الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

التوازن البيئي من منظور الطبيعة

موسى ديب الخوري 

 

انقراض جديد وهائل يتحضر. بات الأمر حقيقة يتفق العلماء عليها. وهو لن يكون نتيجة كارثة طبيعية، مثل الانقراضات السابقة، بل بسبب تدخل نوع مميز: إنه الهومو سابيان. إن نصف النباتات والحيوانات مهدد بالإنقراض قبل نهاية القرن[a]. إلا إذا...

إلا إذا عدنا ببساطة إلى الطبيعة، ليس كأسياد عليها بل كأبناء لها.

الفكرة بسيطة، لكن تطبيق المثال هو الأمر الصعب دائماً.

قد يبدو الحديث عن التوازن البيئي بعد هذه المقدمة ضرباً من الترف الفكري، لكنني أعتقد أنه الحل الوحيد الذي على الإنسان أن يحاول تحقيقه.

لهذا نتكلم اليوم عن علم بيئة جديد.

وهذا العلم يحاول إعادة اللحمة بين الإنسان والطبيعة. والتوازن البيئي في منظور هذا العلم لا يعتمد على فهم البيئة بمعزل عن الإنسان بل على فهم البنية الجوهرية التي تجعل الطبيعة كلاً يتجاوز الحدود والتجزئة التي فرضها العقل البشري عليها. وإن كنا نحتاج اليوم بالتأكيد إلى التطور العلمي الرفيع، النظري والتقني، الذي وصلنا إليه لفهم هذه البنية العميقة للطبيعة، لكننا نحتاج أكثر إلى المثال الأخلاقي في هذا الفهم وإلى المنطلق الإنساني الطبيعي في الولوج إلى عصر أقل ما يقال فيه إنه على بعد خطوة واحدة من الكارثة.

 

مدخل إلى تاريخ وفلسفة علم البيئة

مما لا شك فيه أن الطبيعة كانت تجد سهولة أكبر في التعامل مع المنظومات البيئية قبل وجود الإنسان. ولهذا حاول العلماء دراسة المنظومة الطبيعية عندما كان تدخّل الإنسان أقل ما يمكن. لكن المسألة ليست بهذه البساطة. فالإنسان أصبح بطريقة ما خارج الطبيعة عندما بدأ بمحاولة السيطرة عليها. وهو بذلك أبعد الطبيعة أيضاً عن طبيعيتها إذا جاز التعبير. ومن جهة أخرى عندما نريد دراسة الوضع البيئي والخلل القائم في البيئة فهذا يفترض أننا نعرف معايير الطبيعة والبيئة. فهل يجب أن يكون علم البيئة هو العلم الذي يخبرنا ما كان يجب أن تكون عليه الطبيعة لولا تدخل الإنسان فيها؟ ربما يمكننا أن نستشف من قمة الأرض التي انعقدت في ريو دي جانيرو في عام 1992 دعوة إلى العودة عن الحداثة لصالح الطبيعة، لكن الطبيعة ليست منفصلة عن الإنسان كما كنا نعتقد حتى عهد قريب؟ بل على العكس، فالإنسان اليوم أكثر التصاقاً بها مما يتوقع. ومع ذلك لا يزال بعض أصحاب السلطة ورؤوس الأموال كما وبعض العلماء يعتقدون أنه بوجود العلم الأكثر توسعاً وتطوراً يمكن حل المشاكل بسهولة. لكن دعوة هيدلبرغ هذه لم تعد كافية، وفي الحقيقة فإن أسس علم البيئة في أزمة حالياً أكان على المستوى الإبيستمولوجي أو الإجتماعي. وهذا ما دعى إلى التفكير بأسس جديدة لعلم بيئة جديد.

كان آرثر تانسلي Arthur G. Tansley قد طرح في عام 1935 مفهوم المنظومة البيئية لمواجهة فكرة أن مجتمع الكائنات الحية في وسط بيئي واحد هو عبارة عن نوع من المتعضية الفائقة. فكان يؤكد على الاستقلالية المتبادلة في هذه "الوحدة الجوهرية للطبيعية" للكائنات الحية ولوسطها الفيزيائي ـ الكيميائي. وكان تانسلي يضع بالتالي المنظومة البيئية ضمن سلسلة من تراتبية منظومات فيزيائية متعددة بدءاً من الكون باعتباره كلاً وحتى الذرّة. وهكذا كان يدعم فكرة أن الكون مؤلف من مجموعة تراتبية من المنظومات المتضمنة في بعضها بعضاً في مستويات متداخلة ومتتالية. وقد نشر ودعا إلى هذه الفكرة فيما بعد فرانسوا جيكوب F. Jacobs. وغذّت هذه النظرة الرؤيا ذات الطابع الكلي للبيئة. وقد تطور هذا المنظور لاحقاً من خلال مفاهيم المنظومة البيئية والمشهد الطبيعي والتنوع الحيوي.

كانت المنظومة البيئية هي مرجع عدد كبير من برامج البحث بلغت ذروتها بين عامي 1960 و 1970، مع البرنامج الدولي البيولوجي. وهكذا جرى على سبيل المثال في العديد من البلدان تحليل بنية وعمل مختلف أنماط المنظومات الأرضية والبحيرية والبحرية.

وفي بداية الثمانينات ظهر علم بيئة المشهد الطبيعي أو المشهد المعقد، وهو كينونة مؤلفة من عناصر متفاعلة تسمى المنظومات البيئية. والمشهد الطبيعي يتألف من مستوى تنظيم تراتبي أعلى. وفي مستواه الأدنى هناك بنى ووظائف ذات علاقة ديالكتيكية تتحدد بشكل متبادل. وكانت فرضية غايا لجيمس لوفلوك تعبيراً شاعرياً ومبدعاً في آن واحد لهذه النظرية: فالأرض مستقرة لأنها منتظمة ذاتياً، وهي بالتالي متعضية حقيقية. وهكذا، أصبح التوازن البيئي، للمنظومة الأساسية للكوكب الأرضي، عاملاً جاذباً ومحركاً رئيساً لفكر علماء البيئة. لكن ألا يبدو ذلك متناقضاً. لأنه في علوم الأرض كما في علوم الحياة، لم يعد أحد يتخيل وضع إطار شامل لا يكون متغيراً وديناميكياً. وبعبارة أخرى فالتوازن البيئي لا يعني الإستقرار والسكون والعطالة.

إن البحث البيئي الواقعي واليومي هو بحث تقليصي وتجزيئي. فالمنظومة البيئية تنتهي إلى أرقام وجداول، وقد أمل ورثة العلم الميكانيكي والتجزيئي استخلاص قوانين البيئة بهذه الطريقة. لكننا ندرك هنا أهمية الزمن الغائب في البحث البيئي. وقد أدخل هذا المفهوم لاحقاً في تعبير التوازن الديناميكي الذي يحافظ على الإستقرارية مع التغير الذي يطال البيئة عبر الزمن. لكن مع الأسف، لم يأخذ مفهوم التوازن الديناميكي المحافظ على استمرارية البيئة في حسابه إدخال أحد أهم المشوشين والمخلين بالنظام البيئي، ألا وهو الإنسان.

لقد عملت خلفية ميتافيزيائية ثنائية على نمذجة العلاقة بين الإنسان وباقي الطبيعة. فمن جهة كان هناك الوعي التخيلي والفعل المبدع، ومن جهة أخرى العالم الآلي والتحديدي والذي يمكن تحريكه آلياً واستثماره لصالح الطرف الأول. ونلحظ هذه الثنوية بين الفكر والموضوع في التمثيلات الخطية والبيانية العلمية اليوم. ونجد مثالاً رائعاً على ذلك في علم البيئة نفسه على شكل كاريكاتوري بعض الشيء، عندما يتم تمثيل الإنسان في مربع خارجي يرتبط بأسهم بمربعات أخرى تمثل المنظومات البيئية المجزأة المترابطة مع بعضها بواسطة علاقات.

لكن وضع الإنسان على صلة مع الكائنات والأنواع الأخرى وفق هذه الصيغة الشكلية لا يدمجه أو يناغمه أو يدخله ويعيده فعلياً إلى المنظومة البيئية. ولهذا عندما نحاول فهم علاقات المجتمعات البشرية مع المنظومات البيئية، فإن هذه الشكلانية تبدو ضعيفة جداً وغير ذات معنى. وحتى علم بيئة المشهد الطبيعي المعقد يجد صعوبة في حل هذه الثنائية. إن علم بيئة المشهد يحاول تصعيد تقليصية المنظور البشري للبيئة. لكنه لا ينجح في النهاية في دمج الإنسان في البيئة، بل يتركه إلى جانبها كمؤثر فيها. وهذه الثنائية ترسخ في النهاية الفصل بين علوم الطبيعة والعلوم الإنسانية، وهو فصل يصل إلى حد كبير في مناهج التعليم المدرسية والجامعية. فإذا كانت تربيتنا وسلوكنا وتعليمنا وأكاد أقول حتى تعاليمنا تعمل على ترسيخ هذا الفصل بين الإنسان والطبيعة، فكيف يمكن فهم علاقة الإنسان بالبيئة في إطار غير نطاق الاستثمار أو السلطة؟

إن محاولة فهم علاقات المجتمعات مع المنظومة البيئية يجبرنا بالتالي على اللجوء إلى منهجين علميين لا يتقاطعان عادة. وجمع العلوم المختلفة بهذه الطريقة هو عملية معاكسة للثقافة السائدة حالياً. ذلك أن ثقافتنا هي ثقافة تجزيئية بالدرجة بالأولى، وانتقائية ثانياً، وتقليصية ثالثاً. لقد تطورت خلال العقود القليلة الماضية العلوم ما بين المنهجية التي أدت في النهاية إلى وعي هذه المسألة، لكنها لم توجد حلولاً عملية أو جذرية للمسألة التقليصية أو للثنوية البيئية الإنسانية. إذ لا يكفي ضم الإنسان والبيئة ضماً عادياً في تعابير مثل المنظومة البيئية الإجتماعية إلخ. فهذه العبارات تنتهي أيضاً إلى تقليص للبيئة وإلى فصل الإنسان عن الطبيعة. فيجب الذهاب إلى أبعد من ذلك للأخذ بعين الاعتبار لتاريخ المساحات والفضاءات، ولفهم الديناميكيات التي طبقها البشر خلال العصور في علاقاتهم مع المساحات والأنواع، ولتفسير الفرادات في كل وضعية.

إن التطور الجوهري الحاصل في بعض العلوم، كما وتعميق إشكاليات فلسفية علمية هي مؤشرات على ثورة تغير بالتدريج اليوم إنما بعمق نظرتنا للواقع وطريقتنا في فهمه. وهنا تعلب نظرية الشواش والإبستمولوجيا البنائية دورين جوهريين في ذلك.

فنظرية الشواش، إذ تبين أن تغيرات صغيرة للشروط البدئية يمكن أن تولد آثاراً جهارية مختلفة جداً، فإنها تعمل على ظهور نظام ابستمولوجي للفرادة كما وللتاريخية واللاعكوسية وهو نظام جديد بكل معنى الكلمة.

أما بالنسبة للبنائية، فإنها تشدد على أن نمو المعارف لا يبنتج عن " كشف" حقيقة خافية سابقة للوجود، بل عن البناء والتنظيم النشيط لكون من التمثيلات ذات الحدود التي ترسمها الاهتمامات، أي أهداف باحثي المعرفة. إن عملية المعرفة ليست مستقلة عما نحن في صدد معرفته. فهما مرتبطان بصيرورة ديناميكية لا يمكن لها أبداً أن تُكسر. ووفق هذا المنظور، فإن ديناميكية المعرفة ليست إلا أحد جوانب التطور، بينما تكتسب العلاقات بين الإنسان والطبيعة معنى آخر تماماً. وهذه العلاقات لا تحكم فقط من خلال مقادير فيزيائية أو حتى صلات كيميائية ومعلوماتية، بل هي تتجذر في طريقة تفكيرنا وفي أخلاقنا. وللأسف الشديد، فإن أخلاقنا الحالية ليست على مستوى ديناميكية المعرفة التي وصلنا إليها.

 

 

التنوع الحيوي

لا بد لنا في حديثنا عن التوازن البيئي من فهم التنوع الحيوي القائم في الطبيعة وإلى أي حد هو مهدد فعلاً.  وعندما نتكلم عن التنوع الحيوي فإن أول ما يخطر على بالنا هو مصلطح النوع، وذلك أكثر بكثير من مصطلح المورثة أو الأفراد أو الشعوب. والأمر مبرر دون شك. فالطريقة الأبسط لتعريف التنوع الحيوي هي تقديمه على أنه تنوع كافة أشكال الكائن الحي. وبالنسبة للعالِم، فهو كامل تنوع الكائن الحي مدروساً على مستويات ثلاثة: المنظومات البيئية والأنواع التي تؤلف المنظومات البيئية وأخيراً المورثات التي نجدها في كل نوع. والمورثة هي الوحدة الجوهرية للاصطفاء الطبيعي وبالتالي للتطور. ولكن عندما ندرس التنوع الحيوي على الأرض فإن النوع هو الذي يكون الوحدة الأكثر قابلية للتعامل معها. ولا يكون لدينا الوقت للمضي أبعد وصولاً إلى المورثات. وعلى الرغم من أن مفهوم النوع يصادف بعض العقبات لكنه يعمل بشكل جيد جداً على أرض الواقع: فهو يحدد المجموعات من الأفراد القادرين على التناسل فيما بينهم. وهو من جهة أخرى أحد عوامل حفظ التوازن البيئي الرئيسية. فالنوع بوحدته وقدرته على الاستمرار يعمل ضمن منظومة البيئة المحلية كعنصر واحد مشارك فيها.

ومع ذلك فإن التنوع الحيوي الحقيقي هو التنوع المورثي. فالاختلاف بين مورثات فردين من النوع نفسه هو التنوع البيولوجي الأعمق والأكثر جوهرية. ونحن اليوم كما نعلم بتنا قادرين على التلاعب بهذا التنوع المورثي وعلى كسر توازنه. ومن هنا فإن التوازن البيئي على مستوى المورثات يعني الحفاظ على النوع من جهة وعلى القدرة على التطور والاصطفاء من جهة أخرى. واللعب بالمورثات يشكل تهديداً خطيراً لصلابة النوع كما ولتوازن المنظومة البيئية والمشهد الطبيعي ككل.

غير أنه يوجد مع ذلك في مفهوم النوع مستوى للتعقيد ليس موجوداً في مفهوم المورثة. ففي كل مرة ننتقل فيها إلى مستوى تنظيم أعلى، تظهر ظاهرات جديدة كلياً. وفي كل مرة يتم فيها اجتياز مرحلة باتجاه الأعلى، بدءاً من المورثة وحتى المنظومة البيئية، مروراً بالتفاعلات ما بين المورثات والخلية والاتصالات بين الخلايا والمتعضيات والجماعات، فإننا نلج إلى حالة من الوجود مختلفة تماماً. وتشتمل هذه الحالة على قواعدها الخاصة ولا يمكن فهمها إلا بالنظر إلى مجمل الواحدات التي تؤلفها. وهذا ما تحاول تطويره دراسات فيزياء الإنتظام الذاتي المطبقة على البيولوجيا.

ويعني ذلك أن التنوع الحيوي ليس فقط موضوعاً محدداً جداً، يندرج في الإشكالية الشاملة للبيئة، بل ويشكل أيضاً جزءاً من ميل للبيولوجيا إلى التخلي عن حقل الدراسات التقليصية والبحث عن عناصر تأليف قادرة على الأخذ بعين الاعتبار لصيرورات التجمع الذاتي للمنظومات المعقدة. وأعتقد أن هذا الميل سيسيطر على البيولوجيا في القرن الحادي والعشرين.

إن ما نفهمه بشكل أفضل عن التطور هو بشكل جوهري مورثي، وما نفهمه بدرجة أقل هو بشكل جوهري فعلاً المسألة البيئية. فعلى المستوى الأكثر جوهرية، وهو مستوى وصف المورثات، نفهم القواعد. والبيولوجيون يفهمون أيضاً جزءاً جيداً من قواعد أساس تجمع الخلايا والمتعضيات. أما عندما نصل إلى مستوى الجماعات، وإلى الطريقة التي تتجمع فيها لتؤلف منظومات بيئية، فهذا لا نفهمه بدرجة كافية. وليس ذلك بمفاجئ، لأن درجة التعقيد تصبح في حدها الأقصى ـ وكذلك مستوى الخصوصية. فكلما مضينا إلى الأعلى يصبح من الصعب أكثر العثور على قواعد أساسية تشتمل على مجمل العوامل. فالمشهد الطبيعي بالتالي هو في تعقيده المتنامي حقل غير منته من الإمكانيات والكمونات التي يمكن أن تتطور مع الزمن تبعاً لعوامل لا حصر لها. والتنوع الحيوي بهذا المعنى يرتكز على ما هو أبعد من الإحصاء أو من تحديد الأنواع. وهذا يعني أن التنوع الحيوي مهدد ليس في عدد الأنواع فقط بل وفي صلاتها مع بعضها بعضاً وفي قدرة المورثات في النوع الواحد على التأقلم مع التغيرات التي قد تشكل ضعفاً عاماً في النوع أو قد تأتي من مصدر خارجي هو الإنسان.

السؤال الذي يمكن أن نطرحه هنا هو إلى أي حد يجب أن يقلقنا فعلاً تقلص التنوع الحيوي؟ فقد شهدت الأرض انقراضات كارثية أكبر...وفي الحقيقة لا يجب أن نقلل من قدر الانقراض الذي يتحضر الآن. فجميع علماء البيولوجيا الذين يعملون على التنوع الحيوي يتفقون على القول إننا إذا تابعنا تدمير بعض البيئات الطبيعية فإننا سوف نكون قد أبدنا نصف نباتات وحيوانات الكوكب أو أكثر. فالأمر يتعلق بالتالي بانقراض كبير سيحل خلال بضعة عقود، وهو يوازي في كبره الانقراضات التي وقعت في العصور الغابرة. وهذا يعني كسر التوازن البيئي الذي بدأنا نشهد بعض آثاره منذ الآن لملايين السنين المقبلة.

فخلال الخمسمائة مليون سنة الأخيرة، أي منذ العصر الكامبري، شهدت الأرض خمسة انقراضات ضخمة، يجب أن نضيف إليها دون شك انقراضاً سادساً حصل في بداية الحقب الكامبري (نحو قبل 540 مليون سنة). لكن هذه الانقراضات حصلت بسبب كوارث فيزيائية. أما الإنقراض الذي يتحضر اليوم فيرجع إلى تدخل نوع واحد. والأمر المهم هو ان الترميم الطبيعي الذي قام به التطور في كل مرة كان يتطلب ملايين السنين. وبالتالي فالسؤال هو: هل من الصحيح أخلاقياً إبادة قطاعات واسعة من الحياة على الأرض خلال بضعة عقود فقط، في حين أن التطور سيحتاج إلى ملايين السنين ليقوم بعمله الترميمي والإصلاحي؟

توجد صلة ثابتة بين تقليص مساحة منظومة بيئية وعدد الأنواع في هذه المساحة. وهذه القاعدة الحدسية كانت قد وضعت في الستينات في إطار ما سمي بالنظرية البيوجغرافية الجزيرية. ويمكن التعبير عنها على النحو التالي: إن عدد الأنواع التي تستمر مثلاً على جزيرة أو في مساحة من غابة مدارية يزداد عموماً بشكل لوغاريتمي مع المساحة. وبشكل عام أيضاً، فإن مضاعفة مساحة مسكن عشر مرات يقود إلى مضاعفة عدد الأنواع القادرة على العيش والبقاء فيه.

لكن القاعدة تصح في الاتجاه المعاكس: فإذا كانت المساحة المعطاة لمسكن قد تقلصت 10 % على الأقل من المساحة البدئية، كما حدث في مناطق مختلفة من الغابة الإستوائية، فإننا نعرف أننا نكون في الوقت ذاته قد دمرنا أو عرضنا لانقراض وشيك نصف الأنواع الموجودة في هذه المساحة، وربما كان بينها حتى متعضيات مجهرية. وهكذا، فإن عدد الأنواع من الثدييات الموجودة في المحميات الوطنية في غرب الولايات المتحدة وكندا قد انخفض بشكل منتظم خلال القرن الأخير. والسبب هو أن المحميات الوطنية أصبحت جزراً في بحر الأراضي المزروعة والمستثمرة في تربية الحيوانات. وقد تناقص عدد أنواع الثدييات وفق النسبة المتوقعة بهذه القاعدة.

وفق الأرقام التي يطرحها بعض العلماء فإن خمس الأنواع من الطيور اختفت منذ  2000 سنة، و11 % من ال9400 نوع آخر من الطيور المحصاة هي في خطر الآن. فإذا افترضنا أن هذه النسبة 11 % اختفت، فما الذي يبقى... وإذا عدنا إلى القائمة التي نشرها الـ IUCN[b] نجد أن الأنواع تضعف على مدى فترة قصيرة جداً، منتقلة من الفئة "آمنة" إلى الفئة "المهددة"، ثم إلى الفئة "في خطر" ثم إلى الفئة "الحرجة” ثم إلى "منقرضة". والحركة تتسارع. وليس لدينا قياسات للتسارع، لكننا نعرف من خلال ثلاث طرق مختلفة ومستقلة أن نسبة الانقراض هي على الأقل مائة ضعف، وعلى الأرجح ألف ضعف وربما عشرة آلاف ضعف ما كان قبل وصول البشر. فبالإضافة إلى الطريقتين اللتين سبق أن ذكرناهما ـ العلاقة بين المساحة والأنواع والتدرج في وضعية الأنواع على قائمة الـ IUCN الحمراء، هناك طريقة ثالثة هي الـ PVA[c] (تحليل قابلية العيش لجماعة ما). وهي تسمح بتقدير احتمال الانقراض من الآن إلى عشرة أو عشرين سنة لنوع من الأنواع الموجودة على القائمة الحمراء للـ IUCN والتي نعرف سماتها الرئيسية (المسكن وتعداد الجماعة إلخ.)

بدءاً من أي وقت نقدر أن المنظومة البيئية مهددة بتراجع عدد الأنواع التي تضمها؟ نعرف أنه كلما كان عدد الأنواع في المنظومة البيئية أكبر كلما كانت منتجة أكثر وكانت أكثر استقراراً وتعيد ترميم نفسها بسرعة أكبر عند حصول جفاف أو عاصفة على سبيل المثال. لكن السؤال يبقى مفتوحاً لمعرفة ما هي النقطة التي توشك فيها منظومة بيئية على الانهيار. ونعرف فقط، ابتداء من نماذج معزولة، أنه توجد أنواع مفاتيح، وهي أنواع يؤدي اختفاؤها أو على العكس إدخالها إلى تحول كبير في البيئة. والمثال الكلاسيكي هو القندس، الذي أدى اختفاؤه من على السواحل الغربية لأمريكا الشمالية إلى انفجار ديمغرافي للسفور أو توتياء البحر كما يسمى، وفي ضربة واحدة إلى تفكك المنظومة البيئية المؤلفة من الـ kelp، وهي غابة من العوالق البحرية. ولكن من الصعب جداً التنبؤ ما هي الانواع المفاتيح في منظومة بيئية معطاة. لجارد دياموند Jared Diamond استعارة مجازية جميلة: بما أننا لا نستطيع التنبؤ أي الأنواع هو المفتاح، فإن ترك نوع ينقرض يشبه قليلاً قبول بيع بعض من جسمنا، تاركين الشخص الذي يأخذ القطعة يختارها عشوائياً.

بالتالي فإن تقلص التنوع الحيوي يجازف بتفكيك المنظومات البيئية، وبالتالي المنظومة البيئية الكوكبية والتوازن البيئي ككل. ويشدد العلماء أيضاً على نقطة أخرى، وهي فقدان المعلومات التي تضيع على هذا النحو. إن كل نوع هو مكتبة من المعلومات التي تم اكتسابها بواسطة التطور على مدى مئات آلاف بل وملايين السنين. إننا نحرق مكتبات كاملة. وإن كنا نملك فكرة ما عما سيؤدي إليه التفكك (من نقص في الإنتاجية ونقص في الأمان وتغيرات في المناخ إلخ. )، فليس لدينا أدنى فكرة عن قيمة ما نفقده في مجالات المعلومات بالنسبة للإنسانية. وفي الحقيقة فإن هذا الاختراق المنتظم للتوازن البيئي قد يفقد الطبيعة قدرتها على ترميم المعلومات الضائعة، الأمر الذي يعني ربما مع استمرار الحياة تغييراً كبيراً في نمطية الحياة التي تطورت على الأرض.

لا شك أن الحفاظ على التوازن البيئي والتنوع الحيوي يتطلب خلق رابطة وصلة بين الإقتصاديين والأخصائيين في الحفظ البيئي. ويجب أن تطلق دراسات حول السياسات التي تمت حتى الآن في العلم الجوهري وفي الاقتصاد وفي العلوم الاجتماعية في آن واحد، وذلك بهدف الوصول في الوقت نفسه إلى حلول لمشاكل الحفظ الخاصة بالتنوع الحيوي وبفقر العالم. وفيما يتعلق بالدراسات حول التنوع الحيوي، فإن التقنيات المتوفرة تسمح لنا بتوقع تسريع جذري لعمل الاستكشاف. والانترنيت والصورة الرقمية وأنظمة المراقبة الشاملة إلخ تسمح بتوقع ثورة حقيقية في المنهجية. لكن لا حاجة إلى التذكير هنا إلى ضرورة أن يترافق ذلك كله مع تغيير في بنيتنا الفكرية والسلوكية.

ولا غنى عن هذه الثورة في التنظيم المنهجي إذا كنا نريد التخطيط بفعالية لإيجاد الإحتياطي والمؤن[d]. ولكن بشكل مواز يجب تعميق البحث حول انتاجية الزراعة والمنتجات الطبيعية، وذلك بتنظيم التخطيط عبر المناطق. وفي الحقيقة فقد بدأت هذه الأعمال والتوجهات إنما بالتأكيد على مستوى غير كاف. ونحن نأمل باستمرار رؤية حفظ التنوع الحيوي يصبح برنامجاً فعلياً على مستوى العالم.

على الرغم من أن النوع الإنساني مؤلف من أفراد يحافظون على استقلاليتهم من أجل تناسلهم وبقائهم، لكنه شهد نجاحاً فائقاً علىالمستوى الاجتماعي إلى درجة أنه خلق تسويات تصالحية على المدى البعيد. وهذا ما نسميه الأخلاق. والقيم الأخلاقية هي أساس الحياة الإجتماعية للبشر. وبالنسبة لمسألة التنوع الحيوي فإن على أخلاقنا أن تعترض على ترك الأشكال الأخرى للحياة تنقرض بسبب إهمال ولامبالاة وشره وغباء ورعونة البشر. فثمة بالتالي لدينا كافة الأسباب للقول إن الحفاظ على التنوع الحيوي هو أيضاً مبدأ أخلاقي مقدس.

ولا بد لنا من القول هنا إن هذا المبدأ يعني في النهاية استمرارنا.

لا بد لنا أيضاً من القول إن التنوع الحيوي هنا لا يشتمل فقط على التنوع البيولوجي، بل وأكثر من ذلك، على التنوع الفكري والنفسي والأخلاقي والسلوكي والعقائدي والروحي والثقافي والحضاري. وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يحافظ على خصائص الآخر كما يحافظ على نفسه ويحترم خصائص الآخر كما يحترم نفسه. ومن هنا تصبح مساعدة الأخر نوعاً من التواصل مع الذات وليس قمعاً للآخر بكل ما يمثله من قيم ومبادئ مختلفة. فإذا فهمنا التنوع الحيوي أنه احترام لصيرورة الطبيعة في تحولاتها، واحترام لوجودنا على أنه جزء لا يتجزأ من هذه التحولات، فقد نستطيع مواجهة الكارثة المقبلة وربما نحد من آثارها.

 

خاتمة: المنظور الطبيعي للتوازن البيئي

عرضنا فيما سبق إلى المفهومين الأساسيين في فهم الإنسان الحالي لبيئته: وهما المنظومة البيئية والتنوع الحيوي. ورأينا أن المنظومة البيئية تُدرس بمعزل عن الإنسان، وأنها مهددة لأن الإنسان يتعامل معها كمصدر للطاقة فقط دون أن يرى فيها مصدراً لاستمرار الحياة نفسها ولا مصدراً وبوتقة لتطور الحياة عضوياً ومعلوماتياً. كما وفهمنا أن التنوع الحيوي، وهو ركيزة التوازن البيئي، مهدد على مستوى النوع والمورثات والمعلومات.

إن منظورنا في ذلك كله يرتكز إلى حد كبير على فكرة أننا نحن أصحاب الحق في فهم الطبيعة وإخضاعها في النهاية لنا.

لكن هل للطبيعة مقاييسنا فعلاً؟

ليس ثمة حس نقدي لدى الطبيعة كحسنا النقدي. بمعنى أنها في صيرورتها لا تهتم بمقاييسنا الجمالية أو المعيارية أو السلوكية أو حتى الرياضية والفيزيائية والبيولوجية. إن معرفتنا عنها تظل ناقصة. وما نراه مناسباً لها أو حتى لنا قد لا يناسبها أو يناسبنا بالضرورة.

وليس لدى الطبيعة منظومة فكرية جاهزة أو عقائدية منتهية. وهي بالتالي غير قابلة لإسقاط الشريعة الإنسانية عليها مهما كانت هذه الشريعة رحيمة بالطبيعة! فالطبيعة تتمتع بحكمتها التي قد يكون علينا نحن التوافق معها.

وليس لدى الطبيعة شكل تطوري كما نحاول أن نفرضه عليها. فمنظورنا التطوري غائي في النهاية. ونحن نرى أنفسنا على قمة الهرم التطوري. إنها لنكتة ولا شك. فالطبيعة لا تضع في حسابها أهرامات وأولويات. وفي نسيجها العضوي لا تمنح النحل مثلاً تفوقاً على النمل أو الغزال أو الجراد أو السمك.

وليس لدى الطبيعة قوانين ضابطة لصيرورة عشوائية أو فوضوية أو شواشية. فالنظام الذي ينجم عنها كما نراه ليس نظاماً بقدر ما هو تلاق في الاحتمالات الأكثر تواتراً على مدى ملايين السنين. والطبيعة تعمل على تشجيعه ليس من منطلق الوصول إلى نظام يعكس معرفة إلهية أسبق بقدر ما تعمل على العكس تماماً على بناء معرفة إلهية تتشكل في كل آن.

وبهذا المعنى، فالطبيعة لا تعترف بسلطة عليها، لا إلهية ولا بشرية. ففي النهاية نحن من يلعب هذه اللعبة مع أنفسنا ونحن نلعبها لوحدنا. وإن خسرنا فنحن من سيدفع الثمن. أما الطبيعة فستعمل على الاستمرار مع محاول عدم تكرار تجربة فاشلة... هي الإنسان.

ولهذا، طُرح مؤخراً نموذج للعلاقة بين الإنسان والطبيعة يظهر فيه الإنسان طفيلياً على الغلاف الحيوي للأرض. ويستنتج النموذج من ذلك القاعدة السلوكية التالية: على الطفيلي أن يعيد تنظيم عمله وحركته بحيث لا يجعل مضيفه غير قادر علىمنحه حاجاته للاستمرار. وحتى هنا، لا زلنا نرى هذه النظرة المتعالية للإنسان، الذي يريد تصحيح الأمور فقط ليكون بمأمن من الجوع أو الموت.

إن فهم المسارات المحلية لهذه الإنسانية العالمية، ومساهماتها في المسار الشامل للأرض، وذلك بإعادة تأليف سلاسل صيرورة بعيدة المدى زمانياً ومكانياً، ذلكم هو مشروع علم بيئة تصالحي ينطلق اليوم ونرجو أن يصل إلى ردم الفجوة بين الإنسان والطبيعة.

يجب أن نقبل أنه لم يعد هناك الإنسان من جانب، والطبيعة من الجانب الآخر. وهنا يظهر أن دور الجانب الأخلاقي لا يقل أهمية بل يفوق دور المعارف المتوفرة.

ومن هنا فإن العمل على إعادة النظر في بنيتنا الأخلاقية والنفسية مطلب أول لمحاولة الحد من تسارع الكارثة الوشيكة. ولعل العمل على الأشياء البسيطة والصغيرة يعطي نتائج عظيمة. نحن بحاجة إلى العودة إلى الطبيعة، دون التخلي عن إنجازاتنا الحضارية، إنما بالتأكيد مع التوقف عن الانغماس أكثر فأكثر في استهلاك عقيم يغير من شرطنا الإنساني نفسه ومن معنى وجودنا في الطبيعة.

إن العلم يقدم تفسيرات وقتية ومرحلية، ويقترح مناهج لتطوير التفسيرات، وتعديل فجوة اللايقين. وهذا يعني أن العلم يساهم في اختيارات المجتمع لكنه لا يملك أية شرعية لدعم خيار على آخر. ففي كل لحظة على البشر أن يبنوا مشروعهم، أي أن يختاروا برنامجاً للمصالحة تكون له آثار مأمولة على المستويين المحلي والعالمي. وهكذا فهم يساهمون يومياً في رسم المسار اللاعكوس للكوكب وللحياة عليه.


[a] راحع العدد الخاص حول التنوع الحيوي من مجلة La Recherche, no 333, 2000.

[b] هو الـ World Conservation Union، أو الـ IUCN: أسس في عام 1948، وهو ينشر على صفحة الانترنت الخاصة به قائمة تعدل باستمرار للأنواع المهددة. الموقع هو: www.iucn.org.

[c] حول الـ PVA (تحليل القابلية الحياتية لمجموعة ما من الكائنات) انظر على سبيل المثال في موقع الأنترنت لجامعة كولورادو http://www.cnr.colostate.esu/~gwhite/pva/index.htm

[d] Nature 403, 853, 2000

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •