الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

آفاق علم الكونيات

موسى ديب الخوري

 

حققت علوم الكونيات والفيزياء الفلكية والفلك خطوات جبارة خلال الثلاثين سنة الأخيرة، إذ كانت تتقدم بسرعة هائلة وهي تكتشف الهوة الهائلة التي تنفتح أمامها. ذلك أن الأرصاد لا تنفك تطرح أسئلة جديدة تكون أحياناً أوسع بكثير من النظرية نفسها. هل سيستطيع النموذج المعياري أن يقاوم القفزات الجديدة؟ وهل هناك نظرية جديدة تتحضر في الأفق؟

 

ما هو البحث الرئيسي الذي تتمحور عليه الكوزمولوجيا منذ ثلاثين سنة؟

كان علم الكونيات في الستينات فرعاً شبه جدلي يرتكز على القليل من المعطيات والعناصر. وكان الجدل محتدماً في تلك المرحلة بين مؤيدي الكون الستاتيكي ومؤيدي الانفجار الكبير. أما اليوم، فإن المعطيات التي زودتنا بها الأرصاد أو التي انهمرت علينا إن صح التعبير مع تطور التقنيات سمحت لنا ببناء نظرية متجانسة لا تترك مكاناً كبيراً للجدل حولها. ووفق هذه النظرية تم بشكل نهائي وحاسم التخلص من نظرية الكون الستاتيكي. ونحن نؤكد اليوم بشكل يقيني أن الكون تطور تطوراً كبيراً، وخاصة في بدايته حيث انتقل من وضعية كان فيها فائق الكثافة والحرارة ولا يشبه في شيء ما نراه اليوم أو نعرفه عن الكون. كذلك لدى العلماء اليوم مؤشرات جيدة فيما يتعلق بالتطور المستقبلي للكون، ويبدو أن هذا التطور سيتجه بالكون أيضاً إلى شكل مختلف جذرياً عما نعرفه عنه اليوم. ولا شك أن ذلك يعد تقدماً كبيراً في معرفة الكون خلال فترة قصيرة جداً لا تتجاوز بضعة عقود.

 

هل يحق لنا بالتالي أن نعتبر أننا بتنا نعرف تاريخ الكون ولو ضمن حدود معينة؟

للأسف لا يزال ينقصنا  الكثير حتى يمكننا القول إننا نعرف تاريخ الكون. وعلى الرغم من أن النظرية المعيارية ارتكزت على الكثير من الأرصاد، لكن لا يزال هناك الكثير من الفجوات الواسعة في معرفتنا لتاريخ كوننا. وعلى سبيل المثال فإن العلماء يعتقدون أن 95 % من مادة الكون موجودة على شكل لا يزال غير معروف في طبيعته وغير معرّف. وتسمى هذه النسبة من الكون غير المرئي ومن الوقائع الفيزيائية التي لا نفقه شيئاً عنها بعد بالمادة السوداء والطاقة السوداء.. وبعبارة أخرى فإننا نزعم أننا نملك نظرية متماسكة ولكننا لا نعرف عم تتكلم تحديداً باستثناء الـ 5 % مما نراه من المادة! أفلا يمثل ذلك فضيحة فكرية؟ ألا يعني ذلك أننا في مأزق؟ ألا يذكرنا ذلك إلى حد ما بالفترة التي سبقت ظهور الفيزياء النسبية والميكانيك الكوانتي؟ تلك الفترة التي كان يعتقد فيها بمعرفة الأجوبة على كل شيء أو يكاد في الكون؟

لا شك أن إمكانيات الرصد والحساب لا تزال تحمل الكثير من المفاجآت والإمكانيات. لكن ليس ثمة ما يضمن أننا سوف نستطيع الإجابة على الأسئلة التي تظل معلقة أو كامنة، وأننا سوف نستطيع القيام بذلك في إطار النظرية المعيارية.

 

ما الذي يجبرنا على القبول بوجود المادة السوداء؟

ما يجبرنا على ذلك هو الأمر المعروف منذ الثلاثينات من القرن الماضي، أن الحشود المجرية مستقرة على الرغم من أن كتلها المرئية غير كافية لتفسير هذه الاستقرارية. وينطبق الأمر أيضاً على المجرات نفسها التي كان يفترض أن تتفكك وتتبعثر. وكان كل من أوسترايكر P. Ostriker  وجيمس بيبل J. Peebbles قد اقترحا منذ عام 1974 أن الجزء الأساسي من كتلة الحشود المجرية لم يكن يوجد ضمن الأقراص المجرية نفسها، بل في هالة عاتمة تحيط بالحشد المجري على شكل "مادة سوداء" لا يمكن رصدها بالمراصد[1]. وقد أخفقت عشرات المحاولات منذ ذلك الحين لرصد هذه الكتلة الناقصة في الكون. وفي كل الأحوال فهي لا توجد على شكل نجوم أو أقزام بنية أو كواكب أو سدم غازية أو مجرات معزولة. فلا بد بالتالي من البحث عن إمكانيات أكثر غرابة.

 

إذا لم تكن المادة السوداء مادة عادية نعرفها، فمما تتألف؟

ليست لدينا أقل فكرة عن ذلك. ولن نعرف معرفة يقينة طبيعة هذه المادة العاتمة إلا إذا أمسكنا بها مسك اليد في أحد مسرعات الجسيمات على سبيل المثال. ومن الممكن ألا يحصل ذلك أبداً. لكن ذلك لن يمنع العلماء من البحث عن حجج تبرهن على وجودها بشكل غير مباشر. وهناك الكثير من القياسات التي لا بد من القيام بها في علم الكونيات ومن الاستنتاجات التي لا بد من استخلاصها من هذه القياسات! ولنأخذ ظاهرة العدسات الثقالية على سبيل المثال. فهي تفتح أعيننا على طبيعة العالم الفيزيائي. كانت الصور في البداية غير واضحة ومن الصعب تفسيرها. أما اليوم فقد قام التلسكوب الفضائي هبل بشكل خاص بنجاحات هامة، فما الذي أمكننا رؤيته بواسطة المراصد الحديثة؟ في وسط الصورة نجد حشداً من المجرات ذات التوزع غير المنتظم أبداً، ثم نجد على محيط دائرة كبيرة حول هذه "النثارات المجرية" من الأضواء أقواساً ذات انتظام مدهش. وتشكل هذه الأقواس صورة مجرة موجودة بعيداً خلف هذا الحشد والتي تنحرف أشعتها الضوئية بواسطة كتلة الحشد الذي يلعب هنا دور العدسة الثقالية. إن هذه الصورة تمثل وهماً بصرياً بالتالي. لكن السؤال الجوهري هنا هو: لماذا تكون الأقواس منتظمة في حين أن العدسة نفسها (الحشد المجري) غير منتظمة البنية؟ فلو كانت كتلة الحشد كلها متركزة فعلاً في هذه "النثارات من المجرات" المرئية التي يتكون منها، فما كان يمكن لها أن تنتج صورة شبحاً بمثل هذا الانتظام. لكن ليس هذا هو الحال كما نرى. ويرى العلماء هنا أن ذلك يشكل برهاناً ساطعاً على أن الكتلة موزعة بشكل منتظم في الحشد حتى وإن لم يكن الضوء موزعاً بانتظام فيه. وفي هذا الحشد المجري نرى نثارات، لكن الجاذبية تقول لنا إن الكتلة فيه متجانسة. والضوء والكتلة شيئان مختلفان، فلا يجب اعتبار أحدهما مكان الآخر، ومن أجل موالفتهما معاً لا بد من حل هو : المادة السوداء.

 

على الرغم من أن العلماء الكونيين غير سعيدين بقولهم لنا إن المادة المرئية لا تمثل سوى عشر المادة الكلية في الكون، لكنهم يؤكدون لنا بالمقابل أن مجموع المادة (المرئية والسوداء) لا يمثل سوى ثلث الطاقة الكلية المحتواة في الكون. فباقي الطاقة، أي ثلثي طاقة الكون، هو على شكل طاقة سوداء أو عاتمة، بمعنى آخر مجهولة. ما هو مصدر هذا الافتراض؟

مرة أخرى الفكرة ليست جديدة كلياً. فأينشتين كان قد أدخل في معادلاته ثابتة كونية. وكان قد صنعها يدوياً إن جاز التعبير لكي يوازن الجاذبية ويؤمن السمة السكونية للكون. وعندما تم إثبات أن الكون يتوسع سقطت الثابتة الكونية وأهملت. لكن العلماء يعيدونها اليوم إلى الواجهة لأنها تعبر عن مفهوم جديد فرض نفسه من خلال الأرصاد. فقياسات حديثة لسطوع نوع معين من السوبرنوفا بينت أن الأبعد بينها أقل لمعاناً مما تتوقعه النظرية[2]. ومن هنا تم الاستنتاج أنها أبعد من المتوقع، وأن الكون لا يتوسع فقط بل وأن توسعه يتسارع. إنها استنتاجات دقيقة جداً ومبنية على الحسابات والقياسات والأرصاد. ولا بد مع ذلك من البرهان عليها بشكل نهائي. ولكن إن كان هذا هو الحال فإن ذلك يفترض وجود طاقة "نابذة" أو "دافعة" تملأ الكون. ولم يكتشف العلماء هذه الطاقة العاتمة أو السوداء كما سميت حتى الآن. وهم يعرفون فقط أنه إن لم تكن نظريات الكونيات خاطئة كلياً فإن هذه الطاقة يجب أن توجد. وإن كان جيمس بيبل لا يقول إنها توجد يقيناً، لكنه يرى أن وجودها إمكانية قوية.

 

أليس من المقلق القول إن علم الكونيات كله مبني ومرتكز على الرأس الصغير المرئي من جبل جليدي يختفي 95 % منه في المجهول؟

بلى، وهو ليس غير مرئي فقط بل وغير مؤكد الوجود! فحتى اليوم لا يوجد برهان لا على المادة السوداء ولا على الطاقة السوداء، بل مجرد دلائل. ولكن لماذا يجب أن نناقش إلى ما لا نهاية هذه المؤشرات الضعيفة؟ السبب ببساطة أننا لا نملك سواها حتى اللحظة الراهنة. فمن المستحيل بالنسبة للعلماء التجريب على المستوى الكوني، مثل السفر نحو مجرة أخرى أو تصنيع انفجار كبير. إن عالم الفلك والكونيات أشبه بطفل في متجر للخزف، فهو يستطيع النظر لكن ممنوع عليه اللمس. إنها إعاقة ثقيلة جداً على العلماء، لكنها لا تمنعهم مع ذلك من التقدم. يقول جيمس بيبل: "أنا متشكك جداً تجاه علم الكونيات الاستكشافي، والذي يزعم أن يتحدث عن مستقبل الكون، لأنه ليست لدينا عناصر كافية بين أيدينا للحديث حول ذلك. بالمقابل يمكننا التفكر حول تاريخ الكون، لأن كل ما تم إنتاجه في الماضي يمكن أن يكون قد ترك أثراً ما. فعلى العلماء أن يكتشفوا وأن يبنوا شيئاً فشيئاً إطاراً نظرياً قادراً على تفسير كل شيء"!

 

ماذا يمكن القول عن بدايات الكون؟ هل أصبح سيناريو البداية ثابتاً ونهائياً؟

لا تزال لحظة البداية نفسها، اللحظة صفر من عمر الكون، خارج حقل الفيزياء ولا تزال تحتفظ بكامل سرها، وذلك ببساطة لأن نظرياتنا لا تعمل عندما يصبح الضغط أو درجة الحرارة لانهائيين. فلا يمكننا قول شيء حول تلك اللحظة. أما بالنسبة للحظات التالية للبداية مباشرة فثمة ميل بين العلماء إلى سيناريو التضخم inflation. وتتمثل قدرة التضخم في أنها تولّد بشكل طبيعي لاتجانسات صغيرة ضرورية من أجل إطلاق صيرورة تشكل البنى تحت تأثير الثقالة. فإذا أردتم تشكيل مجرة فلا بد من الانطلاق من تشوه أو خلل بسيط في الكون البدئي. إن التضخم، هذه المرحلة السريعة جداً من التوسع التي شهدها الكون بعد جزء من الثانية بعد الانفجار الكبير، هو الذي أنتج هذه اللاتجانسات أو هذه "البذور" في بداية التخلخلات fluctuations الكمومية. والمشكلة تكمن في أن هذا التضخم ينتج هذه اللاتجانسات بشكل دقيق وكامل، أي على الطريقة التي نحتاج إليها. إنها بعبارة أخرى نظرية يمكننا التحكم بها وتعديلها من أجل إنتاج بنى نراها ابتداء من كافة الشروط البدئية الممكنة تقريباً. وبهذا المعنى، فهي ليست نظرية حقيقية، بل بالأحرى تاريخ "قابل للتعديل" طالما أنها تتناسب وكافة الحالات. ويكفي من أجل هذا تغيير بعض العوامل أو المعايير. بل إن بعض النمامين يقولون إن نظرية التضخم ليست حتى ذات أساس رياضي صلب. ومع ذلك فإن الآلية المقترحة وفقها آلية رفيعة جداً وفعالة جداً بالنسبة للنظريات الكوزمولوجية. وعلى أية حال فليس لدى العلماء حالياً نظرية أفضل منها.

 

هل لدى العلماء وسائل تجريبية لاختبار نظرية التضخم؟

يمكن التشكيك دائماً بصحة وسلامة هذه الاختبارات طالما أن التضخم يمكن أن "يبتلع" أو "يهضم" كافة الأرصاد! ومع ذلك فقد حملت لنا دراسة التخلخلات في الخلفية الإشعاعية الكونية عناصر مثيرة: فالصفات هذه التخلخلات متوافقة تماماً مع النسخة الكونية التي ترتكز على التضخم، وهي الأبسط والأولى التي يجب أن يأخذها العلماء بالاعتبار في أي تفسير كوني حالي. فهكذا، إذا أخذنا هذه النسخة الكونية الأولى أو البدئية، وقمنا بتخليق بعض اللاتجانسات، فلا بد أن تندرج هذه الأخيرة في الإشعاع الكوني البدئي على شكل تشوهات أو تخلخلات تكون هي بالضبط التشوهات أو التخلخلات التي نرصدها. لكن هذا لا يعتبر برهاناً علمياً، بل هو إن صح التعبير نوع من التشجيع الأكيد أننا على الدرب الصحيح. وهناك اختبارات أخرى يجري العمل عليها، وبخاصة التوقيع الذي على شكل استقطاب اكتشف مؤخراً في الإشعاع الخلفي للكون[3] [4]، لكن أياً مما سبق لن يكون حاسماً لأنه يمكن دائماً الإحاطة بأية نتيجة سلبية وذلك بتسوية المعايير والمعاملات. وما يلزم من أجل ذلك هو التقدم في فهمنا للفيزياء الجوهرية، بحيث أن التضخم ينبثق على أنه نتيجة من نتائج النظرية. ومع ذلك فإننا لا نزال بعيدين عن مثل هذا الفهم.

 

هل يفسر النموذج المعياري بشكل جيد تطور المجرات؟

ليس بشكل جيد جداً، ولكن يجب أن نعلم من أين نأتي! فمنذ ثلاثين سنة لم نكن نعرف حتى سوى مجرة واحدة يمكن أن تتطور. ولم تكن مراصدنا وتجهيزاتنا تسمح لنا بالنظر إلى البعيد جداً في الكون لكي نكتشف مجرات فتية جداً (ولا يجب أن ننسى هنا أننا كلما نظرنا أبعد في الفضاء كنا ننظر أبعد في الزمن، أي أننا ننظر إلى الماضي بطريقة ما، لأن الضوء قطع هذه المسافة خلال زمن أطول حتى وصل إلينا)، وكانت المجرات بالتالي تظهر لنا كلها وكأنها ساكنة وجامدة. أما اليوم فقد بات من الثابت والمعروف تماماً تطور المجرات، وذلك من منظور تجريبي ورصدي (حيث نرى مجرات تولد وأخرى فتية وأخرى هرمة...) كما ومن وجهة نظر نظرية حيث تم وضع نظرية تشرح مراحل تطور المجرات في سياق التطور الكوني. ولدى العلماء اليوم نموذج ينطلق من الفرضيات المتعلقة بالنظرية المعيارية الحالية (أي الانفجار الكبير والتضخم والمادة السوداء والطاقة السوداء التي تؤثر كثابتة كونية...) والتي تفسر بشكل مقبول هذا التطور للبنى الكونية من الأكثر بساطة إلى الأكثر تعقيداً. لكن مع ذلك فإن النظرية المعيارية لا تقدم تفسيراً  كاملاً. فعلى سبيل المثال، تقول النظرية أن المجرات العدسية لا يمكن أن تكون قد تشكلت إلا منذ فترة قريبة نسبياً. لكن الرصد يبين وجود مجرات عدسية قديمة. فأين يكمن الخطأ؟ لدى بعض العلماء ومنهم جيمس بيبل الشعور بأن نظرية الكون المعياري هي مجرد تقريب فظ أو مقاربة غير مكتملة. ففي كل مرة يطرح فيها العلماء فرضية كونية ـ وهم يطرحون الكثير من هذه الفرضيات طالما أنهم يسيرون بصعوبة في ظلام شبه دامس ـ فإنهم يأخذون الفرضية الأكثر احتمالية أو إمكانية، الأمر الذي يبدو منطقياً ومبرراً. لكن ما الذي يجبر الكون أن يكون بسيطاً؟ وهكذافإنهم ربما يمرون في هذه الحالة أمام سلسلة من الأمور لكنهم يعبرون دون محاولة التوقف والتدقيق فيها، لأنهم وجدوا في النهاية أن الفرضية الجديدة تلبي ككل التفسير الأقرب إلى الصحة الذي يريدونه. إن الشروط البدئية لم تكن ربما على النحو الذي أخذ به العملماء. وربما لا تكون خصائص المادة السوداء بالبساطة التي يبحث عنها العلماء. وكذلك الأمر بالنسبة لخصائص الطاقة السوداء. إن النماذج الكونية تتهذب وتتحسن مع مرور الوقت، ولا شك أن النموذج المعياري لا يزال مجتزأً جداً.

 

هل يعتقد العلماء أننا نقترب من رؤية شاملة ومتجانسة للكون، أم أن نقاط الاستفهام الكبيرة التي ظهرت حديثاً تقود إلى التساؤل في الأوساط العلمية إذا ما كانت الكوزمولوجيا علماً فعلاً، كما يقول العالم الإنكليزي مايكل ديزني[5] Michael Disney؟

لقد اختار ديزني التفسير المتشائم. فمن الصحيح أن نظريات الكوزمولوجيا ترتكز على فرضيات يمكن أن تقود في بعض الأحيان إلى تعميمات مغالية وخاصة إذا كان الأمر يتعلق بالتنبؤ بمصير الكون. ولا بد من الاعتراف هنا أنه يوجد عند بعض الباحثين ميل للجدل يحجب الأسئلة الأكثر جوهرية والتي يمكن أن يكون طرحها أكثر إفادة بل وإنتاجية. فعلى سبيل المثال يفضل بعضهم العمل على نظريات تتعلق بالصفات المتوقعة لأبعد المجرات، التي لم يتم رصدها بعد، بدلاً من دراسة المجرات القريبة منا دراسة تفصيلية والتي ستكون مع ذلك دراسة أساسية جداً من أجل الانطلاق منها كقاعدة للمقارنة. وبهذا المعنى، يمكن أن ننتقد علم الكونيات بأنه يتوسع إلى خارج حدوده الشرعية. ومن جهة أخرى فإنه ليس من غير المجدي طرح أسئلة تتجاوز حدود وسائل الرصد والتجهيزات التي يمكن الإفادة منها. ففي بعض الأحيان تكون فكرة جديدة هي التي يمكن أن تعيد توجيه الأبحاث بشكل كامل. ومع ذلك، فإن وسائل البحث تظل محدودة مهما تطورت. فعلى سبيل المثال هناك فترة زمنية لاستخدام المراصد، وميزانيات خاصة بمشاريع البحث يمكن أن تتقلص أو حتى تنتهي، إلخ. وهكذا يكون من الضروري والأفضل أحياناً الاختيار بين مشروعين، وانتقاء المشروع الذي يوفر مؤشرات مادية أكثر. وكلما كان العلماء أقدر على طرح أسئلة ذات صلة قوية بالأرصاد فإن النواة الأساسية والصلبة لعلم الكونيات لن تنفك تتطور وتكبر: فمنذ عقود قليلة كان البحث يتمحور على التطور والتوسع الكونيين وعلى البنى على مستوى الكون الكبير، بينما يتركز البحث أكثر اليوم على مسائل المادة السوداء والطاقة السوداء والتضخم، إلخ.. إن عدد الفرضيات التي علىالعلماء اليوم وفي المستقبل القريب اختبارها يتضاعف كما يبدو بأسرع مما تزداد المعطيات المتوفرة، الأمر الذي لا يمكن اعتباره عنصراً ضد علم الكونيات وآفاقه المستقبلية بقدر ما يتبدى كدعوة للعلماء إلى مضاعفة جهودهم وإلى المؤسسات الدولية والحكومات لرصد المزيد من الميزانيات لأبحاث الكون.

 

هل يمكن للنظرية المعيارية للكون أن تضمّن فيها الأرصاد المستقبلية، أم سيكون عليها بالأحرى إخلاء المكان لنظرية جديدة؟

برأي جيمس بيبل، لا تزال هذه النظرية تمسك بخيوط التفسير الكوني. ولا شك أنه يوجد لاتجانسات وفجوات فيها، إنما التي تتعلق بالتفاصيل أكثر منها بالنظرية عموماً وبالتفسير العام للكون. ولذلك يعتقد جيمس بيبل وكثيرون غيره من كلاسيكيي الكوزمولوجيا أنهم سيتفاجأون إذا ما وجدوا أنهم سيضطرون للتضحية بهذه النظرية من أجل تفسير هذه الإشكاليات فيها. لا شك أنه من المحتمل دائماً حصول ما يشبه التحول المسرحي. ومن الممكن أن يكون هؤلاء العلماء مخطئين تماماً، وأن الطاقة السوداء غير موجودة أصلاً. ولكن لكي يتم التخلي فعلاً عن هذا الصرح الكبير المتمثل بالنظرية المعيارية للكون فلا بد أن يكون هناك سبب خطير فعلاً يتعلق بمفاهيمنا الأساسية عن الكون.

 

هل يمكن مثلاً أن يكون السبب الاكتشاف الذي تم منذ سنوات قليلة والمتعلق بتغير في إحدىالثوابت الأساسية في الفيزياء؟

كان يعتقد أن هذه الثابتة أساسية، فهي تحدد كثافة التفاعلات الكهرمغنطيسية. لكن علماء فلك اكتشفوا وجود تغيرات فيها، وسرعان ما تزعزع علم الكونيات كله[6]...

يعمل العلماء وخاصة الفيزيائيون والكونيون منهم على إيجاد ثوابت أساسية لا تتغير يمكن الاستناد إليها في تفسيرهم للكون والظواهر الطبيعية. ولكن في عام 1999 أدت دراسة طيف سدم غازية تقع على خط النظر إلى نجوم بعيدة جداً هي الكوازارات إلى الكشف عن تغيرات في إحدى الثوابت الفيزيائية الأساسية. وهي التي تسمى ثابتة البنية الدقيقة. وينتج اسمها عن الانقسامات الفرعية في خطوط الطيف للذرات في مركبات متعددة كانت تستخدم في تحديدها. لكن معنى هذه الثابتة أكثر عمقاً على مستوى الكون. فهي تقيس كثافة التفاعلات الكهرمغنطيسية. وهكذا فإنها تعرّف بشكل أدق على أنها كثافة التزاوج بين الحقل الكهرمغنطيسي والشحنة الكهربائية الأولية.

وبنتيجة هذه الأبحاث التي تمت بمساعدة التلسكوب العملاق Keck I في هاواي، ينتج أن هذه الثابتة شهدت خلال العشرة مليارات سنة الأخيرة زيادة من رتبة جزء من مائة ألف. وأمكن نشر نتيجة أكثر تفصيلاً في عام 2001 من قبل الفريق نفسه. ويبدو هذا التغير طفيفاً في مقدار هذه الثابتة، ولا يزال العلماء ينتظرون تأكيداً جديداً له بواسطة طرق رصدية جديدة. لكن مجرد الإعلان عنه أدى إلى صدمة كبيرة في أوساط العلماء الكوزمولوجيين بشكل خاص. ذلك أن قيمة ثابتة البنية الدقيقة التي تسمى ألفا ά مرتبطة بشكل وثيق بكميات أخرى تعتبر هي أيضاً ثابتة وأساسية. فهي تساوي مربع الشحنة الكهربائية الأساسية مقسوماً على حاصل جداء ثابتة بلانك وسرعة الضوء في الفراغ. وكما نعلم فإن هذه القيم حاضرة في معظم المعادلات الفيزيائية والكونية. وهكذا فإذا كانت ألفا تتغير فهذا يعني أن الثوابت الأخرى أو واحدة منها على الأقل تتغير أيضاً.

 

أين تكمن التغيرات التي أدت إلى تغير ثابتة البنية الدقيقة؟

حتى الآن لا يقدر العلماء إمكانية وجود تغير في ثابتة بلانك التي تعتبر أحد أعمدة الفيزياء الكوانتية. وهكذا تجري النقاشات حول إمكانية وجود تغيرات طفيفة في سرعة الضوء نفسها وفي الشحنة الكهربائية الأساسية. وكانت أول نظرية طرحت فكرة سرعة الضوء المتغيرة قد طرحت في عام 1993. وقد لاقت هذه النظرية وما تلاها من نظريات مشابهة رواجاً في الأوساط الكوزمولوجية لأنها شكلت نوعاً من المقاربات التي تردم الفجوات في النظرية الكلاسيكية للانفجار الكبير دون الحاجة إلى اللجوء إلى نظرية التضخم. وبالإضافة إلى ذلك فإن بعضهم يفترض هنا وجود حقل للطاقة يمكن مطابقته بهذا الشكل الجديد المسمى الطاقة العاتمة أو الجوهر الخامس. وهكذا، يمكن الربط بين التغير في ثابتة البنية الدقيقة والزيادة في التسارع الكوني الذي أصبح مثبتاً منذ سنة أو سنتين.

أما بالنسبة لإمكانية التغير في الشحنة الأساسية، فإن قياسها يتغير أساساً عند المستويات الدقيقة جداً، أو بعبارة أخرى عند وجود الطاقات العالية. لكنها تعتبر ثابتة مع ذلك عند الطاقات المنخفضة. ولكي تكون متغيرة لا بد من إضافة نوع من حقل جديد يمكن في هذه الحالة أيضاً أن يكون الجوهر الخامس للمادة أو الطاقة. وهو أمر ليس صدفة بلا شك كما برهن على ذلك في عام 1998. فتغير الشحنة الأساسية أو سرعة الضوء لا يعني شيئاً في ذاته. وسلوك هذه القيم النوعية إن صح التعبير يرتبط بشكل أساسي بالإطار النظري لعمل العلماء. وهكذا يمكن وصف فيزياء جديدة كامنة بشكل مختلف اعتماداً على هذه الفرضية أو تلك. وهكذا فإنه على الفيزيائيين والكونيين خلال السنوات القليلة التالية التخلص بلا شك من عدد من ثوابتهم الأساسية. وبالتالي لا يبقى سوى بعض الكميات الأساسية التي يمكن التعبير عنها بأرقام بسيطة، ومنها ثابتة البنية الدقيقة التي تساوي 1/137.

ومع ذلك فإن الفيزياء تنحو كما يبدو اليوم إلى الابتعاد أكثر فأكثر عن المقولة الفيثاغورية إن كل شيء رقم. ففي الفيزياء وخاصة الكونية منها يصبح كل شيء هو علاقة.

كانت العلاقات طيلة القرن العشرين بين الكميات التي تحددها النظريات الفيزيائية تبنى بمساعدة دراسة التناظرات. والتناظر يوافق مجموع التغيرات التي يمكن أن تتعرض لها نظرية، بينما يحافظ على العلاقات بين مختلف الكميات ثابتة. وهكذا يمكن أن نفهم التناظرات على أنها ضمانة هذه الاستمرارية للأشياء التي تحاول الفيزياء سبرها والتعبير عنها. ومن هذا المنظور، يصبح على العلماء النظر إلى ألفا كما وإلى ثوابت أساسية أخرى ليس كعدد بل كتعبير عن علاقة بين كميات. الأمر الذي سيؤدي لا شك إلى تغيير جوهري في أسس النظريات المقبلة. إن النظريات التي تشكل اليوم النموذج المعياري للجسيمات الأولية ترتكز بشكل كبير على مفهوم التناظرات. لكنها تترك 19 علاقة فيما بينها غير مفسرة، ومنها ثابتة البنية الدقيقة. وبالتالي فإن تغيرها غير مفهوم إذا لم يستطع العلماء الخروج من هذا الإطار. وهذا ما يقودهم فعلاً نحو تناظر أوسع وأشمل، وهو ما يسمى بالتناظر الفائق.

 

هل حلت نظرية الأوتار الفائقة كافة المشاكل المتعلقة بهذه العلاقات غير المفسرة؟

كانت الصياغات القريبة من نظرية الأوتار أكثر النظريات الناجمة عن هذه الفكرة كمالاً. فهي لا تترك سوى معامل واحد بلا تفسير مقبول، وهو الذي يقيس كثافة المزاوجة بين الأوتار. ودوره شبيه بدور ألفا. إن التفاعل بين الأوتار يستدعي أيضاً وجود حقل وسيط للتفاعل عبر وساطة وتر يسمى dilaton. إنه النسخة المتغيرة بشكل طفيف لهذا الأخ الأصغر، الغرافيتون المذكور في سيناريو ما قبل الانفجار الكبير من أجل تفسير التضخم الفائق الذي أدى إلى الانفجار الكبير نفسه. وهذا الوتر أيضاً هو الذي يمكن أن يشكل مظهر الجوهر الخامس. كما أن مختلف تجلياته الطاقية يمكن أن تبرر خصائص التفاعلات الكلاسيكية. وهو يثبت بشكل خاص قيم ثوابت التزاوج مثل ά ويتحكم بالتالي بصيرورة الظاهرات الفيزيائية والكونية. ومع ذلك فثمة في هذا المفتاح الأساسي لنظرية الأوتار الفائقة خلل بسيط: فهو غير مستقر. وهكذا فليست فقط تغيرات القيم مثل ά هي التي لا نستطيع تفسيرها حالياً بل وأيضاً ما تنطوي عليه من أساس وتري أساسي. وربما يكون مفتاح هذا اللغز هو معرفة قيمة ثابتة تزاوج الأوتار. ويبدو أن هذه الثابتة في النهاية هي التي تتحكم في بناء الصرح الكوني كله.

لكن الأمر لا يبدو بهذه البساطة. فنظرية الأوتار الفائقة غارقة بسلسلة من الجسور أو الثنائيات، وهو أمر يشهد على تكافؤات بين توصيفات نظرية مختلفة للواقع الفيزيائي نفسه. إن قيمة ثابتة التزاوج في هذه النظرية يمكن أن يتعلق بالتالي بالمنظور النظري المعتمد! وأخيراً فليست هذه الثابتة هي التي تملك الكلمة الفيصل. بل إن هذه الشبكة من الثنائيات هي التي تكشف عما يشكل حقيقة نظرية الأوتار وذلك إلى ما وراء صياغاتها المقاربة. وعندها يجري الحديث عن النظرية M التي توسع المنظور العام لنظرية الأوتار بإدخال كينونات غريبة جداً هي الأغشية branes. فعلى عكس نظرية الأوتار لا ترتكز هذه الأغشية إلا بشكل ثانوي جداً على مبادئ الانحفاظ المتعلقة بخصائص التناظرات. بل هي محكومة بالأحرى بمبادئ تتعلق بخصائص الفضاء. ومن هنا ولادة طريقة غير مسبوقة في التفكير وفي إعداد نظريات الفيزياء المستقبلية.

وتتجلى أهمية هذه النظرية عندما نواجه علاقة ممكنة بين هذا النمط الجديد من وصف الظاهرات الفيزيائية والنمط القديم. ويرجع مصدر هذه النظرية إلى مخمنة صيغت في عام 1993 على يد غيرهارت هوف Gerard ‘t Hoff (نوبل فيزياء 2000)، ووفقها أن الفيزياء التي تعمل في منطقة محددة من الفراغ يمكن أن توصف توصيفاً كاملاً على الحدود التي تحدد هذه المنطقة.

 

هل يمكن وضع خاتمة لمثل هذه الأفكار عن الفيزياء الكونية المفتوحة على عوالم جديدة؟

إن هذا الجسر ذا النوعية الجديدة تماماً والذي يمكن القول إنه من جيل جديد من الأفكار الكونية والفيزيائية، يسمح بربط التوصيفات التي تمت في فضاءات ذات أبعاد مختلفة وتنتمي إلى منطقين مختلفين. إن هذه الوضعية تتشابه إلى حد كبير بالإجمال مع الوضعية التي نرصدها أيضاً في الظاهرات الهولوغرافية، حيث يتم تشفير المعلومة التي يحملها حجم ثلاثي الأبعاد مثلاً على سطح ذي بعدين. وكان هذا التصور قد سمح بحل بعض التناقضات في نظرية الثقوب السوداء. وهو يؤسس أيضاً لعلم كونيات جديد تماماً هو كوزمولوجيا العوالم ـ الأغشية. وفي هذه الرؤية الجديدة للكون، يمكن لنظرية للجاذبية من خمسة أبعاد، وهي نفسها نظرية لبنية الفضاء والمكان، أن تصف الفيزياء نفسها التي تصفها نظرية الأبعاد الثلاثة، التي تشبه النظرية التي يرتكز عليها النموذج المعياري للجسيمات الذي يرتكز بدوره على التناظرات.

إن هذه الهولوغرافية الكونية تذكرنا بمقولة أفلاطون الشهيرة، وهي أننا لا نلج إلى الحقيقة إلا عبر الظلال التي تسقطها على جدران الكهف الذي نقبع في أعماقه مقيدين. غير أنه ثمة فرق كبير بين الكوزمولوجيا الجديدة ومقاربة أفلاطون الفلسفية. فأفلاطون يحل مسألة الجوهري بأن يحدد المساحات الخاصة بالحقيقة والوهم. أما النظرية M فهي تشبه لعبة مرايا منحرفة تنقل ربما صورة الحقيقة الفيزيائية من مرآة إلى مرآة ومن وصف إلى وصف، لكنها حقيقة مقدر لها أن تظل معلقة في الفضاءات. ولعل أجمل ما فيها ربما أنها لا تقودنا إلى المركزية القديمة التي كانت تستبق نتيجة البحث بمصادرة الأسس التي نتصور أنه لا بد أن تبنى هذه الحقيقة عليها.

 

المراجع العامة

Dossier matière noire, La Recherche, janvier 2001.

James Peebles, " La cosmologie avance dans le noir ", La Recherche, no 363 avril 2003.

J.-O. Baruch, « Et pourtant, il accélère », La Recherche, février 2003.

H. Reeves, Dernieères Nouvelles du Cosmos, Le Seuil, coll. « Points Sciences », 2002.

Serge Jodra, « Le secret le mieux gardé de l’univers », science et vie hors série, n0 221, décembre 2002


 

[1] P. Ostriker et al., Apj Lett., 193, L1, 1974.

[2] S. Perlmutter et al., Nature, 391, 51, 1998.

[3] E. M. Leitch et al., Nature, 420, 763, 2002.

[4] J. Kowac et al., Nature, 420, 772, 2002.

[5] M. Disney, Gen. Rel. Grav., 32, 1125, 2000.

[6] Serge Jodra, « Le secret le mieux gardé de l’univers », science et vie hors série, n0 221, décembre 2002.

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •