الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

النظام والفوضى في العلم الحديث

موسى ديب الخوري

"قبل أن خُلقت السموات والأرض، أي في البداية الأولى، كان الكون بأسره فوضى جسيمة مائية مضطربة. ومن هذا الاضطراب المخيف خرجت كائنات إلهية بدائية إلى الوجود، بيد أنها كانت على كل حال من الفوضى والارتباك لايمكن وصفهما. ومرّت الدهور والأحقاب واتخذت الآلهة أشكالاً واضحة، وأخذت تعمل، وسرعان ما قررت زمرة منها أن تسنّ للفوضى نوعاً من القانون والنظام. وكانت هذه الخطوط مقدامة ولاشك أثارت خصومة الكثير من المعبودات المحافظة التي ظنت أن "النظام" القديم كان صالحاً جداً ويجب أن يستمر على  حاله. وقد جابه قرارها استنكار الآلهة تيامات Tiamat خاصة. وتيامات هذه هي أم الفوضى، وهي معبودة بشكل تنين يتجسم فيه الشر تارة والخير تارة أخرى. وعندما علمت تيامات بعزم الآلهة على جلب النظام إلى ملكها لتقضي به لا على سلطتها فحسب بل وعلى أبهتها، صممت على القتال، وأدركت أن وقته قد حان. وكانت قد خلقت من هذه الفوضى مردة جبارة لها أطراف حيوانات مختلفة تملك قوة مخيفة من الدمار. وهكذا دعت إليها زوجها وجيشها الفتي وتهيأت للنزال. وقد فزعت الآلهة الداعية للنظام أول الأمر، إذ أن المهمة التي تنادت من أجلها أصبحت مهددة لكيانها نفسه. وأخيراً تجرأ إله منها وتقدم إلى ساحة المعركة، وشهر أسلحته، وأمر الرياح الأربع الجبارة أن تحارب إلى جانبه. فتقدمت تيامات مشخصة بالفوضى، وفغرت فاها الرحيب لابتلاعه، فأتاحت الفرصة لهذا الإله الذي ساق على الفور الرياح القوية إلى فمها باندفاع شديد، فجعلت جسم الإلهة التنين ينتفخ لدرجة لم تعد تستطيع معها حراكاً. وعندئذ قضى عليها بأسلحته. ثم ظهرت المشكلة، وهي ماذا يجب عليه أن يفعل بهذه الجثة الهائلة. إنها هائلة الحجم ولها شكل يشبه القربة الكبيرة. وبعد تفكير طويل، قرر الإله شطر الجثة شطرينـأن، وجعل القسم الأول منها مسطحاً فكانت الأرض. أما النصف الثاني فقد ثناه فوق الأرض، فكانت السموات. وهكذا ماتت الفوضى وبدأ عمل النظام يستقر الآن في العالم. وقد أسر في المعركة زوج تيامات، وهو الإله كونكو الشرير، وكانت قوته قد تضاءلت بعد مقتل زوجه، فقطعت الآلهة رأسه، وخلقت البشر من طين التراب الممتزج بدمه."

يعكس هذا الملخص لأسطورة الخلق البابلية المحاور الأساسية التي سيدور بحثنا حولها. فمع رمزيتها الأسطورية، تطرح هذه القصة بوضوح تجذر وسيادة مفهوم النظام في عقلية الإنسان منذ العصور السحيقة. ومع ذلك، لم ينجح أحد حتى الآن في تحديد ماهية النظام أو الفوضى! كذلك فإن نسبية هذين المفهومين ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالكون وبمعرفتنا لبدايته ولنهايته ولقوانينه.

كان الهدف الأساسي للعلم حتى فترة قريبة اكتشاف نظام الطبيعة. غير أن العلماء يكتشفون الآن "الفوضى" في الطبيعة، في حين بدأت تترسخ فكرة إعداد "علم الفوضى". فهل تغيرت نظرة العلم، وكيف يجب أن نقدر وأن نفهم هذا التحول الذي يهدف إلى خلق نوع غير اعتيادي؟ وهل يمكننا أن نحافظ على مفهومنا الاعتيادي للفوضى إذا هي أصبحت موضوع دراسة علمية بل ومحددة بقوانين رياضية؟! وفي كافة الأحوال، هل يمكننا إعطاء الفوضى أي معنى دون اللجوء لمفهوم النظام؟ ثم ما سيؤول إليه عندها مفهوم النظام الكوني الذي ساد تصوراتنا الميثولوجية والفلسفية والعلمية حتى الآن؟ وأي موقع سيحتله الناس فيه، وهل سيقترن عندها مفهوم الحرية البشرية بمفهوم درجات الحرية في الفوضى؟!

يعترف أينشتين نفسه بأن نظرية النسبية تدين بالكثير لإلهام ديني. ويقول جان جاك روسو: "ولد علم الفلك من الأسطورة". ويشير القولان إلى وجود ذكاء شامل في العالم. إن الديانة الكونية التي تحدث عنها أينشتين، وأعطى مثالاً عليها في شخصيتي نيوتن وكبلر، تظهر كمصدر للطاقة الروحية في الوقت نفسه الذي تحدد فيه موضوعاً معرفياً (إبستمولوجياً): ألا وهو البحث عن النظام. ولاشك أن أسلاف هذه الثلاثية الخطية: كبلر نيوتن أينشتين قديمون جداً، حتى لانستطيع تقديم نقطة أولية لانطلاقتهم، ولابدّ أن الفيثاغوريين وإخوان الصفا مثلاً كانوا ينتمون لخطهم. كذلك فإن الفلسفة الأفلاطونية تمدنا بركيزة هامة لإبراز الأصالة الإبستمولوجية للأبحاث الحالية حول الفوضى. فكلمة كوزموس COSMOS اليونانية تعني النظام الكوني. وبحسب أفلاطون فإن التنظيم والذكاء يشكلان العالم الذي يحيطنا ويميزانه. فبرأيه أن الكوزموس هو نتيجة العملية التي تقوم بها قوة منظمة. ويقدم لنا تفسيراً موازياً للأسطورة البابلية. فثمة كائن إلهي يدعى ذميورغوس Démiurge قاد نوعاً من المغما التي لاشكل لها من الفوضى إلى النظام. وهكذا فقد اضطر إلى اللجوء إلى مادة أولية، إلى فراغ ما، بمعنى الفوضى المطلقة، أي غياب أي نظام أو كمونه. والحق أنه لم يكن ثمة فوضى حقيقية لأنه لم يكن ثمة نظام ليخرقها. واستطاع ذميورغوس تحقيق النظام بإدخاله للأشكال وللتناسبات الهندسية والبنى الرياضية. إلا أن العمل الناتج، أي العالم، خضع للصيرورة، للزمن والحركة الدائمة. وهكذا فإن عالمنا يشتمل على النظام والفوضى بآن واحد. فهو منظم ويخضع لقوانين محددة بفضل ذميورغوس. ومع ذلك فإن الاحتمالية قائمة فيه، لأن الفوضى وضعت بمجرد وجودها البدئي شروطاً بدئية منتظمة ومعقدة جداً بل وفوضوية بحيث لايمكن وصفها كذا فإن دراسة الفوضى لاتتطلب فقط مناظير ومفاهيم جديدة، بل وظهور حدس وحساسية جديدين. عندما سئل إيليا برغوجين I.Prigogine حول تمجيده للفوضى أجاب: "بل إنني على العكس تماماً، مقتنع أننا بحاجة إلى مخططات محددة وإلى مخططات احتمالية في آن واحد." ويوافقه بشكل آخر الرياضي إيفار يكلاند I.Ekland: "إن تحديدية قوانين الطبيعة لاتستبعد النزوة والصدفة واللامتوقع". فإذا كانت دراسة الفوضى تتطلب بالتالي التخلي عن رياضياتنا الأفلاطونية، لكن رياضيي الفوضى لايتخلون بالتأكيد عن كافة أشكال النظام. إنما هم لايفرضون النظام مسبقاً. فحساباتهم الخوارزمية تحتوي باستمرار على شكل من الذكاء والانتظام مهما كانت نتائجها غريبة. وهذا التغير الجوهري في أسلوب دراسة واختيار الظاهرة لايقتصر على الرياضيات، بل وعلى الثقافة والفلسفة بشكل عام. ومهمة رياضيات الفوضى الأساسية هي تقديم تشكيل قياسي يسمح بالوصف المباشر أو غير المباشر، الحقيقي أو الافتراضي، لمختلف أنماط الفوضى. ومن هنا فإن لغة الفيزياء ستنقلب. فبدلاً من التعامل مع الظاهرة من علُ، أي تطبيق النظام على الظاهرة أو على الحركة غير المفهومة لتفسيرها، فإن الفيزياء ستبدأ من الأدنى أي من الظاهرة، من الحركة الفوضى، لتفهم جوهر بنيتها الحقيقية، ولتكتشف نظامها الذي لايخضع إلى حدّ كبير لمقاييسنا الذاتية المبدئية.

والمثال الشهير على هذا التحول في المفهوم العلمي هو تطبيق مكسويل للحسابات الإحصائية على جزيئات الغاز ليتوصل إلى فهم وتحليل الآليات المخفية التي تسبب الحركات والصفات الظاهرية للغازات كالحجم والحرارة والضغط. كذا استطاع مكسويل استخلاص النظام من الفوضى التحتية، وكانت النتيجة الصاعقة بالتالي أن كثيراً من الحركات الظاهرية المنتظمة أو المحددة مبنية على أسس أكثر عشوائية. وكان من أسباب انتشار وتعمق هذا المفهوم مقارنة مكسويل لنظريته الحركية للغازات بالظاهرات الاجتماعية. وقد بين المؤرخ هنري توماس بوكل Henry Thomas Buckel أنه لو أخذنا مجموعات كبيرة بقدر كاف من البشر فإن عدد الوفيات والأمراض والجرائم والزيجات والانتحارات سيكون ثابتاً بشكل عام. وهذا الثابت بحسب بولتزمان يمكن تطبيقه على الأحداث التي تجري في حجرة مقفلة تحتوي على الغاز: "فالأمور، كما يقول، لايمكن أن تتم بشكل مختلف ضمن مجموعة من الجزيئات". وقد أعد الرياضي الإحصائي أدولف كيتليه A.Quételet (1874-1796) علماً جديداً بناء على ذلك هو الفيزياء الإحصائية الاجتماعية. هكذا أعادت الفوضى طرح نفسها بقوة على الفكر البشري، بعد أن قتلتها آلهة الأساطير.

جوانب من دراسة الفوضى

ثمة مشاهد كثيرة في الطبيعة تعد مثالاً للحركة الفوضوية. ونعدد منها مساقط المياه وتشكل الغيوم وحركاتها وتبخر المحيطات، وانفجار البراكين وتشكل السواحل والجبال ونمو الأشجار، وتقلب المناخ والدوامات النهرية، وتوزع الإلكترونات الحرة في المواد الصلبة وانطلاق غاز ما، وانتشار حريق أو وباء. هذا ناهيك عن كل ما يتعلق بالظاهرات الاجتماعية والاقتصادية والعلاقات البشرية الطبيعية. غير أن علم الفوضى الناشئ ينحو إلى دراسة هذه الظاهرات بالذات وإلى استخلاص قوانين لهذه الفوضى المحددة تساعد على فهمها بشكل أفضل. وسنحاول فيما يلي عرض بعض هذه الظاهرات ونتائج الدراسات حولها.

كانت المجموعة الشمسية تُعدّ مثالاً للانتظام في الكون. فقوانين نيوتن تسمح مبدئياً بتحديد ماضي المجموعة الشمسية كله، بل ومستقبلها ابتداء من معرفة الحاضر. وكان بوانكاريه أول من شكك بهذا الطرح اللابلاسي، مثبتاً تعقيد حلول معادلات الميكانيك السماوي ومبيناً حدود بعض المناهج التي يستخدمها علماء الفلك لحساب المسارات الكوكبية. ويبدو اليوم أن عدداً كبيراً من أجسام المجموعة الشمسية، بما فيها الكواكب والمذنبات والكويكبات، لها حركات فوضوية. ويعطي ذلك لعلماء الفلك إطاراً جديداً لفهم توزع الكويكبات والمذنبات الملاحظ، ويحدد من جهة أخرى إمكانية التنبؤ بمستقبل النظام الشمسي بفترة محددة. بل إن مسارات الكواكب البعيدة في هذا النظام تخضع لمناطق فوضوية تمر عبرها.

وإذا انتقلنا إلى البيولوجيا، فإن الأمر الثابت لدى العلماء هو أن الأنظمة البيولوجية محكومة بآليات لاخطية. وهذا يعني أن علينا توقع سلوك فوضوي على الأقل بقدر السلوك الدوري أو الثابت. علينا الاعتراف بحسب روبرت ماي Robert May إن كل نظام لاخطي بسيط لايتمتع بالضرورة بخصائص ديناميكية بسيطة. وينطبق ذلك على القوانين التي تحكم التغيرات الجوية، والتي يعبر عنها رياضياً بمعادلات تفاضلية غير خطية، مما يعني أن النتائج لن تكون متناسبة مع الأسباب. وبحسب حالاتها البدئية، يمكن للأنظمة اللاخطية أن تؤدي إلى نتائج مختلفة بعد مرور زمن معين، وتدعى هذه الحلول بالجواذب، ولتكن مثلاً مناخات مختلفة. وهكذا تبين إن إمكانية النبؤ بالمناخ محدودة جداً، والمسألة تتطلب ظهور قوانين جديدة تعكس مواصفات خاصة بالترموديناميك، كعدد أبعاد الجاذب مثلاً، وزمن التنبؤ، الخ.

غير أن دراسة ظاهرات أخرى كشفت عن تنوع وتعقيد الظاهرة الفوضوية. وأمكن في بعض الحالات استنتاج قوانين عامة تحكمها، أو تحديد مراحل معينة لظهورها. ففي تجربة فريدة أجريت على حركة التدوّم، دُرست دوّامة مبسطة إلى أقصى حدّ ممكن، وتبين أن المظهر الخارجي الفوضوي لها ينجم عن تشكيلات متتالية فائقة التعقيد يتناوب فيها النظام والفوضى والتدوّم! ومن جهة أخرى، سمحت طريقة التصفية، وهي النظرية التي تدرس انتشار وباء أو حريق أو مرض أو غاز، بإيجاد قوانين عالمية تحكم ظاهرات مختلفة، وقد دعيت بقوانين وباء الفوضى. وتبين من خلال هذه الطريقة أن اتصال مجموعتين عبر حدين، كمنطقتي انتشار وباء أو حريق، لايمكن أن يتم إلا إذا تجاوز نسبة 60% في كل منهما تقريباً. وبالمقابل، فإن التشكل العشوائي لحالات الاتصال بين الخلايا الشعرية الرئوية يخلق مجموعة من الممرات ذات الحجوم غير المتجانسة، إنما التي تبين تطابقها القصيمي، أي أن كل جزء صغير منها كان صورة مطابقة للجزء الكبير. ويسمح هذا النموذج الهندسي "الفوضوي" للعلماء بوصف دقيق لضبط تبادلات الجزيئات الكبيرة بين الدم والأنسجة.

وسمحت فيزياء الأجسام الصلبة بتطوير مناهج دراسة الانتقال الإلكتروني في صلب فوضوي. وبالمقابل فإن الترموديناميك والفوضى وعلم الدوامات موازيات تطورت كثيراً. وما بين هذين المجالين هناك مجال رحب لظهور أفكار جديدة. وكان من أهم نتائج دراسة إلكترونات المواد الصلبة الفوضوية ما يلي: كلما كانت الفوضى أكبر، كانت الخصائص الجهارية لمادة أقل تعلقاً بتفاصيل بنيتها المجهرية. وإضافة لذلك تبين أنه في جسم بلوري لاتشوهات فيه يكون الإلكترون، الذي يتصف بكلية الحضور في وسط فوضوي، متوضعاً على العكس من ذلك بدقة كاملة. ولمكن لهذا الحديث أن يقودنا إلى مقارنة بسيطة للفوضى في عالمي الميكانيك الكوانتي والميكانيك الكلاسيكي، وذلك تحديداً في مجال عكوسية أو لاعكوسية الحركة. فعندما ندرس توزع كرات البليارد على الطاولة انطلاقاً من تشكيل ثابت، نجد أننا نصل بسرعة إلى توزع فوضوي. والسؤال هل ضاعت في هذه الحالة ذكرى الحالة البدئية؟ بشكل مبدئي لا. فمعادلات الحركة لنظام فوضوي تكون محددة دوماً، ويمكن مبدئياً حلها بشكل عكسي. أي أن كل كرة فوضوية على طاولة البليارد يمكن أن تعيد نظرياً مسارها بشكل عكوسي حتى النقطة البدئية. أما عملياً، فالذاكرة البدئية ضاعت. وينجم هذا التعارض عن إحدى النتائج الغريبة للتباعد الأسي للمسارات. فمن المستحيل العودة بالزمن حسابياً بشكل دقيق، وذلك أن المسارات حساسة جداً لشروط البدء. وتدوير أو تقريب بسيط جداً في الأرقام، الأمر الذي لامفر منه في الحسابات، يُتَرجم بأخطاء أكثر فأكثر كبراً كلما جربنا إرجاع المسار إلى فترة ماضية أبعد. وهكذا يميل المسار لنسيان نقطة الانطلاق ما أن يصبح زمن المسير طويلاً نسبياً. وتلكم هي بالضبط علاقة الفوضى بالزمن كما سنرى لاحقاً. لكن على المستوى الكوانتي لانستطيع أن نأخذ بهذه العلاقة. فقوانين الفيزياء الكوانتية هي قوانين الريبة بجوهرها. ومع ذلك، فقد بينت تجارب حديثة على الحاسوب لذرة هيدروجين متأينة إمكانية الرجوع إلى الحالة البدئية بالضبط، بينما لم يستطع الحاسوب تحقيق ذلك وفق الحسابات الكلاسيكية. وتطرح هذه التجارب دون شك جانباً دقيقاً من مفهوم الفوضى على المستوى الكوانتي لايزال العلماء يحارون في تفسيره.

فيزياء الفوضى

ترتكز فيزياء الفوضى على الدراسات والتحليلات الإحصائية بشكل أساسي، والتي تطبق على ظاهرات تشمل عدداً كبيراً من العناصر التي لانعرف سلوكها بشكل جيد، إنما تتشابه رغم ذلك مع غيرها. وكلما كان عدد العناصر أكبر، كانت النتائج الوسطية أفضل، مما يؤدي إلى ظهور القوانين الوسطية التي يمكن تطبيقها على الديمغرافيا والبيولوجيا وعالم الجسيمات والألعاب والاقتصاد ومجالات أخرى كثيرى لاتخطر لنا على بال. وقد أسس هذه الفيزياء لودفيغ بولتزمان :L.Boltzmann (1906-1844). ويسعى الميكانيك الإحصائي لفهم خصائص المادة على المستوى الماكروسكوبي انطلاقاً من وصف ميكروسكوبي. وصعوبة دراسة العالم المجهري تتأتى من أعداد عناصره الهائلة. فلدراسة ا سم3 من الماء. علينا أن ندرس عدد أفوكادور من جزيئات H2O التي يحويها، أي 1023 جزيء تقريباً. فكيف يمكن دراسة تأثير كل جزيء على المستوى الجهاري؟ إن ذلك ممكن فقط كون هذا التأثير مهملاً، وإلا لما أمكننا حل هذه المسألة لأن أي حاسوب لايستطيع دراسة عدد مماثل من العناصر دفعة واحدة.

إن المثال الكلاسيكي في دراسة الفيزياء الإحصائية هو مثال الجسيم المتحرك بشكل عشوائي انطلاقاً من نقطة ثابتة. وإذا اعتبرنا أن سرعته وخطواته متساوية، إنما اتجاهات سيرة عشوائية، فسنكون أمام احتمالات هائلة، فكيف إذا غيرنا سرعته أو خطواته أو أبعاد الفراغ الذي يتحرك فيه، أو إذا تعددت العناصر المتحركة؟ والسؤال الذي يُطرح هنا، بعد ن خطوة على أية مسافة سيوجد السائر بشكل وسطي؟ وما هو الاحتمال إذا حددنا الفترة الزمنية للمسير لكي يصل إلى نقطة معطاة؟ وما احتمال تلاقي سائرين؟ وما هي الفترة الزمنية التي تفصل التقاءين متتاليين؟ إن هذا المثال يمكن أن ينطبق على ظاهرات كثيرة كانتشار الحرارة مثلاً. لنحاول الآن تحديد الإطار الذي يعطيه الفيزيائيون لمفهوم الفوضى، ولنأخذ غازاً في حالة التوازن ضمن حجرة مغلقة. تشبه الجزيئات فيه بتدافعاتها الحركة الفوضوية التي يمكن لمجموعة كبيرة من الكرات الصغيرة تشكيلها وهي تنقذف عشوائياً في مكان محدد. وهنا يبرز مفهوم العشوائية مما يحتم اللجوء إلى الاحتمالات وقوانين الإحصاء. كذا يبدو المفهوم الإحصائي رديفاً لاينفصل عن تعبير الفوضى، أكانت الاحتمالية فيزيائية أم بسبب قصر إدراكنا. غير أن صفة الاحتمالية غالباً ما تعكس نقص معلوماتنا. والحق أن إحدى طرق قياس الفوضى المقرونة بظاهرة فيزيائية يكمن في قياس نقص المعلومات المتعلق بها. وهذا يعطينا أول تمييز دقيق بين مفاهيم الفوضى والاحتمال ونقص المعلومات.

لقد سمحت الأبحاث الحديثة حول "الأنظمة الديناميكية" و"الفوضى" بإلقاء ضوء جديد على الفوضى ونقص المعلوماتية. كما وسمحت بربط مفهومين كانا يبدوان متناقضين: تحديدة القوانين التي تحكم نظاماً فيزيائياً ونقص المعلومات المتعلقة بهذا النظام. إن تعبير الأنظمة الديناميكية يشير إلى كل صيرورة متطورة زمانياً يتعلق فيها المستقبل بشكل محدد بالماضي، كالنظام الشمسي مثلاً. ففي هذا النظام تتحدد الحركة بمعرفة السرعات والمواقع الابتدائية للكواكب. وتسمى هذه الإحداثيات بدرجات الحرية. ويساوي عددها عدد الكواكب مضروباً بستة حيث لكل كوكب ثلاث مركبات سرعة وثلاث مركبات موقع. إن مجموعة من ن إحداثي تميز نظاماً خلال لحظة معطاة تعتبر مثل نقطة في فراغ مجرد من ن بعد، يُدعى فراغ المرحلة. ويمكن لهذه الإحداثيات أن تمثل بالنسبة للبيولوجي عدد أفراد مجموعة حيوانية، أو إشارة كهربائية للقلب، وبالنسبة للاقتصادي أسعار المواد الأولية، الخ... وتهدف الأبحاث حول الأنظمة الديناميكية بشكل أساسي لتمييز المسارات في فراغ المرحلة، وذلك عندما نتبعها خلال زمن طويل جداً، بل ولانهائي. وتحديد المسار ابتداء من شرط ابتدائي (أي الموضع البدئي للنقطة الممثلة في فراغ المرحلة) هو بالتأكيد المنهج المباشر للتنبؤ بشكل تفصيلي بتطور النظام. وكان يُعتقد أن حاسوباً ضخماً بشكل كاف يمكنه تحقيق ذلك بالدقة المطلوبة لكل مسألة من هذا الشكل. لكن فيما بعد تبدى خطأ هذا الاعتقاد.

من الأسئلة الهامة التي ظهرت في دراسة الأنظمة الديناميكية، كيف سيسلك النظام المعتبر إذا انتظرنا لفترة طويلة؟ هل سيصل إلى وضعية الجمود حيث لايتغير شيء بعد ذلك مع مرور الزمن؟ ذلكم ما يحصل مع نواس يفقد طاقته بالاحتكاك. أم أن النظام سينتهي إلى حركة دورية، كحركة الكواكب حول الشمس مثلاً؟ يوافق ذلك في فضاء المرحلة منحنى ينغلق على ذاته يُدعى "دوراً محدوداً"، بينما في الحالة الأولى يوافق كل التوقف نقطة ثابتة. لكن النقطة الثابتة والدور المحدود ومؤثرات جاذبة أخرى بسيطة هندسياً ليست الإمكانات الوحيدة. فثمة أنماط أخرى من الجواذب تدعى بالغريبة، وتكون مرتبطة بسلوك فوضوي لنظام ديناميكي. ولايمكن للجواذب الغريبة أن توجد إلا في فراغ مرحلة له أكثر من بعدين، ويكون لها بنية هندسية متشابكة وتحتل منطقة محدودة في فراغ المرحلة. غير أن الفوضى الهندسية لمثل هذه الجواذب ليست كلية، إذ تبقى آثار النظام الرياضي المتضمن في المعادلات ماثلة فيها. وثمة لهذه الجواذب بشكل خاص بنية منثنية، ومنثنية على نفسها مرات أخرى، بل وملتفة على نفسها عدداً لانهائياً من المرات. كذا فإن الجواذب الغريبة هذه هي عبارة عن قصيميات Fractals. والقصيميات هي بنية هندسية تحافظ على المظهر نفسه مهما كانت التضخمات التي تصيبها. ولابد لنا من وقفة مع هذه القصيميات.

كانت الهندسة حتى وقت قريب تعتبر جافة كونها لاتستطيع التعامل مباشرة مع نماذج طبيعية كالقيم أو الجبال أو الأشجار الخ. ومع ذلك، فثمة في عمل الطبيعة ما يشعرنا بأنه يرتكز على تفاصيل دقيقة. وهذا ما قاد بونوا ماندلبور B.Mandebort عام 1975 إلى وضع هندسة جديدة تختلف اختلافاً جذرياً عن الهندسة الإقليدية. ودعاها بهندسة القصيمات. والتسمية اللاتينية fractals مشتقة من الجذر franger الذي يعني كسر أو شرخ ومن الصفة fractus التي تحمل معنى اللاانتظام والتكسر. وأراد ماندلبور جمع هذين المعنيين في كلمة قصيم*. وهكذا فإن هذا المعنى بالنسبة لماندلبور يشتمل على الشكل والصدفة والبعد. ولم يكن أحد يتوقع ما أثارته هذه القصيميات في تطبيقاتها الرياضية والفيزيائية والبيولوجية. بل والفلسفية. فقد تبين أن لها أهمية فائقة في دراسة الظاهرات الفوضوية بشكل خاص. ونميز رياضياً بين حجوم هذه القصيميات التي تتراوح بين المتناهي في الكبر والمتناهي في الصغر. فإذا لم يكن القصيم محدوداً فإن حجمه الأعظمي يكون لامتناهياً في الكبر. وإذا كان محدداً بكرة فإن حجمه الأعظمي يتحدد بقطر هذه الكرة. وإذا لم يكن القصيم محدداً وكان يقطع مكعباً طول ضلعه ل، فإن حجمه الأعظمي بالنسبة للقطع يكون من رتبة الضلع ل. وبحسب الحالة، تشكل هذه التفاصيل ألسنة أو خلجاناً أو أكمات أو جزراً، أو حتى أكداساً من النقاط، مما يظهر أن مفهوم القصيم يرتبط بمفهوم اللاانتظام وبالتجزئة معاً. وقد شملت نظرية القصيميات اليوم كافة النظريات الفيزيائية والشواذات أو حالات الخروج عن النظام، وأوجدت هندسة أشمل للفوضى تبدو فيها حالات الانتظام هي الطفرات البسيطة في الكون. وتلعب هذه النظرية دوراً أساسياً في دراسة شكل الغيوم والسواحل والجبال وتوزع المجرات في الفضاء والدوامات المبددة في السوائل. وفي كافة هذه الحالات لم تكن الدرجات المدروسة تتجاوز حداً أدنى موجباً إلى حد أقصى. وفي حين لعبت القصيمات دوراً ناجحاً في العالم الجهاري، أدخلتها الفيزياء في دراسة الظاهرات الحرجة لتسد فراغاً كبيراً حيث لم يكن هناك هندسة موافقة لهذ المجال. وقد تم تعريف القصيمات المتناظرة فيزيائياً، أي التي لاتتغير مع أي تغير طارئ، مما فتح باباً جديداً أمام العلماء، وبخاصة العاملين منهم في مجال الجسيمات الأولية.

وتقدم لنا هذه القصيمات ميزة جوهرية لـ "الفوضى المحددة"، ألا وهي "الحساسية تجاه الشروط البدئية". فإذا انطلقنا في نظام منتظم الحركة من شروط ابتدائية متجاورة وتقع في الإطار الجاذب نفسه، فإن المسارات المتبعة في فضاء المرحلة ستنتهي بأن تتقارب إلى النقطة الثابتة نفسها أو نحو الدور المحدود، وستكون مختلف هذه المسارات متزامنة في الزمان بالنسبة لبعضها بعضاً. وهكذا تتمايز المسارات بسرعة بالنسبة للأنظمة الفوضوية. وخلال وقت قريب نسبياً تبدو وكأن ليس هناك ما عاد يجمعها، هذا إذا استثنينا أنها في فضاء المرحلة تبقى في جوار الجاذب الغريب. إن هذه الحساسية تجاه الشروط البدئية تقلل من قيمة التحديدية، والتي يمكن وفقها التنبؤ بأية صيرورة أو تطور. وحتى بقبولنا أن القوانين الفيزيائية محددة، فإن حالات اللايقين التجريبية التي لابد منها تؤدي إلى أننا لانستطيع أبداً أن نعرف بدقة الحالة البدئية لنظام ما. فإذا كان النظام منتظماً تكون الانحرافات وحالات اللايقين بسيطة ويمكن حسابها. أما إذا كان فوضوياً فإنها ستتسع مع الوقت بشكل كبير. إن المسافة التي تفصل المسارات التي كانت متقاربة في المبدأ ستتباعد بنسبة ك ز (حيث ك معامل ليابونوف). وهكذا فإن التنبؤ بتطور نظام ما يصبح مجرداً من أي معنى، على الأقل على المدى البعيد، طالما أن هذا التطور يتعلق بالشرط الابتدائي.

هكذا سقطت أسطورة التقدير المسبق المطلق. وكان الميكانيك الكوانتي قد وجه ضربة قوية للتحديدية بقوانينه الاحتمالية. ولم يعد أحد من العلماء اليوم يعتقد بإمكانية تحقيق تنبؤ بعيد المدى في مجال الأحول الجوية أو المناخ مثلاً. لكن السؤال هل الفوضى المحددة استثناء أم قاعدة؟ الواقع أن هذه النظرية تبدو وكأنها تشمل أبسط الأنظمة. ففي حين كان جيبس Gibbs وبولتزمان يعتقدان أن العدد الكبير للجزيئات هو المسؤول عن الفوضى التي تسود غازاً مستقراً، تبين اليوم أنه ليس من الضروري أن يكون النظام معقداً جداً. فثلاث درجات من الحرية يمكن أن تكفي ليكون هناك فوضى محددة. وهذا يعارض الفكرة القديمة بأن الفوضى تعني عدداً كبيراً في درجات الحرية. وربما كانت هذه الفكرة السائدة هي التي منعت العلماء من الاهتمام بأعمال بوانكاريه حول الفوضى حتى عام 1970. ومع ذلك، لايزال دور الفوضى غير مفهوم تماماً في الفيزياء. كيف يتم الانتقال من النظام إلى الفوضى؟ وهل آلية هذه الانتقالات عالمية أم أن هناك عدداً كبيراً أو محدوداً منها؟ كيف تظهر درجات الحرية؟ ما يهمنا الآن هو أن الأبحاث الجارية في نظرية الأنظمة الديناميكية وفي فيزياء الأوساط الفوضوية سمحت بالبرهان أن الفوضى ليست شيئاً لايمكن سبره ودراسته، أو أنها تخلو من أية أهمية، بل أنها على العكس تماماً جزء من غنى كون مليء بالأسرار.

النظام والفوضى في الفيزياء

تقودنا الأسئلة السابقة إلى محاولة فهم الفوضى والنظام في إطارهما الفيزيائي بقدر ما يكون ذلك ممكناً. إن الطبيعة تقدم لنا باستمرار الأمثلة على النظام والفوضى وعلى حالات الانتقالات بينهما. من منا لم تدهشه هندسة ندفة الثلج، ومن منا لم يحاول الإمساك بها يوماً فإذا بها تتحول إلى نقطة ماء؟ يبدو لنا أن تعريف النظام أمر سهل، لكنه في الحقيقة أصعب من تحديد ماهية الفوضى. فالتطور الطبيعي يميل نحو الفوضى بحسب المبدأ الثاني في الترموديناميك. وبشكل أبسط، فإن كل مظاهر الطبيعة هي تعقيدات فوضوية. فالخلائط في النهاية هي مظهر فوضوي. الصخرة مثلاً، أو الهواء، أو الغيمة هي أشياء خليطة يسهل دمج مكوناتها أكثر بكثير من فصلها وتحديدها. ولقد بات بالإمكان منذ أعمال جيبس وبولتزمان شرح وحساب درجة الفوضى في نظام مادي. لكن هذه الأعمال نفسها تقدم للمرة الأولى إمكانية علمية دقيقة لتحديد النظام. وعلينا أن نتذكر دائماً أن النظام والفوضى كانا باستمرار جوهر وأساس التطور النظري في الفيزياء. فلقد شكل النظام مثلاً في عصر مكسويل تناقضاً خطيراً في مفهوم الحقيقة الفيزيائية بنتيجة التمثيلين السائدين آنذاك: فقد كان يُفترض أن نموذج الميكانيك النيوتوني قادر على تفسير كل نظام فيزيائي، وبالتالي كان يجب إيجاد القوانين نفسها المطبقة في العالم الجهاري في العالم الصغائري. غير أن هذا التمثيل الميكانيكي كان مؤسساً على العكوسية في الحركة (حيث يكفي إبدال إشارة + بـ في المعادلات). ولكن كيف كان يمكن القبول عندها بتفسير للظاهرات اللاعكوسة على المستوى الجهاري بحركات عكوسة على المستوى المجهري؟ وكان لابد عندها من التخلي عن التحديدية الكلاسيكية السائدة وإدخال الاحتمال في قلب الظاهرات، بحيث أمكن تجاوز هذا التعارض.

كذلك فإننا نجد تراتبية واضحة لمفهوم النظام في الحقيقة الفيزيائية الواحدة. فنحن نستطيع وصف حركة غاز كما نراه من خلال قانون ماريوط غي لوساك Mariotte-gay-Lussac، في حين أننا على المستوى الجزيئي نلجأ إلى نماذج النظرية الحركية للغازات المؤسسة على قوانين الاحتمال، أما على المستوى الكوانتي فعلينا إدخال معادلات جديدة. إن هذه التراتبية أساسية بالنسبة للفيزيائي. وهي تسمح له بتعيين نظام أو فوضى قياساً إلى نظام أو فوضى آخرين. وينطبق ذلك بشكل ما على قوانين الترموديناميك. فالترموديناميك يرتكز على مبدأين رئيسين، الأول منهما هو انحفاظ الطاقة بجوهره. أما المبدأ الثاني فهو خاص بالأنظمة التي تتميز بعدد كبير من درجات الحرية. ومؤداه أن الفوضى تزداد مع الزمن، أو تبقى ثابتة بالنسبة للصيرورات العكوسة. ونلاحظ أنه ينطبق على الأنظمة الكبرى فقط، كون الأنظمة الصغرى لاتتضمن مفهوم النظام بشكله الواسع. فعندما يكون لدي كتاب واحد، لايكون ثمة معنى لتصنيفه أو ترتيبه في مكتبة. والمثال الشائع على المبدأ الثاني هو أن كل شيء حار يبرد. فلماذا تجري الأمور على هذا النحو؟ السبب هو أن كل شيء في الطبيعة ينحو إلى الاستقرار. فعندما نخلط غازين في زجاجة واحدة نلاحظ أنهما يصلان إلى توزع متجانس بعد حين. فإذا كانا من الأكسجين والآزوت يمكن تفسير تجانس الهواء الناتج من تساوي تركيزات التشكيلات الحاصلة. ويمكن تمثيل الأمر على النحو التالي: إذا رمينا النرد وحصلنا على 1 نضع جزيء أكسجين، وإذا حصلنا على 2 أو 3 أو 4 أو 5 وضعنا جزيء آزوت، أما إذا حصلنا على 6 فنعيد رمي النرد، وهكذا. وبالتالي فإننا نحصل على الهواء فقط لأن احتمال عدد الرميات (W) الممكنة المختلفة الموافقة لتركيز يساوي 20% من الأكسجين أكبر بكثير من أي احتمال آخر يمكن أن يؤدي إلى تركيز آخر. وتبين الحسابات أنه لو أردنا رؤية الغازين ينفصلان من تلقاء نفسهما دون أي تدخل، لكان علينا انتظار 10250 سنة في حين أن عمر الكون لايرجع إلا لنحو 1016 سنة فقط.

لقد حاول الفيزيائيون منذ زمن طويل تكميم الفوضى. واستخدم لهذا الغرض مفهوم الإنتروبي Entropie. وكان مفهوم الطاقة الموافق للمبدأ الأول في الترموديناميك قد اشتق من خاصية الانحفاظ الكمية الأساسية، مما أدى لتقبله بسهولة. وعلى العكس تماماً كان الأمر بالنسبة لمفهوم الإنتروبي الذي ظل غامضاً بسبب محتواه الكيفي نسبياً فيما يتعلق بالفوضى وباللاانتظام وباللاعكوسية. والحق أنه من السهل تعميم وتحديد عدد التشكيلات W الموافق لقيم معطاة من التحولات الجهارية (هي التركيزات هنا). أما الحساب الدقيق لـ W فيمكن أن يكون أكثر صعوبة بكثير. لكن الصعوبة الحقيقية كانت ربطه بالترموديناميك. وقد بولتزمان هذه الصعوبة بالعلاقة التي قدمها نحو عام 1875، معرفاً فيها الإنتروبي الإحصائية بالشكل: S = K log W، حيث S الإنتروبي، وK ثابت بولتزمان، وW يمثل عدد التشكيلات المجهرية المتوافقة مع التقييدات الجهارية المفروضة على النظام. ونلاحظ أنه كلما كان النظام أغنى بالتشكيلات الممكنة، كلما كانت هذه الإنتروبي أكبر. وعلينا الإشارة إلى أن مفهوم الإنتروبي هذا يختص بحالات الاستقرار التي يمكن للنظام بلوغها ضمن صيرورة لاعكوسة. ويعد هذا التعريف هو التعريف المجهري الذي يمكن ربطه بالتعريف الجهاري المعطى في الترموديناميك بالعلاقة:        ، أي أن الإنتروبي S هي مكاملة الحرارة Q على تغير عكوسي ابتداء من درجة الحرارة T = 0. وهكذا يمكننا استخلاص تعريف للنظام في الميكانيك الإحصائي اعتماداً على مفهوم الإنتروبي. فحالة النظام تتحقق عندما يكون: W = 1 و S = 0.

بعد أن حددنا مفهوم الإنتروبي بدقة، يبقى علينا أن نعرف "الفوضى المحددة" التي سبق وذكرناها. لقد بين بوانكاريه منذ القرن الماضي أنه يمكن أن يكون حتى للحركة المحددة بدرجات قليلة من الحرية بعض صفات الحركة الفوضوية. نقول عن حركة محددة أنها حركة فوضوية محددة عندما تتحقق الصفات التالية: عدم التكرار، وعدم إمكانية التنبؤ المستقبلي بها، ومرور النظام بالضرورة بكافة الحالات المجهرية التي تصادفه (érgodicité). وهكذا نميز بين الفوضى التي يزداد فيها اللاتعين بشكل أسي، والفوضى المحددة التي يزداد فيها اللاتعيين بشكل خطي.

قد نظن من خلال تعبير "الفوضى المحددة" أنه بالإمكان حساب هذه الفوضى ولو عن طريق الحاسوب. إلا أن المسألة في جوهرها تتعلق بتحديد الحسابات. فما هو صحيح في تحديد البدايات أو الشروط البدئية صحيح أيضاً في التكرارات. فعلى مدى كل مرحلة من الحسابات تدخل أخطاء جديدة ناجمة عن التدوير. فكل عدد يُمثل في الحاسوب بعدد من البيت Bits، والتي نلقمها بعد التقريب لأن ذاكرة الحاسوب محدودة فيزيائياً. وبالتالي فليس بإمكاننا معالجة الأعداد الحقيقية تفصيلاً. وهكذا لايمكن تعويض البيت التي فقدت، لكنها تشارك مع ذلك في حساب المسارات في الفوضى المحددة بقدر مساهمة الأعداد المبرمجة نفسها. وبالنتيجة، ستكون النتائج التي نحصل عليها خاطئة وليست تقريبية. ومن هنا استحالة التقدير على المدى البعيد. لكن هذا النقد الرياضي بحت، وهو لايمسّ الفوضى المحددة الفيزيائية.

النظام أم الفوضى، أم النظام والفوضى؟

سأحاول أن أعالج فيما يلي الفكرة الجوهرية التي طالما أرقت الفلاسفة حول إمكانية نشوء النظام من الفوضى، والأثر الذي تركه العلم حول هذه النقطة في الفلسفة الحديثة. ويمكن التعبير عن هذه الفكرة بشكل عام جداً بالشكل: "إن الأقل يمكن أن يولّد الأكثر". والأخذ بهذا المبدأ، الذي سندعوه (ب) فيما يلي، يطرح مشكلة إبستمولوجية دقيقة وشائكة. ومع ذلك لنحدد منذ البداية أن الصعوية لاتنشأ إلا في حالة النشوء الآني للنظام. وقد اعتمدت الفلسفة الغربية حتى فترة قريبة نسبياً مبدأ مخالفاً لـ (ب)، ندعوه (أ). ووفق هذا المبدأ "لايمكن للأقل أن يعطي الأكثر". وكان هذا المبدأ يبدو مطلقاً، وبخاصة من حيث يمكن عده موازياً لمبدأ السببية.

يعبر جيلسون E.Gilson عن المبدأ (أ) بالشكل: "كل ما يملك بدرجة معينة كمالاً ما، فإنما يحمله من مشاركته بهذا الكمال مأخوذاً بشكله المطلق" (أي كسبب أولي). ويستخدم ديكارت بشكل أوضح هذا المبدأ بقوله في تأملاته Méditations: "إن العدم لايمكن أن يعطي شيئاً، بل إن ما هو أكمل، أي ما يتضمن في ذاته حقيقة أكثر، لايمكن أن يكون ناتجاً أو متعلقاً بما هو أقل كمالاً...". وعندما ينقد كانط الحجة الأنتولوجية (أي المختصة ببرهان وجود الكائن)، فإن نقده يوجه أساساً للروابط بين الضرورة المنطقية والوجود الحقيقي، لكنه لايمسّ هذا المبدأ أبداً. أما هيغل الذي يقبل بصلابة البرهان الأنتولوجي ontologique، فإنه يطور (في (lecons sur la philosophie de l’histoire موضوعاً يرتكز على المبدأ (ب). فنراه يدافع عن فكرة أن الأفعال الإنسانية تنشأ عن الفوضى، وأن البشر يتصرفون وفق أهوائهم ورغباتهم،وأن ذلك كله يقود مع ذلك إلى تقدم الفكر والمنطق مع الزمن. وبعد هيغل نجد عند سبنسر Spencer برهاناً مطولاً حول "لا ثبات المتجانس" يقلد فيه أفكاراً موافقة للمبدأ (ب). ويعبر باشلار Bachelard عن فكرة ضرورة التمايز، أي اختفاء التجانس بين العناصر المتفاعلة بقوله: "إنه من الأفضل لكي تشكل العناصر نظاماً ما أن يتوفر داخل كل نظام تنوع رياضي أساسي بين المركبات". ولاشك أننا نستطيع أن نرى في هذا التنوع الرياضي تفسيراً مقبولاً للفوضى، ضمن منظور نشوء الكون من الفوضى. ويؤكد بيير داكو (في مؤلفه علم النفس الجديد وطرقه المدهشة) على المبدأ الثاني (ب) من خلال تناوله لمفهوم الإنتروبي. فهو يرى أن الفناء ليس إلا تحولاً، الأمر الذي يعد قانوناً طبيعياً. ثم نراه يتساءل إذا لم يكن هناك وجه آخر للإنتروبي، ألا وهو ازدياد معارف الإنسان ووعيه مع أن بدنه يبدأ بالهرم منذ ولادته. ومع وجود قانون الموت، لكن الحياة لاتنقص برأيه، وهو يستشهد ببرغسون الذي يقول: "لايبدو أبداً موت الأفراد تناقصاً في الحياة بشكل عام. والحياة لم تجهد أبداً لإطالة وجود فرد من الأفراد." وهكذا يتعلق هذا الثبات وهذه الديمومة برأي بيير داكو بمبدأ وحيد تكون المادة عبئاً عليه. وهكذا سيعود الوعي إلى مصدره الأول بعد التخلص منها.

إن الأمثلة المذكورة آنفاً تبين احتدام المواجهة بين أنصار المبدأين (أ) و(ب). والحق أنه منذ عصور قديمة جداً كان ثمة تقليد يمكن ربطه بطريقة ما بالمبدأ (ب)، لكن هذا التقليد ظل خارج الأطر المتعارف عليها والمقبولة. والخيمياء أحد الأمثلة على ذلك. فمن البوتقة (الفوضى) يخرج الذهب (النظام). وعمل الأسود (الفوضى) يسبق عمل الأحمر (الذهب) والأبيض (النظام). وصعوبة قبولنا بالمبدأ الثاني (ب) ناجمة عن كون المبدأ الأول (أ) سائداً في حياتنا اليومية (كالتحلل اليومي) حتى يبدو لنا طبيعياً. أما ملاحظة ظهور النظام في الطبيعة فهي أقل عموماً، باستثناء الظاهرات البيولوجية والنباتية والتي ليست ظهورات آنية للنظام في النهاية. فالنباتات والحيوانات تولد وتنمو مشكلة أنظمة مفتوحة تتبادل المادة والطاقة مع محيطها،وهي بعيدة عن الاستقرار. أما الفيزياء فتقدم لنا بعيداً عن التوازن الترموديناميكي مقولة هامة، مفادها أن الفوضى القصوى ليست القاعدة، ولاشيء يمنع من نشوء نظام زمني أو مكاني. ومن أشهر الأمثلة على التشكل الآني للبنى المنتظمة تجربة الفيزيائي الفرنسي بينارد Bénard. فقد اكتشف أن بنية على شكل خلايا نحل تتشكل فجأة، كما ولو بقفزة، وذلك عندما نسخن سائلاً ما إلى حدّ معين. ويمكن لهذه التجربة وتجارب أخرى أن تؤكد لنا أنه في نظام مفتوح يمكن تشكل بنى أو حالات منتظمة، وأن هذه الحالات تتشكل من خلال تنظيم ذاتي حقيقي. إلاّ أنه لايمكن ملاحظة هذه الظاهرات الآنية بحق إلاّ في المختبرات. ومن الأمثلة عليها خلايا بينارد التي ذكرناها، وحلقات ليسفانغ Leisevang، والتجارب المسماة بقبيل الحيوية prébiotiques، وتفاعلات زابوتنسكي Zhabotinsky وغيرها. والعلماء الذين يجروه هذه التجارب هم الأكثر تعلقاً بإمكانية أن يكون المبدأ (ب) مبدأ طبيعياً. لكنهم ما أن يتركوا مجال الملاحظة التجريبية لمحاولة تقديم تفسير نظري حتى يظهر عجزهم، وذلك لسببين الأول هو تعقيد المسائل المطروحة حتى عندما تبسط إلى أقصى حد فيزيائياً. ثم هناك التناقض الظاهري بين ما يُلاحظ والقانون الثاني في الترموديناميك، أي علاقة الإنتروبي والفوضى.

إن المسألة الحقيقية المطروحة في الساعة الحاضرة هي تحديد مضمون المبدأين (أ) و (ب) المتعارضين، والعاملين معاً في الطبيعة، لمعرفة فيما إذا كانا يمثلان سيرورتين متعارضتين أم يوافقان بالأحرى اختلافاً ناشئاً عن طريقة المراقبة ووجهات نظر المراقبين. فإلى أين وصلت تأملات وأبحاث العلماء في هذا الاتجاه؟ لقد أدى اهتمام الباحثين بمسألة ولادة النظام من الفوضى إلى انتشارها في مختلف العلوم، وكان من نتائجها ملاحظة المبدأ الثاني في ظواهر مختلفة. ففي الفيزياء والفيزياء الكيميائية والبيولوجيا، هناك أمثلة عديدة على النشوء والتكون حيث يكون النظام ملاحظاً فيها بشكل مباشر، بل إن العلماء يحاولون أن يبينوا التشابهات من خلالها بين ما يتأتى عن العالم غير الحي وما ينجم عن العالم الحي. (نذكر في هذا الإطار أعمال لـ (1910)Leduc، و(1917) d’Arcy Thompson، و(1927)Ghyka، و(1967) Jenny، وzhabotinsky و (1973) Zaikin، و (1974-1973) Winfree، و (1974) Weiss، و(1978) Stevens، و (1980) Bouligand ). وفي البيولوجيا تقريباً، إنما في العالم الأعمق الفيزيائي الحيوي الذي لايمكن مراقبته بنفس سهولة السابق، قدمت الأعمال حول التكون الحيوي (أوباران Oparin 1965 وتوماس Thomas 1967) ما يمكن أن يذكي الفكر حين بينت مثلاً إن تفريغات كهربائية (وهي فعل فوضوي) في غاز بسيط جداً (هو نظام بسيط) يمكن أن تؤدي إلى إنتاج حموض نووية ونيوكليوتيدات (وهي نظام أكثر تعقيداً).

وكانت معظم الدراسات والأبحاث التي ذكرناها ضمن محاولات لتقديم تفسير نظري لها، إن بمساعدة نماذج خاصة، أو اعتباراً من منظورات أكثر عمومية استمدت أسسها من الديناميكا النوعية ومن نظرية المعلومات ومن ترموديناميك السيرورات اللاعكوسة (أتلان 1977-1972 Atlan، وينفري 1974 Winfree، يريغوجين 1977 Prigogine، نيكوليس Nicolis وبريغوجين 1977...). وعلى الرغم من كافة هذه الدراسات والنقاشات النظرية، لايمكننا القول إن المسألة الإبستمولوجية قد حُلَّت، وذلك أساساً لأن المفاهيم المستعملة، وبخاصة مفهوم النظام، لاتزال حتى الآن غير محددة بدقة.

لقد شهدت هذه الأبحاث خلال العقد الأخير تقدماً ملموساً وبخاصة بفضل أعمال تونلات Tonnelat (1978) التي تحققت في إطار لغة الترموديناميك. فقد بيّن أن الربط بين الإنتروبي والفوضى، الذي أخذ به كحقيقة مثبتة منذ كلاوزيوس Clausius وبولتزمان، ليس ربطاً ضرورياً. ويفصل تونلات نشوء النظام عن تناقضه الظاهري مع المبدأ الثاني في الترموديناميك الأمر الذي يُعدّ خطوة حاسمة نحو رؤية أكثر واقعية للمسألة. ويؤكد تونلات أيضاً أنه من الضروري تحديد على أي مستوى (مجهري، أي إدراكي تصويري، أو جهاري أي مراقبة وتجربة) تتوافق الصفات التي نقدر درجة فوضاها أو نظامها، ومعرفة حقيقة هذه الصفات (هل هي تموضعات مكانية أم سويات طاقية). كذلك نجد في أعماله ملاحظات هامة وضرورية على التماثل الشكلي البحت بين الإنتروبي والمعلومة، الأمر الذي يستحق تعميقاً كبيراً من الباحثين.

نرى إذن بشكل حاسم أن مسألة نشوء النظام لاتزال حتى الآن غامضة، وذلك بشكل أساسي بسبب غموض مفاهيمنا. ويبدو مع ذلك أن بعض طرق الفهم بدأت تتمايز. وبعد أبحاث تونلات، هناك عدة نقاط تستحق أن نقف عندها: أولاً، هناك إجماع يمكن أن يتحقق حول أن النظام يفرض ظهور "تمايزات" (وضعيات مميزة لبعض العناصر على الأقل في الفضاء الموصوف)، وبالتالي إلى ظهور حركات قسرية غير متجانسة قادرة على حفظ هذه التمايزات (أو الشذوذات). ومن المهم أن نقرن هذه النظرة بأفكار سبنسر حول "تضاعفأأ النتائج"، وأيضاً بأفكار بريغوجين وفورستر Foerster حول دور التموجات والضجيج. ثانياً: أحب أن أشير أيضاً إلى الربط الذي غالباً ما يطرح بين النظام والتعقيد، الأمر الذي ليس إلا مصدراً جديداً للتشويش، وبحسب التعاريف المعطاة لهذين المفهومين نجدهما أحياناً يتوافقان وأخرى يتعارضان. وفي هذا الإطار أشير مثلاً إلى أفكار تيار دو شاردان حول نشوء الفكر التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم التعقيد، لكن ليس كنظام بالمفهوم الشائع للكلمة، بل كتركيزات على مستويات مختلفة تتمركز حول نقطو واحدة أو في جوارها، مما يؤدي إلى انبثاق كثافة طاقية ناتجة في الأساس عن خيار وحيد بحسب تعبير بريغوجين كما سنجد لاحقاً. ثالثاً: يمكننا الإشارة إلى أنه، قبل أي مقابلة أو معارضة بين المفاهيم المفروضة، يجب أن نحدد بدقة بأية مواصفات وعلى أي مستويات من الوصف تتعلق بالنسبة للنظام المعتبر. رابعاً وأخيراً: إن فهم السيرورات المسببة لتزايد أو تناقص النظام يتطلب تمييزاً واضحاً بين التي تنتج عن التفاعلات بين الأنظمة، وتلك التي تنتج عن التفاعل بين نظام ووسط موصوف بمعاملات عامة، وعن تلك التي تنتج عن تطور آني. ومن وجهة نظر إبستمولوجية، لاتكون الحالتان الأولى والثانية دقيقتين كالثالثة. ومن هنا أهمية التمييز بينها. والحق أن الخلط بين هذه الحالات ليس نادراً أبداً، مما يعقد بشكل خاص توضيح وفهم المفاهيم. فمثلاً سنخطئ إذا فهمنا المثال الذي أوردناه لهيغل أنه يصور تطوراً آنياً. والحق أن معاملات النظام التي تظهر على مستوى الجماعة الاجتماعية ترتبط، حتى ولو برابطة غير مباشرة، بمقصد كل فرد، أي بصيرورات تقع على مستوى آخر من الوصف حيث تتفاعل أنظمة مختلفة فيما بينها.

إن انعكاس المبدأ الثاني (ب) يبدو واضحاً على أعمال مدرسة بروكسيل، إن الحياة تتصف بالنظام: فالتحول الغذائي في الخلايا يتطلب توافق آلاف ردود الفعل الكيميائية،وهذا ما يدعى بالنظام التوفيقي؛ كذلك فإن الشيفرة الوراثية تحدد ترتيباً للجزيئات يسمح مثلاً بتخصص الإنزيمات: ذلكم ما يُدعى بالنظام البنائي أو المعماري. غير أنه يبدو أن ثمة لاتوافقاً بين المبدأ الثاني في الترموديناميك وظهور الحياة المنتظمة. لكن الباحثين في مدرسة بروكسيل قلبوا الآية، وعلى رأسهم بريغوجين. فهو يرى أن التشكيلات البيولوجية حالات معينة من اللاتوازن. وتتطلب هدراً مستمراً للطاقة وللمادة. ومن هنا جاء اسمها بالبنى المبدِّدة. ويكتب بريغوجين: "لقد ظهرت الحياة من خلال تتابع حالات غير مستقرة. وبالتالي فإن الضرورة، أي التشكيل الفيزيائي الكيميائي للنظام والضغوطات التي يفرضها عليه الوسط، هي التي تحدد عتبة اللااستقرارية للبنية، أما الصدفة، فهي التي تقرر أي تموج (أو تغير) سيتسع بعد أن تكون البنية قد بلغن هذه العتبة ونحو أي تشكيل، ونحو أي نمط وظيفي ستتجه من بين كافة الأنماط والتشكيلات التي تجعلها ضغوطات الوسط ممكنة". وهكذا، نرى أنه بالنسبة لإيليا بريغوجين يكون دور الصدفة أو العشوائية دوراً محدوداً. فهو يُقلَّص إلى خيار واحد من بين إمكانيات كثيرة مختلفة، في حين يكون هذا الخيار بالنسبة لجاك مونود J.Monod عشوائياً تماماً.

ولاشك أن النظرية النوعية للبنى لاتزال في بدايتها، وينتظر العلماء تطورات هامة بصددها في المستقبل القريب. ومن المهم أن نلاحظ منذ الآن أن الحياة تشتمل على بنى منتظمة (من نمط البنى التي يمثلها الإيقاع القلبي) وعلى بنى فوضوية (من نمط الصيرورات العصبية التي يشطل الدماغ مركزها). ولكن في هذه الحالة الأخيرة نرى بوضوح أن القصيمات متضمنة في الدماغ، أي أن النهايات العصبية وتفرعاتها تخضع في النهاية لنظام عام وإن كان يصعب تحديده في نسق أو في معادلة محددة. ويبدو أنه من المنطقي، أمام عمومية هذه السيرورات، الاعتقاد بأن هذه الأنظمة تمثل ديناميكية مرتبطة بجواذب غريبة أمكنها أن تلعب كذلك دوراً في ولادة الظاهرات الحية. فنحن نعلم أن بنية نديفة الثلج تحفظ أثر بعض صفات الشروط التي جرت وفقها سيرورات تحولها إلى جسم صلب. كذلك فإن مراقبة بعض المكثفات العضوية biopolyméres يمكن أن تكشف عن بعض الشروط في اللااستقرار التي سبقت السيرورات التي سمحت بتشكلها. وهذا هو البرنامج الذي يعمل فيه فريق بروكسل حالياً.

إن فهمنا لنص القانون الثاني في الترموديناميك يتبلور شيئاً فشيئاً. ففي الأنظمة المعزولة كان هذا المبدأ مرتبطاً بفكرة التحلل. وبالنسبة للأنظمة الحية، فإن هذا المبدأ يقدم على العكس إمكانية سيرورة تشكل ذاتي. ترى ما هي انعكاسات هذا المبدأ كونياً؟ ذلكم هو السؤال الصعب. فنحن عندما ننظر للكون كله كبنية واحدة، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار الإنتروبي والثقالة على حدّ سواء. غير أن الصلة بين الترموديناميك والثقالة لاتزال مجهولة، على الرغم من بعض النجاح الجزئي لبعض النظريات في إطار نظرية الثقوب السوداء. والسؤال المطروح الآن هل أن الكون مأخوذاً بكليته خاضع لتطور دوري أن أنه سينتهي إلى تحلل لاعكوس؟ وهل يجب علينا أن نختار بين الكون الدوري والكون الإنتروبي؟

خاتمة

وبعد.. لعل الفوضى الكونية هي مفتاح جديد للمعرفة. أما كيف يمكن أن يكون ذلك، فمن خلال كونها الوجه المقابل للنظام. فعلينا ألا ننسى أبداً أن النظام مفهوم نسبي، كما أن الفوضى هي مفهوم نسبي أيضاً. فكلاهما يُبرز وجهاً من وجهي الحقيقة الواحدة. وقد يكون اعترافنا بالوجه المقابل للنظام، أي الفوضى، إقراراً منا في النهاية بأن علمنا الحديث لم يستطع استيعاب الحقيقة كلها. فالحقيقة أوسع من أي منهج أو علم أو نظرية كما يبدو لنا. والمعرفة الحقة هي التي تستطيع سبر الحقيقة في الفوضى والنظام معاً. فنحن لانستطيع كما رأينا تعريف النظام دون الفوضى، أو الفوضى دون النظام. كذا، فإن المسألة الحقيقية التي تستحق أن نقف عندها مطولاً ليست "النظام أم الفوضى"، بل مقدرتنا المعرفية نفسها وطريقة تطويرها وتوجيهها.

في الحضارات القديمة. نجد إصراراً على تعميم النظام في الكون، بعد أن سادته الفوضى البدئية. لكننا نفهم من أساطير الشعوب القديمة أن هذه الفوضى البدئية نفسها كانت تمثل الإمكانيات الكامنة والقادرة على إنجاب النظام. فتيامات كانت تظهر أحياناً بصورة الشر، وأحياناً بصورة الخير. ومن جسمها شُكِّل العالم المنظم. ولم تكن هذه الكمونات في الحقيقة سوى أولى تجليات المطلق. فالتعبير الدقيق للفوضى بالمصطلح القديم هو العماء، ويمكننا تفسيره بأنه الهيولى الأولية التي انبثق منها الكون، الكون فما فيه من نظام وفوضى. ترجع كلمة عماء في الميثولوجيا اليونانية إلى خاوس Khaos، وهو الوجود الذي سبق الخلق، وكان كاملاً بقدرته الكامنة، ثم لعب دور رحم العالم.

إن بوذية زن Zen تعطينا تصوراً أدق لهذه النقطة، فالحقيقة نفسها تكمن خارج نطاق الزمن، في حين أننا نريد أن نراها في الصيرورة الزمنية. إن البدء بحسب الزن، أو المفهوم المطلق، أو الحقيقة المطلقة، حاضر أبداً. فالزمان الماضي هو الآن، والزمان المستقبل هو الآن، وبالتالي فإن حقيقة الفوضى والنظام على حد سواء هي وهم، لأن النظام والفوضى هما من نتاج الزمان. فالصيرورات الزمنية هي التي تطرح مسألة اللاتعين على المدى البعيد للظاهرات التي تبدو منتظمة على المدى القريب. والصيرورات الزمنية هي أيضاً التي تجعلنا نميز بين التوازن واللااستقرار. وباختصار فهي التجلي الكوني كله، وبحسب المصطلح الهندوسي فهي مايا Maya، أي وهم. فليس من حقيقة إلاّ الحاضر الأزلي. والحاضر الأزلي لايمكن معرفته بنظام أو بفوضى؟ بمنهج أو بلا منهج. فهل أن هذا التحول في المسار العلمي ينطوي على تحول داخلي في نظرتنا المعرفية؟ وهل سيؤدي هذا الصراع القديم في الفكر البشري بين الفوضى والنظام إلى تجاوز هذه الثنائية إلى المعرفة المباشرة والحدسية، والمطلقة، والتي يصفها كريشنامورتي بقوله: "إما أن نعرف كل شيء، الآن، ههنا.. أو لانعرف شيئاً"؟!

 

المراجع

- LA SCIENCE DU DESORDRE, LA RECHERCHE (SPECIAL), , n332, MAI, 1991.

- ORDRE ET DESORDRE EN PHISIQUE, J.LAMBERT ET J.VILLAIN, ENCYCL. UNIVERSALIS, ENJEUX, P.331, 1985.

- ORDRE ET DESORDRE EN BIOLOGIE, Y.BOULIGAND, ENCYCL.UNIVERSALIS, ENJEUX, P.342, 1985.

- LES FRACTALES / B.MANDELBORT, UNIVERSALIS, ENJEUX, P,319, 1985.

-  HASARD ET NECESSITÈ, I.PRIGOGINE ET I.STENGERS, ENCYCL. UNIVERSALIS, LES ENJEUX, P.324, 1985.

-  LE CHAOS DETERMINISTE, H.HAKEN ET A.WUNDERLIN, LA RECHERCHE, NO:225, P.1248, 1990.

- LA THÉORIE DES SYSTÈMES: QUELQUES QUESTIONS PHLOSOPHIQUES, LES ENJEUX, P.546, 1985.

- 1S THE SOLAR SYSTEM IN CHAOS?, ASTRONOMY,  MAY, 1990.

- L’ORDRE CHAOTIQUE, M.DUBOIS, P.ATTEN, P.BERGÉ, LA RECHERCHE, NO:185, FÉVRIER 1987.


 

* يعرف القصيم رياضياً بالشكل: إذا كان لدينا مجموعة ما S في فراغ RE، فإنها تدعى قصيماً إذا كان بعد هوشدورف سيكوفيتش لها أكبر تماماً من بعدها التبولوجي.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •