الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

المجرات في الكون

المهندس عبد القادر حمدو

 

مقدمة

اخترع الفلكيون أجهزة رصد لا تزال تتطور شيئا فشيئا، الهدف منها في مرحلة أولى جمع أكبر قدر من المعلومات عن الأجسام السماوية. تخضع هذه المعلومات في مرحلة ثانية للتفسيرات الفيزيائية كي يتم  الكشف عن مضمونها. و سواء كانت هذه التفسيرات مبنية على أساس العلوم الفيزيائية الحديثة أم على أساس المحاكمات العقلية التي كان يقوم بها الفلكيون الأوائل فإن القصد منها هو كشف أسرار الكون غير المفهومة في هذا الخصوص، و التي شغلت و لا تزال ذهن الانسان.

يقال بأن أينشتاين كان يردد بأن " غير المفهوم في هذا الكون هو أن يكون الكون مفهوما". و لذلك فإن دأب الإنسان في حياته أن يفهم الكون الذي يعيش فيه وأن يطور هذا الفهم من خلال تراكم العلوم و الخبرات البشرية على مر التاريخ. و قد اعتاد الإنسان أن يدرس مكونات جسم ما لفهمه و الإحاطة به. و لذلك ليس هناك أفضل من دراسة مكونات الكون الكبرى لفهم هذا الحيز الذي نعيش ضمن إحدى مركباته : درب التبانة أو كما تعرف في الحضارة الغربية باسم درب اللبن. فقد شاعت لدى اليونانيين الأسطورة التي مفادها أن هرقل ابن زيوس (الإله) و ألكمن ( المرأة البشرية) رضع من صدر هيرا (الآلهة) و هي نائمة. و لكن هذه الأخيرة استيقظت و أبعدت الطفل عن صدرها...غير أن الحليب بقي ينفر من صدرها فترة من الزمن مما شكل أثراً أبيضاً في السماء. و عند العرب هناك من يقول بأن درب التبانة أتت من التعبير الذي يشير إلى طريق سلكته عربات نقل الغلال الزراعية مما جعل التبن يتناثر طول الطريق. و هناك من يقول بأنها نهر السماء أو ما يقابل في السماء الماء على سطح الأرض.... و هكذا يجد المهتم بتاريخ الشعوب مقابلات لهذه التفسيرات لوجود درب التبانة في كل ثقافات العالم تقريباً. غير أنها كلها و بدون استثناء لا تمت للحقيقة بصلة. و هنا يبرز دور العلوم الحديثة في تفسير شيء يساعد الإنسان على فهم الكون.

 

الكون كله في مجرة واحدة

يدين الفلكيون لأجهزة الرصد بالكثير من الفضل بسبب ما قدمته لهم من إمكانية مراقبة الأجرام السماوية بمختلف أنواعها. و هذا التنوع جعل بعض الراصدين يتخصصون بمراقبة أجسام سماوية دون غيرها. فمثلاً شارل ميسييه الفلكي الفرنسي المعروف (1817-1730) قرر أن يهتم بالأجسام ذات الطبيعة السديمية و بالأخص المذنبات. و لذلك فقد قرر أن يرسم خريطة للسماء يصنف فيها كل الأجسام السديمية فيسهل عليه تمييز المذنبات من غيرها، على اعتبار أن المذنبات أجسام سريعة جداً بالمقارنة مع غيرها من الأجسام السماوية و خصوصاً السديمية منها. و بالفعل، من خلال دأبه لاكتشاف مذنبات جديدة تمكن ميسييه من وضع كتالوج يحمل اسمه لعدد كبير من الأجسام السديمية الموجودة في السماء و لكن دون معرفة بتركيبها أو مسافتها عن الأرض. و هكذا أصبحت هذه الأجسام تعرف باسم ميسييه، فنقول مثلاً : M55, M31, M1 ...

غير أنه لم يكن لميسييه المعرفة الوافية كي يمضي إلى أكثر من رصد هذه السدم، كما أن المعلومات الفيزيائية المتوفرة في تلك الفترة لم تكن تسمح للفلكيين آنذاك بالمضي قدماً إلى أكثر من الرصد. و في القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين تقدمت المعلومات الفلكية كثيرا و تطورت أجهزة و طرق الرصد فأعيد النظر في تصنيفات ميسييه للأجسام السماوية السديمية. فقد بدأ الفلكيون يستخدمون التحليل الطيفي و التصوير و بدأت التلسكوبات العملاقة تسكن قمم الجبال بحثاً عن شروط رصد أفضل، ... و هكذا تكاتفت الظروف لتعطي الفلكيين رؤية أدق و أ وضح عن مكونات الكون بالمفهوم الذي كان سائداً حتى أوائل القرن العشرين.

و هذا المفهوم هو من الأهمية بمكان حيث أن معظم البشرية كانت تعتقد (حتى أواخر العشرينيات من القرن الماضي) بأن كوننا موجود ضمن مجرة درب التبانة. و هنا لابد من التقديم للمفاهيم الفيزيائية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر و أوائل القرن العشرين و كيف تم التوصل إلى استنتاج أن الكون يتألف من العديد من المجرات أمثال مجرتنا و حتى أكبر منها.

كنا رأينا في لقاء سابق أن اكتشاف التحليل الطيفي قد شكل منعطفا هاما جداً في نظرة الفلكيين للكون على الرغم من بساطة الوسائل و المبادئ المتبعة مقارنة بما هو سائد اليوم. ففي القرن التاسع عشر كان التحليل الطيفي يعتمد أساسا على ثلاث قوانين مفادها:

1.      يصدر الغاز المضغوط و السوائل و الأجسام الصلبة المسخنة إلى درجة حرارة عالية أشعة مستمرة تحوي كل ألوان الطيف.

2.      يصدر الغاز الساخن قليل الضغط أشعة في بعض ألوان الطيف فقط و هذا ما يسمى بطيف الامتصاص.

3.      يمتص الغاز البارد و ذو الضغط الضعيف بعض الألوان التي من الممكن أن يصدرها لو كانت حرارته مرتفعة، و هذا ما يشكل أطياف الامتصاص.

كانت الشمس أولى الأجسام التي درسها الفلكيون فقد اصبحت بالنسبة لهم مخبرا فضائيا طبيعيا على مقربة من الأرض و كنجم مرجعي يقارنون و يعايرون بواسطته أرصادهم للنجوم و الأجسام الأخرى. لقد بينت لهم التحاليل الطيفية العديد من المعلومات عن فيزياء هذا النجم الذي اتضح بأنه كتلة من الغازات المضغوطة المسخنة لدرجة حرارة عالية، حسب القانون الأول. و فيما يخصنا هنا تأتي أهمية هذه المقارنات عندما رصد أحد الفلكيين إحدى السدم المصنفة وفق تصنيف ميسييه و اتضح له بأنها تنتمي للأجسام التي تصدر وفق القانون الثاني. و هذه هي الحال خصوصاً بالنسبة لسديم الجبار (أوريون). جعلت هذه النيجة الفلكيين يخلصون إلى أن هذه السدم ليست ذات بنية نجمية. و كان ذلك اكتشافٌ هام جداً توصل إليه الفلكيون دون أن يكون لديهم آنذاك التلسكوبات التي تتيح رصد نجوم ضمن السدم كما أصبح الحال في القرن العشرين. فقد تطورت ألجهزة الرصدية (و خصوصاً التلسكوبات) إلى حد كبير أصبح معه ممكنا رصد النجوم ضمن العديد من السدم الغازية. و هكذا تم حل لغز درب التبانة، بعد أن اتضح من خلال الأرصاد، بأنها تركيز كبير جداً من النجوم المتقاربة.

و لكن الأهم بالنسبة لنا هنا هو أن السدم الغازية أصبحت تقسم إلى أنواع حسب مكوناتها: فهناك الأكداس النجمية و السدم الكوكبية و السحابات الغازية ... إلخ. و هذا شكل أيضا منعطف آخر في نظرة الإنسان للكون. ذلك أن الفلكيين بدؤوا بقياس المسافات التي تفصلنا عن هذه السدم و كانت النتائج غير متقاربة أبداً. و السبب في ذلك هو في آخر الأمر، نظرة الفلكيين للكون. فهل كل ما رآه الفلكيون من سدم غازية ينتمي إلى مجرتنا أم تراه يقع خارجها أو أن بعضها داخل مجرتنا و بعضها خارج المجرة؟ و هنا لابد من أن نذكّر بشيء كنا قد تحدثنا عنه في محاضرة " الوسط ما بين النجوم " ألا و هو التخامد الذي يتعرض له الضوء النجمي في وصوله إلينا نتيجة ملاقاته لمواد الوسط بين ما النجوم : مثل الغبار و الغازات... هذا التخامد يضر كثيراً بالأرصاد الفلكية (بالضوء المرئي من الطيف)  لكل الأجسام الواقعة قرب مستوى دوران المجرة حيث تتواجد اكبر تركيزات الاغبرة و السحابات الغازية. و لذلك فإن هذه المنطقة تبدي (في مجال الضوء المرئي من الطيف) غياب القسم الأكبر من مكونات المجرة لأن ضوء الأجسام الموجودة في هذه المنطقة يتبدد و لا يصل إلينا. طبعاً أدّت المعرفة بهذا التخامد الضوئي إلى تدارك الأمر فأصبح الفلكيون يضيفون للأجسام التي يرصدونها عامل التخامد الضوئي حسب بعد هذه الأجسام. فمثلاً يمكن أن يظهر أحد هذه النجوم بالقدر 10 نتيجة التخامد الضوئ بينما يكون القدر الحقيقي لهذا النجم هو 8 في حال غياب الأغبرة التي تبدد ضوءه و هذا ما يجعله يبدو بضوء خفيف على سطح الأرض. ان معظم الاجسام الموجودة في هذه المنطقة لا ترى نهائيا. و لذلك فإن المعرفة بهذا التخامد تقدم للفلكيين فيما يخص التعرف إلى الأجسام التي يرصدونها, خصوصاً بعد أن بدأت تطرح مشكلة تواجد السدم الغازية داخل أو خارج المجرة, معلومات قيمة جداً.

فمثلاً في عام 1917 رصد الفلكيان ريتشي و كورتيس بعض النجوم التي تسمى نوفا في العديد من السدم الغازية ذات الشكل الحلزوني. قام هذان الفلكيان بمقارنة ضوء هذه النوفا مع ضوء نوفا موجودة في درب التبانة فتبين لهما بأن الفارق هو حوالي 10 أقدار أقل مما هو لنوفا درب التبانة و هي المنطقة ذات التخامد الأكبر في مجرتنا. خلص الفلكيان من هذه المقارنات إلى أن تلك النوفا المكتشفة في السدم الحلزونية لا تنتمي إلى التجمع النجمي الذي نعيش فيه و أنه لا بد أن تكون بعيدة جداً، على أقل تقدير ، أبعد 100 مرة من النوفا الموجودة في درب التبانة.

و في الطرف المقابل كان هناك القياس الذي أجراه فان مانن للسرعة الظاهرية لدوران السدم الغازية الحلزونية و كيف خلص إلى أنه نتيجة لضعف تلك السرعة فإنه لا يمكن أن تكون المسافات التي قاسها كورتيس صحيحة و لذلك فإن تلك السدم هي بخلاصة الأمر قريبة جداً من مجرتنا إن لم تكن في داخلها. و هكذا سادت بين الفلكيين حرب مقالات بين معارض لأن يكون الكون أكثر من مجرة درب التبانة و بين مناصر لوجود العديد من المجرات مثل مجرتنا أو يختلف عنها.

بين أعوام 1923 و 1929، اكتشف  ادوين هابل العديد من المتغيرات القيفاوية في M31 و M33 ، و افترض ما يلي:

·        المتغيرات القيفاوية المكتشفة تنتمي إلى السدم الحلزونية المرصودة.

·        بما ان كل المتغيرات القيفاوية الموجودة في درب التبانة متشابهة فانها بالتالي تشبه تلك المكتشفة في السدم الحلزونية المرصودة.

·        التخامد الضوئي الموجود في تلك السدم مهملاً

من خلال ذلك وصل هابل إلى تقدير المسافات التس تفصلنا عن السدم التي اكتشف فيها المتغيرات القيفاوية فوجد بأن هذه المسافات هي من مرتبة المليون سنة ضوئية. فاستنتج بأن هذه السدم هي بعيدة جداً و أنها كبيرة جداً. يضاف إلى ذلك القياسات التي حاول بعض الفلكيين القيام بها للحصول على قيم سرعات دوران مكونات تلك السدم الغازية. هذه المحاولات جعلت الفلكيين يخلصون إلى أنه لا بد من أن يكون هناك جزر كونية أخرى تشبه كوننا، أو بمعنىً آخر لا بد أن يكون هناك مجرات تشبه مجرتنا في الكون. و هذا شكل انتصاراً آخر للفيزياء الفلكية و طرق الرصد الحديثة التي ما تزال تتطور لتعطي نتائج أفضل.

إذاً، أدت الاكتشافات إلى ولادة قسم جديد من الفيزياء الفلكية ألا و هو فلك ما خارج المجرة و هو ما قاد إلى دراسة الكونيات بطريقة أو بأخرى أو لنقل دراسة الكون على مقياس كبير بطرق حديثة. و هذا ما سيقودنا في هذه المحاضرة للتعرف على مكونات الكون الكبرى من خلال المجرات. في البداية سوف نحاول التعرف الى مجرة درب التبانة كمجرة نموذجية نقارن من خلالها و نتعرف على المجرات الأخرى في الكون, ثم نعمد الى النظر في المجرات و البنى الكونية الاخرى. و لن نتعرض هنا للتوسع الكوني.

 

مجرة درب التبانة

ان ما هو متعارف عليه بدرب التبان يدل على ذلك الحيز السماوي السماوي الأبيض الطويل و السديمي المنظر لدى رصده بالعين المجردة في ليلة صافية. و ليس لنا أمل بأن نرى مجرتنا من الخارج، غير أن الحسابات يمكن أن تجعل ذلك ممكنا. مجرة درب التبانة تحوي في آخر التقديرات أكثر من 200 مليار نجماً، و إلى جانب هذه النجوم تحوي المجرة الكثير من الكواكب و السحابات الغازية و الأغبرة ...إلخ. إذا تمكنا من النظر إلى مجرتنا من الخارج فانها ستبدو سديماً حلزونياً يشبه كثيراً مجرة المرأة المسلسلة (سلايد المرأة المسلسلة) كل الأجسام الموجودة في مجرتنا تدور حول مركزها.

لحسن الحظ ان يوجد لدى الفلكيين بعض المعلومات المهمة التي تفيدنا في الحصول على فكرة عن شكل المجرة رغم وجود التخامد الضوئي. فمن خلال رصد بعض النجوم الزرقاء, الموجودة ضمن السحابات الغازية المكونة من الهيدروجين المتأين, يمكن للفلكيين رسم صورة للمجرة و هم داخلها. فقد دلت الارصاد لتلك السحب في المجرات الحلزونية المجاورة بأنها موجودة حصراً في الأذرع الحلزونية لتلك المجرات المجاورة. و هكذا فإذا تم رصد مثل هذه السحب في مجرتنا، فإن ذلك سيقود إلى رسم خارطة تعطي فكرة واضحة عن شكل هذه المجرة.

أول ما يلزم الفلكيين لرسم مثل هذه الخارطة هو بعد هذه السحب عنا. و كما كنا قد رأينا سابقا، تحوي هذه السحب نجوما زرقاء شيدة الاضاءة و الحرارة و هذا ما يسهل كشف هذه السحب. إلا أن رصد مثل هذه النجوم عملية غير مجدية بسبب التخامد الضوئي الذي تسببه مادة وسط ما بين النجوم. فالنتيجة التي يحصل عليها الفلكيون في مجال الضوء المرئي لا تعطي %10 مما يجب أن يكون موجوداً حيث أن الأغبرة الموجودة بيننا و بين تلك النجوم تشتت كلياً ضوءها فتصبح بالتالي غير مرئية لنا.

و هنا يأتي دور الفلك الراديوي في تجاوز هذه العقبة، فالأمواج الراديوية طويلة جداً بالمقارنة مع أمواج الضوء المرئي و بالنسبة لأبعاد جسيمات المادة البينجمية. و لذلك فإنها لا تتأثر بها و تعبرها بسهولة. و لحسن الحظ فإن السحب الحاوية للهيدروجين المتأين تصدر في المجال الراديوي بقدر ما تصدر في المجال المرئي. و هذا ما يمكن الفلكيين من إكمال النقص لرسم الخارطة وتحديد أماكن تواجد هذه السحب. و لكن طبعاً حساب بُعد تلك السحب (أو النجوم) بالرصد الراديوي وحده أمر صعب جداً أو لنقل غير دقيق البتة و لذلك فإن الفلكيين يلجؤون لطرق معقدة لإيجاد مثل هذه المسافات. أول نتيجة حصل عليها الفلكيون في هذه العملية هو أنهم استنتجوا بأن لمجرتنا بنية حلزونية و أن الشمس في أطراف أحد الأذرع الحلزونية الرئيسية للمجرة (سلايد).

أوضحت دراسة شكل المجرة أن مجرتنا تحوي أربعة أذرع حلزونية هي :

·        ذراع البجعة (الدجاجة)

·        ذراع برشاوش

·        ذراع الرامي Sagittaire

·        ذراع قنطوريوس

اما موقع الشمس من الاذرع فهي موجودة في امتداد فرعي لذراع الرامي اسمه ذراع الجبار Orion. و حسب تصنيف هابل فإن المجرة تحمل التصنيف Sb أو Sc. تتألف المجرة الحلزونية النموذجية من قرص يحوي معظم مادة المجرة. ففي مجرتنا يحوي القرص حوالي %90 من المادة المرئية بينما يبلغ قطره حوالي  80000 سنة ضوئية و لا تزيد سماكة القرص عن 2000 سنة ضوئية. قرب مركز المجرة يصبح المركز سميكاً و يأخذ شكل بصلة قطرها حوالي 7000 سنة ضوئية تحوي %5 من كتلة المجرة المرئية. و البصيلة هي بمثابة مجرة إهليلجية ميكروية تتميز بغياب النجوم الزرقاء و بنجومٍ ليس لها مدارات نموذجية من حيث الميل بالنسبة لمستوى المجرة. المتبقي من كتلة المجرة المرئية يتوزع على شكل هالة هائلة الحجم ذات شكل كروي يصل نصف قطرها إلى حوالي  100ألف سنة ضوئية، و يمكن أن نجد في الهالة بعض النجوم المنفردة. و لكن ما يمكن أن نجد خصوصاً في هالة المجرة هو الأكداس الحبيبية بحيث أن هذه الأكداس تميز الطبقات الخارجية من الهالة. في مجرة درب التبانة يوجد حوالي 200 كدس حبيبي يحوي كلٌ منها ما بين 100 ألف و مليون نجم. هذه النجوم هي متقدمة بالعمر بشكل كبير و تدور حول مركز المجرة بمدارات مختلفة.

 

تصنيف المجرات   

رأينا كيف تم إثبات وجود "سديم" المرأة المسلسلة خارج مجرتنا بواسطة رصد بعض النجوم المتغيرة، و أن هذا السديم هو مجرة مستقلة بذاتها و على ذلك بنى الفلكيون معارفهم عن البنى الكونية الكبرى فبدؤوا يتحدثون عن مجرات و ليس فقط عن مجرة واحدة في الكون. و هذا فقدت مجرتنا ذلك الوضع المتميز في عيون الكثيرين و أصبحت مجرة اعتيادية مثل مليارات من المجرات غيرها.

تابع هابل أرصاده فوجد نفسه في وضع يشابه وضع ميسييه سابقاً : هناك عدد كبير جداً من المجرات و لذلك لا بد من وضع تصنيف لها بحيث يسهل التعرف عليها. و لذلك فقد لجأ لتصنيف يعتمد على شكل المجرة، أي على المنظر الذي تبديه المجرة حالياً. وجد هابل بأن المجرات تنقسم إلى ثلاثة أنواع حسب شكلها :

·        مجرات حلزونية

·        مجرات إهليلجية

·        مجرات شاذة

تُصنّف المجرات الحلزونية من المرتبة a إلى المرتبة c وفق حجم نواة المجرة (البصيلة) و هي كما رأينا تجمع نجوم مكتظ بالنجوم الهرمة بشكل خاص قرب مركز المجرة، و وفق الأذرع الحلزونية ( و هي مكونات غير مستوية تنطلق من البصيلة و تعطي المجرة شكلها الحلزوني) (سلايد تصنيف المجرات وفق هابل). و ضمن المجرات الحلزونية يوجد هناك نوعان من المجرات : المجرات الحلزونية النظامية (S) و هي في في القسم العلوي و الحلزونية العصوية (SB) و هي في القسم السفلي من الشكل. المجرات العصوية تحوي شكلاً عصوياً من النجوم يعبر النواة من طرفٍ لآخر (سلايد المجرات العصوية). فمثلاً مجرة المرأة المسلسلة تصنف على أنها عصوية من المرتبة SBb. مادة المجرات العصوية تتركز بشكل أساسي في القرص المجرّي. حوالي %70 من المجرات المصنفة في الكون هي حلزونية، نصفها نظامية و نصفها عصوية. الكتلة الوسطية لمثل هذه المجرات تقدر بـ  100مليار نجم مثل شمسنا، و هذا طبعاً فقط بالنسبة للمادة الرئية بواسطة مختلف الأرصاد الفلكية (الضوء المرئي و غير المرئي).

المجرات الإهليلجية E، تصنف وفق تسطح هذه المجرات. فالمجرة E0 ذات شكل كروي، أما المجرة E7 فهي تكاد تكون قطع ناقص. و تجدر الإشارة هنا إلى أن شكل المجرات الإهليلجية لا يأتي من كون أن القرص المجرّي متفلطح و أنما كل المجرة هي على هذا الشكل. تشكل هذه المجرات نسبة %25 من مجموع المجرات الموجودة في الكون المرصود، و كتلها متابينة. فهناك القزمة، كتلك المجرات التابعة لمجرة درب التبانة التي تقارب كتلتها مليون نجم مثل الشمس ( أو نقول مليون كتلة شمسية) و هناك في الطرف الآخر المجرات الإهليلجية العملاقة و هي أضخم المجرات المعروفة حتى الآن حيث تزيد كتلتها عن 10 آلاف مليار كتلة شمسية (أو ما يعادل 100 مجرة حلزونية متوسطة).

و هناك نوع آخر من المجرات التي ليس لها شكل منتظم أو محدد و لذلك لم يمكن تصنيفها في مرتبة خاصة بها، و كمثال على هذه المجرات لدينا سحابتا ماجلان الصغرى و الكبرى. هذه المجرات هي بشكل عام ذات كتلة صغيرة، من مرتبة بضعة مليارات كتلة شمسية أي حوالي  100مرة أقل من الكتلة الوسطية للمجرات الإهليلجية النموذجية.

بقي أن نشير إلى أن توضع المجرات ضمن تصنيف هابل من E0 إلى مجرات حلزونية لا يعني بالضرورة أنها مراحل تمر بها المجرات خلال حياتها حيث أن الأبحاث الفلكية لم تثبت مثل هذه النتائج. و هذا ما سوف نراه لاحقاً في هذه المحاضرة. و لكن يستحسن أولاً أن نستعرض بعض الخصائص العامة للمجرات كي نستطيع الإحاطة بما سيأتي لاحقاً.      

 

بعض خصائص المجرات

بعد أن صنف هابل المجرات وفق شكلها، تتابعت الأبحاث النظرية و الأرصاد و بدأت شيئاً فشيئاً تعطي ثماراً علمية مفيدة حيال فهم الإنسان للمجرات ضمن ذلك أن الفلكيين تمكنوا من وضع خصائص تميز المجرات لا تتعلق بالشكل فقط و إنما بالتكوين الفيزيائي و المركبات و الضوء الصادر ... من هذه الخواص :

1.      مدارات النجوم : هنا نتحدث عن النجوم الإفرادية مثل الشمس و ليس عن النجوم التي تنتمي إلى الأكداس مثلاً. فمدارات هذه النجوم في المجرات الحلزونية هي في معظم الأحوال على شكل قريب جداً من الدائري و واقع ضمن المستوي المجرّي هو مستوي قرص المجرة، كما هو الحال بالنسبة للشمس. بينما في المجرات الإهليلجية نجد أن النجوم تتحرك على مدارات شديدة التفلطح (كمدار كوكب بلوتو مثلاً في المجموعة الشمسية). و لكن في كل الأحوال فإن المجرات تبقى متلاحمة أي كما هو الحال في المجموعة الشمسية تبقى المسافات بين النجوم (أو الكواكب في مجموعتنا الشمسية) ثابتة نتيجة لقوى الجاذبية المتبادلة بين مكونات المجرة.

2.      المادة البينجمية : رأينا كيف أن المجرات الإهليلجية تعجّ بالمادة البينجمية (أغبرة، سحابات غازية، ...) بينما تغيب هذه المادة كلياً في المجرات الإهليلجية. و هنا تجدر الإشارة إلى أن الأبحاث الفلكية تشير إلى أن هذه المادة البينجمية هي وراء إعطاء المجرات الحلزونية شكلها التي هي عليه.

3.      طيف المجرات : تظهر المجرات الإهليلجية في الصور بلون يميل إلى الاصفرار أو حتى إلى البرتقالي بينما تظهر المجرات الحلزونية بلون يميل إلى الأبيض، و الأزرق. و هذا الأمر له دلالات بالنسبة للفلكيين . فكما هي عليه الحال بالنسبة للنجوم في سمائنا حيث تظهر النجوم الحارة جداً بلون أزرق. فوجود النجوم الزرقاء في المجرات الحلزونية هو الذي يعطيها مثل هذا اللون. و هذا لا يعني بأن المجرات الحلزونية لا تحوي نجوماً صفراء، برتقالية أو حمراء. ففي مجرة درب التبانة مثلاً، النجوم الزرقاء تشكل أقلية بالمقارنة مع غيرها من النجوم إلا أنها شديدة الإضاءة. حيث يمكن أن تصل إضاءة بعضها إلى أكثر من 100 ألف مرة إضاءة نجم (أصفر) مثل الشمس. و لذلك فإن المجرات الحلزونية تظهر بلون أزرق و المجرات الإهليلجية، على اعتبار أنها لا تحوي مادة بينجمية فإنها لا يمكن أن تولد نجوماً جديدة و لذلك فإن النجوم الموجودة فيها و التي ولدت كلها في فترات متقاربة زمنياً هي في طور أقرب إلى الشيخوخة. و كما نعرف فإن النجوم الزرقاء هي نجوم حارة جداً و ذات عمرا قصير جداً و لذلك فإنها تكون قد قضت نحبها في المجرات الإهليلجية منذ زمن بعيد و النجوم المتبقية هي على العموم من مرتبة شمسنا او أكثر برودة.

يمكن أن يأخذ النقاش المنحى ذاته بالنسبة للمجرات ذات الشكل الشاذ حيث أن معظمها يشبه الحلزونية فيغلب عليها اللون الأزرق لوجود المادة البينجمية فيها.

 

تشكل المجرات

هذا ما يقودنا للحديث عن أحد السيناريوهات، الأكثر قبولاً بين الفلكيين، عن تشكل المجرات. في طريقهم للبحث عن حلٍ لهذا اللغز، وجد الفلكيون في منتصف القرن الماضي أن لبعض نجومِ درب التبانة نسب مختلفة من العناصر الثقيلة (هي مثل الكربون و ألأكسجين و الأثقل منها) و العناصر الخفيفة مثل الهيدروجين و الهليوم. وجد الفلكيون إذاً بأن نجوم قرص مجرة درب التبانة تحوي من 2 إلى %3 من كتلتها عناصر ثقيلة فأسموها نجوم المجتمع  I ( population و هي دلالة إحصائية). في المقابل، نجوم الهالة (و خصوصاً نجوم الأكداس الحبيبية) لا تحوي أكثر من %1 من مجموع كتلتها على شكل عناصر ثقيلة فأسموها نجوم المجتمع II و هنا نتذكر بأن النجوم التي تحوي عناصر ثقيلة هي قطعاً ليست النجوم التي ولدت بعد البيغ بانغ مباشرة لأنه لم يكن هناك في تلك الفترة سوى العناصر الخفيفة و أن كل العناصر الثقيلة ولدت فيما بعد ضمن النجوم ثم انتشرت في الفضاء عندما انفجرت تلك النجوم على شكل سوبرنوفا. و اخيرا  هناك النجوم التي لا تحوي عناصر ثقيلة و تسمى نجوم المجتمع III . حتى لم يتمكن الفلكيون من رصد أي نجم من هذه النجوم و هذا ما يعزوه بعضهم إلى أن تلك النجوم التي قد تنتمي إلى هذا المجتمع لا بد أن تكون تلوثت بطريقة أو بأخرى بالعناصر الثقيلة التي تتحرر أثناء انفجارات نجوم مجاورة و هذا ما يتوقعون حصوله مع مرور الزمن منذ بداية نشوء الكون إلى الآن. و بهذا لا يمكن تمييز هذه النجوم من نجوم المجتمع II ، و لذلك فإن وجودها افتراضي و ليس رصدياً. و على هذا الاساس فإن النجوم الأقدم (المثبتة بالأرصاد) هي نجوم المجتمع II و تتواجد في الهالة و البصيلة المركزية، و نجوم المجتمع I هي الأحدث و تتواجد في القرص.

هذه الملاحظة دعت الفلكيين لاستنتاج أن قرص مجرة درب التبانة لم يكن في فترة من حياتها موجوداً. و لابد أن تطورات قد حصلت فاوصلت المجرة لهذا الشكل. أحد السيناريوهات المقبولة يطرح فكرة تشكل المجرة في سحابة هائلة الحجم. تنجذب جزيئات هذه السحابة تحت تأثير قوى الجاذبية نحو المركز. و بما أن السحابة تتحرك فيرجح أن عزمها الحركي ليس معدوماً حتى و إن كان أثرها الفعلي غير ملحوظ بسبب انتشار مادة السحابة على سطح كبير جداً. و لكن مع تقلص حجم هذه السحابة فإن أثر هذا العزم سوف يبدأ بالظهور شيئاً فشيئاً مما يجعلها تبدأ بالدوران الذي تزداد سرعته شيئاً فشيئاً حول محور يمر من نقطة أقرب إلى المركز. و بطبيعة الحال فإن الجزيئات الموجودة في مستوي دوران تلك السحابة هي التي ستدور بسرعة أكبر و لذلك فإنها تتوقف عن المضيّ نحو المركز مما يوقف الانهيار الثقالي للسحابة. فتبدأ هذه الجزيئات بالدوران على مدار دائري حول مركز السحابة. في المقابل لاتزال سرعات المادة الموجودة فوق و تحت القرص ضعيفة لإيقاف انهيارها فتتابع هبوطها. و هكذا أياً كان شكل السحابة الأولي فإنها ستأخذ شكل القرص. هذا السيناريو هو الأكثر قبولاً لأنه يفسر وجود القرص في المجرات الحلزونية. يمكن أن نتابع هذا السيناريو لنرى ما يمكن أن يحدث لهذه المجرة المفترضة إذا ما كان هناك بعض النجوم التي ولدت في السحابة قبل أن تبدأ بالانهيار. عندما يتشكل نجم جديد فإن مداره يكون متأثراًبشكل ملحوظ بالانهيار. و هذا يعني أنها ستتابع في سيرها على مدارها التحرك نحو مستوي السحابة. و ما تجدر ملاحظته هنا هو أن مادة النجم كثيفة لدرجة أن المادة التي تبدأ في التجمع في قرص المجرة الذي سيعبره هذا النجم الجديد لا تشكل أي مقاومة أمامه. إلا أن الامر مختلف كليا بالنسبة لسحابة من المادة البينجمية التي تريد اجتياز المستوي المجري حيث تتعرض لفرملة قوية قد تعدم مركبة سرعة السحابة العمودية على مستوى المجرة. و بهذا فإن القرص يحتفظ بهذه المادة و يضمها إلى مكوناته, و تزداد بالتالي كثافة هذا القرص شيئاً فشيئاً. و عندما تصل الكثافة إلى حد معين فإن الاصطدامات بين الجزيئات تصبح عنيفة إلى درجة إحداث خلخلة ثقالية محلياً. و انهياراً ثقالياً في تلك المنطقة مما يشكل الفرصة الملائمة لولادة أوائل النجوم في المجرة.

إذا كانت المادة المنهارة تتكون بشكل أساسي من سحابات ضعيفة الكثافة فإن القرص هو الذي سيشكل أكبر نسبة من كتلة المجرة الوليدة. و خلال المليارات اللاحقة من السنين تبدأ النجوم بالولادة شيئاً فشيئاً و تأخذ مدارات دائرية حول مركز المجرة الوليدة. أوائل النجوم التي تشكلت خارج قرص المجرة هي تلك الموجودة الآن في الهالة أو في البصيلة المركزية. هذا السيناريو يشرح (بشيء من الاختصار) كيف ولدت المجرات الحلزونية. أما المجرات الإهليلجية، فكي نستعرض كيفية نشوئها سوف نرى أولاً التفاعلات بين المجرات لأن ذلك أساسي لفهم تشكل هذه المجرات.

 

التفاعل بين المجرات

ما يقصد به بكلمة التفاعل بين المجرات galaxies   of interaction هو نوع التقارب الفيزيائي، الاندماج، الجذب الثقالي، ... بين اثنين أو أكثر. فقد تتمكن مجرة عملاقة من ضم مجرات قزمة إليها عن طريق قوى الجاذبية أو أن مجرتين متماثلتين تندمجان و تشكلان مجرة جديدة ... تدل الأرصاد إلى أن %2 من المجرات المرصودة هي في حالة تفاعل. و هنا يمكن أن نلاحظ امتداد جسور من المادة بين مجرة عملاقة و أخرى قزمة كما هي الحال في المجرة M51 التي تسحب مادة مجرة تابعة. يصل طول جسر المادة في حالة هاتين المجرتين إلى 1.5 مليون سنة ضوئية. و هذا يعني أن الاتساع الكوني لا يلعب اي دور على مقياس الأبعاد, الصغيرة إلى هذا الحد, فيما بين المجرات. فعلى مثل هذه المسافات تتغلب قوى الجاذبية على قوى الاتساع الكوني و بالتالي فإن المجرات مثلاً لا تعاني من الاتساع (أي أن شكل المجرة يبقى على ما هو) و مادتها لا تعاني من التشتت. فنجوم أية مجرة تبقى على نفس البعد بالنسبة للنجوم الأخرى في مجرةٍ ما. و قوى الجاذبية تتغلب على الاتساع الكوني في مجال آخر ألا و هو تشكل ما يعرف بالمجموعة المجرية التي تضم عدة مجرات. فمثلاً مجرة درب التبانة و حوالي 25 مجرة أخرى تجتمع في كرة سماوية قطرها حوالي أربعة ملايين سنة ضوئية، تسمى بالمجموعة المحلية. في هذه المجموعة هناك مجرتين عملاقتين هما درب التبانة و المرأة المسلسلة. من بين هذه المجرات نجد أن معظمها إهليلجي (14 مجرة)، و عدد أقل (4) شاذة، و (3) حلزونية. و هناك العديد من المجرات القزمة التي استدل على وجودها بطريقة غير مباشرة (من خلال حساب القوى الثقالية) التي لم تكشف بعد لصغر حجمها. و يرجح الفلكيون بأن تشكل المجموعة المحلية على ما هي عليه يعود إلى ظروف ولادتها.

و بالابتعاد أكثر عن المجموعة المحلية يمكن أن نرصد بنىً كونية أكبر من مجرد مجموعة مجرية. فامجموعة المجرية تكون مع غيرها من المجرات ما يعرف باسم الكدس المحلي. و الأكداس المجرية هي مناطق شاسعة من الفضاء تتسم باحتوائها كميات كبيرة من المجرات تزداد كلما اقتربنا من المركز. يزيد عدد أفراد الكدس (عادة) عن الألف، و تكون المسافات إذاً قريبة بين هذه المجرات. قريبة بالمعنى الذي يتناقض فيه مع مفهوم المسافات فيما بين النجوم. فالمسافة بين الشمس و أقرب نجم إليها مثلاً تصل إلى 10 ملايين مرة قطر الشمس. بينما نجد أن المسافة بين مجرتين يمكن أن تصل إلى 10 مرات فقط  قطر المجرة.

هذه المسافات القريبة بين المجرات هي التي تجعل التفاعل بين المجرات ممكناً و لذلك فإن بعض المجرات تصطدم ببعضها الآخر دون أن يكون لذلك أثر كما لو أن الأرض اصطدمت بكويكب أو نيزك (يا لطيف !!)  تقارب أبعاده الكيلومتر. فالمجرات عندما تصطدم فإن ذلك يعني اندماج المادتين خلال زمن يقدر ببضعة مليارات السنين. و هذا يعني بأنه ليس هناك آثار على النجوم المتشكلة. و لكن الآثار على المواد البينجمية مختلفة كلياً. حيث تتعرض السحب الغازية إلى صدمٍ عنيف مما يؤدي ذلك لضغط هذه السحب و إشعال نار تشكل النجوم بغزارة غير معتادة. و مما يزيد النار اضطراماً  أن هذه النجوم الحديثة الولادة تبدأ بالتظاهر على الصعيد الثقالي مما يسبب انحراف مدارات النجوم الموجودة سابقاً و يخلق لها مدارات مختلفة تشبه مدارات النجوم في المجرات الإهليلجية.

إذاً هذا هو مصدر ولادة المجرات الإهليلجية. و لإثبات ذلك فقد دلت الأرصاد على أن معظم المجرات المنعزلة هي إهليلجية الشكل و هذا يدل على أنها قد نتجت من اندماج أكثر من مجرة كانت متجاورة. من ذلك استنتج الفلكيون أن المجرات التي ولدت بعد البيغ بانغ هي فقط حلزونية الشكل و أن الإهليلجية ولدت لاحقا في فترات متأخرة.

بقي أن نذكر بأن هناك أنواع من المجرات (كالكوزارات، و المجرات الراديوية، ...) كنا قد تحدثنا عنها سابقاً و لا ضرورة للعودة إلى الى الحديث عنها الآن. و لكن يمكن أن نذكر بما يلي : المجرات التي ولدت حلزونية و بقيت كذلك، ثم تشكل في مركزها ثقب أسود كبير، تحولت إلى كوازارات ثم تحولت إلى مجرات سيفير ذات النوى الشديدة الإضاءة ثم تعود لتشكل مجرات عادية عندما تنفذ المادة التي تغذي الثقب الأسود.

 

الجاذب الاعظم

يجدر بنا أن نذكر هنا بأنه من خلال التحليلات الفلكية لحركة الكدس المحلي لاحظ الفلكيون أن هناك العديد من الأجسام التي تدور حول مركز غير الذي تشير إليه الحسابات من خلال الكتلة المرصودة وفق قوانين نيوتن في الجاذبية. الأمر الوحيد الذي يمكن أن يفسر وجود مثل هذا المركز الافتراضي الذي تدور حوله المجرات فعلياً هو وجود مادة غير مرئية. فمن خلال دراسة النظرية لحركة عدد كبير من المجرات و مقارنتها مع الأرصاد تبين أن هناك ضرورة لوجود اضطرابات ثقالية تسبب اختلافات في توزع سرعات المجرات مما يجعلها تدور حول مركز يختلف عن المركز النظري. هذه الاضطرابات يسببها ما يسميه الفلكيون بالجاذب الأعظم Great Attractor ، و هي عبارة عن تركيز كبير من المادة غير المرئية تقدر كتلته بحوالي 100 ألف مجرة. يقوم هذا الجاذب الأعظم بتأثير ثقالي يتراكب مع تأثير الاتساع الكوني. أي أن المجرات الموجودة بيننا و بين الجاذب الأعظم تبدوا و كأنها تبتعد بأسرع مما تتنبأ به نظرية الاتساع الكوني لأن الجاذب الأعظم يزيد في أثر الاتساع الكوني. و على العكس تبدو المجرات الواقعة خلف الجاذب الأعظم بالنسبة لنا و كأنها تبتعد بسرعة أقل مما تتنبأ به الحسابات لأن جاذبية الجاذب الأعظم تعكس التوسع الكوني.

 

الخاتمة

و هكذا فإن المجرات تسكن الكون بالمليارات و هي بلا شك أقدم مكوناته الموجودة حتى الآن. درس الإنسان في البداية مجرة درب التبانة على أنها الكون كله ثم تبين له أنها واحدة من مكونات هذا الكون الشاسع. للحصول على هذه المعلومة استخدم الإنسان التطورات التي حصلت في مختلف العلوم و دعمها بحرية فكرية و دراسات نظرية على مستوٍ عالٍ من التعقيد تارة و غاية في البساطة تارةً أخرى.

حصل الإنسان من هذه الأبحاث على أشياء مهمة جداً. فقد صنف المجرات و عرف كيف تتشكل و كيف تعيش وتتفاعل مع بعضها ثم كيف تتطور في حياتها... و لكن المهم هنا بأن هذه الاكتشافات الفلكية على أهميتها قد لا تعادل أهمية أن الإنسان لم يكتشف بعد إلا جزءاً يسيراً جداً من سرّ نشوء الكون و تطوره و هذا ما يقوده بين الفينة و الأخرى لتصحيح معلوماته التي كان يعتدّ بها سابقاً أو تطويرها ليبني عليها أشياء جديدة قد تكون هي الصحيحة... و لكن أليس هذا هو دأب الإنسان في تطوير معارفه كي يصل يوماً ما للإجابة على العديد من الأسئلة الكونية التي ما تزال بدون جواب حتى الآن.

 

مونتريال: 04/04/2004

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •