الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

التجول عبر الزمن

المهندس: فايز فوق العادة

 

يستطيع أيَ منا أن يلغي أحلامه بمجرد أن يتحول إلى حالة اليقظة. توصف الأحلام تبعاً لذلك بكونها تخيلية. بالمقابل إذا تحرك أحدنا نحو هدف, يمحو فعلته بالعودة من حيث أتى في الاتجاه المعاكس, يتحدث العلماء عن الأبعاد المكانية بسبب ذلك بقولهم إنها أبعاد تخيلية, أما التيار الزمني فهو تيار مفروض, لا نملك أية حيلة لإيقافه أو العودة به إلى الوراء, ‘نه بعد حقيقي وفق مصطلحات الفيزيائين المعاصرين. ومن المنظور النفسي ما الزمن إلا كينونة تذهنية , إنه بهذا المعنى لا زمني. الحق نقول إن الزمن معضلة منغلقة رغم انفتاحه, إنه الهم الوجودي في أعرض تجلياته, لا غرو في أن يكون من الأوليات الإنسانية الرئيسة.

في بحثنا عن تعرف الزمن, لا نستطيع الركون إلى أحاسيسنا المباشرة, لو فعلنا ذلك, لخلصنا مثلاً أن الشمس هي التي تدور حول الأرض, وأنها بذلك تصنع الزمن وتقدمه ‘لينا على طبق من ذهب. يتلقى الدماغ تيارات متباينة من المعلومات لكل تيار منها زمن خاص, كيف يوائم الدماغ بين تلك الأزمنة؟ ما علاقة سيالة الزمن الفيزيائية بهذه العملية وبكل عمليات الترميز التي تجري في الدماغ؟ هل تملك السيالة المذكورة تواجداً مستقلاً على الإطلاق؟ هل هي موجودة في الأصل, أي دور تلعبه الساعات البيولوجية الذاتية. إن الساعة البيولوجية هي جزء أصيل في البنيوية الحية.

إن كان الزمن الحقيقي مجرد تذهن أي مجرد تخييل, ويمكننا إيقافه بالامتناع عن التفكير والنمذجة. لا نستطيع مثل هذه الممارسة, ذلك لأننا نستبصر الزمن. لكن إن حاولنا دراسته وتحليله انتهينا إلى لا شيء, إنها نفس النتيجة التي نخلص إليها عند دراسة الإلكترون. لماذا نعيش جميعاً الآن؟ لقد عاش الجميع الآن! هل حقاً أن الجميع قد عاشوا الآن؟ إن كانت الآنات غير منتهية فالجميع سيعيشون حتماً. لكننا خاصون لأننا نتحاور الآن, إذن لن يعيش الجميع ولن تكون الآنات غير منتهية. ربما لم يعش حتى الآن أكثر من 10 % من الجميع.

يستغرق الآن كي يتبدد ما بين ثانيتين إلى ثلاث ثوانِ . إنه وقت تكة الساعة وهو الزمن اللازم لقراءة بيت شعر, وفي غمرة التبدد. يكامل الدماغ الوقت كما يكامل مشاهد السينما, إنه يستطيع خلق إحساس خاص بزمن متسارع أو زمن متباطئ, كما تتسارع أو تتباطأ مشاهد السينما. على أن التكامل الذي يجريه الدماغ هو تكامل مستقبلي, وعلة ذلك أن الآن الذاتي, والآن بصورة عامة, غير متزامن مع الإحساس. نجد تأكيداً لذلك في ظاهرة الخدع البصرية, أجريت تجربة في هذا السياق جمع فيها عدد من الأشخاص ضمن حجرة مظلمة , انطوى الطور الأول من التجربة على إضاءة الحجرة بكرات حمراء منيرة تليها مباشرة كرات خضراء, أما الطور الثاني فقد صمم على أساس لحظ فاصل معتم بين النوعين من الكرات, أفاد المجرب عليهم في الطورين أنهم شاهدوا تبدلاً مفاجئاً في ألوان الكرات في كل من الطورين ولم يتحدث أي منهم عن الفاصل المعتم, لقد تبين أن الدماغ ينتظر ظهور الكرات الخضراء ولو جاء متأخراً ليملأ الفترة المنقضية بكرات خضراء.

إن الزمان والمكان نمطان من أنماط الإلهام الذي لا ينفصل عن الإدراك. هكذا قال أينشتاين, لقد ولد مفهوم الزمان على يد الإنسان. فالزمان والمكان ليسا قضيتين مسبقتين بل مصنوعتين, كيف يمتلك الزمن وعينا وكيف يمتلك وعينا الزمن. لو دار أحدنا بسرعة حول نفسه ثم توقف فجأة لبقي الشعور بالدوران , إن شعورنا بالزمن واستحواذنا من قبل الزمن هو شعور مماثل مرده دورة الفلك حولنا, هل من سرعة للزمن يا ترى؟ إن كانت له سرعة , فبالنسبة لأي زمن, ذلك أن السرعة تقاس في مرجعية زمنية, إن كانت هناك سرعة للزمن فستوجد بالضرورة أعداد غير منتهية من أزمنة متباينة: زمن أول وزمن ثان... وهكذا.

ما هو العابر؟ ما هو الأزلي؟ كان زمان ومكان نيوتن مطلقين. لقد ترجمت المرجعية التذهنية النيوتونية المطلقة إلى كل الإنجازات التطبيقية في عصرنا. نشير هنا إلى هامش الخطأ الزمني المنسوب إلى النيوتونية, لا يلحظ لضآلته في عالم التطبيقات. إن كانت هناك بداية ونهاية لزمن, حق لنا أن نتسأل مرة أخرى بالنسبة لأي زمن. إن كان الوجود مجرد حالة من عدد ممكن من الحالات فلا ضرورة للزمن. لقد برزت مؤخرا مدرسة جديدة في الفيزياء تطالب بحذف الزمن واعتباره مجرد متغير رياضي. لقد تخلق الزمن في ذهن كائن منتصب ينظر إلى السماء عقب انطباعات متتالية لمشهد نجومي متكرر على صفحة دماغ ذلك الكائن. لقد دفع هذا الفعل مفهوم النبوءة إلى السطح, إذ أمكن مصادرة لحظة راهنة واعتبارها الآن وضم لحظة مماثلة إليها فيما دعي المستقبل. أما لحظة الماضي فكانت مجرد مطلب تناظري. بكلمات أوضح , يضم الآن الماضي والمستقبل بين جناحيه, إن على الزمن ألاِ يفرق بين الماضي والمستقبل من وجهة نظر ابستمولوجية. ربما كان الزمن نهجاً متبعاً في الطبيعة كي لا تحدث الأشياء دفعة واحدة. وفق لابلاس: الزمان فائض معلوماتي لأنه محتوى من المنظور المعلوماتي في اللحظة الراهنة, في حواره التاريخي مع نابليون, أشار إلى عدم ضرورة الألوهة في زمن كهذا , إنها تصبح مجرد أرشفة.

ترتكز الحياة اليومية على مبدأ ثبات الهوية, هل يمكن أن تثبت الهوية في الزمان والمكان وكيف؟ هل تتطابق الساعات في أنماطها الوجودية, بالتالي في قاسها للزمن؟ هل الساعات المستقبلية والماضية مثل الحاضرة؟ هل بمقدورنا قياس الفترات بالغة القصر؟ يفيدنا مبدأ هايزنبرغ في الريبة باستحالة قياس الفترة الزمنية والطاقة التي تفعل أثناءها بنفس الدقة. إننا عاجزون عن قياس الفترات الزمنية بالغة القصر, لو توفرت ساعة منذ البدء لقياس الزمن لما قدرت على إنجاز مهمتها ذلك أن الاصطدامات المتتالية في أتون الشواش الأصلي كانت ستمدد الهنيهات الزمنية إلى حد جعلها أزلية, إن أزلية الكون أمر مستحيل من حيث المبدأ ,لو حاولنا أن ننطلق من لحظة الآن نحو اللانهاية, مستخدمين كوسيلة العد البدائي: 1234 وهكذا لما بلغنا اللانهاية , كذا أمر الانحدار من لحظة اللانهاية في الأزل صوب الآن. إنه أمر مستحيل بدوره, لا بد من أن تكون هناك بداية للزمن. لربما أن الكون والزمن ولدا سوية, هل بدأ الزمن حقاً مع بداية الكون؟ يقول علماء الميكانيك الكوانتي إن الفراغ يتفق وعلى الدوام عن هباءات مادية تومض وتختفي. إن كان الزمن من بقايا الانفجار الأعظم الذي أتى بالكون إلى الوجود. فعلينا أن نهمله بسبب ما تقدم, إن ما يقودنا إلى هذا الاستنتاج حقيقة رصدية تتبدى بين الفينة والأخرى لتؤكد أن الكون أصغر سناً من الكثير من مكنوناته.

كيف برز الزمن المألوف التقليدي من الشواش؟ هل هذا الزمن مجرد وهم وهل نستطيع التجول عبره. هل من علاقة بين الزمن وبين الساعات التي تقيسه, يستغرقنا الزمن التقليدي بعدة أيام كي نبلغ القمر وعدة شهور كي نصل المريخ ومليون سنة كي نقترب من أقرب نجم إلى شمسنا نذكر في معرض حديثنا عن الزمن التقليدي أن هناك عمليات سريعة وأخرى بطيئة, إن أقصر فترة زمنية هي 10 -24 ثانية وأقصر فترة زمنية تجربية هي10  -23. كانت قبائل المايا تؤله الزمن. لربما أن تلك القبائل كانت محقة في نظرتها, لقد اهتموا بالزمن أيما اهتمام وكان تقويمهم أدق من التقويم الحالي بمرة ونصف.

لا تتعلق الإشكالية المطروحة بلا قوى وحركة الأجسام, بل بمسرح الأحداث , بالزمان والمكان, إنه مسرح فيزيائي وهو مسرح ذاتي باطن , لقد ربط أينشتاين الزمن  بالراصد. ففي النسبية الخاصة تستطيع أن ترى ماضي ومستقبل الآخر, لكن تبقى في آنك. وفي النسبية الخاصة تتحدد الكينونة بسرعة أعظميه ممكنة هي سرعة الضوء. إن الراصد مهما كان وضعه وتغيرت حالته, يقيس نفس سرعة الضوء أما الضوء في ذاته, فهو موجود في كل الأزمنة والأمكنة, إن الجسيم الضوئي إي الفوتون يتواجد في بداية ونهاية الكون في آن معاً, لا يستشعر الفوتون مضي الزمن أثناء تجواله في الكون. يبحث العلماء عن إمكانية وجود فوتونات نفسية في أعماق كل منا تتصرف مثلما يتصرف الفوتون الضوئي, من جانب آخر يفيدنا الميكانيك الكوانتي بإمكانية أن نرصد الفوتون وهو ينطلق بسرعة تفوق سرعة الضوء, بسرعة لا نهائية. يتحقق ذلك عبر مفعول النفقية إذ يقفز الفوتون فوق الحواجز الطاقية العليا آنياً ودون أن يمتلك الطاقة الكافية للقفزة. ما الذي يحول بيننا وبين أن نوظف مفعول النفقية للقفز فوق الأزمنة والأمكنة والارتحال إلى أصقاع كونية غريبة؟

إن تباطؤ الأزمنة كما طرحته النسبية الخاصة , قد تأكد في أكثر من معرض. يؤدى ارتطام الأشعة الكونية بأعالي الغلاف الجوي إلى توليد الميونات وهي جسيمات قصيرة العمر لاتلبث أن تتحلل في أعالي الغلاف الجوي, لكن الراصدين على سطح الأرض يستطيعون التقاط بعض الميونات ذلك أنهم يرون زمن الميونات وقد تباطأ بما يكفي لوصول الميونات إلى سطح الأرض. تنبأت النسبية الخاصة أيضاً بانضغاط الأطوال. نذكر في هذا السياق أن مسرع ستانفورد الخطي لم يكن ليعمل كما يجب لولا أن تنبه المهندسون إلى ضرورة النظر إليه من منظورين مختلفين: منظور العلماء الذين يرون أن طوله ثلاثة كيلو مترات. ومنظور الإلكترونات المسرعة التي تقرر أن طوله ثلاثة سنتمترات.

زعم أرسطو أن الزمن هو الحركة! دعونا نبحر بعيداً لربما الزمن قد بدأ بعداً خيالياً كالمكان وذلك كنتيجة للانحرافات التي كان مسؤولاً عنها مبدأ هايزنبرغ في الريبة, ثم تحول إلى بعد حقيقي بشكل تدريجي, وطالما أننا بعيدون نتساءل عن أثر الإرهاصات السابقة للزمن على ما بعده, إنها لا  تملك  أي أثر , لأن الأحداث بطبيعتها زمنية , من هنا كانت مقولتنا الخاصة بالانفجار الأعظم على أنه بدء الزمن, يرى علماء الفيزياء الرياضية في الزمن بعداً تخيلياً لانهم ببساطة يستطيعون حشر المتغير الرياضي الممثل للزمن في المعادلات بإشارة موجبة أو بإشارة سالبة. لقد سن عالم الفيزياء الرياضية ريتشارد فايغمان مبدأ جمع كل التواريخ. وفق هذا المبدأ تتأتى اللحظة الراهنة من كل التواريخ الممكنة أو من كل التواريخ وحسب.

تنص النسبية الخاصة لأينشتاين على أن كل الراصدين الذين يتحركون بسر عات ثابتة بالنسبة  إلى بعضهم يرون نفس الصيغ لقوانين الفيزياء, أهمل أينشتاين الاشتراط الخاص بثبات السرعات عندما انتقل من النسبية الخاصة إلى النسبية العامة. كان من نتائج النسبية العامة أن الزمن يتباطأ في جوار الكتل الكبيرة, هكذا يتباطأ الزمن في جوار الشمس بمعدلات تفوق تباطؤه في جوار الأرض, يترتب على ذلك أن يكون بعد الأرض عن الشمس أكبر من بعد الشمس عن الأرض, إننا نقيس عمر الكون, بحوالي 15 مليون سنة, لو قسنا عمر الكون من جوار نجم هائل الكتلة لاستنتجنا أن الكون لا يتجاوز في عمره ثلاثة آلاف مليون سنة.

نعرج على مشكلة لا هوتية لم تحل حتى الآن تختزل بالتساؤل التالي: هل يستطيع الإله التواجد في الزمن وخارجه ( في نفس الوقت) إن كان الإله زمنياً فيعني ذلك أنه خلق العالم منذ الأزل, لكننا أشرنا فيما تقدم إلى استحالة أزلية الكون, أما إن كان الإله غير زمني, فلم يكن خيار خلق العالم والزمن في تناوله, لأنالإله لا زمني, والخيار بالتعريف قضية زمنية. ما هي ضرورة مفهوم البداية؟ نواجه في الرياضيات مجالات كثيرة محدودة من الأعداد بدون بداية أو نهاية, على سبيل المثال وليس الحصر, كل الأعداد الواقعة بين الصفر والواحد, باستثناء الصفر والواحد, لقد طرح أينشتاين مفهوم التكوين المحدود غير المنتهي كسطح الكرة الأرضية حيث لا نجد نقطة بدء أو نقطة نهاية, إن كان الزمن تخيلياً في نشأته فالتخيلي ليس فيه بدء ولا نهاية. إن الفارق بين الحقيقي والتخيلي هو في مدى تقبل النموذج من المنظور الابستمولوجي, إن البداية مفهوم معقد, إنها النقطة المنفردة حيث تذوب وتتحد كل الأشياء, والنقطة المتفردة مصادرة ذهنية ليست غير معروفة, لكنها تطمح إلى التعريف.

إن أسقطنا ضرورة البداية وأخذنا بزمن تخيلي لواجهتنا مفارقات جمة, لقد قبلنا بتمدد الكون على هامش الانزياح الأطياف المرصودة نحو الأحمر, ماذا لو كانت ظاهرة الانزياح نحو الأحمر مسألة فيزيائية مرتبطة ببنيوية الكون. لعلها تظاهرة كوانتية تنجم عن أنماط مجهولة من القفزات الكوانتية. يقول العلماء إن معظم مادة الكون مادة سوداء لا تشارك في النشاط الكهرمغناطيسي وتكتفي بتبادل الفعل الثقالي, إن الزمن  في نسبة هذه المادة مختلف ولا شك , ألا يعقل أن يكون الكون مستقراً كما وصفه الفلكي فرد هويل حيث تسهم إضافات طفيفة من المادة في توسيع الكون دون توقف وحيث يفقد الزمن أي معنى.

يشير الفيزيائيون إلى مصطلح سهم الزمن الذي يحددونه  بالتردي الدائم للطاقة وتحولها على الدوام إلى طاقة غير مفيدة, إنه القانون الثاني للترموديناميك المسؤول الأول عن ذلك التردي وعن تعميق الفوضى الكونية بشكل مطرد, يؤول الكون. من هذا المنظور , إلى الموت الحراري في المستقبل البعيد, حيث تفقد المادة أي طاقة حرة مفيدة بإمكانها رفد المادة بأي قدر للفعل مهما كان ضئيلاً, توفر الفيزياء إمكانية للنظام المطلق, لكن عند أخفض درجة حرارة ممكنة في الكون : الصفر المطلق,  من جانب آخر يعاكس سهم ارتقاء الحياة سهم الموت الحراري للكون, تحاول الحياة تحقيق النظام في درجات حرارة مرتفعة كدرجة الحرارة الملائمة لبقائنا على قيد الحياة, يجسد الزمن التقليدي محاولة الحياة هذه نستطيع وفق هذا الزمن التقليدي تأريخ الكون, إنه تأريخ كوني لكنه مجرد معطى أرضي, نعلل ذلك بحقيقة أن الأرض ترتحل عبر الفضاء بسرعة 350 كيلو متر في الثانية صوب أحد التجمعات النجمية , نظراً لضآلة هذه السرعة فإن  تباطؤ الزمن يكون مهملاً, بالتالي تكون سرعة الأرض غير مهمة بالنسبة للإشعاع الكوني الخلفي ويمكن اعتماد زمننا لتأريخ الكون خاصة أن الطيف يبدو متجانساً ومائلاً قليلاً نحو الأزرق في اتجاه التجمع النجمي المشار إليه, إن هناك أزمنة كونية اصطلاحية كثيرة ومنها أزمنة أرضية فهناك زمن كثافة المادة وزمن تغير الهندسة والزمن الذري  والزمن الثقالي وسواها. الكون كما نعرفه ونتحدث عنه ما هو إلا مقطع كوني حيث يطابق إجمالي الطاقة الصفر, إن انعدام الطاقة في كوننا المقطع يعزى إلى اعتبار الطاقة الثقالية الكامنة السالبة. إذا غيرنا المقطع نحصل على أكوان وأزمنة  مختلفة.

إن الكون هو ما نتحدث عنه , إن كان الأمر يتعلق بالقانون الثاني للترمودناميك فهناك الموت الحراري للكون, أما إن أثبت قوة الوعي نفسها تتراجع الفوضى الكونية فاسحة المجال أمام البديل الإنساني الخير. وفي منظور الفيزيائي قد يعود الكون إلى التقلص بعد تمدد طويل ثم ينفجر من جديد ليتمدد مرة أخرى في إيقاع من العود الأبدي, يجب أن تتخلل النوبات الكونية فترات لا زمنية وإلاً واجهتنا مرة أخرى مفارقة الكون الأزلي. نشير هنا إلى أن الكون المستقر هو كون أزلي وفق مرجع محلي محدود فقط. على أية حال , مهما كانت الأكوان , تبقى القوانين الفيزيائية دون تغيير إذا انعكست في وقت واحد الأزمنة والأمكنة والشحنات الكهربائية, إن للأزمان هائلة الكبر جذوراً تاريخية . إن هناك  ما يشير إلى تنادر الفكرة في الخافية الجمعية لدى القبائل القديمة. من جانبه  برهن عالم الرياضات الكبير هنري بوانكاريه نظرية العود الأبدي التي تختزل بصحة مبدأ العودة شريطة مضي زمن كبير بالمقياس الكوني لكن ثبت خطأ هذه النظرية فيما بعد.

تولد النجوم وتعيش وتموت ككل موجود آخر في الكون. إن كانت كتلة النجم كبيرة بقدرِ كافِ تتغلب قوة الجذب الثقالي ضمن النجم على كل القوى الكونية الأخرى فينكمش النجم متحولاً إلى نقطة متفردة ويزداد جذبه الثقالي إلى حدود لا نهائية, أما مكانه فينسحق بينما يتوقف زمانه. لا شيء يستطيع الإفلات من قبضة الثقب الأسود حتى الضوء. يحيط بكل ثقب أسود حيز من الفضاء يعرف بأفق الحدث. إن من يجتاز هذا الأفق يختفي بسرعة من الوجود, إن الناظر من بعيد من وراء أفق الحدث يحكم أن الثقب الأسود يقع بعد نهاية الزمن, أما من يدلف إلى الثقب الأسود فيرى الكون وقد أزفت نهايته بشكل آني تقريباً. يفقد الثقب الأسود هويته السابقة ولا يبقى مما يعرفه إلا كتلة والشحنة واللف الذاتي, بكلمات أخرى , توحد الثقوب السوداء كل التواريخ السابقة, لا يستطيع المسافر إلى الثقب الأسود أن يعود منه , أي أن يعود من نهاية الزمن دون أن يعرج على الماضي, إن الذهاب إلى الثقب الأسود هو ذهاب إلى لا أين ولا آن. تقع وراء  الثقوب السوداء أكوان وأكوان مضادة. ينعكس الزمن في الكون المضاد لا يتدفق من المستقبل جهة الماضي, كان ريتشارد فايغمان أول من تحدث عن الإبحار إلى الماضي فقد تبين أن البوزيترون موجب الشحنة موجب الطاقة المرتحل إلى المستقبل هو عينه الإلكترون سالب الشحنة سالب الطاقة المندفع إلى الماضي.

يختزل التجول عبر الزمن بإمكانية زيارة الماضي أو المستقبل ثم العودة إلى الحاضر, أما انعكاس الزمن فهو أمر آخر , قد تتجاوز بعض المناطق في الكون, لكنها تمتلك أزمنة متعاكسة, تتوق الكائنات في الأكوان ذات الأزمنة المنعكسة إلى الماضي, تماماً كما نأمل بالمستقبل, يبدو انعكاس الزمن مسألة عادية بالنسبة لكائن تتالى أفعاله بشكل عكسي, إننا نعجز عن رؤية النجوم في تلك الأكوان ذلك أن رؤيتها تقضي بأن ينطلق الضوء من أعيننا ليسقط عليها. تقع كائنات الأكوان المذكورة في ماضينا البعيد ولا سبيل للاتصال السببي بهم, بصورة عامة يستحيل الاتصال السببي بين الأكوان ذات الأزمنة المتعاكسة. إن تأثيرات   كائنات تلك الأكوان, التي قد تبدو من المنظور النفسي مستقبلية بالنسبة لهم, تغيب بشكل مطرد في ماضينا, إنهم ليسوا غرباء في مراجعنا, بل أكثر من غرباء, ذلك أم مصطلح الغرباء قابل للتفكيك والتركيب وفق أدواتنا. إن تداخل كوننا مع أحد تلك الأكوان , فلن نستشعر ذلك على الأطلاق, نستأنس هنا مرة أخرى برأي ريتشارد فايغمان ‘ذ لا توجد علاقة توقف الماضي على المستقبل أو توقف المستقبل على الماضي.

 إذا عاد الكون إلى التقلص بعد طور طويل من التمدد, ينعكس الزمن , فهل نعود إذ ذاك من الموت إلى الحياة وندلف في النهاية إلى أرحام أمهاتنا. تشترط زيارة الماضي تحقق العزلة المعلوماتية, لكن الآثار الثقالية والحرارية تسيء إلى العزلة المذكورة , لا تعني العزلة المعلوماتية  اجترار الأفكار الماضية, كما أنها لا تعني الرفض المسبق أو القبول المسبق لأية فكرة, إنها اشتراط فيزيائي لزيارة الماضي وحسب. نفرض أن أحدنا استطاع زيارة الماضي. ماذا لو أقدم أثناء الزيارة على قتل جده, سيؤدي ذلك بالفعل إلى امتناع وجودي لإمكانية عيشه لحظة الآن, يحل الميكانيكي الكوانتي هذه المفارقة إذ يعهد لولادة كونين لحظة قتل الجد يظهر في أحد الكونين جد قتيل ولا يولد فيه ابن أو حفيد, بينما لا يموت الجد في الكون الآخر ويكون بالتالي ابن وحفيد, إنها نظرية إيفريت في الاكوان المتعددة, في نفس السياق, نستطيع إرسال جسيمات صوب الماضي تتداخل مع البنى البيولوجية للأجداد مما يفضي إلى تغيرات ملحوظة في خلايانا ونسجنا الحالية, من جانب آخر قد ينطلق أحد الجسيمات بشكل عفوي إلى الماضي فيقلب أحد ذرات الفحم في جسم الجد إلى ذرة مشعة, تتحدر الذرة إلى أحدنا فيصاب بمرض غير مفهوم فجأة ودون مقدمات.

إن للارتحال إلى المستقبل صعوباته المنطقية أيضاً, لو رغب أحدنا بتأليف كتاب متقدم , ما عليه إلاً السفر إلى المستقبل ليرى بأم عينيه محتويات الكتاب  ثم يعود إلى الآن لتأليف الكتاب بعد تمثله تلك المحتويات يعني ذلك أن المعلومات تخلق نفسها, ينطبق الأمر على كلِ منا باعتباره بنية معلوماتية, إنه العود الأبدي في صيغة قريبة من صيغة بوانكاريه. يتجاوز الباحثون عن المعرفة أنفسهم على الدوام. إن كانت النسبية قد حددت سرعة عظمى في الكون هي سرعة الضوء, فلا يوجد ما يمنع من أن تنطلق بعض الجسيمات بسرعات أعلى من سرعة الضوء بشرط ألاِ تستطيع التباطؤ إلى سرعة الضوء, دعا العلماء تلك الجسيمات تاشيونات , تبحر التاشيونات نحو الماضي لأنها تتحرك بسرعات أعلى من سرعة الضوء, المكان بالنسبة للتاشونات حقيقي والزمان تخيلي, إن بمقدور التاشيونات أن تنوس على هواها بين بداية الكون ونهايته بل وأن تسعى إلى اللانهاية الزمنية. إن الإشكالية الابستولوجية الرئيسية المتعلقة بمعضلة اللانهاية هي أن نكون في اللانهاية أو لا نكون.

كان أينشتاين أول من تحدث عن ممرات الديدان الكونية والتي سنشير إليها فيما يلي بكلمة الممرات وحسب, تنشأ الممرات في أعماق الثقوب السوداء ويمكن الخروج منها إلى مجموعات نجمية بعيدة جداً. ونظراً لارتباط االممرات بالثقوب السوداء, يكون الخروج عبر ثقب أسود آخر, نعلم مما تقدم أن ذلك مستحيل إذ ليس بمقدور أي شيء مغادرة أفق الحدث المحيط بالثقب الأسود سيما وأن الثقب الأسود يعكس الطبيعة الخاصة بكل من الزمان والمكان, فيصبح الزمان تخيلياً والمكان حقيقياً. يفيدنا العلماء عن وجود منعكسات زمنية للثقوب السوداء هي الثقوب البيضاء, يقبع ثقب أبيض في باطن كل نجم, أتى الكون إلى الوجود بانفجار كبير هو في حقيقته ثقب أبيض, إن الذاهب إلى ثقب أسود في المستقبل يعود من ثقب أبيض في الماضي, يتوجب على المرتحل أن يعبر الثقب الأبيض بسرعة قبل أن يتبدد في انفجار لاحق أو يتحول إلى ثقب أسود كمصير كوننا في المستقبل البعيد. نستطيع أن نعيد النظر في القانون الثاني للترموديناميك وفق النموذج الخاص بانتشار الثقوب السوداء, ففي البدء كانت هناك نقطة متفردة وحيدة بينما تتكاثر النقاط المتفردة عند الاقتراب من النهاية.

 ما هي الاشتراطات التي يجب أن تحققها الممرات؟ إن البنية التبولوجية للمر هي بنية كروية من حيث المبدأ , لكن قد تكون حلقية أو في هيئة قرص. ترتبط الممرات أصلاً بالنظرية التي اشتقت منها وهي نظرية النسبية العامة لأينشتاين, أما عن بنية الممر الهندسية, فلا بد من أن يملك الممر حوضين واسعين تربط بينهما  رقبة ضيقة, إن أفق الحدث مرفوض في بنيوية الممر, كما ويفترض أن تخفض قوى المد الثقال إلى الحد الأدنى ضمنه بما في ذلك التأثيرات الناجمة عن مركبة الفضاء التي تدلف داخل الممر, يتحدث بعض العلماء عن إمكانية بناء الممرات باستخدام المادة سالبة الكتلة. وفق بول ديراك إننا غارقون في محيط من جسيمات مادية سالبة الطاقة, تترجم هذه الطاقة السالبة إلى كتلة سالبة باستخدام معادلة أينشتاين التي تساوي الطاقة بالكتلة, إن أهم مخزون للمادة سالبة الكتلة هو الفراغ المطلق, ي}كد هوكينغ أن بإمكان المستقبلين الحصول على المادة سالبة  الكتلة من جوار الثقوب السوداء. يتم تحسين هذه المادة بعد ذلك ونقلها إلى المكان المنسب لبدء رحلة ما.

كيف يبدو الكون بالنسبة لرحالة كوني يمتطي متن أحد الممرات , على مسافة كبيرة من الممر يبدو كل شيء طبيعياً. أما في الجوار القريب فتبدأ النجوم بالتجمع في حزم ضوئية بينها فجوات . عند ولوج الرحالة تأخذ الحزم بتكرار نفسها وتنتشر في كل حيز وكأنه فعل عدد غير منتهِ من المرايا. واقع الأمر إن المد الثقالي الهائل يؤدي إلى تركيز الضوء بإيقاعات متصاعدة يلحظها الرحالة بشكل مستمر.

لقد تم تصميم عدد من آلات الزمن. أهمها كون جودل الذي هو في حقيقته أحد حلول نظرية النسبية العامة لأينشتاين, يدور هذا الكون حول محور محدد. يؤدي هذا الدوران إلى تداخل ونوسان المنظومات الزمنية المتباينة لمختلف الراصدين الذين يصبح بمقدورهم تبعاً لذلك التجول بين كل الأزمنة وفق ما يريدون. من جانبه وضع تبلر تصميماً لآلة زمنية أسطوانية الشكل تبنى من رصف عدد كبير من النجوم هائلة الكتلة وتمتد لمسافة غير محددة, يدور السطح الخارجي للاسطوانة بنصف سرعة الضوء, إذ حلق رائد فضاء مستقبلي حول الاسطوانة فبإمكانه السفر إلى ماضيه أو مستقبله, ترتكز آلة زمنية أخرى على الميكانيك الكوانتي, وفق هذا العلم يخلو العالم من الأسباب  والنتائج , إن العالم مجرد أحوال وكل حال احتمال تمر المنظومة بصورة عامة من حال إلى حال فيما يعرف بالقفزة الكوانتية, لا يستطيع أحد التنبؤ بحدوث إحدى القفزات الكوانتية إلا في حدود الاحتمال, إذ استطعنا تصنيع بالون كوانتي, يكون انتفاخه وانبساطه قفزتين كوانتيتين, إذ قبع راصد داخل البالون ونبسط البالون على حين غرة بقفزة كوانتية ازداد متوسط كثافة المادة في جواره, يؤدي ذلك إلى تباطؤ زمن الراصد بالمقارنة مع جواره تبعاً لما تفيدنا به نظرية النسبية العامة, أدى طرح نظرية الأوتار الفائقة إلى التفكير بإمكانية استخدامها كآلة للزمن. إثر الانفجار الكبير الذي أتى بالكون إلى الوجود تكسر المجال الموحد الأولي وتخلفت الأوتار الفائقة كبقايا, تماماً كما تبقى الصدوع في قشرة الأرض بعد حدوث الزلزال, تتميز الأوتار الفائقة بكتل كبيرة تؤدي إلى تشوه الزمن كما في حالة اسطوانة  تبلر, وفق النسبية العامة يؤدي وجود الكل الكبيرة إلى ثني الزمن وإغلاق المنحنيات الزمنية في النهاية مما يمكن الراصد من العودة إلى الماضي, يستطيع رحالة الزمن استخدام ممرين متحركين بالنسبة لبعضهما, يدخل الرحالة بوابة الممر الثابت بالنسبة إليه و  يخرج من الفوهة الأخرى في موقع آخر من الفضاء بعد فترة محددة, يبدو زمن الممر الآخر معكوساً فيسارع الرحالة للحاق به ويدخل من إحدى فوهتيه ليخرج من الأخرى ويدهش إذ يجد نفسه في الماضي

يجب أن يكون التجول عبر الزمن متسقاً مع كل مجريات الكون ومع الاتجاه العام لارتقاء الكون , إن لم نتمكن من تحديد التاريخ الدقيق لجسم نستطيع اعتباره مزيجاً من كل التواريخ. هكذا إذا دلف جسم إلى حلقة زمنية مغلقة فإنه يعجز عن الانفراد بحال وتصبح حالته مزيجاً وتداخلاً لكل الأحوال الممكنة.

يقول علماء الميكانيك الكوانتي إن التجسد بحال معزولة لا يتحقق إلاً عند تدخل الوعي فيما يعرف بالفيزياء بالتجربة. هذا هو تفسير كوبنهاغن للميكانيك الكوانتي. إن العالم هيولي غير متمايزة وأن ارتطامه بالوعي يعينه وفق ما يجنح إليه الوعي, هناك تفسير آخر للميكانيك الكوانتي أسرنا إليه بمصطلح الأكوان المتعددة, إجرائها ينفصم الكون إلى أكوان فرعية يساوي عددها عدد نتائج التجربة وبما يمكن من ظهور نتيجة مستقلة في كل كون, ,بعد, هل نأخذ بتفسير كوبنهاغن أم تفسير الأكوان المتعددة, وحده التجول عبر الزمن سيرجح أحد التفسيرين وربما يقدم تفسيراً ثالثاً, وبانتظار أن يحدث ذلك نشير إلى احتمال أن تكون الأطباق الطائرة هي مركبات أحفادنا يتجولون عبر الزمن ويلقون علينا التحية بين فينة وأخرى. أو ليس من المعقول أن تتطور الحاسبات في مستقبل بعيد وأن ترسل ممثليها إلى الماضي لإلغاء تواجدنا من جذوره, وماذا عن صناع الخوارق, ألا يحتمل أنهم يقومون بأعمال مستقبلية ثم يعودون بها صوب الآن فتظهر في شكل معجزات, ألا يمكن أن تكون أحلامنا غير المفسرة  رسائل من المستقبل. كتب أحد العلماء رواية خيال علمي تتحدث عن أحد المعجبين بشخصية أسطورية, قرر ذلك المعجب تصنيع آلة زمن تعود به إلى الوراء للقاء الشخصية الأسطورية, وعندما وصل زمن الشخصية لم يجدها على الإطلاق فاحتل مكانها مدعياً أنه الشخصية الأسطورية وبدأ بممارسة أعمالها في زمانها كي يحافظ على اتساق المجريات التاريخية.

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •