الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

الكون والكائنات الحية غير الأرضية

المهندس فايز فوق العادة

 

          هل الكائنات الحية غير الأرضية مجرد أوهام صنعها الخيال الجمعي لبني البشر؟ أيعقل أن تكون مكافئة للجان والشياطين والعفاريت؟! هل هم موجودون فعلاً؟ ومن هم أصلاً؟ إننا نستخدم ضمير -هم- في سياق المجاز ذلك أننا إن تحدثنا عنهم فإنما نتحدث عما نجهله تماماً. أمن الممكن أن تحصل تغييرات جذرية بعد لقائهم، أم أن الدهشة المنبثقة عن اكتشافهم سرعان ما ستخبو ليعود كل شيء إلى ما كان عليه سابقاً؟

          إن أي حديث مهما أغرق في الغرابة لن يستطيع التحرر من أسر المفردات والمصطلحات المتداولة والطابع الأرضي للفكر البشري، ما الذي يحدث لو قدر لأجيال إنسانية متتالية أن تنمو وتترعرع في الفضاء الكوني بعيداً عن الأثر المقيد للجذب الثقالي؟ لا شك أنها ستصبح ذات بنى مرنة والأرجح أنها ستتخلص من هياكلها العظيمة ذلك أن الوظيفة الأساسية للهيكل العظمي هي حمل الدماغ ونصبه عالياً باتجاه معاكس لفعل الجذب الثقالي للأرض، لقد أثبتت الرحلات الفضائية المديدة أن الجسم يبدأ بعد فترة بالتخلص من مركبات الكالسيوم، فالانتقاء الطبيعي لا يجد مبرراً في الفضاء الكوني لبقاء الهيكل العظمي، إن أحداً لن يستطيع تصور التغييرات التي ستطال جوهر الفكر في خضم هذه التحولات العميقة، من هنا كان التركيز على النمط الأرضي لحديثنا عن الكائنات الحية غير الأرضية، إننا نجد فيما تقدم نقداً قوياً لأي تصور لتلك الكائنات يجعلها شبيهة بنا، فقد يعجز أي نموذج عن الإحاطة بهيئاتها، هذا إن كانت موجودة في الأساس، من يدري فقط تساعد الأفكار والآراء والتخييلات التي سنطرحها في إماطة اللثام عن حقيقة الكائنات المجهولة، ولنا في قول آينشتاين التالي دليل ومرشد: "لا يستطيع العقل الإنسان أن يحيط بالكون، إننا أشبه بطفل صغير يلج مكتبة كبيرة حيث ترتفع الكتب حتى السقف وتتوزع بين لغات مختلفة، إن الطفل على علم مسبق بأن البعض مسؤول عن كتابة محتويات هذه الكتب، إلا أنه لا يدري من هم هؤلاء البعض وكيف أنجزوه، كما أنه لا يفهم اللغات التي سطرت بها تلك الكتب، وعلى الرغم من ذلك يستطيع الطفل أن يتحسس خطة محددة في ترتيب تلك الكتب، إنه تنظيم غامض لا يستطيع فهمه بشكل كامل، ولكنه يستطيع إدراكه على نحو مبهم".

          نتوقف قليلاً عند كائنات حية أخرى قد تكون موجودة الآن وهنا بينما يستحيل التكاشف بيننا وبينها، نستمد من الميكانيك الكوانتي أطروحتنا الخاصة بهذه الكائنات، يرى أتباع المدرسة الكوانتية أنه لا توجد في العالم أسباب ونتائج وفق الصورة التقليدية للعالم، على العكس، يتجسد العالم، وفق ه.ؤلاء، في حال من مجمل الأحوال ولكل حال احتمال محدد، كما تتحدد طاقات الأجسام لدى تفاعلها مع بعضها بسويات معينة، من ذلك مثلاً أن الالكترون لا يدور حول نواة الذرة في مدار من مجموعة من المدارات، بل يحتجز في سوية طاقية من أصل جملة من السويات الطاقية، وضمن سوية معطاة لا يظهر الالكترون في مكان محدد بسرعة معينة، فالسوية الطاقية المعطاة تعرف بغيمة احتمالية، هي غيمة رياضية مجردة، تفيدنا في بلقاء الالكترون وفق احتمال معتبر، وما هو أدهى في الميكانيك الكوانتي أنه تمتنع على الالكترون حيازة أي كمية من الطاقة غير مساوية لطاقة إحدى السوياتن هكذا إن الانتقال من سوية لأخرى مستحيل وما على الإلكترون إلا القفز بين السويتين لدى تحركه من سوية ليعود إلى الظهور في السوية الأخرى، يدعو الكوانتيون التحول من حال لأخرى على هذا الغرار قفزة كوانتية، وفي رأي بعضهم أن الكون ولد بقفزة كوانتية حيث تحول من حال اللاوجود إلى حال الوجود.

          لقد حار المفكرون في أمر الميكانيك الكوانتي، وكثرت تأويلاته وتفسيراته، لن نستعرض تلك التأويلات والتفسيرات، لكننا سنعرج على أحدها لما له من أهمية في رفد بحثنا، يذهب مبدعوا هذا التفسير إلى أن أي فعل كوني، وبصرف النظر عن الأطراف التي تسهم بتحققه، هو بمثابة تجربة، تستتبع كل تجربة عدداً محدداً من النتائج، ولا يقع الوعي الإنساني إلا على نتيجة واحدة منها حصراً، فالدماغ الإنساني نشأ وارتقى على مصادرة السبب-النتيجة، تلك المصادرة التي لا تيسر الدماغ إلا أن يتعامل مع نتيجة واحدة للتجربة في لحظة معينة، ينتقي الدماغ عادة الأقل احتمالاً، نطرح هنا تساؤلاً هاماً: ما هو مآل النتائج الأخرى؟ يجيب أنصار هذا التفسير بأن الكون برمته ينشطر إلى نسخ من ذاته يساوي عددها عدد نتائج التجربة في قائمة تلك النسخ، إن احتوى أي كون آخر وعياً من نمط ما، فستبرز أمامه نتيجة مختلفة عن النتيجة التي تحسسها وعينا، ولما كنا لا نملك إلا أن نستشعر نتيجة واحدة، استحال التكاشف بيننا وبين ممثلي ذاك الوعي، لكن بعضنا ممن لم تتطور أدمغتهم إلى حد التعين بنتيجة واحدة بمقدورهم الوقوف على تخوم تلك النسخ والتحدث بالتالي عن أكثر من نتيجة، ولعلهم يستطيعون مراقبة ممثلي الوعي الغريب عن كثب، لكنهم سيعجزون عن اختزال رؤاهم في بنى نظرية لافتقار أدمغتهم إلى المقولات المنطقية الضرورية لذلك الاختزال.

          ومن الميكانيك الكوانتي إلى علم النفس، والهدف دائماً هو البحث عنهم سواء تواجدوا الآن وهنا، أم كانوا في آن مغاير، لقد ظلت تسيطر على الناس منذ أواخر الحرب العالمية الثانية وحتى الآن شائعة الأطباق الطائرة التي افترض كثيرون أنها مركبات تقل الكائنات الحية غير الأرضية في زيارات للأرض، هذه الأشياء إن كانت حقيقية فما هي ومن أين؟ وإن كانت إشاعة فما هي أسباب هذه الإشاعة، دواعيها وبواعثها؟

          لا شك أن لعلم النفس كلمة في الموضوع إن كانت إشاعة، ولعلها كذلك أي إشاعة بصرية، فالحاجة إلى الإشاعة البصرية موجودة شأن الحاجة إلى الإشاعة السمعية، إن كانت إشاعة فهي من فعل وظيفة نفسية تعرف في علم النفس التحليلي بالإسقاط، والإسقاط سياق نفسي يتجه من محور الداخل إلى الخارج، وهو في هذا عكس الإدراك الذي ينقل الصور الموجودة في العالم الخارجي إلى النفس بواسطة الحواس، أهو وهم؟ لا ليس بالضرورة، من حيث أن الإسقاط ينقل صور أشياء موجودة داخل النفس، في الخافية، إلى العالم الخارجي لكي تعود الحواس فتنقلها ثانية من الخارج إلى الداخل، فالإسقاط إذن هو إدراك معكوس الوجهة، وهو إدراك ثان حيث أنه ينقل الصورة المسقطة من الخارج إلى الداخل، وغالباً ما لا يعرف الإنسان الذي تصدر عنه الرؤى والأوهام المسقطة، إن رؤاه وأوهامه هي صور مصدرها النفس، بل هو موقن بأن مصدرها العالم الخارجي، فهي عنده مدركات حسية بكل ما تعنيه الكلمة من مضمون، تعمد الخافية (ساحة اللاشعور) إلى الإسقاط عندما تريد تعريف الواعية (ساحة الشعور) بمحتوياتها (أي محتويات الخافية)، أي أن هناك وظيفة هامة قد أهملتها الواعية، فجاء الإسقاط كي يذكر بالوظيفة المهملة، لكن علام يدل إسقاط الأطباق الطائرة؟ بما أنها يتخذ أغلبها شكل العدسة، هو من الأشكال المستديرة التي تطلقها الخافية الجامعة أو العامة في جميع الأزمنة والأمكنة وتعطى أسماء تتفق مع ثقافة ومعتقدات الزمان والمكان اللذين تظهر فيهما، فإن هذه الأشكال ليست رموزاً للنفس أو الذات وحسب، وإنما هي "صور الله" أيضاً. لدينا قول مأثور مفاده: "إن الله دائرة مركزها في كل مكان ومحيطها ليس في مكان"، فالله في كلية علمه وقدرته وحضوره، شيء مستدير تام وكامل، لذا كان من الممكن للأطباق الطائرة على مستوى الأزمنة القديمة، أن تفهم على أنها آلهة، وإنها لسمة من سمات عصرنا أن يتخذ النموذج البدئي (نموذج النفس أو الذات التي توحد بين الأطراف أو الأضداد ولا سيما الخافية والواعية) خلافاً لتجلياته السابقة، هيئة شيء من مثل عمارة تكنلوجية لكي يتجنب غرابة التشخيص الأسطوري بل والخرافي، كل شيء عليه مظهر التكنلوجيا لا يلقى صعوبة في رواجه لدى الإنسان الحديث، وقد جعلت إمكانية القيام بالرحلات الفضائية من فكرة التدخل الميتافيزيائية غير الرائجة أمراً مقبولاً يتجسد في هيئة أطباق طائرة.

الحق نقول، إن البحث عن الند، كان ولازال من الفعاليات الأساسية للنفس البشرية، تضرب هذه النزعة جذوراً عميقة في الخافية الجمعية وتجد مكاناً لها في أي منهج جديد مهما كانت مضامينه، يعلل هذا البحث الآن بمبدأ اللامركزية الكونية، لم تعد الأرض، وفق هذا المبدأ، مركزاً للكون، وبات بمقدور أي كوكب يلف حول نجم أن يبدع نمطاً حياتياً في إطار اشتراطات معينة، عبر معادلة دريك-ساغان عن هذه الإمكانية، إذ ربطت احتمالها بعدة عوامل كسرعة ولادة النجم في مجرتنا وتجمع كوكب يحقق اشتراطات دنيا لإيواء الحياة واحتمال إقلاع ظاهرة الحياة عليه وارتقائها من ثم إلى حضارة، وأخيراً وليس آخراً العمر المتوسط للحضارة التكنلوجية، لكن المعادلة على الرغم مما جرى حولها من مناقشات لم تفلح في حسم معضلة الكائنات الحية غير الأرضية، فقد خلص واضعوها ودارسوها إلى أن عدد الحضارات في مجرتنا لا يتجاوز الألف حضارة وقد لا يزيد عن حضارة واحدة هي حضارتنا، لقد تعزز مبدأ اللامركزية إثر الاكتشافات المثيرة التي حدثت مؤخراً والتي أكدت وجود المواد الضرورية للحياة في الفضاء الكوني حيث تنخفض الحرارة إلى ما دون 270 تحت الصفر المئوي، وكأنا بتلك المواد تنتظر الظروف الملائمة كي تنتشر وتبعث بنمط جديد إلى مسرح الحياة، لربما أنها تساقطت على الأرض في أزمان موغلة في القدم وبرزت الحياة على الأرض من ميتات النجوم المنتمية إلى الجيل الأول من النجوم الكونية منذ عدة آلاف من ملايين السنين، لقد حقنت السحابة البدئية الجنينية لأسرتنا الشمسية وبغزارة بتلك المواد وكان أن دخلت تلك المواد في خلايانا ونسجنا، حقاً من الغبار الكوني أتينا وإليه نعود، لا بل إن فروقنا الفردية قد تعزى إلى الأصول المتباينة لتلك المواد، الحديد في دمائنا مثلاً يرجع إلى تفجر النجوم القديمة الأكبر كتلة من الشمس، كلما كان النجم أعظم كتلة مزق نفسه بسرعة ملحوظة، ألا يمكن أن يكون عصبيو المزاج قد ورثوا حديد ذلك الصنف من النجوم وأن ترد الفروق إلى اختلاف منشأ المواد الداعمة لحياة كل منا؟ يقودنا ما تقدم إلى احتمال أن يكون الكون بأسره كائناً حياً هائلاً ما نحن فيه إلا خلايا صغيرة مفصولة، وما هم فيه أيضاً إلا خلايا مشابهة، يبسط هذا الافتراض الإشكالية المتعلقة بمبدأ الشمولية للقوانين الفيزيائية حيث تعزى الشمولية في حالة هذه القوانين إلى ضرورة اتساق وتآلف الأجزاء المختلفة للمتعضية الحية.

          بالمقابل، قد تتمخض مختلف الحيوات الكونية المنفصلة عن بعضها من هذا الطراز إلى كائن مطلق موحد في المستقبل البعيد، إن اللغز في تجسد الحياة بأفراد معزولين يتمثل كل منهم الكون على انفراد هو عجز المادة عن التكتل في بنى غير منتهية وفق ما تمليه نواميس الفيزياء خاصة مبدأ باولي الذي ينص مثلاً على استحالة تجمع إلكترونين متماثلين في نفس النقطة من المتصل الزماني المكاني، لكن ما هي الحياة؟ لا أحد يعرف، إلا أن الجميع يتفقون على سمة أساسية للحياة، ألا وهي المقدرة الخارقة للحياة على إيجاد مأوى لها في كل الظروف مهما كانت الإشتراطات، تتلاءم الحياة إذن مع كل ما يحيط بها، متناغمة مع كل المتغيرات، تذهب النظريات الفيزيائية الأكثر تقدماً إلى أن مآل الجسيمات المادية بما فيها الجسيمات البالغة الاستقرار كالبروتونات والإلكترونات، هو التحلل والإندثار، باختصار سيتحول الكون إلى طاقة في مستقبل موغل في البعد، إن كانت الحياة قادرة على التكيف فعليها عندئذ أن تتحول بما يسمح لها أن تنبث في تلك الطاقة، ولما كان بمقدور الطاقة، بعكس المادة أن تتكتل وتتجمع دون حدود أو قيود، سيتحقق إذ ذاك كائن طاقي وساع واحد يملأ الكون عبر تاريخه، إن صح ذلك فلن نكون الممثلين الوحيدين على مسرح الحياة الكوني الآن، فغاية الكائن المطلق التالي لن تفصح عن نفسها على خلفية جنس وحيد هش وغير متوازن كالجنس البشري.

          مرة أخرى نعود إلى النزعة الخاصة بالبحث عن الند، فما إن فرغ بنو البشر من الالتقاء بعضهم بالبعض الآخر تحقيقاً لتلك النزعة، حتى انصرفوا ككتلة واحدة إلى البحث عن ند أوسع وأشمل ولم يكن لهم من منفذ للبحث إلا السماء، فكان البحث عن الله في محاولة لافتداء الأخطاء المعنوية كالذنوب والآثام، واليوم يستمر البحث عن الند وفي نفس المكان: السماء وضمن نفس النهج أي نهج الافتداء، لكن لافتداء النقائص المادية بدلاً من افتداء الأخطاء المعنوية، هكذا سنطلب منهم إن التقيناهم وصفة جاهزة لمرضى الإيدز والسرطان وبرنامجاً سحرياً لإزالة تلوث البيئة.

          هل سيكون لقاؤنا بهم داعماً فعلاً؟ من يدري، قد يكون اللقاء مدمراً، فهناك على الأرض لم تلتقِ حضارتان إلا احتوت إحداهما الأخرى، حتى الأفكار والمفاهيم تتناقض وتتصارع على كوكب الأرض، فما بالنا بأفكار ومفاهيم تفصلها فضاءات كونية غير منتهية، إن ذوبان الحضارات على الأرض لم يتمخض إلا عن الأسوأ على الرغم من تشابه تلك الحضارات، قد تعجز عن فهم رسائلهم، ذلك أن اللغة جزء من الفلسفة إنها منظومة رموز تحدد المنظور الكوني لمجموعة من الكائنات الحية، قد يستمر عجزنا حتى إن لجأنا إلى موضوعات الأعداد كمفتاح لفك ألغاز تلك الرسائل، إذ أن الأعداد هي اختراع عقلي أرضي صرف، ألا يحتمل أن نكون مجرد جراثيم بالنسبة إليهم، إن كانوا مثلنا فتلكم سخرية، إذا ما سنتعلمه منهم هو المزيد من أنماط المكائد والاستهلاك، أما إن كانوا مختلفين فستبدو إذ ذاك معاييرنا بالغة الغرابة بالنسبة لهم ولن يحصل تفاهم فيما بيننا وبينهم.

          نؤكد على ضرورة التحول إلى فلسفة مغايرة في بحثنا عن الكائنات الأخرى، فمشاكل الأرض أرضية أولاً وأخيراً، وإذا قدر لها أن تجد حلاً فلن يكون الحل إلا أرضي المنطلق والمآل، أما الفلسفة فيجب أن ترتكز على تقويم مزايا الحياة وعمق اندماجها بالكون، يفرض أن نوحد جهودنا وجهودهم لاستقصاء التجريد الذي تعتبر ظاهرة الحياة على الأرض حالة منه، وللكشف عن المعاني العميقة لبعض المصطلحات كمصطلح المجاز العقلي على سبيل المثال وليس الحصر.

          يفرض بحثنا عند هذه المرحلة إطلاع القارئ في عجالة على جغرافية الكون، يختفي صخب الحياة وينتفي ضجيجها وتنعدم الإضاءة ما إن نعلو عشرات قليلة من الكيلومترات فوق سطح الأرض، وعلة ذلك اضمحلال الغلاف الجوي إلى حد زواله، إننا نرى ونسمع بواسطة الغلاف المذكور، فموجات تخلخل وانضغاط جزيئات الغلاف الجوي هي موجات صوتية، كذا تمتص تلك الجزيئات الطاقة الشمسية معيدة إطلاقها في هيئة ضوء منتثر، بكلمات أخرى، إن إبصارنا على سطح الأرض خارجي الطابع، يحدث العكس في الفضاء الكوني، فهناك تسود الظلمة المطلقة ويخيم الصمت المطبق لانعدام التجمعات الضرورية لنثر ضوء النجوم وتخليق الموجات الصوتية، والمفارقة العجيبة أن رواد الفضاء يرون لطخة من الإضاءة فوق سطح الأرض بينما تلفهم الظلمة من كل جانب، وهناك من بعيد، تتلألأ الشمس أمام أنظارهم ضمن تلك الظلمة الدامسة التي تحيط بها وتفصلهم عنها، وكأنهم بالشمس تشع دون أن تضيء، تتصرف سائر النجوم في مثل هذه الأحوال كالشمس تماماً، نقع هنا على فارق أساسي بين الكائن الكوني وبين الكائن الأرضي، فإبصار الأخير خارجي ظاهري، بينما إبصار الأول باطن جوهري، فتلألؤ الشمس والنجوم إنما يعزى إلى انتثار الطاقة في أعين رواد الفضاء وأدمغتهم.

          يعتبر نجمنا الشمس نجماً متوسطاً بالمقارنة مع النجوم الأخرى في الكون، والنجوم هي اللبنات الأساسية في بنية الكون، فحيثما توجهنا في الكون لا نصادف إلا النجوم، تصدر النجوم طاقات هائلة بفعل التفاعلات النووية لاندماجها في بواطنها، يبلغ قطر الشمس مليون وأربعمئة ألف كيلومتر، وتبعد عن الأرض مئة وخمسين مليون كيلومتر، أما قطر الأرض فهو بحدود 12750 كيلومتر، لنلاحظ أن الأرض لا تعد إلا هباءة بالمقارنة مع الشمس، كذا هو شأن الكواكب الأخرى في المجموعة الشمسية بدءاً من عطارد وانتهاء ببلوتو أبعد الكواكب عن الشمس، تفصل ستة آلاف مليون كيلومتر الشمس عن بلوتو وبسبب هذا البعد الهائل لا تبدو الشمس أكبر من نقطة مضيئة لناظر من سطح بلوتو في رابعة النهار هناك.

          يفقد الكيلومتر أهميته العملية في تقدير المسافات الكونية بعيد بلوتو، لذا أبدع الفلكيون واحدة أخرى لقياس المسافات هي السنة الضوئية، تساوي السنة الضوئية المسافة التي يقطعها الضوء في سنة زمنية كاملة مرتحلاً بسرعته المعهودة البالغة 300000 كيلومتر في الثانية، هكذا تساوي السنة الضوئية 1013 كيلومتر، أي واحد وإلى يمينه ثلاثة عشر صفراً، تفيد هذه الواحدة في تقدير الأزمنة التي يستغرقها الضوء والموجة الكهرطيسية بصورة عامة لقطع الفضاء بين النجوم والأجسام الكونية.

          مثلاً يقع أقرب نجم من الشمس على مسافة حوالي أربع سنوات ضوئية، يعني ذلك أن الضوء يقطع الفضاء الفاصل بين الشمس وبين ذلك النجم في حوالي أربع سنوات زمنية، تحتشد النجوم عادة في أسر وعناقيد مكونة بنى هائلة تعرف بالمجرات، تضم المجرة عدة مئات من آلاف ملايين النجوم وتمتد في الفضاء لآلاف السنوات الضوئية، تنتمي شمسنا إلى مجرة تعرف بمجرة درب التبانة تضم حوالي خمسمئة ألف مليون نجم وهي أشبه بدولاب لولبي ضخم يبلغ البعد بين حافتيه مئة ألف سنة ضوئية، ولقد عد الفلكيون حتى الآن ما يقرب من مليون مليون مدرة تندفع مبتعدة عن بعضها في الفضاء الكوني السحيق.

          لقد حولتنا نظرية النسبية إلى سجناء في موطننا الأصلي: المجموعة الشمسية، فوفق هذه النظرية تعتبر سرعة الضوء أقصى سرعة كونية ممكنة، هذا إلى أن أحداً لا يستطيع التسارع إليها، يعني ذلك فيما يعنيه استحالة السفر بين المجرات بل حتى بين نجوم المجرة الواحدة.

          تقدر المسافات الفاصلة بين المجرات بملايين السنوات الضوئية، بدورها تصبح الرسالة الكهرطيسية عارية عن المعنى عبر تلك المسافات، فلو بثت إحدى الحضارات رسالة من هذا النمط إلى حضارة تبعد عنها عدة آلاف من السنوات الضوئية، لما حصلت على إجابة قبل آلاف من السنوات، وعند وصول الرد تكون الحضارة الأولى قد تطورت وارتقت وغدت بالتالي عاجزة عن فهم المضمون البدائي لرسالتها الأصلية، ودليل ذلك أننا نقف حائرين أمام أثار الحضارات الأرضية القديمة باعتبار تلك الآثار رسائل زمنية بعثت بها تلك الحضارات إلينا.

          إن للأمر جانباً آخر أكثر تشاؤماً، فلو قبلنا بنموذج حضارتنا على أنه نموذج كوني شائع، لخلصنا إلى أن العمر الوسطي للحضارة التكنلوجية هو عمر قصير، فأخطار التلوث ونضوب مصادر الطاقة لا تسمح باستمرار حضارتنا لأكثر من قرون قليلة تالية، نتصور على خلفية هذا الفرض، الحضارات المختلفة في الكون وق أخذت بإطلاق رسائلها مبلغة عن وجودها، ستقضي وستنتهي كل حضارة حتى قبل أن تقطع رسائلها حيزاً ضئيلاً من الفضاء الكوني.

          ما الذي ستؤول إليه صورة ذلك الفضاء، سيزدحم ولا شك بالرسائل التي انقرض مرسلوها ومستقبلوها، رسائل موجودة، بينما لا يوجد مرسلون ولا مستقبلون!!

          لا غرو في أن يحدث ذلك، فقد جرف الاستهلاك كل ما عداه في عصرنا، حتى الفلسفة تحولت إلى خانة التنظير الاستهلاكي، لذا لا نجد بين الفلاسفة المعاصرين من يتحدث عن الكائنات الأخرى بينما تطرق إليها كل الفلاسفة الأوائل بلا استثناء، هذا إلى أن المشاكل الحدية للعلم لا زالت وستبقى قضايا فلسفية محضة، ناهيك عن حقيقة أن العلم هو منهج فلسفي وأنه بهذا المعنى يستوجب التفسير.

          لقد رفض الغيبيون بادئ ذي بدء إمكانية الكائنات الحية غير الأرضية خشية أن يكون بمقدور تلك الكائنات منافسة الخالق في علمه وقدراته، لكنهم عادوا عن موقفهم بعد حين، مؤكدين وجود مثل تلك الكائنات، فقدرة الله أوسع وأشمل من أن تكتفي بخلق الإنسان وحسب، كذا فعل الماديون فقد أنكروا الإمكانية على خلفية الضالة البالغة لاحتمال نشأة الحياة على الرغم من توفر ظروفها، وسرعان ما تحولوا إلى الإقرار بصحتها لدى استكشاف المواد الضرورية للحياة في الفضاء الكوني.

          لا تقدم لنا الحكاية الحياة على الأرض ما يسوغ محاكاتها ومقايستها في إطار أية محاولة تهدف بناء تصور ما عن نشأة وارتقاء حضارة مغايرة في كوكب آخر، لقد قضت الحياة على الأرض أكثر من ثلاثة آلاف مليون سنة دون حدث يذكر، ثم أخذت ترتقي في طفرات ودون سبب واضح في الألف مليون سنة الأخيرة، كانت الإضافات إلى الدماغ تتحقق على نحو متسارع حتى تاريخ متأخر حيث توقفت دون سبب واضح أيضاً، لن نسهب في عرض نظرية التطور وحسبنا منها أن نؤكد عشوائية التطور وافتقاره إلى الخطة المنتظمة، لقد طرحت نظرية المعلومات المعارضة ما يخالف نظرية التطور، فوق النظرية الأخيرة تظهر الصفات الجديدة عند بعض الأفراد لتعم الجنس الحي فيما بعد، أما نظرية المعلومات فتؤكد اختزال السمات الأساسية للجنس  في فرد يمثل ذلك الجنس، إن أحداً لم يستطع حتى الآن حل المفارقة بين سمتين متناقضتين للتطور هما ندرة التطور من جهة، وعموميته من جهة أخرى، دفع كل ذلك البيولوجيين لاستبعاد إمكانية الكائنات الأخرى، بينما ثابر الفيزيائيون على مناقشتها، ذلك أن الفيزيائيين أقرب إلى المصادرات إذ أنهم يسعون على الدوام إلى اختزال الظواهر في صيغ رياضية بالغة الإيجاز والإحكام، كذا نقع أسرى المصادرات إن قبلنا بالتطور كآلية وحدية لنشأة الحياة وارتقائها، بكلمات أخرى إن نسبنا إلى التطور أي نمط حي قد نلقاه أو ذهبنا إلى أن هذا النمط تحقق بتصميم وتنفيذ جنس حي أسبق أتى بدوره إلى الوجود بفعل التطور، يؤكد دعاة التطور أن التطور لا يطال إلا الضرورات فحيثما تبرز الحاجة للتعامل مع جانب من جوانب المحيط يتطور العضو المناسب، هكذا يعمل التطور على إخفاء عناصر كثيرة من الوجود وهو بذلك مخادع وذرائعي ولا يمكن تبينه في دراسة أصول الكائنات الحية غير الأرضية.

          يفيدنا أتباع مدرسة التطور أن التكنولوجيا نتيجة حتمية تتوج مسار التطور، لم يعد خافياً أن الإفراط التكنولوجي المعاصر بات يهدد مستقبل الجنس البشري، ما أدرانا؟ قد تلجأ الحضارات الذكية إلى إيقاف تطوير التكنولوجيا لحماية نفسها من الهلاك، وقد ترهن ارتقاء التكنولوجيا من الأساس بمعايير ثقافية خشية الانحدار إلى مهالك التلوث الفيزيائي والخواء الروحي، لقد طرحنا مصطلح الذكاء دون أن ندري تعريفاً دقيقاً له ودون أن يكون لدينا أدنى إلمام بارتباطه بالحياة، فليس من الضروري أن تتماثل أنواع الحياة وأصناف الذكاء، هكذا قد لا يكون تطور التكنولوجيا أمراً لازما ًالحق، نقول إن التكنولوجيا وظيفة، لذا لا نجد أي مبرر أو مسوغ للبدائل الكثيرة لتكنولوجيا تؤدي نفس الوظيفة، تفضي هذه البدائل الكثيرة إلى المهالك التي أشرنا إليها للتو، إن العلم هو نهج معرفي، أما التطبيق فيجب ألا يحدث إلا عند ضرورة قصوى تمس بقاء الكائن على قيد الحياة، لربما أن الكائنات الأخرى قد اكتشفت هذه الحقيقة والتزمت بها، أما نحن فقد غدونا مستلبين للتطبيق إلى حد تهديد بقائنا وبقاء البيئة والكائنات الأرضية الأخرى، لذا فإن لقاءنا بهم قد يترجم إلى غربة كاملة، نشير هنا إلى أن إنسان نياندرتال قد امتنع عن تطوير التكنولوجيا منذ ألف سنة على الرغم من إمكانياته التي كانت توازي إمكاناتنا الحالية.

          هل يجنح الذكاء في إحدى مراحل وجوده بالضرورة إلى الإبلاغ عن نفسه وإبداع نماذج مبتاينة لتحقيق الاتصالات، تفيدنا فرضية من الفرضيات الخاصة بأنماط الذكاء المتقدم إن الكائنات الذكية فعلاً تنكفئ على ذواتها باحثة عن خطاب باطن للعالم يمكنها من الاجترار الصامت للمعارف دون أن يكون لها أي شأن بالأنماط الأخرى للحياة والذكاء، لقد ألف الكثيرون منا شخصاً ارتقى في سلم المعرفة فترفع واعتزل وزهد بكل شيء إلا بالبحث عما يرفعه إلى سويات أعلى في ذلك السلم، قد تكون الكائنات الحية غير الأرضية أشبه بهذا الشخص قد قطعت صلاتها بالعالم لحساب تركيز قدراتها في محور الخطاب الباطن للعالم ساعية وراء المعرفة أبداً.

          درج العلماء على القبول بموضوعة تفيد أن قطاعاً من الحضارات الكونية سيطور تكنولوجيا خاصة لإطلاق الموجات الراديوية كما نفعل نحن.

          هل يساعدنا مثل هذا الإطلاق في استشعار بعض نشاطاتهم فيما يمكن أن نميزه كعلم؟ ذهب الفلكيون إلى قبول هذا الاحتمال سيما وأننا لا نملك الآن من أدوات لتحقيق الاتصالات الكونية إلا الموجات الراديوية، هكذا بنيت الهوائيات الراديوية الضخمة ووجهت إلى عمق الفضاء الكوني من نقاط محددة على الأرض، لقد أنجزت مشاريع كثيرة للتنصت على الموجات الراديوية المفترضة القادمة من الحضارات الكونية الأخرى باستخدام هذه الهوائيات، إلا أن نسبة الحيز من السماء الذي تم مسحه في عمليات التنصت المتتالية بالغ الضآلة ولم يتجاوز حتى الآن 10-17، أتت نتائج التنصت سلبية تماماً، فالموجات الملتقطة كانت على الدوام صادرة عن أجسام طبيعية لا أجهزة مصنوعة، حدث استثناء واحد في العام 1977 عندما التقطت إشارة راديوية، شك العلماء في حينه أن تكون قد أطلقت من كائنات كونية أخرى، لم تتكرر تلك الإشارة أما القرار النهائي بشأنها فلا زال بحاجة لدراسات معمقة قد تستغرق سنوات طويلة، ومؤخراً بدء بمشروع تنصت جديد، لكن هذه المرة ضن تواترين محددين هما تواتر إصدار الهدروجين الطبيعي وتواتر إصدار جذر الهيدروكسيل، فقد أضاف العلماء موضوعة جديدة مفادها أن الحضارات الكونية الأخرى تحبذ الإصدار في هذين التواترين.

          إننا لا نملك معياراً حاسماً يعيننا في إصدار حكم نهائي بشأن موجة راديوية كونية ملتقطة وفيما إذا كان مصدرها طبيعياً أم صنعياً، حدث في أواخر الستينات أن سجلت إشارات دورية بالغة الانتظام قادمة من الكون، استبشر العلماء وهللوا طناً منهن أنهم وقعوا أخيراً على آثار الكائنات الأخرى إلا أن الفرحة لم تتم، فلدى العودة إلى أدبيات علم الفلك تبين أن ما اكتشفه العلماء لم كن إلا النجوم النابضة التي سبق للنظريين أن قدموا نماذج عنها قبل ذلك التاريخ بأربعة عقود، يتسم الإصدار الراديوي لهذه النجوم بانتظام يفوق انتظام إصدار الأجهزة المصنوعة.

          إن ما نود معالجته يتجاوز في مضامينه هذا الحدث الخاص، تكمن المشكلة في طبيعة عملية المعرفة كما نمارسها نحن، نصنف هذه العملية بكونها نمذجة بصري، إنها نمذجة لأننا لا نعرف العالم إلا ببناء النماذج الذهنية، فما خطابي للآخر إلا خطاب لنموذج باطن، تعد النماذج الرياضية من أرقى النماذج التي خلقها الفكر، فقد تسمح هذه النماذج بتحقيق معرفة الشيء لذاته كلما اقترب النموذج من حدود الكمال، وعلة المعرفة بالنمذجة أن طالب المعرفة لا يستطيع أن يكون مادة المعرفة في أن معاً، أن تكون الذات كوناً منفصلاً هي نتيجة لنهج المعرفة بالنمذجة.

          هي نمذجة بصرية لأن الإسهام الأول فيها إنما هو من نصيب البصر، إن العين هي الممر الرئيسي للمعلومات، والعين ليست عضو حس كأعضاء الحس الأخرى، إنها امتداد الدماغ إلى الخارج وكأنا بالعين مسبر يقذفه الدماغ لتحس العالم، لقد تحققت العين وفق هذه المواصفات لأن الغلاف الجوي للأرض غلاف انتقائي يصفي الموجات الكهرطيسية القادمة من خارج الأرض، لكنه يسمح للموجات الضوئية ببلوغ سطح الأرض دون عائق، استجابت الحياة لهذه الحقيقة بتصنيع أنماط مختلفة من الأعين وصلت في مجموعها إلى أكثر من أربعين نمط متباين وكان الهدف دائماً تحقيق أكمل النماذج، من دلائل الطبيعة البصرية لآلية معرفتنا بالنمذجة أن أحداً إن سأل المشاركة في حل معضلة مهما كانت طبيعتها، طلب مهلة –لتصور- المعضلة، لا للتنصت عليها أو لشمها، كذا إن تعاطفنا مع الإعاقات يبلغ ذورته في حالة العميان لأهم مقطوعون عن صوغ النماذج.

          ماذا لو التقينا حضارة كونية أخرى كان الشم عندها في المقام الأول كحال البصر لدينا، إن نماذجهم ستكون شمية ولا شك، لن نصل وإياهم إلى تفاهم، والحوار الذي سيدور بيننا سيكون أشبه بحوار الطرشان، يا له من إحباط، قد نصل بنتيجة ذلك إلى استنتاج خطير مفاده أنه لا توجد معلومات كونية مشتركة وأن الحقيقة النهائية بالنسبة إليهم ليست هي ذاتها الخاصة بنا، أو أن الحقيقة ليست نظيمية الاتساق إذ أن اتساقها يتغير باختلاف الكائنات، لذا تكون منظومة المفاهيم عندهم مختلفة، كذا قد نقع على إشارات راديوية قادمة من الكون نحكم عليها أنها شواش مصدره أجسام طبيعية لكن ما أدرانا قد تكون الإشارات صادرة عن حضارة كونية أخرى نماذجها مغايرة: شمية مثلاً.

          لقد ألفنا فلسفات تفسر أحوالاً مماثلة، فمن قائل بأن الطبيعة الواحدة لا تعني بالضرورة أن تتطابق وجهات النظر بشأنها، إننا نقتسم الأرض مع بقية الكائنات، وربما الكون، لكن لكل كونه الخاص، طرح وليام جيمس مفهوم الغائية التعددية حيث تكشف الطبيعة عن ذاته بأكبر عدد ممكن من الأشكال المتباينة، هكذا يتغير العالم وفق الرؤيا ويكون عالمهم مختلفاً عن عالمنا والتفاهم معهم مستحيلاً، وعلة ذلك أننا نطرح أسئلة محددة على الطبيعة وتكتفي الطبيعة بالإجابة عليها وحسب، بينما يطرح الآخرون أسئلة محدودة مغايرة.

          يغالي الجنس البشري بنسبة ذكاء مفرطاً إلى نوعه، معللاً ذلك بالتكنولوجيا الفائقة التي حققها، لا يهم في الذكاء كميته بل نوعيته هل نصنف صانعي الأسلحة ومبدعيها من العلماء في قطاع الأذكياء، هل من الذكاء في شيء أن تتحقق التكنولوجيا باستخدام نهج علمي يتحاشى التساؤل الأكبر -لماذا- ويكتفي التساؤل الأدنى -كيف- مطوراً نفسه وفق آلية رتيبة عمياء هي آلية التجربة والخطأ. إن تحققت تكنولوجيا أخرى في حضارة مختلفة وفق معرفة علمية فعلية متقدمة فقد تأتي النتائج مذهلة فعلاً، لنتصور معاً مثل هذ          ه الحضارة وقد اكتشفناها وذهبنا لغزوها والإنسان يبدأ أول ما يبدأ بالغزو، نفاجأ بأسلحتنا الفتاكة وقد تفككت في ومضة وتحولت إلى أكوام عاطلة، لقد اكتشف أبناء تلك الحضارة نوايانا بقراءة أفكارنا وهدموا بذلك ركيزة أساسية من ركائز حياتنا ألا وهي الكذب، لعلهم أبدعوا طريقة لتركيز أفكار كل أبناء جنسهم وتوجيهها في محور واحد للخلاص من الشر، نعود أدراجنا وقد تملكتنا الخيبة لأننا لم نظفر بنفطهم وذهبهم وثرواتهم.

          ألا يمكن بناء انجازات بعيدة دونما حاجة لذلك النمط المدمر من الذكاء الذي ابتلي به الكائن البشري، سنبين إمكانية تحقيق مثل تلك الإنجازات بدون علم، إننا ندعي أن إبداع الكنولوجيا كان بهدف تبسيط الحياة، لكننا نمضي بتطوير التكنولوجيا حتى بعد أن توفرت تسهيلات شاملة للعيش مطبقين ذلك المبدأ المحدود -كيف- ودون أن ندري لماذا، لقد صنعنا مكيفات الهواء وقد لزم لتلك الصناعة أن نكتشف قوانين الكهرطيسية وأن نلجأ إلى التعدين واستخراج الفلزات وأن ننشأ المصانع وأسواق البيع، وعدا ذلك تسيء مكيفات الهواء إلى البيئة بعمق كما تخرب أدوات التكييف الطبيعي المزروعة في أجسامنا.

          يوجد على كوكبنا الأرض نوع من النمل يبني مستعمرات ترابية بارتفاع خمسة أمتار ويحفر في تلك المستعمرات دهاليز تختلف أقطارها وانحناءاتها على جهل تام منه بقوانين الهندسة والفيزياء، والنتيجة أن درجة الحرارة ونسبة الرطوبة تحافظان على سويتين ثابتتين داخل المستعمرة مهما كانت الظروف خارجها، ناهيك عن أن النمل يتدرج ببطء في حركته لدى التحول بين الطقسين داخ المستعمرة وخارجها أثناء الدخول أو الخروج، أدعو أسلوبنا في صناعة المكيف الانتقاء الصنعي، وأسلوب النمل الانتقاء الطبيعي، يحتاج الانتقاء الطبيعي مدداً أطول من تلك التي يحتاجها الانتقاء الصنعي لكنه يأتي بنتائج أكثر نجاعة.

          من الأمثلة الأخرى للانتقاء الطبيعي ما تمارسه بعض الحيوانات على الأرض من تمويه لنفسها يبلغ حد الكمال، وبما يجعل تمييزها عما حولها وفي أية بيئة أمراً مستحيلاً بينما تجهد الجيوش وتنفق الميزانيات الهائلة موظفة أحدث التقنيات بهدف تمويه عتادها وأفرادها دون أن تبلغ الغاية المرجوة، يتميز الانتقاء الطبيعي عن الانتقاء الصنعي بان الأول لا يشكل أي خطر على البيئة، على العكس تفضي العلاقة الحميمة العميقة بين الحيوانات وبين البيئة إلى تطوير الجانبين نحو الأفضل بوما يحقق بقاء النوع واستمرار البيئة، أذكر هنا الديناصورات، إننا نصف تلك الحيوانات بالوحشية ولو لم تكن محبة للبيئة لما استطاعت المحافظة على بيتها الكبير -الأرض- والبقاء تلك الفترة الطويلة، ولولا كارثة كونية تمثلت بنيزك صدم الأرض وأحرقها لبقيت الديناصورات حتى الآن، أما الجنس البشري فقد قاد نفسه وكوكبه وكل الكائنات الأخرى إلى حافة الهلاك في قرون قليلة بتبنيه الانتقاء الصنعي.

          يضع الانتقاء الصنعي البيئة في خانة العداء كما ينصب الإنسان سيداً عليها وعلى كل مكنونات الأرض، يردد معلمو المدارس في كل أنحاء المعمورة أمام تلامذتهم صباح مساء: الإنسان سيد الطبيعة، كيف استبد الإنسان تلك السلطة، لا أحد يدري، توجد على كوكبنا هنا كائنات حساسة مرهفة أخرى كالدلافين والحيتان، وقد بدأت تلجأ إلى الانتحار الجماعي احتجاجاً على أفعالنا الجائرة.

          ومن المثير للسخرية حقاً الأبعاد الاجتماعية للذكاء البشري، فالجميع يتحدثون عن نجاعة العلاقات الاجتماعية وينظرون لتلك العلاقات على خلفية الذكاء المزعوم للجنس البشري، بينما يعلم كل فرد على التغرير بالآخرين محاولاً دفعهم في مسارب مصالحه الخاصة، وما هو أدهى من ذلك أن العلاقات الموصوفة غدت فلسفة قائمة بذاتها دعيت الدارونية الاجتماعية، تذكر هذه الفلسفة بين البشر بأنههم بلغوا ما بلغوه عبر صراع البقاء والبقاء للأصلح وأن أحداً منهم إن شاء الاستمرار فلعيه إسقاط هذه الآلية على علاقاته الاجتماعية، هكذا غدا حب الأقارب منسوباً إلى المشاركة الجينية المادية والتعاطف مع الأشقاء والأصدقاء خدعة تهدف توظيف هؤلاء في دعم بقاء الأنا، وعلة ذلك أن السلوك المستند إلى أصول بيولوجية هو الداعم الحقيقي للذات في حين يتراجع الإنسان الأخلاقي ويذوي ويندثر، من جانبنا لا ننكر الأذيات التي تلحق بالإنسان الأخلاقي الآن، لكننا نعيد إلى الأذهان أن الأخلاقيين هم ضمانة استمرار الجنس البشري بينما قد باتت واضحة الكارثة المرعبة التي تنتظر بني البشر بسبب الاستغراق عفواً أو قصداً في الفكر الداروني الاجتماعي، لقد حولت الدارونية الاجتماعية الطعام والجنس من وسيلة إلى غاية، بدأ الرومان القدماء بهذا التحويل، كانوا يأكلون ثم يفرغون معدهم ليعودوا إلى الطعام مرة أخرى، تعجز الدارونية الاجتماعية عن تفسير أحوال أخلاقية متفردة كختان المرأة في إفريقيا وحرق الزوجة لنفسها في الهند إثر وفاة زوجها.

          عودة في عجالة إلى الانتقائين الطبيعي والصنعي، نتصور كوكباً بعيداً وقد سادت عليه ظروف مستقرة مناسبة لآلاف ملايين السنين، أدى ذلك وعبر الانتقاء الطبيعي إلى وصول أنماط من الحياة عليه حد الإبحار إلى الفضاء، لكن بوسائل الانتقاء الطبيعي طبعاً أي وفق ما طبقه النمل المذكور في الفقرة السابقة دون وعي منه، وأثناء رحلاتنا الفضائية نلتقي تلك الكائنات فنسر أيما سرور لأننا قد نتعلم منهم بعض التقنيات الفضائية المجهولة لكن سرعان ما نكتشف أن أدواتهم الفضائية أشبه بالدهاليز التي حفرها النمل لتكييف الهواء وأنهم على جهل مطبق بما يفعلون، نحبط ونغضب أيما غضب، وقد نتخلص منهم بسبب ذلك، نوجز الفارق بين الانتقاء الطبيعي والانتقاء الصنعي بالقول أن الانتقاء الطبيعي يهدف إلى الإبقاء على النوع، إنه يمثل الـ نحن، بينما يتمحور الانتقاء الصنعي حول الذات مركزاً على اسمترار الـ أنا.

          إن كانت الحضارات الكونية غير الأرضية موجودة فعلاً فهل يعي كل فرد من أفرادها ذاته وهل يشعر بشعوره، هل ستكون المنظومات الأخلاقية لدى تلك الحضارات مختلفة على نحو جذري؟ هنا على الأرض يجهل كل منا طعم الإحساس دلى أقرانه.

          إننا نتفق مثلاً على أن شيئاً ما يبدو أزرق اللون لكن أحداً لا يستطيع تذوق الزرقة كما يعايشها الآخر، توصف الزرقة وأمثالها من المفاهيم هنا بكونها مجرد مصطلحات، أيعقل أن تكون لدى تلك الكائنات أحاسيس ومشاعر مشتركة كأن تكون أشبه بكائن موحد، إن كان الأمر كذلك فلن تبرر أية حاجة عند الكائنات المذكورة لتطوير البنى الأخلاقية أو حتى لنحت المصطلحات الأخلاقية، على العكس، لربما أن ما حققته كائنات الحضارات الأخرى من وحدة إنما قد تم بسبب تطبيق المبادئ الأخلاقية الملزمة لفترة مديدة، هكذا إما أن تكون المبادئ الأخلاقية مطلقة ينهل منها الجميع ولا يتعامى عن وجودها إلا الغارقين في الجهل، وإما أن تكون المنظومات الأخلاقية قد نجمت عن تجريدات رفيقة كما هو شأن التجريدات الرياضية، وأن المجردات تحولت إلى دستور جمعي فيما بعد، على أية حال لم ترتق تلك الكائنات وفق هذا التصور، إلا في سياق أخلاقي صارم، بالمقابل لم يتفق أفراد الجنس البشري فيما بينهم على سياق مماثل، الأمر الذي يجعل مستقبل هذا الجنس مفتوحاً لكل الاحتمالات السيئة، إن أصول المنظومات الأخلاقية والتعامل الأخلاقي، هي فوارق أساسية بيننا وبينهم، فالتعامل على الأرض يفرغ المنظومات من مضامنيها إلى درجة أن المبدأ القائل: عام أخاك كما تحب أن يعاملك، قد غدا عارياً عن المعنى، أما حقوق الإنسان فتراعى جهاراً لكن الخطط توضع للتخلص من الأعداد  المتزايدة للبشر وبأشكال مستترة مبتاينة بحجة الحد من الانفجار الإنساني، إننا نعدم المعايير الأخلاقية الضرورية للتعامل مع بعضنا ومع الكائنات الأرضية الأخرى ومع الكائنات الكونية إن وجدت، لقد عجزت الإنجازات الكبرى والكوارث العظيمة والطفرات الجمالية عن تغيير البنية العميقة للإنسان، يمسخ الإنسان كل ذكرى يجعلها تاريخاً يتردد دون أن يؤثر فقط، النخبويون يتحسسون الماضي والمستقبل قدر تحسسهم الحاضر، تشير الدلائل إلى أن تلك البنية لن تتغير باكتشاف الحضارات الكونية المتقدمة، فاكتشاف أمريكا والعالم الجديد وحضارات المايا والهنود الحمر والأزتك لم يؤد إلا إلى المزيد من الجشع والطمع والاستئثار، هكذا نعود أدراجنا إلى المبدأ الأساسي الذي نحاول دائماً أن ننأى بأنفسنا بعيداً عنه ألا وهو أن أي تغيير أو تقويم يجب أن ينطلق من الذات، من الأعماق ويجب أن يكف الجميع عن لوم الظروف الموضوعية على ما هم فيه من أحوال، لو كان للظروف الموضوعية من أثر لما تجاهلنا وجود الحيتان ولو حاولنا أن نتعلم شيئاً من أخلاقيتنا الرفيعة، إن أهم مقوم من مقومات المنظومات الأخلاقية الرفيعة هو حرص أبناء الجنس الوالحد على بقاء جنسهم، ما يفعله الجنس البشري الآن هو تدمير نفسه وتدمير البيئة والآخرين معه.

          لو اكتشفنا بطريقة سحرية أننا وحيدون في هذا الكون فهل سيغير هذا الاكتشاف من أخلاقياتنا، هل سنرتفع إلى مستوى المسؤولية الأدبية البالغة السمو والضرورية في هذه الحالة للحفاظ على ظاهرة الحياة الوحيدة والمتفردة في كوكب الأرض، لن يحدث أي شيء من هذا القبيل، والأرجح أن الجنس البشري سيعود أدراجه إلى مبدأ المركزية وسيستعد لإغراق الكون بالاستهلاك والنفايات وماذا لو اكتشفنا وجود جنس مسيطر على الكون يطوعه وفق إرادته، لاشك أننا سندخل في صراع مرير معه لانتزاع ما أمكننا من ثروات الكون منه، على أية حال، إن مثل هذا الاكتشاف هو مجرد هاجس، ويعزى أولاً وأخيراً إلى إسقاط من خبايانا إلى الخارج، أما الكائنات المتقدمة فهي التي تزهد بكل شيء ولا تجد من علة لوجودها إلا الاستزادة من المعرفة باختصار نختزل هذا الاكتشاف إلى علم النفس ودور الخافية فيه.

          أبدعت الحياة الأرضية آلية التكاثر الجنسي كضمانة لاستمرار الأجناس الحية لكن الجنس البشري وكما هي العادة انحرف بتلك الآلية عن أهدافها الأصلية وأدرجها في قائمة متعه الحسية، لقد غدا ذلك الجنس البشري رهين المتع الحسية، لا بل أصبحت تلك المتع مبرر وجوده الأوحد، يتحقق الانجذاب الجنسي بين الرجل والمرأة على أساس الموجة الضوئية، والموجة الضوئية قصيرة بالمقارنة مع الموجة الحرارية، إنها تستلزم معالجة عصبية وردود أفعال بطيئة أدى ذلك إلى بروز إبداعات جماعية متميزة على خلفية الإنجذاب المذكور، ونظراً لبطء ذاك الانجذاب صنفت المجتمعات البشري الاغتصاب كأدنى قيمة أخلاقية.

          أمن الضروري أن يكون الجنس هو الضمانة لاستمرار الكائنات الكونية الأخرى، لربما كانت هناك آلية أخرى أكثر تقدماً، سنفترض لغايات بحثنا أن تلك الكائنات تستخدم الآلية الجنسية في تكاثرها، وماذا عن الإنجذاب بين شقي هذ العملية، أوليس من المعقول أن يكون انجذاباً حرارياً، دعونا نحلل هذا النوع من الانجذاب، نتخيل حجرتين مفصولتين بحاجز تضم إحداهما هواء بالغ السخونة، وعلى العكس تتدنى درجة الحرارة في الحجرة الثانية على نحو ملحوظ ، نتصور أن أحداً ما رفع الحاجز بشكل مفاجئ، سيندفع الهواء الساخن جهة الحجرة الباردة في دفعة واحدة أشبه بالطفرة، إن الفعل هنا أشبه بأثر المطرقة، يطبق عدد كبير من الكائنات الحية الأرضية هذا الفعل، فالأفاعي مثلاً تتعقب الكائنات الدخيلة وتضربها مستخدمة ظاهرة الحرارة، إن كان الانجذاب حرارياً بين شقي الجنس عند تلك الكائنات فممما لا شك فيه أن الاغتصاب سيحظى بمنزلة سامية عندهم كقيمة أخلاقية رفيعة، مرة أخرى نكتشف أننا وإياهم طرفا نقيض.

          إن كان العلم وظيفة، فما هي يا ترى المكافئات الوظيفية لدى الكائنات الحية الأخرى غير الأرضية، قد لا تعني مصطلحاتنا العلمية بالنسبة إليهم أي شيء لربما أنهم لا يتعاملون مع الكهرطيسية لأن نشأتهم لم تكن مصحوبة بضربات الصواعق، كما هو حال الحياة على الأرض، إن كان موطنهم نجماً متبرداً محاطاً بسحابة كونية كثيفة فلن يرتقي علم الفلك لديهم، كما أن اهتماماتهم الكونية ستكون معدومة وسيخلو علمهم من إمكانات التنبؤ، بينما قد تتركز جهودهم في قطاع علم النفس والتخاطر والروحانيات.

          لقد نشأ الجنس البشري وارتقى في الغلاف الجوي للأرض واستطاع بذلك أن يرصد الدفع المجسد الذي تمارسه الأجسام على بعضها وأن يجرد مفهوم القوة ويخلص إلى قانون الجذب الثقالي، على العكس، لو قدر للكائنات الأخرى أن ترتقي في محيطات من السوائل لما وقعت على الدفع المجسد، فضغط السوائل يخفف من ذلك الدفع، بالتالي كان من المحتمل أن تقفز تلك الكائنات مباشرة إلى علم حركيات السوائل دون تفطن للجذب الثقالي، لابد أن تذهب أبعد للاهتمام بالموجات الثقالية دون أن تدري أصول تلك الموجات تماماً كما نجهل نحن مصدر الموجات الكهرطيسية بينما نتعامل معها على نطاق واسع، إن حواراً بيننا وبين أمثال هذه الكائنات سيكون أشبه بحوار الطرشان.

          ما هي الفعالية الحقيقية للموجات الكهرطيسية، خاصة الراديوية، في تحقيق الاتصالات الكونية، قد يكون العمر الممكن لأية حضارة تكنولوجية قصيراً، على أية حال إن عمر أية حضارة سيكون قصيراً جداً بالمقاييس الكونية، والإشارات التي تبثها الحضارة أثناء حياتها لن تظهر إلا كومضة بالغة القصر في ظلمة الكون السحيقة إلى حد استحالة تمييزها في المحيط الكوني السرمدي، وإن حدث أن ميزت تلك الإشارات فهل ستكون الإشارة قابلة للحل والفهم من قبل أية حضارة أخرى، أيعقل أن تكون الحضارات الأخرى في الكون قد اتفقت على لغة مشتركة للتخاطب فيما بينها عبر الكون وأبقتنا خارج الاتفاق تنفيذاً لقرار اتخذه المجلس الكوني ينص على ضرورة متابعة ما يحدثه الإنسان من تغييرات سيئة والانتظار حتى ينهي الجنس البشري فترة المراهقة التكنولوجية، ليس من الضروري أن تتمخض فترة المراهقة وعلى الدوام عن نتائج حسنة، قد ينتهي الجنس البشري أثناء فترة المراهقة تلك وهناك من الدلائل ما يؤيد ذلك.

          ولتبيان الفوارق بيننا وبينهم في سياق الاستهلاك والبحث عن مصادر للطاقة أورد تصنيف أحد العلماء للحضارات الكونية، فأدنى الحضارات هي الحضارة التي تستهلك طاقة كوكبها، والحضارة المتوسطة هي التي تستخدم طاقة نجمها، بينما الحضارة الكونية المتقدمة هي التي تستجر طاقة عدد من النجوم، فسّر عالم آخر هذا التصنيف بالقول أن أدنى حضارة إنما هي الحضارة التي توظف أقل كمية من الطاقة بينما يتناسب تقدم الحضارة مع استهلاكها للطاقة.

          أما أنا فأذهب بتفسيري إلى أن أدنى حضارة هي الحضارة التي تنفث أكبر كمية من الفوضى باستخدامها طاقة كوكبها، إذ أن ذلك الاستخدام يزيد في المواد الملوثة التي سرعان ما تجر كل أنماط الحياة على الكوكب جهة الاندثار، أما أعظم حضارة كونية فهي الحضارة التي توظف طاقة النجوم على نحو مباشر، فطاقة النجوم تنتشر في الكون بشك عشوائي وتتبدد عاجلاً أم آجلاً، إن استطاعت حضارة ما اعتراض هذه الطاقة وتحويلها إلى أنماط منظمة فذلك إنجازاً كبيراً حقاً، على كوكبينا الأرض تعترض النباتات الخضراء طاقة الشمس الفوضوية وتمتصها لتحولها إلى بنى بالغة التنظيم هي المركبات الضرورية لاستمرار الحياة، ألا يحق لنا بعد ذلك تصنيف النباتات في قائمة الحضارات الكونية المتقدمة؟ حقاً إننا نمر الآن بفترة مراهقة التكنولوجية المتمثلة باستنزاف كل مورد للطاقة دون أي حكمة أو تعقل، قد يكون قرار لمجلس الكوني مصيباً، هذا إن صح فرضنا بشأنه، يفسر هذا القرار عدم اتصالهم بنا واكتشافنا لوجودهم.

          كيف تلفت الحضارة الكونية أنظار الآخرين إلى وجودها؟ أن تطلق رسائل غير هادفة إلى الكون تعرف بها بإيجاز، عسى أن تقع عليها حضارة أخرى فتتعارف الحضارتان، الأمر أشبه بما كان يحدث على كوكبنا الأرض في الأزمان الغابرة، إذ كانت تتحطم إحدى السفن بالقرب من جزيرة نائية فيعمد الناجون إلى قذف زجاجات فارغة في البحر يضعون فيها قصاصات من ورق تشير إلى مكان الجزيرة فلربما مرت سفينة أخرى وعثرت على إحدى الزجاجات واهتدت إلى الجزيرة وأنقذتهم، انطلاقاً من نفس المحاكمة حملت المسابر بايونير وفويجير رسائل إلى جهات مجهولة.

          ستبحر بايونير وفيوجير لمئات وآلاف وملايين السني على غير هدى في خضم الكون الفسيح، أم الرسالة على متن بايونير فهي لوحة معدنية نقشت عليها نقاط تمثل الشمس وأسرتها وإشارة إلى الأرض مصدر الرسالة، كذلك هناك بعض المعلومات التي أحرزها الإنسان عن الذرة والكون وقد ترجمت إلى نظام الترميز الثنائي ظناً من العلماء أن الحضارات الكونية الأخرى تلم بمثل هذا النظام، يتصدر الرسالة نقشات لرجل وامرأة وقد رفع الرجل يده بإشارة تحبب، هل سيكتشف الآخرون هذه الرسائل، ربما، هذا إن كانوا موجودين فعلاً..

          في مغامرة أخرى للتدليل على وجودنا، أطلق الفلكيون نبضة راديوية من مرصد بورتوريكو الراديوي عام 1974، استغرقت النبضة دقائق قليلة وضمت بالمثل معلومات موجزة عن حضارتنا، أما هدف النبضة فقد كان محدداً، بحشد نجمي يقع على بعد 24000 سنة ضوئية عن شمسنا فيما يعرف بالمعاجم الفلكية باسم M13 يضم هذا التجمع أكثر من نصف مليون نجم، ولا ندري أي شيء عن وجود كواكب أو حضارات فيه، صحيح إن الرسالة هادفة من حيث تحديد البقعة التي ستبلغها كنها غير هادفة إطلاقاً على صعيد احتمال أن يقع عليها أحد، أياً كان ذاك الأحد، قد تبلغ الرسالة هدفها بعد أن يكون الجنس البشري قضى وانتهى.

          لا تعد محاولات التعريف هذه جديدة على الإطلاق، فغاوس اقترح منذ أكثر من قرن حرق غابة كبيرة على الأرض في شكل مثلث قائم للإشارة إلى معرفتنا بنظرية فيثاغورس، وفون ليترو طرح إمكانية حرق الكيروسين بأشكال هندسية في الصحاري وعلى مساحات واسعة، وآخرون صمموا مشاريع تهدف إلى كشف ضوء الشمس بشكل صنعي وبأدوار منتظمة، كل ذلك لمحاولة لفت أنظار الآخرين إلى وجودنا وفي نفس السياق طرح بعض العلماء مشروعاً مغايراً ينطوي على إرسال مسابر كونية غير مأهولة محملة بحاسبات الكترونية تستطيع تصنيع مسابر جديدة أثناء إبحارها في الفضاء الكوني، تتحرك المسابر الجديدة في محاور مختلفة وتصنع بدورها مسابر مستحدثة وهكذا إلى أن يتم مسح أكبر حيز ممكن من مجرتنا، إن لهذا المشروع سلبياته الكبيرة، منها أنه سيسيتغرق ملايين السنين، أما الخطر الأكبر للمشروع فهو أن تتكاثر المسابر بشكل جنوني فتملأ الكون محولة إياه إلى أكوام من النفايات والخردة.

          ما الذي نبغيه من بحثنا عن الكائنات الحية غير الأرضية؟

          قد نتعلم منها ضرورة أن تنطوي الحياة على جملة أهداف يخدمها الوجود الفيزيائي عوضاً عن أن يرهن الوجود الفيزيائي كل هدف آخر، إن كنا قادرين على التعلم، والتعلم يعني التغير، فعلينا أن نوظف طاقات كبيرة للبحث عنهم، حتى إن باءت مساعينا بالفشل والاستهلاك وفي هذا الحجب ما فيه من خير للجنس البشري، إلا أن هذا الفشل لا يعني نهاية المطاف، إذ لو كانت كذلك لوجب علينا نحن سجناء لمجموعة الشمسية أن نترك أمر البحث عن الكائنات الحية غير الأرضية إلى كتّاب الخيال العلمي.

          لكن هل من المفروض أن نبحث عنهم، ماذا لو تسامينا عن الإثم وتجاوزنا الخطيئة، ألا نصبح نحن هم ؟!!

vvvvvv

يشكل هذا البحث، الذي ألقي كمحاضرة في الجمعية الكونية السورية، الفصل الأول من كتاب:

شرخ في مرآة الفكر البشري

للمهندس فايز فوق العادة

دار المعرفة – دمشق - 1994

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •