الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

الارتحال الأعظم لمركبة فواياجير

 

المهندس فايز فوق العادة

رئيس الجمعية الكونية السورية

 

أطلقت المركبة فويجير-2 من الأرض في 20/8/1977 وتبعها فويجير-1 في الخامس من أيلول من العام نفسه، مرت فويجير-1 بالقرب من زحل في الثاني عشر من تشرين الثاني من العام 1980 وتوجهت بعد ذلك صوب الحدود الخارجية لمجموعتنا الشمسية، أما فويجير-2 فقد اندفعت نحو أورانوس ونبتون، تبحر المركبتان الآن بسرعة تصل إلى مليوني كيلومتر في اليوم بهدف بلوغ نطاق الصمت الشمسي، إن مساري المركبتين مختلفان تماماً فبينما يقع مسار فويجير-1 إلى الشمال من الشمس، ترسم فويجير-2 مسارها المناظر أي جنوب الشمس، أما نطاق الصمت الشمسي فهو ذلك في الحيز من الفضاء حيث تستبدل الجسيمات الأولية والمجالات المغناطيسية المنتمية إلى مجموعتنا الشمسية بجسيمات ومجالات ذات أصول كونية، لقد وقعت مركبتا فويجير في العام 1992 على إشارات راديوية بالغة الشدة يعتقد أنها ناجمة عن صدم الريح الشمسية لذرات الغازات الكونية، تجاوزت استطاعة الإشارات مليون مليون واط، وأمكن بواسطتها حساب المسافة الفاصلة بين الشمس وبين نطاق الصمت الشمسي، والتي تبين أنها تساوي مئة ضعف المسافة الفاصلة بين الشمس والأرض، وفق تقديرات العلماء ستخترق فويجير-1 نطاق الصمت الشمسي متسللة إلى الفضاء الكوني في العام 2010 إن بقيت مصادر الطاقة النووية للمركبة على حالها فإن العلماء على الأرض سيتلقون أنباء مثيرة عن ذلك الاختراق.

لا يعني كل ما تقدم أن المركبتين ستفلتان من قبضة الجذب الثقالي للشمس في وقت قريب، تصور العلماء لفترة قصيرة أن الأمر سيحدث في غضون قرنين، لكن الحسابات الدقيقة تؤكد أن المركبتين لن تتحررا تماماً من جذب الشمس إلا بعد عدة مئات تالية من القرون، ستبحر المركبتان عبر سحابة أورت للمذنبات بعد أكثر من 20000 سنة، يبدأ عندها الطور الثاني من عمل المركبتين، حيث ستتجول المركبتان في الفضاء الفسيح الهادئ الصامت والمظلم، ولن يعكر صفوهما أي حدث ملف للنظر، ستقتربان من مركز المجرة وتدوران حوله لعدة آلاف من ملايين السنين دون توقف.

تعتبر مركبتا فويجير رسالتين من حضارتنا تعكس كل منهما السوية التي استطاع علماء الجنس البشري بلوغها، لكن العلماء لم يكتفوا بذلك، فلا بد من إيضاح خصائص هذا الجنس، هكذا حمل العلماء كلا المركبتين رسالة على هيئة تسجيل مكثف على قرص من الذهب الخالص وضع في حاوية من الذهب الخالص أيضاً، تضمن كل قرص تحيات مكررة باستخدام تسع وخمسين لغة من لغات البشر وإحدى لغات الحيتان وتسجيل بشري مدته اثنتي عشرة دقيقة لإرهاصات بشرية متباينة منها صرخة وليد، كما تم ترميز 116 صورة عن المدنية المعاصرة وضغطها على كل قرص، احتوى كل قرص أيضاً على تسجيل مرمز مدته 90 دقيقة لأهم الإنجازات الموسيقية التي أبدعها الجنس البشري، فكانت هناك مقطوعة موسيقية تعود إلى ثلاثة آلاف سنة وأخرى تمثل زفافاً شعبياً عند الشعوب القديمة التي قطنت البيرو، وضعت على كل قرص مقطوعات لبيتهوفن وموتسارت وسترافنسكي وسواهم، من سيتلقى هذه المعلومات يا ترى؟ هل يوجد أصلاً من سيقع عليها؟ وإذا وجد فإن بنيته المعرفية وطابعه الوجودي، فلن يتطابقا مع بنيتنا وطابعنا! وهل يجوز أن نستخدم ضمير (هم) للدلالة عليهم؟ ماذا ستعني التحيات بالنسبة إليهم؟

إن انتهى الجنس البشري بانفجار الشمس فإن فويجير ستكون الدليل القوي على وجودنا، والأرجح أن حضارات أخرى ستبرز في مجرتنا ولعلها ستلتقي بفويجير وتفك ألغاز رسالتها، لكن دون أن تتمكن من مواجهة المرسلين! ماذا لو أزفت نهاية مجرة درب التبانة وتفتت كل الحضارات فيها؟ ستكون الصورة إذ ذاك قاتمة! فالمجرة ملآى بفويجير ونظائرها لكن لا يوجد مرسلون ولا مستقبلون!!

غدت فويجير-1 الآن على مسافة أكثر من 70 وحدة فلكية عن الشمس، تساوي الوحدة الفلكية متوسط بعد الأرض عن الشمس أي حوالي 150 مليون كم، إنها أبعد ما أرسله الإنسان من موطنه الأصلي: الأرض، إن الأوامر المنطلقة إلى المركبة بسرعة الضوء تبلغها بعد حوالي تسع ساعات ونصف، أما زمن الرسالة الجوابية من المركبة إلى الأرض فهو أكبر بقليل بسبب الابتعاد المستمر للمركبة، مازالت أجهزة المركبتين تعمل على نحو فعال، عند اختراق المركبتين لنطاق الصمت الشمسي يبقى الأثر الثقالي للشمس أساسياً في توجيه المركبتين، إن المصدر الرئيسي للتوجيه الذي ستفقده المركبتان إذ ذاك هو ضوء الشمس، ذلك أن المركبتين تستخدمان هذا الضوء للتعرف على الشمس وإرسال المعلومات بالتالي إلى الأرض، تبدو الشمس بالنسبة للمركبتين على هذه المسافة الهائلة مجرد نجم مثل نجوم المجرة الأخرى، لكنه نجم مميز اللمعان، في العام 2020 تصبح الشمس بالغة الخفوت مثل باقي النجوم الواقعة في مرأى المركبتين، عندها تفقد المركبتان أية إمكانية لتحديد موقع انطلاقهما، في الوقت نفسه تقريباً تنضب مواردهما الطاقية مما يسبب توقف معظم الأجهزة العلمية على متن كل منهما، أما في الرحلة الراهنة فما زال بمقدور المركبتين تحديد الشمس ونجم آخر بما يسهل مهمة التعرف على الأرض وإرسال الإشارات الراديوية نحوها، تنجز المركبتان عملية تحديد الموقع بإطلاق دفقات نفاثة صغيرة تدار كل منهما بسببها صوب الأرض تماماً.

من الجدير بالذكر أن مركبتين مناظرتين هما بايونير-10 وبايونير-11 قد اتجهتا بدورهما خارج المجموعة الشمسية، أطلقت المركبتان في العامين 1971 و 1973 وتبتعدان الآن نحو الفضاء المظلم السحيق بسرعة 2.6 وحدة فلكية في السنة، لقد توقف الاتصال بالمركبة بايونير-10 يوم 31 آذار 1997، كما أنهيت مهمة بايونير-11 قبل ذلك في تشرين الثاني من العام 1995 لأسباب مالية! تبحر المركبتان لوحدهما حيث تصلان أقرب نجم للشمس في غضون مليون سنة..

عود إلى فويجير.. في عام 8571 تكون فويجير قد ابتعدت عن الشمس 0.42 سنة ضوئية، علماً أن أقرب نجم للشمس يقع على مسافة تساوي عشرة أضعاف هذا المقدار، في ذلك العام تمر فويجير من أقرب نقطة لها مع نجم برنارد الذي يبعد 5.9 سنة ضوئية عن الشمس، تصبح فويجير على مسافة سنة ضوئية واحدة من الشمس عام 20319 وتعبر حينئذ أقرب نقطة في مسارها من نجم بروكسيما سنتوري أقرب النجوم إلى الشمس، وبعد 310 سنوات تقترب فويجير من ألفا سنتوري وهو نجم مزدوج أبعد من بروكسيما سنـتوري بقليل، ستشاهد فويجير النجم من مسافة 3.47 سنة ضوئية، تدلف فويجير إلى سحابة أورت عام 26262، وتبحر فيها لمدة 2400 سنة، مغادرة إياها عام 28635، بعد مليون سنة تبتعد فويجير عن الشمس حتى 50 سنة ضوئية، إنها مسافة هائلة بالمقاييس الأرضية لكن بالمعايير الكونية تكون المركبة مازالت على مقربة من الشمس! لن تقترب فويجير في المليون سنة المذكورة إلى مسافة غير مأمونة من أي نجم، إن أقرب تماس لها سيكون مع نجم بروكسيما سنـتوري على مسافة 3.21 سنة ضوئية من النجم.

هنا على الأرض تتدهور البيئة وتسوء ظروف الحياة ولا يختلف اثنان على أن مستقبل الحضارة الإنسانية في مأزق، قد تواجه هذه الحضارة نهايتها المحتومة في وقت ليس ببعيد، لقد غدت فويجير تذكاراً معلقاً في أجواء الفضاء، يتحدث عن نوازع خيرة لدى جنس نشأ وترعرع في كوكب بعيد، لكن ذلك الجنس لم يستطع تنمية تلك النوازع إلى حدها الأقصى، ومع بقاء فويجير مدداً أطول في ظلمة الكون الدامسة يزداد احتمال اكتشافها من قبل الحضارات الكونية الأخرى، قد يكون التذكار بمثابة درس لتلك الحضارات أن تضع أولويات صارمة في سياق مخطط ارتقائها لا سيما وأن رسالة فويجير تتضمن إشارة واضحة إلى الأخلاقيات الرفيقة للحيتان، ومن يستطيع الجزم بافتراض أن تكون الكائنات الغريبة همجية!! لربما أن التقدم الحقيقي والمعجزة يختزلان بتطوير أخلاقيات رفيعة عالية في جنس حي معين ولعلهم هناك قريبون منا جداً لكنهم يحجمون عن الاتصال مهابة أدواتنا المدمرة؟!!..

---------

نشرت في كتاب (المجموعة الشمسية من منظور معاصر)

للمهندس فايز فوق العادة

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •