الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 ثالوث الريبة

المعرِّي، دوستويفسكي وهايزنبرغ

  م. فايز فوق العادة

رئيس الجمعية الكونية السورية

 

هذا وإن اللغة نفسها تنمو باستمرار كلما ازدادت معارفنا العلمية؛ فهي تغتني بكلمات جديدة. كما يتسع مجال تطبيق الكلمات القديمة، أو يتطور معناها عما كان عليه في اللغة الدارجة. والكلمات من نحو طاقة وكهرباء وإنتروبيا هي نماذج واضحة. وبهذه الطريقة نتيح للُّغة العلمية نمواً يمكن أن نسميه توسعاً طبيعياً للُّغة العادية يتكيف مع ظهور مجالات جديدة في المعرفة العلمية.

فيرنر هايزنبرغ

 

تمشِّياً مع ما ذهب إليه هايزنبرغ، نميِّز من جانبنا بين كلمتي "الارتياب" و"الريبة". يجسِّد الارتياب حالة ذاتية غير مستقرة، لا تنحلُّ إلا عبر النفي أو الإيجاب. وهي، وإن بقيت دون حلٍّ، فإنها لا تفقد سمتها الأساسية، كونها حالة مقرَّرة. إن المشاعر التي تعتلج بها صدورنا لهي أكبر دليل على ما قدَّمنا، لاسيما أننا نكون على ثقة مطلقة بوجود تلك المشاعر إبَّان اجتياحها لنا. أما "الريبة"، من جهة أخرى، فنعني بها فعلاً وجودياً باطناً يُبرِز الاستحالة الموضوعية على نحو ما.

إن "الاستحالة الموضوعية" هي حجر الزاوية في الميكانيكا الكوانتية. فوفق هذا العلم تستحيل علينا معرفة الحياة. فلو حاولنا ذلك لوجب علينا أن ننهي الحياة في عيِّنة حية. وإذ ذاك يتحول بحثنا إلى أمر لا علاقة له بالحياة. أنشد المعرِّي:

طلبت يقيناً من جهينة عنهم     ولم تخبريني يا جُهَيْنُ سوى الظن

دهر يكرُّ ويوم ما يمر بنا     إلا يزيد به المعقول تخبيلا

يطبع المعري الريبة بطابع الحتمية:

تعالى الله فهو بنا خبير     قد اضطرت إلى الكذب العقول

نقول على المجاز وقد علمنا     بأن الأمر ليس كما نقول

حقاً إن الريبة باطنة في العالم!

إذا صقلتْ دنياك مرآة عقلها     أرتْكَ جزيل الأمر غير جزيل

... ... ...

أمور يلتبسن على البرايا     كأن العقل منها في عقال

وما سمحتْ لنا الدنيا بشيء     سوى تعليل نفس بالمحال

إن البيت الأخير هو المكافئ الفلسفي لعلاقة هايزنبرغ في الريبة التي سنتطرق إليها بعد قليل. وعن الاستحالة الموضوعية:

وجدتُ الشرَّ ينفع كل حين     ومن نفع به حمل الحسام

وليس الخير في وسع الليالي     فكيف نسومها ما لا يُسام

إن الحياة معطى عظيم، لكن الإنسان يُبخِسها حقها؛ لا بل إنه لا يقدِّر ما لديه حقَّ قدره: إنه فعل الريبة. لقد تكشفت الريبة أمام ناظري دوستويفسكي، فثابر على إعطائنا الألغاز. ولا غرو في ذلك؛ فلقد كان لإعدام دوستويفسكي المزيف دور كبير في عملية الكشف تلك. نقرأ في أبله دوستويفسكي:

انقضى أسبوعان على الأحداث التي رويناها في الفصل السابق. وقد تغيرت أحوال شخصيات قصتنا أثناء تلك المدة تغيراً كبيراً جداً، حتى ليصعب أن نمضي في الطريق إلى آخره دون الدخول في بعض التفسيرات. ولكننا نشعر نحن أنفسنا بأن من العسير علينا في كثير من الحالات أن نعلِّل هذه الأحداث. أغلب الظن أن مثل هذا التنبيه سيبدو للقارئ غريباً وغير مفهوم في آن واحد. فكيف يمكن أن يسرد المرء أحداثاً ليس في ذهنه فكرة واضحة عنها وليس له رأي شخصي فيها.

لعل صلب المسيح هو المثال المفضل لدى دوستويفسكي على الاستحالة الموضوعية. فالمسيح، وفق دوستويفسكي، هو الطيِّب الوحيد الفعَّال. أما الإنسان الطيِّب بصورة أعم فهو أبله بمعنى من المعاني؛ وهو فيلسوف، إلا أنه مقهور. صورة أخَّاذة للريبة يعرضها دوستويفسكي من خلال شخص "الأبله": مزيج متنافر مما قد يُظَنُّ حتمياً للوهلة الأولى، ثم لا يلبث أن يتبدد في أزلية عدم التعيين. يقرر دوستويسفكي أن الأبله ليس كدون كيشوت. نلمح في هذا القرار، الصادر على هامش الريبة، سخرية واضحة من دعوى الحتمية الاجتماعية. إن تحليل دوستويفسكي هو ضرب من النبوءة فعلاً. تفضي الاستحالة الموضوعية، وفق دوستويفسكي، إلى استحالةٍ مقابلةٍ في تحقُّق سمات المسيح، مهما حاول الشخص المعني تبني آراء المسيح.

يطرح هايزنبرغ آراءه على نحو واضح: "لو شئنا تفهُّم ما يحدث في عالم الصغائر فإن علينا استجلاء ما يعنيه فعل الحدث. ينطبق هذا الفعل في حالة الملاحظة المباشرة، ولا علاقة له البتة بالفترة الفاصلة بين ملاحظتين متتاليتين. إن الحادث في نهاية المطاف هو حادث فيزيائي، ولا يمت بصلة إلى الأحوال النفسية. يمكننا أن نقول إن التحول من الممكن إلى الواقع يتحقق لحظة التفاعل مع أداة القياس ومع العالم بأسره بالتالي." ويضيف هايزنبرغ: "يتضمن توصيف أداة القياس ريبة تعزى إلى البنية الصغائرية لتلك الأداة، كما يفيدنا علم الديناميكا الحرارية. ولما كانت الأداة المذكورة متصلة مع كل أصقاع العالم الأخرى، فإنها – أي الأداة – تنطوي على الريبة الباطنة في التكوين الصغائري للعالم كلِّه."

إننا لا نستطيع أن نتصور الجملة المقيسة، وقد تفاعلت مع أداة القياس ومع العالم المحيط بها كلِّه، دون أن نقحم الوعي كجزء من هذا العالم، خاصة الوعي المجرِّب الدارس للجملة المعتبَرة. لكن فلسفة هايزنبرغ تقوم في الأساس على إمكان استجرار "الأشياء بذاتها" عن طريق الملاحظات والخبرات المباشرة. ومردُّ ذلك أن هايزنبرغ سعى إلى إجراء تعديلات جذرية على أفكار كانط. فمن المعلوم أن هذا الأخير حاول رأب الصدع في فلسفة هيوم الناجم عن المفارقة الخاصة باستحالة تعليل المنطق الاستنتاجي. طرح كانط، كخطوة أولى على طريق حلِّ هذه المفارقة، فكرة أن تكون مجموعة جزئية من مفاهيمنا غير مشتقة من الخبرة والملاحظة، وأن هذه المجموعة الجزئية تشكل بنية قبلية لا مناص من اللجوء إليها لدى محاولة تنظيم ونَمْذَجَة معطيات حواسنا. لقد اعتبر كانط أن الزمان المطلق والفضاء الإقليدي والسببية والجوهر هي العناصر الأساسية في هذه المجموعة الجزئية، وأن لهذه العناصر شرعية مطلقة. يرى هايزنبرغ أن هذه العناصر وأمثالها لا تعدو كونها حقائق نسبية ترتبط بالاشتراطات الخاصة بطرائق البحث العلمي، وهي قبلية بهذا المعنى – وبهذا المعنى فقط. بذلك يجرِّد هايزنبرغ مصطلح القبلية من المعاني التي ربط بها كانط ذلك المصطلح، كالمتسامي والسرمدي وسواهما. إن الأشياء بذاتها لدى كانط قد انقلبت عند هايزنبرغ إلى محض تشكيلات رياضية تتمخَّض عنها النظريات العلمية. وهكذا، وخلافاً لما اعتقده كانط، فإن الأشياء بذاتها يمكن أن تُحرَز، وفق هايزنبرغ، إحرازاً غير مباشر، عبر الممارسة والخبرة. لكن هايزنبرغ لا يحدد الموقع الدقيق للوعي الدارس في إطار الموضوع الشامل لممارسة وخبرة هذا الوعي بالذات. ناهيك عن أن عملية القياس تصاب بانقطاع لحظة تسجيل الوعي لنتائج القياس؛ ذلك أن الوعي لا يتماثل مع أدوات القياس، بل يختلف عنها، وفق نظريات القياس المختلفة. إن ما يحدث في أدوات القياس لا يرقى إلى سويَّة العمليات المعقدة التي تجري داخل الوعي. نخلص من كل ذلك إلى أن هايزنبرغ يضعنا أمام الاستحالة الموضوعية وجهاً لوجه!

إن هايزنبرغ هو أبو الريبة. إنه مكتشف أهم ناموس كوني عُرِف باسمه فيما بعد: مبدأ هايزنبرغ في الريبة. يحدد هذا المبدأ أصول تعاملنا مع الطبيعة؛ وهو ينص على استحالة المتابعة الفعلية للمتغيرات الفيزيائية في نفس الوقت. فلو شئنا تحديد سرعة قسيم معيَّن تجريبياً لأمكننا ذلك بالدقة التي نرغب؛ كذلك الأمر مع موقع ذلك القسيم. أما أن نحاول وضع اليد على القيمة التجريبية لكل من هذين المتغيرين في نفس اللحظة، فسنواجَه بضرب من التعذُّر. إذ لو ازدادت دقة قياس أحدهما، لنقصت دقة قياس الآخر، والعكس صحيح. يفضي الاستقصاء الدقيق لسرعة القسيم إلى إضاعة أثره، بما يترجَم إلى ريبة في تحديد موقعه؛ بينما تؤدي محاصرته في المكان إلى تغيير عشوائي في سرعته. ينطبق ما قدمناه عن الريبة في معرض ثنائية السرعة والموقع، حرفاً بحرف، على ثنائية الطاقة والزمن. فلو حاولنا حساب طاقة قسيم على نحو دقيق لأضعنا دقة مقابلة في حصر الفترة الزمنية التي تعامَل القسيم في أثناءها مع كمية الطاقة المشار إليها. على العكس، لو نجحنا في تحديد الفترة الزمنية التي تفاعل القسيم في أثناءها مع قدر من الطاقة، لما أمكننا تقييم ذلك القدر على نحو مُرْضٍ. يشكل مبدأ هايزنبرغ جوهر علم الميكانيكا الكوانتية الذي يُسقِط الصفة المقررة للعالم، محولاً ذلك العالم إلى مجموعة من الأحداث العشوائية الاحتمالية. إن القصور المعرفي المترتب عن مبدأ هايزنبرغ لا علاقة له بالمحدوديَّة الراهنة لأدواتنا، ولا بضيق فاعلية حواسنا. فالريبة، كما سبق وأشرنا، هي فعل وجودي باطن؛ وهي ليست مستقلة عن إرادتنا، لكنها ليست من فعل تلك الإرادة. فالاستقلال عن الإرادة، والامتثال لها، يشكلان ثنائية، شأنهما شأن ثنائية السرعة والموقع، وثنائية الطاقة والزمن.

لا نعرف تاريخاً محدداً تلمَّس الفكر الإنساني الريبة عنده. ومن المفترض ألا نستطيع تلك المعرفة بدقة مطلقة، وفقاً لمبدأ الريبة نفسه! لكننا نجد في الترانيم الكوسموغونية الهندية التي تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد إشارة إليه. ففي تلك الترانيم يذكر المنشِد انتفاء الوجود والعدم، وغياب الحياة والموت، على حد سواء، قبل طور البدء. أما الكينونة بحدِّ ذاتها، فتردُّها الترانيم إلى أصل موحَّد؛ وتستطرد لتتحدث عن مهندس تلك الكينونة وأنه ربما أقدم على صوغها، وربما أنه لم يُقدِم. وأكثر من ذلك، تقول إنه إما أنه كان على دراية بأفعاله، وإما أنه كان على جهل مطبق بها!

أشار هايزنبرغ في المقبوس الذي استهللنا به البحث إلى مصطلح الإنتروبيا. يعني هذا المصطلح، في أدبيات الفيزياء المعاصرة، كمية الطاقة الحرارية في واحدة درجات الحرارة. لنتصور حيزاً مغلقاً يقسمه حاجز إلى حيزين جزئيين، وأن جزيئات غازية تملأ الحيز الجزئي الأول، بينما الحيز الجزئي الآخر مخلخل ويكاد أن يكون خالياً. نرفع الحاجز فجأة، فتندفع جزيئات الغاز متوزعة بين الحيزين الجزئيين، وينجم عن ذلك انخفاض في درجات الحرارة وازدياد في الإنتروبيا. يتَّسم هذا التعريف للإنتروبيا بأنه تعريف إجمالي؛ إذ إنه لا يقدم صورة تفصيلية يتحدد مصطلح الإنتروبيا بموجبها بدلالة مواقع وسرعات القسيمات المختلفة. يعني ازدياد الإنتروبيا، على وجه الدقة، ازدياداً مقابلاً في الفوضى وانخفاضاً في درجة النظام. لكن ما الذي يعنيه النظام؟ إن الأمر يتعلق هنا بعمق حيازتنا للمعرفة. إن أي تنظيم للجزيئات، بالغاً ما بلغ تعقيده، لن ينحدر إلى الفوضى بسهولة إذا كنا على علم بسرعة وموقع كل جزيء من جزيئاته. تنطوي الفوضى التي أشرنا إليها على استحالة التنبؤ بسبب الافتقار إلى المعلومات التفصيلية الخاصة بمواقع وسرعات الجزيئات. ما يحدث عادة هو أن حيازتنا لهذه المعلومات تزداد صعوبة على نحو مطَّرد بازدياد النموذج الناظم لتوزُّع مواقع وسرعات القسيمات تعقيداً. لو عدنا إلى مثالنا السابق، لاستنتجنا على الفور أن درجة معرفتنا بسرعات ومواقع الجزيئات كانت أكبر قبل رفع الحاجز. باختصار، تتنافى المعرفة والريبة. فإذا ازدادت المعرفة تقلصت الريبة وانخفضت الإنتروبيا. على العكس، يعني ازدياد الإنتروبيا تعميماً للريبة وانحساراً في المعرفة. تدل تجربتنا الأخيرة على أن كل حيز مغلق سيعاني، ولا شك، من ازدياد مطَّرد في الإنتروبيا. علل الفلكي ميلنه أن تمدُّد الكون هو برهان ساطع على جنوح الإنتروبيا إلى الازدياد. فالكون، مهما بلغ امتداده، هو حيز مغلق وفق اعتبارات الطاقة، وتمدُّده أشبه برفع الحاجز في تجربتنا. هكذا تتضخم الإنتروبيا مع السيالة الزمنية وتستشري الريبة وينحدر الكون شيئاً فشيئاً إلى الفوضى. يقول المعري:

واللبيب اللبيب من ليس يغترُّ     بكون مصيره للفساد

ومن شعره:

دع الطير فوضى إنما هي كلَّها     طوالبُ رزق لا تجيء بمفظع

يدغم المعري الفوضى بالريبة، ليخلص إلى البيت التالي:

فساد وكون حادثان كلاهما     شهيدٌ بأن الخلق صنعُ حكيم

نلحظ من البيت الأخير أن الريبة الباطنة كأنما قد دُفِنت عمداً في العالم. سبق المعري، برؤيته الثاقبة هذه، كل علماء الميكانيكا الكوانتية الذين يعتقدون بوجود شيء ما، حقيقة خلفية، رغم الريبة الحائلة بيننا وبين كمال المعرفة. يرتِّب هذا الاعتقاد مفارقة كبيرة. فلو كانت تلك الحقيقة ثابتة لا تتغير – أي كانت حقيقة سرمدية – فإن التطور الظاهري لن يعكس البنية العميقة لتلك الحقيقة؛ إذ إن الديناميَّة الظاهرية ستشوِّش المشهد الخلفي. عالج المعرِّي هذه المعضلة بقوله:

وما لنفسي خلاص من نوائبها     ولا لغيري إلا الكون في العدم

... ... ...

وزهَّدني في الخلق معرفتي بهم     وعلمي بأن العالمين هباء

وقد نطقتِ بأصناف العظات لنا     وأنتِ فيما يظن القوم خرساء

ذلك أن مثل هذه الحالة ستجعل الوجود عارياً عن المعنى.

إن للدفن المتعمد للريبة في العالم تبريراً في نظرية الألعاب المعاصرة في الرياضيات. فالحقيقة السرمدية، لو كان لها أن تتعامل معنا أصلاً، ستتبع – ولا شك – قواعدنا في التعامل. تدل النظرية المذكورة على أن السمات الجوهرية للحقيقة السرمدية ستجر إلى تناقضات عميقة. فالعلم المطلق، والقدرة الكلِّية، والخلود، ترتِّب جميعاً تراجعاً للحقيقة السرمدية أمام الوعي الحادث في أي تقابل وفق النظرية المذكورة. ويتجسد ذلك التراجع بتعذُّر الحفاظ على بعض تلك السمات أو كلِّها من جهة، واستمرار عدم التجلِّي من جهة أخرى. أما أن تلجأ الحقيقة السرمدية إلى تقييد قواعد نظرية الألعاب بالفاعلية الفيزيائية لبعض تلك السمات أو كلِّها، فسيؤدي ذلك التقييد إلى حرمان الوعي الحادث من الحرية الظاهرية التي يظن أنه يتمتع بها. هكذا تغدو الريبة حتمية للحقيقة السرمدية وحاجزاً مبهماً عديم المعالم من منظور الوعي الحادث. بيَّن المعري حالة الوعي الحادث هذه:

إذا سألوا عن مذهبي فهو بيِّن     وهل أنا إلا مثل غيري أبله

إن كان للحقيقة السرمدية ألا تتراجع أمام الوعي الحادث فما عليها إلا أن تغمر العالم بالريبة. يتساءل أينشتاين: "هل كان لدى الإله أي خيار لدى خلقه العالم؟" وأتساءل بدوري: هل كان لدى الحقيقة السرمدية أي خيار لدى بثِّها للريبة في العالم؟ نقرأ من شعر المعرِّي في هذا السياق:

جهلنا فلم نعلم على الحرص ما الذي     يُراد بنا والعلم لله ذي المنِّ

... ... ...

سبحان من ألهم الأجناس كلَّهم     أمراً يقود إلى خبل وتخبيل

... ... ...

سألتموني فأعيتْني إجابتُكم     من ادَّعى أنه دارٍ فقد كذبا

... ... ...

ولا عقل للدهر فيما أرى     فكيف يعاتَب إن أذنبا

... ... ...

وكم طلبتَ أموراً لست مدركَها     تبارك الله من أغراك بالطلب

وكنا قد أشرنا إلى حتمية الريبة للحقيقة السرمدية:

تعالى الله فهو بنا خبير     قد اضطرت إلى الكذب العقول

كما ذكر المعرِّي في هذا السياق:

وقد أعمل الناس أفكارهم     فلم يُغْنِهِم طول إعمالها

يؤكد المعرِّي أن تعامل الحقيقة السرمدية مع الوعي الحادث إنما يتم وفق قواعد الأخير:

والله يقدر أن يفني بريَّته     من غير سَقَم ولكن جنده العلل

إن كانت الحقيقة السرمدية مفارقة وغير متجلِّية، بينما العالم غارق في الريبة، فما العمل والحال هذه؟

على الرغم أن المعرِّي لم يكن على دراية بنظرية الألعاب الرياضية فقد أدرك، برهافة إحساسه، وقبل باسكال بوقت طويل، أن الاستجابة تُختزَل بحسابات الربح والخسارة، إذ قال:

قال المنجِّم والطبيب كلاهما     لا تُحشَر الأجساد قلت إليكما

إن صحَّ قولُكما فلستُ بخاسرٍ     أو صحَّ قولي فالخسارُ عليكما

أين دوستويفسكي من ذلك؟ لن نجد صعوبة في استشفاف نبضات مماثلة لدى العملاق. نعم، إن الكون ينحدر إلى الفوضى، لا بل إنه الفوضى مجسَّدة. وإن معايير الاستمرار هي معايير الربح والخسارة: الربح الدنيوي لدى إيفان كارامازوف، والربح الأخروي لدى المعرِّي. يذكر دوستويفسكي على لسان إيفان هذا:

مهما تخيِّب الحياة ظني، ومهما يخب أملي بالمرأة التي أحبها، ومهما أفقد إيماني بنظام الأشياء، وأقتنع أن الكون سديم، فوضى، ملعون، ولعلَّه خاضع لمشيئة الشيطان، فلن يغير هذا من الأمر شيئاً. بل مهما أغُص في جميع وهاد اليأس الإنساني، فسأظل أحب الحياة مع ذلك ورغم كل شيء. وحين أبدأ أعبُّ كأس الحياة بنهم، متلذذاً حتى الثمالة، فلن أتركه قبل أن أفرغه تماماً. ولكن حين أبلغ الثلاثين من العمر، فإنني سأرمي الكأس حتماً إن كان فيه بقية، ثم أمضي... إلى أين؟ لا أدري.

يضيف إيفان: "أنوي أن أسافر إلى أوروبا يا أليوشا. سأغادر هذا البلد. وإني لأعلم مع ذلك أنني لن أجد هناك إلا مقبرة، لكنها مقبرة عزيزة على نفسي."

لنلاحظ أن إيفان يبدأ من حالة عدم التعيين لينتهي إليها. وهو يحب الحياة، لا معنى الحياة. باختصار، إن الريبة هي عالم إيفان، وهو لا يخدع نفسه في هذا السياق إطلاقاً. إنه يقنع نفسه بالريبة على نحو غريب: "... لكنها مقبرة عزيزة على نفسي."

لقد مرت خاطرة الحقيقة السرمدية بذهن دوستويفسكي قطعاً. ففي الشياطين يهتف ليبيادكين "هذه الكلمة الصغيرة: لماذا؟ تطغى على وجه الكون كالطوفان منذ أول يوم وُجِدَت فيه الخليقة يا سيدتي. إن الطبيعة تصيح في كل يوم سائلة خالقها: لماذا؟"

ولما لم تأتِ أية إجابة فلا مناص من الغرق في الريبة، وعلى نحو إرادي أيضاً. يقول كيريللوف في الشياطين: "الله ضروري. إذن لا بد أن يوجد. لكنني أعلم أنه غير موجود ولا يمكن أن يوجد. أعلم أن ليس من إنسان يمكن أن يستمر في الحياة حاملاً فكرتين كهاتين."

ومن عجائب الإغراق في الريبة لدى دوستويفسكي قول أليوشا كارامازوف: "راهب... ومع ذلك قد لا أكون حتى مؤمناً بالله." في حين يعلِّمنا المعري:

رويدك قد غررت وأنت حر     بصاحب حيلة يعظ النساء

يحرِّم فيكم الصهباء صبحاً     ويشربها على عمد مساء

يقول لكم: غدوت بلا كساء     وفي لذاتها رهن الكساء

إذا فعل الفتى ما عنه ينهى     فمن جهتين لا جهة أساء

تلكم هي إمكانية إذن: حقيقة سرمدية تأبى التجلِّي، وفي فعلها هذا ترجِّح الوعي الحادث وفق نظرية الألعاب الرياضية، فتسارع إلى قطع ذلك الترجيح بغمر العالم في الريبة. وإذ ذاك يضرب الوعي الحادث على غير هدى في ظلام الريبة. يختزل المعرِّي الصورة بقوله:

خالق لا يشك فيه قديم     وزمان على زمان تقادم

جائز أن يكون آدم هذا     قبله آدم على إثر آدم

لست أنفي عن قدرة الله أشـ     ـباح ضياء بغير لحم ولا دم

وبصير الأقوام مثلي أعمى     فهلمُّوا في ظلمة نتصادم

لنلاحظ أن المعرِّي لا يحدد هيئات معينة للوعي الحادث. فمهما كانت تلك الهيئات – أنسية أم ملائكية أم على شاكلة الكائنات غير الأرضية – فجميعها عمياء تتصادم في دُجى الريبة.

من عجائب تشتُّت العالم الفيزيائي في محيط الريبة نذكر التجربة التالية: نعدُّ حاجزين شاقوليين تفصل بينهما مسافة معينة. نثقب أحدهما بثقبين يقعان على مستقيم شاقولي أيضاً. نطلق من خلف الحاجز المثقوب، ومن نقطة تقابل منتصف المسافة بين الثقبين، مجموعة من الطلقات. تعبر الطلقات الثقبين لتصل الحاجز الثاني. إذا تقصَّينا التوزُّع الإحصائي للطلقات الواصلة لاحظنا أن أكبر عدد منها يتجمَّع عند النقطة من الحاجز المقابلة لمنتصف المسافة بين الثقبين، بينما ينخفض عدد الطلقات الواصلة إلى المواقع الأخرى من الحاجز فوق وتحت النقطة المذكورة. لو كررنا التجربة بإغلاق أحد الثقبين لتكررت النتائج، مع فارق أن النقطة من الحاجز حيث سيتجمع أكبر عدد من الطلقات ستقع هذه المرة قبالة الثقب المفتوح.

نستبدل بمصدر الطلقات منبعاً مائياً. ترتطم كتلة الماء بالحاجز المثقوب، فيصبح كل ثقب بدوره منبعاً مائياً جديداً. نبدأ هذا الطور من التجربة بإغلاق أحد الثقبين، فتنتشر على الحاجز الآخر دوائر مائية متمركزة يقابل مركزها المشترك الثقب المفتوح. تماثِل هذه الدوائرُ الدوائرَ التي نحصل عليها عندما نرمي حجراً على سطح مائي ساكن. تجسد الدوائر نوعين مختلفين من الاهتزاز. ففي نوع منها يبلغ كل جزيء مائي مهتز الذروةَ، وفي النوع الآخر يبلغ كل جزيء مائي مهتز الحضيضَ. لو ألقينا حجرين في آن واحد على السطح المائي الساكن لالتقت الدوائر المتمركزة حول كلٍّ منهما، ولحصلنا على أشكال جديدة تحتل منطقة اللقاء من سطح الماء تُعرَف في أدبيات الفيزياء بـ"نموذج التداخل". إذا فتحنا الثقبين معاً في تجربتنا لحصلنا على نفس نموذج التداخل المذكور وقد توضَّع على الحاجز الآخر. نقول إن الطلقات تسلك سلوكاً قسيمياً، بينما يسلك الماء سلوكاً موجياً. لا تعرف الفيزياء المعاصرة غير هذين النوعين من أنواع السلوك.

نصل الآن إلى الطور الثالث من تجربتنا، حيث نستبدل بمصدر الطلقات وبالمنبع المائي مدفعاً إلكترونياً. نبدأ هذا الطور بإغلاق أحد الثقبين، فنحصل على نتائج مطابقة لتلك التي حصلنا عليها لدى إغلاق أحد الثقبين في الطور الأول، حيث مرت الطلقات من الثقب المفتوح. أما فتح الثقبين المترافق مع إغراق حيِّز التجربة في ظلمة دامسة فيرتِّب نتائج مماثلة لتلك التي خلصنا إليها لدى فتح الثقبين في الطور الثاني من التجربة؛ إذ تتوزع الإلكترونات على مسارات تشبه بمجموعها نموذج تداخل الموجتين المائيتين. إن علينا هنا أن ننتبه لأمر هام: فالتداخل لا يحصل بين الإلكترونات المارة من الثقبين، كما حصل في حالة الموجات المائية المارة من الثقبين. وأكبر دليل على ذلك أننا نستطيع خفض دفق الإلكترونات المنطلقة من المدفع إلى حدٍّ لا يغادر عنده المدفع إلا إلكترون واحد. وعلى الرغم من ذلك نحصل على نموذج التداخل، وكأن الإلكترون يمرُّ من الثقبين في آن واحد ليتداخل مع نفسه. لقد أصيبت الإلكترونات بالفصام – مثلما أصِبنا نحن! والإلكترونات، في هذه الحالة، تنفي عن ذواتها صفة القسيمية وتسلك سلوكاً موجياً. ولكن مهلاً! فلو أضأنا الفراغ بين الحاجزين بنور قوي لانقلب الأمر؛ إذ نلاحظ أن واحداً من الثقبين فقط سيومض بشدة لدى مرور أحد الإلكترونات. وعندما نمسح الحاجز الثاني إحصائياً نلاحظ تطابق النتائج مع نتائج الطور الأول من التجربة لدى فتح الثقبين. تثبت الإلكترونات، في هذه الحالة، أنها قسيمات.

هكذا تتظاهر الإلكترونات تارة بكونها قسيمات وتارة أخرى بكونها موجات. لكن القصة لا تنتهي هنا؛ فللتجربة طور أخير. لو خفضنا إصدار الإلكترونات من المدفع دون حدٍّ معين لما أثبتت الإلكترونات أنها أيُّ شيء. فلن تكون موجات، ولن تكون قسيمات، ولن تكون أي شيء آخر. فتوزُّع الإلكترونات على الحاجز الآخر سيكون عشوائياً وسيختلف بين إجراء معين للتجربة وبين إجراء آخر. هنا تفقد الطبيعة أية إمكانية للعقلنة بسبب الريبة. أيمكن أن تكون العَقْلَنَة حالة معزولة، متفرِّدة في خضمٍّ متلاطم من الريبة، وأن تكون المعرفة متعذِّرة؟ يقول المعري:

نفارق العيش لم نظفر بمعرفة     أي المعاني بأهل الأرض مقصود

وإذا كانت المعرفة مستحيلة، فهل يعني ذلك أن النظرية الموحِّدة لكل النظريات الفيزيائية ستكون هي النظرية التي لا تقود إلى أية تنبؤات؟!

هل ننتهي من كل ذلك إلى المثالية الذاتية؟ ألمح المعرِّي في شعره إلى مثل هذه الإمكانية:

فليس مثلي وليس فوقي     وليس قبلي وليس بعدي

علينا أن نذكر هنا أن ويغنر – وهو من أئمَّة الميكانيكا الكوانتية – قد سار على درب المعرِّي، ولكن بعد قرون عديدة من الأخير. إن الملتزم، وفق ويغنر، بحرفية أحكام الميكانيكا الكوانتية، لا بد أن يصبح مثالياً ذاتياً ما لم تعدَّل تلك الأحكام. لكن الأحكام الكوانتية هي من صلب الأفعال الطبيعية، وهي، بمعنى من المعاني، غير قابلة للتعديل. فالميكانيكا الكوانتية تحقق المعرفة إن كانت أسيرة شقَّيْ الذات والموضوع. والميكانيكا الكوانتية بمقدورها اختزال المتَّصل إن كانت الذات والموضوع شيئاً موحداً. إن الأحكام الكوانتية هي الريبة مترجمةً إلى اللغة الطبيعية، وهي بذلك حجر الزاوية في معرفتنا للعالم.

تتفق الوضعية والمادية الجدلية على أن العالم المباشر هو المصدر الوحيد للمعرفة. ولما كانت الميكانيكا الكوانتية هي الأداة الوحيدة لسبر العالم فإن هاتين الفلسفتين تلتقيان مع المثالية الذاتية بشكل من الأشكال. إن الميدان النظري للميكانيكا الكوانتية هو حقل المتغيرات الرياضية المجردة والتوابع الاحتمالية، إلا أن سنده الأساسي هو المكان والزمان الإقليديان. إن الزمان الإقليدي تيار مستقل أزلي، والمكان الإقليدي مطلق الوجود. يتباين الفكران النسبوي والكوانتي عند هذه القضية: فالمكان والزمان، وفق أينشتاين، موجودان على قدر المادة، والكون المبني من الطاقة لا مكان فيه ولا زمان. يختلف الأمر لدى الكوانتيين؛ فوفق هؤلاء، لابُدَّ من مكان وزمان ساكنين تتخللهما الريبة. وبصورة أعم، لابدَّ للفكر المستند إلى الريبة من مصادرة زمانية–مكانية على هذا الغرار. تصوَّر المعرِّي حالة كهذه:

أما المكان فثابت لا ينطوي     لكن زمانك ذاهب لا يثبت

ومن أقواله:

هذا الفتى أوقح من صخرة     يبهت من ناظره حيث كان

ويدعي الإخلاص في دينه     وهو عن الإلحاد في القول كان

يزعم أن العشر ما نصفها     خمس وأن الجسم لا في مكان

لقد كان دوستويفسكي إقليدياً، كما ألمح إلى ذلك عبر إيفان كارامازوف. يلتقي هايزنبرغ مع المعرِّي ودوستويفسكي، كونه أحد أئمَّة الميكانيكا الكوانتية. وإذا كانت المعرفة متعذِّرة فلماذا لا يرضى العقل بالأمر الواقع ويقرُّ بالريبة؟

في عمله الشهير في قبوي ألحَّ دوستويفسكي طالباً من العقل إقرار الريبة. لقد احتجَّ هناك على ضرورة المساواة 2 × 2 = 4، وهبط إلى عمق الذات الإنسانية، مبيِّناً أن لا بديل عن الريبة لتلك الذات. يذكر بطل في قبوي: "إنني مقتنع بأن الإنسان لن يتخلى أبداً عن العذاب الحقيقي، أي عن التخريب والفوضى. فالعذاب هو العلة الوحيدة للوجدان." إن قبو دوستويفسكي هو متاهة من الريبة.

لقد أقرَّ أبو العلاء الآراء الفلسفية الأبيقورية التي تنطوي على إنكار العلَّة الغائية وإثبات أن العالم كما هو لم يُخلَق لغاية من الغايات التي نعرفها نحن ونزعم أن الأشياء خُلِقت لتحقيقها؛ إذ لو صحَّ ذلك لكانت ثمة قناة بين الحقيقة الخلفية وبين العالم. لكن تلك الحقيقة مفصولة، على ما يبدو، بفجوة من الريبة؛ الأمر الذي يجعل العالم نوعاً من العبث. ولا يفعل الإنسان، ضمن هذا السياق، أكثر من التخبُّط في الظلمة:

يزيد ليلك إظلاماً إلى ظلم     فما له آخر الأيام إصباح

إن الميكانيكا الكوانتية أوسع من الفلسفة الوضعية. فالميكانيكا الكوانتية تقبل بالمتغيِّرات الرياضية التي لا تقابل ظواهر فيزيائية ممكنة الرصد، بينما ترفض الوضعية ذلك. يرى الوضعيون أن أية قضية مفترضة لن تحظى بالمعنى ما لم يكن بالإمكان تأييدها أو دحضها بإجراء تجريبي معيَّن. ويذهب غلاة الوضعيين أبعد من ذلك؛ فهم يعتقدون أن الواقعية ليست حقيقية وليست غير حقيقية؛ ببساطة لأن مصطلح "واقعية" لا يمكن أن يوضع على محكِّ التجربة! لكن كيف يمكن أن نسوِّغ، من المنظور الكوانتي، المتغيِّرات الرياضية التي لا تقابل ظواهر فيزيائية. لقد تصدَّى لحل المشكلة كلٌّ من ويلر وإيفريت ودو ويت.

تتمخض كل عملية قياس في الميكانيكا الكوانتية عن عدد محتمل من النتائج. سنعود إلى عملية القياس الكوانتي في موقع آخر من هذا البحث، لكننا نكتفي هنا من القياس بتعميم العلماء الثلاثة المذكورين له.

إذا قبلنا، مع الوضعيين ومع الماديين الجدليين، بأن عملية القياس ما هي إلا فعل فيزيائي صرف، فلا يوجد ما يحول دون اعتبار كل فعل فيزيائي آخر بمثابة عملية قياس. ولما كانت كل عملية قياس تستتبع عدداً محدداً من النتائج، فإن الكون ينشطر عند كل عملية قياس بما يمكِّن من احتواء كل نتيجة من نتائج عملية القياس بشكل منفصل. إننا لن نستطيع تحسُّس عمليات الانشطار هذه؛ إذ إن أحكام الميكانيكا الكوانتية تمنعنا من ذلك ما دمنا صنَّفنا ذواتنا كمنظومات فيزيائية صرفة. بشكل أدق، لن نقع إلا على نتيجة واحدة من نتائج عملية القياس؛ أما النتائج الأخرى فستبدو لنا كمتغيِّرات رياضية لا تقابل ظواهر فيزيائية. لكن حقيقة انشطار الكون تعني، فيما تعنيه، اختصاص الأكوان الوليدة بالنتائج الأخرى واستحالة التكاشف بين هذه الأكوان بالنظر إلى ما تقدَّم. لن نهبط إلى التفاصيل الخاصة بالنماذج المتباينة لهذه الأكوان المتعددة، لكننا نقول إن هذه الرؤية متعذِّرة الإثبات، ومتعذِّرة الدحض أيضاً؛ كما أنها تجرُّ الفلسفة الوضعية إلى فلكها. فما دام تفسير الأكوان المتعددة يدفع المتغيرات الرياضية إلى حلبة الظواهر الفيزيائية، لا يبقى من مسوِّغ لقبول الفلسفة الوضعية، ولا لرفضها أيضاً. إن الوضعية تُختزَل، في نهاية المطاف، إلى الريبة.

لم تكن التعددية الوجودية غريبة على مخيِّلة أبي العلاء. فقد صوَّر إنساناً ينظر بقدميه، ويمشي على رأسه، ويسمع بيديه، ويبكي بأصابعه، ويذوق بأذنيه؛ كما جمع بين جبلين، أحدهما في الشام وآخر في نجد؛ وغيَّر من طبائع وحش أَلِفَ الجبال طويلاً فجعله ينقلب إلى حياة السهول. وإذا أخذنا ببيت أبي العلاء الشهير

لا تقيِّد عليَّ لفظي فإني     مثل غيري تكلُّمي بالمجاز

حُقَّ لنا أن نفسر تصوراته على النحو التالي: لم يكن أبو العلاء كاتب خيال علمي، ولا تعوَّد نسج الأساطير، كما أنه لم يقصد المعجزات. لقد انصبَّ حديثه على الإمكانية وحسب. فالإمكانية ليست مستبعدة، والاستنتاج المنطقي الوحيد المتبقي هو استحالة التكاشُف. نلاحظ أن التعددية الوجودية لدى المعرِّي هي تعددية ظاهرية، تماماً كما هي لدى دوستويفسكي وهايزنبرغ وسائر أتباع المدرسة الكوانتية. ما علينا هنا إلا أن نذكِّر بما قدمناه من شعر المعرِّي:

خالق لا يُشَكُّ فيه قديم     وزمان على زمان تقادم

جائز أن يكون آدم هذا     قبله آدم على إثر آدم

لست أنفي عن قدرة الله أشـ     ـباح ضياء بغير لحم ولا دم

... ... ...

سبحان من ألهم الأجناس كلَّهم     أمراً يقود إلى خبل وتخبيل

... ... ...

وكم طلبتَ أموراً لستَ مدركَها     تبارك الله من أغراك بالطلب

مضيفين البيت التالي:

وليس لنا علمٌ بسرِّ إلهنا     فهل علمتْه الشمس أو شعر النجم

إن الحقيقة السرمدية الخلفيَّة التي خلقت الريبة هي الممثلة لوحدة الوجود.

لقد هبط دوستويفسكي إلى الذوات الإنسانية، أو لنقل، إلى الأكوان الإنسانية، تلمُّساً للتعددية الوجودية. أشار إلى ذلك عبر حديث راكيتين لأليوشا: "أنت واحد من أسرة كارامازوف. أنت منهم تماماً. لابُدَّ من أن نُقِرَّ بأثر العرق والوراثة رغم كلِّ شيء. أنت شهواني حسِّي من جهة أبيك، مجذوب مبارك بسيط من جهة أمك."

لم يقصد دوستويفسكي بكلمتي "العرق" و"الوراثة" المعنى الحرفي لكل منهما قطعاً، لكنه تصوَّر مفهوم الانشطار التالي لأية تجربة. فالشيطان والأرض كلاهما من نتائج التجارب الإلهية، وما يتحدَّر عن الأكوان العليا نستشفُّه في الأكوان الإنسانية. يمثل دميتري وإيفان وسمردياكوف ثلاثة أكوان، يضم كلُّ كون منها نتيجة من نتائج التجارب الإلهية. أما أليوشا فأمره عجيب؛ إنه يمثل تداخل كونين على التخوم الفاصلة بينهما، وهي حالة شديدة الندرة. يتأكد تفسيرنا هذا لدى العودة إلى العمل العظيم الإخوة كارامازوف الذي يؤكد دوستويفسكي فيه أن العمل برمَّته مخصص لأليوشا، وأن عملاً آخر يتناول إيفان سيصدر فيما بعد. إن الأب الشهواني الحسي، وفق دوستويفسكي، هو الشيطان، بينما الأم المجذوبة المباركة البسيطة هي الأرض؛ والأرض والشيطان نتيجتان من نتائج التجارب الإلهية، كما أشرنا.

نتابع التجربة الشعرية عند دوستويفسكي. تسبِّب تلك التجربة انشطاراً، كما يجب أن نتوقع. فالشعر، في كون سمردياكوف، سخفٌ لا قيمة له، وهو، في كون دميتري، تنفيس عن قلب حار. أما في كون إيفان، فالشعر في معظمه فكري؛ إنه فكرة معقولة في الذهن، مجبولة بكثير من الشوق.

لكن التعددية الوجودية لدى دوستويفسكي هي تعددية ظاهرية. فـ"شياطين" دوستويفسكي هي أَوْلى بني البشر بإماطة اللثام عن ظاهرة التعددية، ببساطة لأنهم منغمسون في عملية إثبات أصالتها. إلا أن بعضهم يتراجع ويعترف بعد أن تقذف الأنواء به إلى الشاطئ. لكن هذا الحدث لا يتواتر إلا نادراً. يقول ستافروغين في الشياطين:

أنا أعلم أنه يجب علي أن أنتحر، أن أغيب عن وجه الأرض كحشرة مقززة. ولكنني أخاف الانتحار لأنني أخاف أن أُظهِر شيئاً من عظمة النفس. إنني أعلم أن هذا الانتحار لن يكون إلا كذبة جديدة في سلسلة طويلة من الأكاذيب.

وفي غمرة الريبة تستبدل الميكانيكا الكوانتية بظواهر الطبيعة توابعَ رياضية مجردة. لا يشكل هذا الاستبدال تقابلاً، كما قد يخطر ببالنا للوهلة الأولى. وإن دلَّت هذه التوابع على شيء فإنما تدلُّ على احتمال وقوع حدث معيَّن، ولا صلة لها بأسباب ذلك الحدث – إن كانت هناك أسباب أصلاً! تخلق هذه الحقيقة صعوبات كبيرة في لغة الميكانيكا الكوانتية. نذكر، على سبيل المثال وليس الحصر، مصطلحات كوانتية مثل: "اختزال التابع الموجي"، "الحالة الصرف"، "المزيج"، "الاستعاضة عن الكمية الفيزيائية بالمؤشر"، "المجموعات من نمط بوريل"، وسواها. يقول هايزنبرغ:

إن مفهوم التتامِّية الذي أدخله بوهر في تفسير النظرية الكوانتية قد شجَّع الفيزيائيين على تفضيل لغة غامضة على لغة غير غامضة، وعلى استعمال المفاهيم التقليدية بصورة غامضة نوعاً ما، منسجمين في ذلك مع الريبة.

ويضيف هايزنبرغ:

وهكذا فإن كل المفاهيم التقليدية تصبح، عندما نطبِّقها على الذرة في النظرية الكوانتية، لا أحسن ولا أسوأ من "درجة حرارة الذرة"؛ فهي ترتبط بتوقعات إحصائية، وفي حالات نادرة جداً يمكن للتوقع أن يكافئ اليقين. وكما في علم الحركة الحراري التقليدي، فإن من الصعب هنا أن ننعت التوقُّع بالموضوعية. قد يجوز للمرء أن يسمي ذلك نزوعاً إحصائياً أو إمكانية، أو كموناً بالمعنى الوارد في فلسفة أرسطو. والحقيقة أنني أعتقد أن اللغة المستعملة فعلاً لدى الفيزيائيين عندما يتكلمون عن الحوادث الذرية إنما توحي لهم بأفكار مماثلة لفكرة الكمون. فبهذه الصورة اعتاد الفيزيائيون تدريجياً على الكلام عن مدار الإلكترون، إلخ، ليس باعتباره حقيقة واقعة بقدر ما هو نوع من الكمون. فاللغة قد تكيَّفت إذن مع الوضع الحقيقي على نطاق محدود على الأقل. لكنها ليست بلغة محكمة يمكن للمرء أن يعبِّر فيها عن أنماط منطقية نظامية. إنها لغة تولد صوراً في الذهن، كما تولد في ذاته القناعة بأن هذه الصورة ذات علاقة غامضة في الواقع، أي لا تمثل سوى نزوع نحو الواقع.

وإذا كان هذا هو شأن لغة الميكانيكا الكوانتية، فلا غرو في أن يكون المعرِّي قد ركب نفس المركب الصعب. فاللغة التي تمَّت صياغتها المباشرة في أطر الفكر اليومي تبدو ضيقة بإزاء الأفكار العظيمة. إنها لتنوء بحملها عندما يغدو الأمر متعلقاً بالمفاهيم العميقة المستمَدة من عالم الريبة. إن المفكر الحقيقي لن يألو جهداً للتعبير عما يجيش بصدره، لكن المخزون اللغوي لا يسعفه في كل الحالات، فلا يجد مناصاً من اللجوء إلى الألفاظ الصعبة. إن المعرِّي هو مضرب للمثل في هذا السياق، وتكاد كل كتاباته وأشعاره أن تكون على تخوم الغموض في كلماتها وأسلوبها. نقرأ من شعره:

فعزيز عليَّ خلط الليالي     رم أقدامكم برم الهوادي

... ... ...

مستقي الكف من قليب زجاج     بغروب اليراع ماء مداد

... ... ...

نعيناه حتى للغزالة والسهى     فكل تمنى لوفداه من الحتم

... ... ...

أعارض مزن أورد البحر ذوده     فلما تروَّت سار شوقاً إلى نجد

... ... ...

يغفي ويزعم أنه متبول     راج خيالك أنه سيديل

... ... ...

كسابياء السقف أو سافيا     ء الثغب في يوم صباً مرهم

وإني لأتساءل: كيف وسعت اللغة أفكار المعرِّي؟ وكيف ضمَّ الشعر الموزون المقفَّى خلجات ذهنه؟ ويدَّعي من يطلقون على أنفسهم رُوَّاد الشعر الحديث أنهم تجاوزوا اللغة والقصيدة العمودية. لا بل إن عبقرياتهم الفذَّة لا تستطيع التنفيس عن لواعجها إلا ضمن أسطر قليلة من إشارات الاستفهام والتعجب والنقاط، وكمٍّ شحيح من الألفاظ التي لا تغني حواراً، لكنها تشعل جدلاً.

إن أفكار دوستويفسكي هي دنيا منفصلة. إنها عوالم نائية غريبة عن كل لغة. لكن المفارقة هي أن اللغة – أية لغة – بإمكانها تأمين القوالب لتلك الأفكار. فما يهمُّ عند دوستويفسكي ليس الأسلوب ولا الألفاظ المستخدَمة. إن ما يهمُّ في كتابات دوستويفسكي هو القارئ بحدِّ ذاته ومدى استعداده وتوقه إلى تحقيق انقلاب روحي. على أن دوستويفسكي ليس من المتعالين؛ فموهبة الفهم، وفق دوستويفسكي، هي أكثر الواهب تواضعاً، لكنها تفرض على مريدها ما لا يطيق. نقرأ في مدخل قبو دوستويفسكي:

أنا رجل مريض... أنا إنسان خبيث. لست أملك شيئاً مما يجذب أو يفتن. أحسب أني أعاني مرضاً في الكبد. على أنني لا أفهم من مرضي شيئاً على الإطلاق، ولا أعرف على وجه الدقة أين وجعي. وأنا لا أداوي نفسي، ولا داويت نفسي في يوم من الأيام، رغم أني أحترم الطب والأطباء. وإني من جهة أخرى أؤمن بالخرافات إلى أقصى حد، أو قولوا إنني أؤمن بها إلى الحدِّ الذي يكفي لاحترام الطب (إنني أملك من الثقافة ما يكفي لأن لا أكون من المؤمنين بالخرافات ولكنني أؤمن بها مع ذلك). لا، لا! لئن كنت لا أداوي نفسي، إن مردَّ ذلك إلى خبث وشر! لا شك أنكم لا تتنازلون إلى حيث تفهمون هذا، ولكنني أنا أفهمه.

إن ما يرمي إليه دوستويفسكي هو ألا تفعل الريبة فينا على نحو سلبي يؤدي إلى تسطيح ذواتنا. إن علينا أن نستقلَّ عن تلك الذوات، لكن العملية صعبة الفهم، وإن كان توصيفها بالألفاظ العادية ممكناً. يقول راسكولنيكوف في الجريمة والعقاب:

هناك شيء واحد محقَّق، هو أن نسبة الأفراد الذين يولدون في هذه الفئة أو تلك لابُدَّ أنها يحددها قانون طبيعي ما تحديداً دقيقاً. هذا القانون لا يزال حتى الآن مجهولاً ولكنني أعتقد أنه موجود فعلاً وأنه سيمكن اكتشافه في المستقبل. إن الكتلة الهائلة العدد من جماهير الناس ما وُجِدَت إلا لبذل ذاتها في محاولة إبداع إنسان مستقل بعض الاستقلال، ولو بنسبة واحد إلى ألف، بعملية ما سرية لا نعرف عنها شيئاً حتى الآن.

أي قانون هذا الذي يتحدث عنه دوستويفسكي؟ وما هي محاولة "الاستقلال"؟ أهو الاستقلال عن جبرية الريبة؟ مرة أخرى نقرأ من قبو دوستويفسكي: "لم أستطع أن أصبح أي شيء، لم أستطع أن أصبح حتى شريراً، لا خبيثاً ولا طيباً، لا دنيئاً ولا شريفاً، لا بطلاً ولا حشرة." ومن نفس القبو: "قد لا يكون للحياة هدف خارجي، هو ذلك الهدف الذي لا يمكن أن يكون طبعاً إلا 2 × 2 = 4." يبسِّط دوستويفسكي المهمة على القارئ، فيتحدث من قبوه قائلاً:

فماذا يمكن أن نتوقع من الإنسان، ماذا يمكن أن نتوقع من هذا الكائن الذي أوتي هذه الصفات العجيبة؟ حاولوا أن تغدقوا عليه جميع خيرات الأرض، أغرقوه في السعادة إغراقاً، لبُّوا حاجاته الاقتصادية تلبية تبلغ من الكمال أن يصبح في غير حاجة إلى شيء غير أن ينام ويأكل فاخر الحلوى ويفكر في الوسائل التي تكفل استمرار التاريخ العام... فماذا يحدث عندئذ؟ إن الإنسان حتى في هذه الحالة سينقاد لعقوقه، وسينساق مع حاجته إلى تلويث نفسه، فيرتكب حقارة من الحقارات من باب الشكر وعرفان الجميل.

إذن فقد وضعت الريبة في العالم على نحو جبري، ولا سبيل إلى الخلاص. إن العقل لا يستطيع حل المشكلة؛ فالريبة متغلغلة في كل شيء، بما في ذلك العقل:

اسمعوا يا سادتي، إن العقل شيء ممتاز رائع، ذلك أمر لا يمكن جحوده. ولكن العقل هو العقل، وهو لا يرضي في الإنسان إلا ملكة التفكير العقلي. أما الرغبة فهي تعبِّر عن مجموع الحياة، أي عن الحياة الإنسانية كلِّها، بما فيها العقل ووساوسه.

ولماذا يكون للعقل وساوس، إن لم تكن الريبة مصدر تلك الوساوس؟ إن الرغبة هنا، كما أفصح عنها رهين قبو دوستويفسكي، هي رغبة غامضة. في فقرة تالية يتحدث ذلك الرهين عن آلية الحياة. فلنستمع إليه:

ولكن إلى أين يذهب الإنسان؟ مهما يكن من أمر، فإننا نلاحظ في الإنسان على الدوام شيئاً من الضيق كلما وصل إلى هدف من تلك الأهداف، ذلك إنه يحرص على الاقتراب من الهدف. ولكنه متى وصل إليه أصبح غير راضٍ. ذلك أمر مضحك حقاً. الخلاصة أن الإنسان قد كُوِّن تكويناً مضحكاً جداً؛ إنه مكوَّن تكويناً يبعث على الضحك مثلما تبعث عليه نكتة قائمة على الجناس اللفظي.

عن عدم الرضا لدى بلوغ الهدف لا علاقة له البتة بتجميع الطاقات الذاتية للانتقال إلى طباق أعلى. فعلى لسان ساكن القبو يخبرنا دوستويفسكي:

والإنسان يحب الهدم والفوضى أحياناً، ذلك أمر لا جدال فيه. أليس جائزاً أن يكون مردُّ ذلك إلى أن الإنسان يخشى بغريزته أن يبلغ الهدف وأن يُتِمَّ الصرح الذي يبنيه؟ ما يدريكم، لعلَّ الإنسان لا يحب هذا الصرح إلا من بعد، لا من قرب.

مرة أخرى تقع على عاتق القارئ مهمة فهم دوستويفسكي؛ إذ على الرغم من يسر الأسلوب وبساطة الألفاظ فإن مدلولات دوستويفسكي هي الأهم، تماماً كحلِّ مدلولات الميكانيكا الكوانتية. هكذا يعيش العقل سلسلة أزمات: أزمة معرفية، وأزمة مفهومية، وأزمة لغوية. قال المعري:

أمور يلتبسن على البرايا     كأن العقل منها في عقال

... ... ...

وقد أعمل الناس أفكارهم     فلم يُغْنِهم طولُ إعمالِها

ومن بعده نيوتن: "إنني جاهل، لا أعرف إلا حقيقة واحدة، وهي أنني لا أعرف شيئاً." وجاء دور دوستويفسكي بعد ذلك. فعلى لسان ساكن القبو نقرأ: "إن العقل لا يعرف إلا ما تعلَّم، ولعله لن يعلم شيئاً غير هذا في يوم من الأيام. وليس ذلك عزاء، ولكن ما ينبغي أن نخفيه." يدلي أينشتاين بدلوه في الموضوع: "لا يستطيع العقل الإنساني أن يحيط بالكون. إننا أشبه بطفل صغير يلج مكتبة كبيرة حيث ترتفع الكتب حتى السقف وتتوزع بين لغات مختلفة. إن الطفل على علم مسبق بأن بعضهم مسؤول عن كتابة محتويات هذه الكتب، إلا أنه لا يدري من هم هؤلاء وكيف أنجزوا ما أنجزوا. كما أنه لا يفهم اللغات التي سُطِّرت بها تلك الكتب. وعلى الرغم من ذلك يستطيع الطفل أن يتحسَّس خطة محددة في ترتيب تلك الكتب. إنه تنظيم غامض، لا يستطيع الطفل فهمه بشكل كامل، ولكنه يستطيع إدراكه على نحو مبهم."

لن نقتصر في عرض إسهام هايزنبرغ في هذا السياق على قول نُسِبَ إليه. لكننا سنعرِّج على نظرية القياس في الميكانيكا الكوانتية كيما نلقي نظرة على الإرباك الذي يُلِمُّ بالعقل لدى محاولته حل الألغاز من حوله. ننطلق من تأويل كوبنهاغن للميكانيكا الكوانتية الذي لعب بوهر دوراً أساسياً في صياغته والتزم به هايزنبرغ كحقيقة ظاهراتية أكيدة. من الطريف أن نذكر هنا أن هايزنبرغ حاول التنصُّل من الريبة، متظاهراً بأنه ماديٌّ النزعة، ربما لإرضاء الوضعيين والماديين الجدليين. لكنه مُدانٌ في محكمة هؤلاء؛ فهو الذي صاغ الريبة في علاقة رياضية، بينما اكتفى الآخرون بالحديث عنها بلغة الفلسفة. تعني التجربة، وفق بوهر، إجراءً نستطيع بموجبه نقل خبراتنا وما تعلَّمناه إلى الآخرين. تنطوي فكرة بوهر على ضرورة أساسية تتمثل بحسن انتقائنا للألفاظ وصياغتنا البسيطة للجُمَل. لكن التفسير، في شكله النهائي، يتطلب جهداً من الدارس. فالقضية هنا أشبه بكتابات دوستويفسكي وأشعار المعرِّي. نختزل آراء بوهر وهايزنبرغ بالقول إن أدوات القياس يجب أن توصف بلغة بالغة البساطة. لكن الخصائص الفيزيائية للجُمَل المقيسة لا تتوقف على الجُمَل ذاتها؛ إذ لا يمكن أن نتحدث عن تلك الخصائص بمعزل عن أدوات القياس، لا بل عن المراقِب الذي يقوم بالتجربة. وإذا قبلنا مع الوضعيين، أو مع الماديين الجدليين، بأن الإنسان ما هو إلا جملة فيزيائية، نخلص من ذلك إلى الاستحالة الموضوعية بعينها. وعلَّة ذلك أن تفسير كوبنهاغن يدمج الجملة الفيزيائية وأداة القياس، بما فيها المراقِب، في كلٍّ موحَّد يصعب فصله على النحو الذي يسمح بنسبة الخصائص الفيزيائية، بشكل منفصل، إلى أيٍّ من الجملة الفيزيائية وأداة القياس والمراقِب. يرى أنصار تأويل كوبنهاغن أنه من الممكن توصيف الكلِّ الموحَّد المذكور بلغة مفهومة. أما عن ردِّ الخصائص الفيزيائية المقيسة إلى الجملة الفيزيائية المدروسة، بشكل منفصل عن أداة القياس وعن المراقِب، فذلك من باب صياغة المصطلحات لا أكثر. أما الخصائص الفيزيائية الأخرى التي قد نعزوها إلى الجملة نتيجة خبراتنا المتراكمة فهي لا تمتُّ في واقع الأمر إلى الجملة المدروسة بصلة. لذا تدعى الخصائص الأخرى هذه متمِّمة للخصائص الأولى، وعلينا، إن شئنا استجرارها إلى حظيرة التجربة، الإتيان بجملة فيزيائية شبيهة بالأولى؛ ونقول "شبيهة" لتعذُّر تطابق أية جملتين فيزيائيتين. لكن ذلك لا يكفي؛ إذ ينبغي وجود أداة قياس جديدة تستطيع الذوبان في كلِّ موحَّد مع الجملة الشبيهة بالأولى، كما ينبغي أن تكون الأداة الجديدة مصمَّمة لقياس الخصائص الأخرى المذكورة. إن تأويل كوبنهاغن هو المكافئ المعرفي لمبدأ المعرِّي الفلسفي:

وما سمحتْ لنا الدنيا بشيء     سوى تعليل نفس بالمحال

وتأويل كوبنهاغن هو المسوِّغ الوحيد لكائنات أسرة كارامازوف المنفصلة. فهناك دميتري، وهناك إيفان، وهناك سمردياكوف. علينا أن نلاحظ أن دوستويفسكي لا يفصل المراقِب عن أداة القياس وعن موضوع التجربة؛ وهذا ما كنَّا قد ألمحنا إليه عندما تطرَّقنا إلى العبء الذي يلقيه دوستويفسكي على عاتق القارئ في حلِّ رموزه. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، إذا استطاع أحدنا تفهُّم إيفان فمن الصعب أن نفصل خصائص إيفان ونعزلها لنضعها إما في القارئ وإما في إيفان ذاته، وإما – ربما – في نص دوستويفسكي المكتوب.

إن تفسير كوبنهاغن هو حقيقة لا مراء فيها. ومن نافلة القول أن نذكر تأييد التجربة لذلك التفسير. فتأويل كوبنهاغن ما هو إلا تعميم لمبدأ هايزنبرغ في الريبة. إن الأداة التي تقيس السرعة يستحيل أن تقيس الموقع، وإن الجملة التي تُجرى عملية قياس السرعة عليها ترفض السماح بقياس الموقع من خلالها، والعكس صحيح. إن كان المراقب جزءاً لا يتجزأ من عملية القياس فلنا، مرة أخرى، في كتابات دوستويفسكي تأكيدٌ لهذه الحقيقة. وقبل أن نسوق شاهداً لهذا العملاق نذكِّر بأن الخصائص الفيزيائية المقيسة تُنسَب اصطلاحاً – واصطلاحاً فقط – إلى الجملة المقيسة. والحقيقة أن الخصائص مدار البحث هي خصائص الكلِّ الموحَّد. فإذا أجرى الإنسان حواراً داخلياً للتعليق على بعض المشاهد من حوله فسيكون من المتعذَّر إذ ذاك الفصل بين الذهن المحاوِر وبين مادة الحوار. وإذا عزونا الحوار إلى الذهن المحاوِر فلن يكون ذلك إلا من باب الاصطلاح والاصطلاح فقط. لكن دوستويفسكي لا يبخل بإلقاء أضواء على الحقيقة. فالحوار خاصية مشتركة، بل لنقل خاصية وحسب، للكلِّ الموحَّد المكوَّن من الذهن المحاوِر ومادة الحوار. هكذا كتب دوستويفسكي في الليالي البيضاء:

والمنازل صديقة لي أيضاً. فحين أسير فكأن كل منزل من هذه المنازل يُقبِل عليَّ وينظر إليَّ ويقول لي: "نعمت يوماً، كيف حالك؟ أنا بخير والحمد لله. في شهر آذار سيُضاف إليَّ طابق جديد." أو يقول لي: "كيف صحتك! أما أنا فسيصلحونني غداً." أو يقول لي أيضاً: "لقد أوشكت أن أحترق وخفت خوفاً شديداً..." إلخ. وبين هذه المنازل منازل أوثرها، فكأنها من رفاقي. فمنها واحد ينوي أن يعالَج هذا الصيف لدى معمار. فأنا أتعمَّد أن أمرَّ به في كل يوم حتى لا يسرفوا في إفساده، وأسأل الله أن يحرسه وأن يصونه. ولن أنسى ما حييت قصة ذلك البيت الجميل الصغير الوردي اللون. لقد كان من حجر، وكان أنيقاً لطيفاً، وكان يرمقني دائماً بنظرة محبَّبة، ويبلغ من الإدلال والزهو بالنظر إلى جيرانه أن قلبي كان يبتهج ابتهاجاً كبيراً كلَّما رأيته في نزهة من نزهاتي.

غريبة هذه الميكانيكا الكوانتية التي تعزو الخصائص الفيزيائية إلى أدوات القياس! والأغرب من ذلك أن المواصفات النظرية لتلك الأدوات تفرض أن تمتلك الأدوات المقدرة على اختيار الأحداث الفيزيائية الماضية!! فإن كان الأمر كذلك، ما هي المعاني التي يمكن أن تُنسَب إلى مفاهيم مختلفة، كمفهوم الأداة، لا بل ومفهوم الحقيقة ذاتها؟

والأدهى من ذلك أن تصوِّر لنا الميكانيكا الكوانتية عالماً يحتوي فيه أي شيء كلَّ الأشياء الأخرى، وتتصل فيه مكوِّناته بعضها ببعض دون أي انقطاع. إن في ذلك خرقاً كاملاً لمبدأ السببية. يُختزَل المبدأ الأخير إلى انتقال الأثر الفيزيائي بأكبر سرعة مسموح بها في الكون، ألا وهي سرعة الضوء. إن هناك نقاطاً في الكون أبعد بعضها عن بعض مما يستطيع الضوء قطعه خلال كل عمر الكون المقدَّر. بشكل أدق، إن هذه النقاط مفصولة بعضها عن بعض سببياً. إذا حاولنا رأب الصدع الكبير في هذه البنى المفهومية علينا أن نعيد بناء العالم من مكوِّنات منفصلة على خلفية عالم غير منظور. مرة أخرى تتدخل الميكانيكا الكوانتية لتبرهن على استحالة بناء مثل هذا الكون. وبكلمات أوضح: إن العالم ذا المكونات المنفصلة لا يمكن أن يشاد على عوامل مخفية. يطفو الرأي الكوانتي الأول إلى السطح، ألا وهو أن العالم متصل لا انفصال فيه.

كان أينشتاين من معارِضي هذا النهج في التفكير، وقد قدَّم عام 1935 مخططاً لتجربة عقلية أطاحت في حينه – مؤقتاً – بمبدأ هايزنبرغ في الريبة. انطلق أينشتاين في صياغة تجربته العقلية من الميكانيكا الكوانتية نفسها. فلكي ندحض مبدأ الريبة لابُدَّ من الاستعانة بأكثر من قسيم؛ إذ إن ذلك يزيد من عدد المتغيرات الفيزيائية التي نستطيع قياسها. نتصور قسيمين، وقد تفاعلا، ثم انفصلا مبتعدين بعضهما عن بعض مسافة كبيرة جداً. تسمح الميكانيكا الكوانتية بقياس سرعة القسيم الأول وموقع القسيم الثاني بدقة بالغة. لكن مبدأ الفعل وردِّ الفعل الذي ينطبق أيضاً في الميكانيكا الكوانتية يوفِّر إمكانية حساب سرعة القسيم الثاني بالرجوع إلى السرعة المقيسة للقسيم الأول. هكذا نكون قد حصلنا على معرفة بالغة الدقة لسرعة وموقع القسيم الثاني، ضاربين عرض الحائط بهايزنبرغ وبمبدئه في الريبة.

تقوم تجربة أينشتاين السالفة على افتراضين رئيسيين أولهما: إن أي قياس يجري على قسيم ما لا يمكنه أن يؤثر على قسيم آخر بالغ البعد عن القسيم الأول. إن هذا الافتراض هو الترجمة الواقعية لمبدأ السببية. أما الافتراض الثاني فهو يخصُّ الحقيقة الموضوعية، كما كان أينشتاين يعتقد بوجودها. تُختزَل هذه الحقيقة، وفق أينشتاين، في أن الخصائص الفيزيائية لا علاقة لها بالملاحظة المباشرة، وهي موجودة، سواء أُجرِيَت عملية القياس أم لم تُجْرَ.

علينا أن نميز هنا بين أفكار أينشتاين من جهة، وبين المادية الجدلية والوضعية من جهة أخرى. فالحقيقة الموضوعية، وفق أينشتاين، ممكنة المعرفة بالاحتكام العقلي والتأمل، والتجربة ليست ضرورية لها. أما المادية الجدلية فترى في الحقيقة الموضوعية وجوداً كامل الاستقلال عن الإرادة، والتجربة لا مناص منها لمعرفة تلك الحقيقة. وإذا لم نكن قد وضعنا اليد بعد على مكوِّن من مكوِّنات تلك الحقيقة فالسبب هو أننا لم نخترع الأداة المناسبة لذلك، وأن يوماً لا شك قادم سنستطيع عنده فعل ذلك. سبق أن تطرَّقنا إلى المفهوم الوضعي للحقيقة الموضوعية، وما نودُّ إضافته هنا هو الإشارة إلى مفارقة هامة في المادية الجدلية وفي الوضعية كان أينشتاين قد تنبَّه إليها وتجاوزها. أما المفارقة فهي أن هناك ضرباً من ضروب الميتافيزياء في المنطوق الآنف الذكر للوضعية وللمادية الجدلية. فكأنما هناك حقيقة خلفية لا تجرؤ كلا الفلسفتان على الحديث عنها، في الوقت الحاضر على الأقل. ناهيك عن أن الفلسفتين تعرِّفان المادة كمقولة فلسفية في المنطلق، وتنظران إليها، في طور لاحِق، ككينونة فعلية. إن الإمكانية التي طرحها أينشتاين لمعرفة العالم دونما حاجة إلى تجربة قد حلَّت تلك المفارقة، ولو بشكل ظاهري.

لابُدَّ الآن من عرض سريع للأحداث التاريخية التي تلت تجربة أينشتاين العقلية. لقد بقي الأمر معلقاً على النحو المذكور، إلى أن استطاع جون بِلْ، من مركز الأبحاث النووية الأوروبية، أن يستخدم افتراضي أينشتاين لصياغة علائق تربط بين القياسات المُجراة على القسيم الأول والقياسات المُجراة على القسيم الثاني، وخَلُصَ إلى نمط من التجارب يسمح إجراؤها بالبتِّ في أمر تجربة أينشتاين. اختزل بِلْ الفارق بين وجهة نظر أينشتاين التي أشرنا إليها من جهة، ووجهة نظر بوهر وهايزنبرغ من جهة أخرى، تلك التي ترى أن القسيمين المنفصلين يشكلان وحدة واحدة على الرغم من تباعدهما؛ اختزل بِلْ – نقول – هذا الفارق بمُتَراجِحة عُرِفَت باسمه. لو صحَّت تلك المُتَراجِحة عبر إجراء تجربة مخبرية معينة لكان رأي أينشتاين صحيحاً؛ وإلا كان رأي بوهر وهايزنبرغ هو الصحيح.

كان لابُدَّ من انقضاء عقدين من الزمن على عمل بِلْ قبل أن تأتي التجربة الحاسمة. ففي عام 1982 استطاع العالم الفرنسي ألان أسبكت إثبات صحة وجهة نظر بوهر وهايزنبرغ وخطأ وجهة نظر أينشتاين. باختصار: إن الريبة حقيقة فعلية لا يمكن تجاوزها، وإن العالم متصل لا انفصال فيه. لقد تصرف القسيمان في تجربة أسبكت وكأنهما قسيم واحد، على الرغم من انفصالهما وابتعاد كلٍّ منهما عن الآخر إلى مسافة لا تستطيع الأشعة الضوئية قطعها أثناء مدة التجربة. كان قسيما التجربة في حالة "تخاطر"، أو لنقل إنهما لم ينفصلا وجودياً، على الرغم من انفصالهما الفيزيائي.

لا يعني ذلك إطلاقاً أن نظرية أينشتاين في النسبية العامة هي نظرية غير صحيحة. ففي تلك النظرية يُبنى العالم من لبنات منفصلة، لكنه يأخذ شكل المُتَّصل. إن هندسة النسبية العامة هي حجر الزاوية في تلك النظرية، وهي هندسة متَّصلة ليس فقط على صفحات الورق، وإنما أيضاً بشكل فعلي عبر العالم المكوَّن في الأساس من هذه الهندسة. إن البُنى المادية المنفصلة تستجيب بشكل من الأشكال لهندسة المُتَّصل الأينشتايني.

إن الريبة هي منبع الثنائيات. فكما سبق وألمحنا، هناك ثنائية السرعة والموقع، وثنائية الزمن والطاقة. لنلاحظ أن هذه الثنائيات ليست لها علاقة بثنائيات المادية الجدلية؛ فالأمر هنا يُختزَل بتكاشفنا مع أحد شِقَّيْ الثنائية في لحظة محددة، وسيَّان إن تكاشفنا مع هذا الشِقِّ أو ذاك. إن شِقَّيْ الثنائية ليسا في حالة صراع يستهدف بلوغ طِباق أعلى. فالقضية برمَّتها هي قضية وجودية ظاهراتية، والريبة لا تمنح أولوية لخاصية دون أخرى، ويمكن على الدوام أن نتكاشف مع شقوق من ثنائيات بقدر ما نريد. ندعو هذه الثنائيات بثنائيات هايزنبرغ.

وإذا كانت الريبة هي ينبوع الثنائيات، يحقُّ لنا أن نتساءل عن ثنائيات دوستويفسكي وعن ثنائيات المعرِّي. لن يطول بنا التساؤل؛ فها نحن نعود أدراجنا إلى الليالي البيضاء لنقرأ:

لم تنظر ناستنكا إلى الغمامة بل لبثت صامتة، وكأنها مسمَّرة في مكانها. وما هي إلا لحظة قصيرة حتى شدَّت نفسها إليَّ وَجِلة، وكانت يدها ترتعش في يدي. نظرت إليها... ازدادت التصاقاً بي.

وفي تلك اللحظة مرَّ شاب قربنا وتوقف فجأة وحدَّق إلينا، وأقبل نحونا بضع خطوات أخرى. ارتجف قلبي... قلت أسأل ناستنكا بصوت خافت:

-       من هذا يا ناستنكا؟

فتمتمت تقول وهي تزداد اقتراباً مني:

-       إنه هو.

أوشكتُ أن أسقط على الأرض. صاح صوت خلفنا:

-       ناستنكا‍‍‍‍‍‍! ناستنكا‍‍‍! أهذه أنت؟

وفي هذه اللحظة نفسها جاء الشاب إلينا.

ربَّاه!‍ يا لها من صيحة! ‍‍ما أشد ما ارتجفت ناستنكا‍‍! وانتزعت ناستنكا نفسها من بين ذراعيَّ وهرعت إليه...

نمضي في مراجعتنا لـلَّيالي البيضاء. ناستنكا تتحدث في رسالتها إلى الكاتب: "لا تتهمْني! لقد قلت لك أنني سأحبك. وإني لأحبك الآن حقاً. بل إنني أحبك مزيداً من الحب. ربَّاه، ليتني أستطيع أن أحبكما كليكما‍! لماذا لست أنت هو؟ لماذا ليس هو أنت؟"

إن ثنائيات دوستويفسكي أكثر من أن تُعَدَّ أو تحصى؛ لكننا نذكر ثنائية أخرى وحسب، على سبيل المثال وليس الحصر، وهذه المرة بشكل مناظِر لما ورد في الليالي البيضاء. فعوضاً عن ناستنكا، هناك دميتري كارامازوف، وعوضاً عن القاصِّ والشاب، هناك جروشنكا وكاترينا إيفانوفنا. ولشدة العجب، هناك ثنائية أخرى في الأخوة كارامازوف، شقَّاها دميتري وإيفان كارامازوف، وأداة الاختبار فيها كاترينا إيفانوفنا بذاتها. وسأستخدم مصطلحات هايزنبرغ لتأويل ثنائيات دوستويفسكي.

إن المواصفات الخاصة بأداة اختبار الحب، التي هي كاترينا إيفانوفنا، لا تسمح باندماج تلك الأداة الفيزيائية لاشتراطات معينة كانت مفقودة لدى الأداة كاترينا إيفانوفنا في سياق الخاصية الفيزيائية المقيسة، ألا وهي الحب. تبيَّن عدم الاتساق على نحو خاص لدى تلبية كاترينا لطلب دميتري أن تسلمه نفسها مقابل مبلغ تنقذ أباها بواسطته من مواجهة المحكمة بتهمة الرشوة. يدفع دميتري المبلغ لكاترينا رافضاً استسلامها له، وينصرف أدراجه لا يلوي على شيء. لكن الاختبار ينجح لدى تحوُّل الأداة الفيزيائية كاترينا إلى جملة فيزيائية أخرى هي إيفان كارامازوف. وإذا بقيت الخاصية المختبَرة في هذه الحالة هي ذاتها الحب، لكنها حب مختلف اختلاف السرعة والموقع لدى هايزنبرغ. كان دوستويفسكي هو أول من اكتشف هذه الحقيقة المتحدِّرة عن الريبة. إن الحب المتحقق ليس هو ذاته على الدوام، بل هو مختلف أبداً. وهناك حدٌّ أدنى تفرضه الريبة في نجاح اختبار الحب. تتفاوت اختبارات الحب في نتائجها، لكنها لا ترتقي دون الحدِّ الأدنى المذكور، لأن هذا الارتقاء يفرض خلوَّ العالم، اللهم إلا من الكيانين المتحابَّين موضوع البحث، وهو أمر تنفيه الاستحالة الموضوعية. لعل الصلة الجنسية توهِم بإمكان اندماج الكيانين المتحابَّين، متجاوزين الحدَّ الأدنى لريبة الحب؛ لكن تلك الصلة تتمخض عن كيان ثالث ينفصل عن الكيانين المتحابَّين، آجلاً أم عاجلاً، ليثبت لهما أن الفيزياء أيضاً تتخلَّلها الريبة، مثلما تتخلَّل عوالم النفس.

يقودنا هذا التحليل إلى فهم حالة غروشنكا ودميتري كارامازوف فهماً بسيطاً ومباشراً. فحيثما تفشل الأداة كاترينا، تنجح الأداة غروشنكا. نذكِّر مرة أخرى بأن الخاصيَّتين المختبرتين في حالتي غروشنكا وكاترينا إيفانوفنا هما خاصيَّتان مختلفتان، وإن كانت التسمية ذاتها تُطلَق على كل منهما: الحب.

لكن دوستويفسكي يهبط إلى عمق الريبة في الليالي البيضاء. فهناك يحاول اجتياز الحدِّ الأدنى بقلمه؛ ذلك أن إيمانه اللامحدود بإمكان الانقلاب الروحي صوَّر له احتمال توظيف قدرات هائلة للقفز فوق ذلك الحدِّ في حالات نادرة. هكذا يبدو أن ناستنكا تختبر الخاصية ذاتها في حالة القاصِّ والشاب على حدٍّ سواء. لكن المواكِب لـلَّيالي البيضاء، ليلة ليلة، يكتشف أن دوستويفسكي لم يستطع دفع الإنسان دون حواجز الريبة. لا بل إن دوستويفسكي يترك للقارئ الباب مفتوحاً على مصراعيه لاستنتاج إذا ما كان ما تختبره ناستنكا في حالة القاصِّ مختلفاً عمَّا ذهبت إلى اختباره في حالة الشاب. لكن يبقى التساؤل قائماً: ما الذي أراده دوستويفسكي من تلك الصورة المحيِّرة لناستنكا بين القاص والشاب في نفس اللحظة؟ لقد تجاوز دوستويفسكي بذلك هايزنبرغ، ربما ليعيد الأمل إلينا بأن الريبة ليست قَدَراً مطلقاً. الإجابة تكمن لدى دوستويفسكي الذي لا يستطيع إجابة الآن.

بحر من الريبة عاشه المعرِّي، وثنائيات تدفَّقت عبر عالمه إثر ثنائيات. نذكر ثنائية الجواري–الإوز من رسالة الغفران:

ويمرُّ رف من إوز الجنة، فلا يلبث أن ينزل على تلك الروضة ويقف وقوف منتظر الأمر. ومن شأن طير الجنة أن يتكلم فيقول: ما شأنكن؟ فيقلن: أُلهِمنا أن نسقط في هذه الروضة فنغنِّي لمن فيها لمن شرب. فيقول: على بركة الله القدير. فينتفضن فيصرن جواري كواعب يرفلن في وشي الجنة...

فيقول: يجب أن يحذر من ملك يعبر فيرى هذا المجلس، فيرفع حديثه إلى الجبَّار الأعظم، فلا يجرُّ ذلك إلا إلى ما تكرهان. واستغنى رَبُّنا أن تُرفَع الأخبار إليه. ولكن جرى ذلك مجرى الحفظة في الدار العاجلة. أما علمتنا أن آدم خرج من الجنة بذنب حقير. فغير آمِن من وُلِدَ أن يقدر له مثل ذلك...

يقول لبيد بن ربيعة: إن أخذ أبو ليلى قينة وأخذ غيره مثلها أليس ينتشر خبرها في الجنة، فلا يؤمَن أن يسمى فاعلو ذلك أزواج الإوز. فتُضرِب الجماعة عن اقتسام أولئك القيان.

تتكون الجملة المختبرة من نزلاء الجنة؛ أما الخاصية المختبَرة فهي القِران؛ وأخيراً أداة الاختبار: القيان. إن أداة الاختبار غير مناسبة للجملة في إحدى الحالتين، وهذا أمر بديهي من جانب المعرِّي؛ فالحالة غير المناسبة هي حالة الإوز. إلا أن المعرِّي ينقلنا هنا عبر بُعْد جديد للريبة. فخصائص أدوات القياس ليست حاسمة، حتى في حالة تخيُّلنا لثبات موضوع الاختبار. إلا أن هذه الخصائص تتبع مبدأ الريبة، وسيَّان إن كانت خصائص إوز أو خصائص قيان. لعل المعرِّي يذهب من كل ذلك إلى إسقاط أي معنى للتجربة. فما التجربة إلا سحابة عابرة، وما نتائجها إلا وهم وضلال. يتأيَّد ذلك بقوله:

غير مُجْدٍ في ملَّتي واعتقادي     نوحُ باكٍ ولا ترنُّم شادِ

وشبيه صوت النعيِّ إذا قيس     بصوت البشير في كل نادِ

فعلى الرغم من وضوح الثنائيات هنا إلا أنها ثنائيات منحلَّة في نهاية المطاف. لم يكن المعرِّي ليقصد في هذه الحالة تدخل القوة السرمدية في قواعد التعامل مع الوعي الحادث؛ ذلك أنه كان يدرك بأحاسيسه العفوية أن هذا التدخل سينتقص من أهمية الحقيقة السرمدية؛ إذ ليس من داعٍ عندها لأي اختلاف في المواقف. لكن المعرِّي يقول:

بان الأمر الإله واختلف النا     س فداعٍ إلى ضلال وهادِ

إن البيان هنا ليس تجلِّياً، بل هو إبحار عقلي فيما وراء الريبة:

الغيب مجهول يَحار دليلُه     واللبُّ يأمر أهله أن يتَّقوا

لا يعني انحلال الثنائيات أن انتقالاً إلى طباق أعلى سيحدث؛ فالثنائيات لدى ثالوث الريبة من سوية واحدة. لا يدخل قطبا أية ثنائية في صراع، وانفصال قطبي الثنائية مردُّه الريبة بحدِّ ذاتها. يختلف الوعي الحادث والحقيقة السرمدية عند هذه النقطة؛ إذ إن الوعي الحادث تعدُّدي البنية. فهناك عدد غير منتهٍ من الأجزاء المفصومة لهذا الوعي، المتمثلة في الكائنات المتكاثرة أبداً. وسبب هذا الانفصام هو الريبة التي طرحتْها الحقيقة السرمدية في العالم. وما تجسُّد الثنائيات إلا ضرب من هذا الانفصام. والصورة أشبه بمستنقع عالمي ساكن تتحرك موجوداته في عالم الريبة، دون أن تدلف إلى داخل أو تخرج إلى خارج. ينطبق ذلك على كل شيء، باستثناء الحقيقة السرمدية.

ولو طار جبريل بقية عمره     عن الدهر ما استطاع الخروج من الدهر

إن الإمكانية الوحيدة المتوفرة هي تجاوز الريبة. ولا علاقة لذلك التجاوز بظهور الثنائيات؛ إذ إن التجاوز، في حقيقته، يعني وضع الثنائيات، لا بل والريبة، في مكان قصيٍّ في العالم؛ لكن ذلك لا يتعدى خيال المفكر. نذكِّر بحالة ناستنكا لدى دوستويفسكي التي نعتبرها محاولة لإذابة الثنائيات في هيولى الريبة، وأخذ عيِّنات متماثلة، من بعدُ، وفق هوى المفكر. إنها عملية تخييلية ولا شك. لكن، أليس الخيال بذاته من إرهاصات الريبة؟ ففي الحلم والخيال نملك كل شيء ولا نملك أي شيء! وإذا كانت معرفة العالم مشتقة من مبدأ التفاعل فإن تفاعلنا مع الحلم والخيال جزء من العالم. وهل يعقل ألا يكونا كذلك؟

وإذا كانت الريبة هي المسؤولة عن التعددية، وعن الثنائيات بوجه خاص، يجب أن يكون بإمكاننا تلمس الوحدة في التعددية والذات في الثنائية. نعرف اليوم، بالاستناد إلى الميكانيكا الكوانتية، أن البروتون والنيوترون قسيم واحد، وذلك عندما نهبط في سويَّات التمييز إلى ما يدعوه العلماء الفضاء الإيزوسبيني. إن مبدأ ضياع الهوية هو ما يحاول العلماء المعاصرون استقصاءه. ولولا ضياع الهوية – أي الريبة – في أكثر نسق مجرد لها، لما كنا هنا! فضياع الهوية يجعل الانتماء المزدوج للإلكترون إلى ذرتين مختلفتين أمراً ممكناً. بدورها تحثُّ هذه الظاهرة الذرات على الاجتماع لتكوين الجزيئات. وفي أحوال كهذه تصبح الأسئلة من النمط التالي عديمة المعنى: أصحيح أن هذا القسيم بروتون أم أنه نيوترون؟ وهل صحيح أن هذا الإلكترون ينتمي إلى هذه الذرة أو تلك؟ يطرح المعرِّي تساؤلاً مماثلاً في سياق ثنائيات لا يستطيع التمييز فيما بينها:

هذا بناقوس يدقُّ     وذا بمئذنة يصيح

كلٌّ يعزِّز دينه     يا ليت شعري ما الصحيح

ولدوستويفسكي إسقاطات مشابهة: فسمردياكوف قتل أباه فيودور بابلوفيتش كارامازوف؛ وسمردياكوف هو شقُّ ثنائية طرفها الآخر إيفان. يعدم التساؤل التالي أية إجابة: من قتل كارامازوف الأب، أهو سمردياكوف أم إيفان؟

ما بال المعرِّي، وقد حول الإوز إلى قيان، يعود عن ذلك ليقول: "يريد المتنسك أن ينصرف حبُّه عن العاجلة، وليس يقدر على ذلك، كما لا تقدر الظبية أن تصير لبؤة ولا الحصاة أن تتصور لؤلؤة." تقودنا هذه الملاحظة إلى طرح ثلاثة مصطلحات هي: "فترة هايزنبرغ"، و"فترة المعرِّي"، و"فترة دوستويفسكي". نبدأ بفترة هايزنبرغ.

يصوِّر الأتباع المتأخرون للمدرسة الكوانتية العالم وكأنه مكوَّن من أصناف متباينة من القسيمات. تتبادل أفراد كل صنف التأثير بانتقال قسيمات وسيطة فيما بينها. ما يهمُّنا هنا هو لقطة من تلك الصورة وحسب.

يُدعى صنف من أصناف القسيمات بالليبتونات؛ وتنتمي الإلكترونات لهذا الصنف. أما قسيمات الوساطة فهي ثلاث قسيمات. تبلغ كتلة أحدها 95 ضعفاً من كتلة الإلكترون، بينما تبلغ كتلة كل من القسيمين الآخرين 85 ضعفاً من كتلة الإلكترون. عندما يتبادل ليبتونان التأثير ينطلق أحد هذه القسيمات الوسيطة من الليبتون الأول ليمتصَّه الليبتون الثاني، دون أن تنقص كتلة الأول أو تزيد كتلة الثاني. أوليس في الأمر بعض الغرابة – أو الغرابة كلها ربما؟! كيف يتأتَّى لقسيمات خفيفة كالليبتونات أن تتبادل قسيمات الوساطة المذكورة العظيمة الكُتَل. أين تذهب كُتَل هذه القسيمات لدى تلقف أحد الليبتونات لها؟ وهل تولد كتلها من لاشيء لدى إطلاقها من ليبتون آخر؟ لابُدَّ أن نستعين هنا بمعادلة أينشتاين التاريخية التي تنص على أن الطاقة تساوي جِداء الكتلة في مربع سرعة الضوء.

تستطيع القسيمات الوسيطة أن تقترض ما تشاء من الطاقة مادامت عملية الإقراض هذه تتمُّ خلال فترة زمنية بالغة القصر، أقل مما تفرضه علاقة هايزنبرغ للريبة. يُترجَم إقراض الطاقة، وفق معادلة أينشتاين، إلى كتلة هي كتلة القسيم الوسيط. لكن لما كانت مدة القرض غاية في القصر لابُدَّ أن يسدِّد القسيم الوسيط ما اقترض من الطاقة؛ ولا يمكن حدوث ذلك إلا بامتصاص أحد الليبتونات له، وعلى مدى بالغ الضآلة مناسب لقصر مدة القرض التي لا تتجاوز وفق مبدأ الريبة 10-26 ثانية. تدعى هذه المدة بفترة هايزنبرغ؛ وتتميز هذه الفترة بولادة الطاقة من لاشيء. بكلمة أوضح، تُخرَق كل نواميس الطبيعة في أثناء فترة هايزنبرغ: فلا انخفاض للطاقة؛ إذ يمكن أن تُخلَق الطاقة من عدم. لكن هذا الخَرْق ينتهي بانتهاء فترة هايزنبرغ، وعلى القسيم الوسيط أن يصل الليبتون الآخر خلال الفترة المذكورة وأن يندثر عند انتهائها، ليبدو العالم من جديد خاضعاً لنواظم الفيزياء. تدل هذه الظاهرة على أن القانون الفيزيائي يطفو على محيط من فوضى الريبة. ولولا هذه الفوضى لما درى كل قسيم بوجود القسيمات الأخرى، ولما ماتت النجوم واندثرت، ولما كنا هنا أصلاً.

على أن للمعرِّي فترته المشابهة أيضاً. لابُدَّ، أولاً، من أن نثبت الرؤية الإقليدية للزمن التي أخذ بها المعرِّي. وهذه الرؤية، التي كنا قد ألمحنا إليها، على جانب كبير من الأهمية في تصور السيَّالة الزمنية على غرار الحقيقة السرمدية، بما يسمح بنسبة الريبة إلى تلك الحقيقة. وهذا ما فعله عناصر ثالوث الريبة، كلٌّ على منواله الخاص.

تتجسَّد الريبة بخرقها السيَّالة الزمنية الرتيبة والإبقاء عليها دون انتهاك، كما في نموذج القسيمات الوسيطة وولادة الطاقة من لاشيء وانتفائها، من بعدُ، بهدف الحفاظ على أصولية القوانين الفيزيائية. يذكر المعرِّي بهذا الصدد:

يحطِّمنا ريب الزمان كأننا     زجاج ولكن لا يُعاد لنا سَبْك

وعن رتابة السيالة الزمنية:

وما الإنسان في التطواف إلا     أسيرٌ للزمان فما يفك

إن الزمان سرمدي ولا شك:

يُفني ولا يفنى ويُبلي ولا     يبلى ويأتي برخاء وويل

... ... ...

نَزول كما زال أجدادنا     ويبقى الزمان على ما ترى

وفي غلالة الزمان هذه يبحث الوعي الحادث عن الخلاص فلا يظفر به:

فيا دار الخسار ألي خلاصٌ     فأذهب في الجنوب أو الشمال

إن بحثنا عن الخلاص مبرَّر، ذلك أننا لم نخترْ وجودنا. إن أدهى ما في هذا البحث أننا لا ندري عن ماذا نبحث:

ولم نحلل بدنيانا اختياراً     ولكن جاء ذاك على اضطرار

هذه إذن هي جبرية الزمان لدى المعري، وهي مرآة صادقة لجبرية الزمان الكوانتية. نستطرد الآن لنبحث خرق جبرية الريبة كما في نموذج الميكانيكا الكوانتية. نقرأ في رسالة الغفران:

"يقول حميد بن ثور: إني لأكون في مغارب الجنة فألمح الصديق من أصدقائي وهو بمشارقها وبيني وبينه مسيرة ألوف أعوام للشمس التي عرفت سرعة مسيرها في العاجلة."

يشير المعرِّي هنا إلى اتصال العالم؛ واتصال العالم حُكْم أساسي من أحكام الميكانيكا الكوانتية. إن شأن حميد بن ثور مع صديقه هو شأن قسيمي ألان أسبكت اللذين خرقا مبدأ السببية؛ وفترة المعرِّي هي تلك الفترة التي يتحقق أثناءها مثل هذا الخرق. ولولا هذا الخرق لما كان العالم متصلاً، ولما كان من الممكن أن تتبادل الليبتونات التأثير.

وفترة المعرِّي هي الفترة التي تحوَّل الإوز في أثناءها إلى قيان. وهي الفترة التي يستطيع المعرِّي في أثناءها فعل ما لم يقدر عليه السابقون. لقد تبيَّن أن المعري أدرك سرمدية الزمن؛ لكنه يقول:

وإني وإن كنت الأخير زمانه     لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل

إن "الزمان" الذي عناه المعرِّي في هذا البيت إنْ هو إلا ما اصطلحنا عليه بفترة المعرِّي. يتأكد ذلك بما عرفناه عن اعتقاد المعرِّي بسرمدية الزمان. ومادام العمل الخارق غير الخاضع لأي ناموس لا يتم إلا أثناء فترة المعري فانتهاء الزمان هنا هو انتهاء فترة المعري. ومع انتهاء هذه الفترة، كما في حالة انتهاء فترة هايزنبرغ، تضمحلُّ الأعمال الخارقة وتختفي. لقد انتهت أعمال المعرِّي الخارقة بانتهاء فترته، ولم يأتِ في أثناءها إلا بما هو خارق فعلاً.

وأما فترة دوستويفسكي فهي أوضح من واضحة في أعماله. إنها الفترة التي يتحوَّل في أثناءها الشقي زوسيما إلى القديس زوسيما في الإخوة كارامازوف، ثم تعود جثته إلى الفساد وتنتشر رائحته في الدير؛ ذلك أن الفساد والزمان خالدان، بينما القداسة حالة خارقة عابرة. وفترة دوستويفسكي هي الفترة التي تدرك في أثناءها ناتاشا المحبة المتبادلة العميقة بينها وبين فانيا في مُذلُّون مهانون. ولكن بانتهاء فترة دوستويفسكي، لا يُقيَّض لهذه المحبة أن تنتقل من الكمون إلى الواقع؛ وتُختزَل صيرورتها اللاسياقية بجملة ناتاشا الصامتة: "كان من الممكن أن نسعد معاً إلى الأبد!" وفترة دوستويفسكي هي فترة ارتحاله إلى عالم الأموات وعودته إبان إعدامه المزيف الذي وصفه بدقة في ذكريات من منزل الأموات، ذلك الوصف الذي يتكشف على نحو صريح عن فترة دوستويفسكي.

كان لكل عملاق من عمالقة الريبة فترته الخاصة. ونحن لا نقصد هنا على الإطلاق الفترة التاريخية. فالعمالقة ليسوا تاريخيين قطعاً؛ كما أن التاريخية ليست اشتراطاً للإبداع. وما التاريخ إلا إيقاع متواتر على خلفية لحن متميز. إن ما يشدُّ ويهمُّ هو اللحن، أما الإيقاع فيفشل في كثير من الأحيان حتى في لفت الانتباه. الفترة التي نعنيها هي الفترة المنطقية التي يضيء العملاق في أثناءها في ظلمة الريبة بشدة، ثم يخبو عندما يقول له الزمان: كفى! وبعده يعود كل شيء إلى حالة الاستواء والتسطُّح وتوقُّف الاستمرار، بينما التاريخ يئن ويستعيد.

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •