منطقياً، وليست المعلومات المحصلة، وليست العلم والفلسفة والعقائد، بل هي التجربة الذاتية وقد عممت من خلال المشاركة في لاشعور جمعي واحد وكلي. بل هي بشكل من الأشكال هذه الخلفية ذاتها، النمط البدئي الكوني نفسه وقد أبصر نفسه. وهذه المعرفة الجديدة المنبثقة عن هذه الخلفية الكلية، عن هذا الإشعاع الكوني، لايستطيع إنسان الإفصاح عنها أو حجبها، وهي من جهة أخرى محرض كل إبداع معرفي فردي.

المعرفة الروحية في جوهرها إذن هي معرفة جمعية، ونادراً ما تتحقق على مستوى الفرد. وذلك أنها معرفة تطورية بالدرجة الأولى، معرفة غير فكرية أو نفسية فقط، بل كلية تشمل الإنسانية جمعاء. ومن هنا فإن تحقيق الفرد لهذه المعرفة يعد بمثابة تواحده مع الإنسانية والكون. بل إن معرفته هذه نفسها تنعكس على الإطار الروحي للإنسانية. كذا فإن هذه المعرفة بما هي لاتخضع لمعاييرنا ولمقاييسنا، تفلت دوماً من إطار التحديد والنمذجة. ولهذا علينا أن نتوقع بكل تأكيد بروز معرفة جديدة في المستقبل، معرفة غير فكرية وغير منطقية ولاتخضع لمناهجنا الحالية، وذلك عندما تنصهر معرفتنا الحالية تماماً في بوتقة تطورنا الروحي.

مستقبل ارتقاء الكائن الإنساني

على الرغم من تمايز العقل والنفس خلال مسيرة التطور الطويلة، لكنهما ظلا ينموان سوياً وبشكل متناغم حتى فترة قريبة ترجع إلى آلاف قليلة من السنين فقط. فعندما بدأ العقل يبني مجرداته الخاصة، وتحديداً منطقه الفلسفي المجرد، حكم على نفسه بالانعزال عن النفس. لقد اشتد عود العقل ونما بسرعة وبنى صرحاً هائلاً من المنطق، وتوجه بإنجازات علمية رفيعة. لكن ذلك لايعني أن النفس توقفت عن النمو. غير أن نموها خضع لتخلخل مستمر مازال يتفاقم حتى الآن. فإن كان العقل قادراً على إيهامنا بإنجازاته بقوته وتوازنه، فإن النفس لم تفلح يوماً بإخفاء ضعفها بعد ابتعاد العقل عنها، وهي لاتفتأ تناشده العودة إليها والاستماع لخبرتها الطويلة الطويلة. وفي الحقيقة فإن النفس تعد بوتقة الإنسان التي تتبلور فيها طاقاته الجديدة. وكما أن العقل بزغ في النفس، كذلك فإن طاقة جديدة تتحضر اليوم فيها للانطلاق، وهي طاقة وعي أعلى دون شك، ومشاركة العقل في تفتحها أمر لابد منه لكي تأتي كاملة. ومع ذلك، فثمة كيان أوسع بكثير من نفوسنا وعقولنا الفردية، وهذا الكيان هو ما يمكننا دعوته بالعقل الجمعي الذي لم ينفصل ولن ينفصل أبداً عن النفس الجماعية. وهذا العقل الجمعي هو أملنا الحقيقي في مستقبل تطورنا لأنه إذا صح القول على صلة مباشرة بلاشعورنا الجمعي.

إن المعرفة الإنسانية ليست مجرد كم من المعنى، بل هي أيضاً الشكل الفني أو الذاتي لهذا المعنى، وبصورة أخرى فإن معرفتنا الحالية هي معرفة آنية سيمكن تجاوزها معلوماتياً في المستقبل. لكن هذه المعرفة ذاتها، بما هي طاقة نفسية وعقلية، ستظل فاعلة في الصيرورة التطورية المعرفية للإنسان من خلال شكلها الفني أو ذاتيتها التي ستذوب وتنصهر في بوتقة عقلنا الجمعي.

إن عجرفة الإنسان في نهاية القرن العشرين، وتسلطه واعتقاده أنه بات سيد الطبيعة وأن كل ما فيها مسخر له، وأن المعرفة باتت قاب قوسين أو أدنى منه، وأن علومه ستفك في القريب العاجل أسرار الحياة والوجود، كل ذلك أنساه أنه لايزال يصعد، شاء أم أبى، سلم التطور، وأن عقلاً فوقياً سيبرز خلال آلاف السنين المقبلة، وإنساناً جديداً أعظم مقدرة وأكثر تفتحاً منا، وأكثر توازناً دون شك، سيولد في مستقبل ليس بالبعيد. ولاشك أن هذا الإنسان سيتجاوز علومنا وعقائدنا ومناهج تفكيرنا، وسيبني من جديد أسطورته!

إن كل ما يمكننا عمله اليوم، وما يجب علينا عمله، ليس المضي في علومنا التطبيقية العشوائية والإغراق في نتائجها، بل فهم موقعنا من الطبيعة، والعمل على إتاحة الفرصة للإنسان المقبل أن يأتي، لأنه سيحتاج بالتأكيد إلى الطبيعة كما احتجنا إليها، ولأنه سيحتاج إلينا أيضاً كما احتجنا لأسلافنا.

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •