الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

الطاقة و انهيار العالم

المهندس: فايز فوق العادة

لن يدور بحثنا هذا حول موضوع تقليدي, كالموازنة بين الإحتياجات الطاقية المتنامية وبين موارد الطاقة المتراجعة, فذلك شأن بحث اقتصادي صرف يمثل الإنسان الفرد فيه رقماً بالغ الضآلة. لا يهبط الاقتصاديون عادة إلى عمق القوانين الطبيعية, ويكتفون بموضوعات محدودة كموضوعة العرض والطلب, لينطلقوا منها إلى بناء عالم مفتقر إلى التفسير والمعنى.

يفرض السعي إلى الحقيقة أن نبدأ دراستنا بمثال أولي مستمد من الملاحظات القريبة. نتصور حيزاً مغلقاً يقسمه حاجز إلى حيزين. تملأ جزيئات غازية الحيز الجزئي الأول, بينما الحيز الجزئي الآخر يبقى مخلخل ويكاد أن يكون خالياً, نرفع الحاجز فجأة, فتندفع جزيئات الغاز موزعة بين الحيزين الجزئيين ويترافق ذلك مع انخفاض في درجات الحرارة. يصف العلماء الحالة النهائية بقولهم أن الأنتروبي قد زادت, والوصف هذا وصف إجمالي, إذ أنه لا يقدم صورة تفصيلية يتحدد مصطلح الأنتروبي بموجبها بدلالة مواقع وسرعات الجسيمات المختلفة, يعني ازدياد الأنتروبي على وجه الدقة ازدياداً في الفوضى وانخفاضاً في درجات النظام, ما الذي يعنيه النظام؟ يتعلق الأمر هنا بعمق حيازتنا للمعرفة. أن أي تنظيم للجزيئات الغازية في مثالنا, بالغاً ما بلغ تعقيده, لن ينحدر إلى الفوضى بسهولة, إذا كنا على علم بسرعة وموقع كل جزيء من جزيئاته, تنطوي الفوضى التي أشرنا إليها على استحالة التنبؤ بسبب الإفتقار إلى المعلومات التفصيلية الخاصة بمواقع وسرعات الجزيئات, ما يحدث عادة أن حيازتنا لهذه المعلومات تزداد صعوبة على نحو مطرد كلما ازداد النموذج الناظم لتوزع ومواقع وسرعات الجزيئات تعقيداً. ففي مثالنا هذا كانت معرفتنا التفصيلية بسر عات ومواقع الجزيئات أكبر قبيل رفع الحاجز, باختصار, تتنافى المعرفة والأنتروبي, فإذا ازدادت إحداهما نقصت الأخرى. علل الفلكي ميلن أن تمدد الكون هو برهان ساطع على جنوح الأنتروبي في الكون إلى الإزدياد. فالكون مهما بلغ امتداده حيز مغلق وفق اعتبارات الطاقة, وتمدده أشبه برفع الحاجز في تجربتنا. هكذا تتضخم الأنتروبي مع الزمن وتستشري الريبة وينحدر الكون شيئاً فشيئاً إلى الفوضى. تنبأ المعري بذلك إذ قال:

واللبيب اللبيب من ليس يغتر                                  بكون مصيره للفساد

على أية حال, ليس من الضروري أن نعتبر الكون حيزاً مغلقاً كيما نسقط مبدأ ازدياد الأنتروبي عليه, كان يظن إلى فترة قريبة أن الأنتروبي هي مفهوم إحصائي محلي يرتبط بكل حيز مغلق. إلا أن العلماء اكتشفوا مؤخراً أن ازدياد الأنتروبي هو قانون كوني, شأنه في ذلك شأن قانون الجذب الثقالي مثلاً .

إن شئنا تأييد لما تقدم, فما علينا إلا أن نتساءل عن سبب دوران المجرة والشمس والأرض كل حول نفسها, يتعلق الأمر بقانون الجذب الثقالي من جهة وبالقانون الثاني في الترموديناميك من جهة أخرى. يهمن على نحو خاص القانون الأخير الذي ينص على أن كل شيء سائر إلى التبدد والاندثار, فالمجرات تتناثر والنجوم تتباعد, لكنها أثناء ذلك تقتسم فيما بينها كمية الحركة الزاوية فتدور وتدور.

لعله الموقع المناسب من بحثنا للتطرق إلى قوانين الترموديناميك:

القانون صفر: تنساب الحرارة من الساخن إلى البارد, وتصبح درجة الحرارة واحدة عند بلوغ التجانس الحراري.

القانون الأول: الحرارة شكل من أشكال الطاقة, وهي بذلك تخضع لقانون انحفاظ الطاقة.

القانون الثاني: لا تسمح الطبيعة بتحول الطاقة من شكل لآخر إن لم يترافق ذلك بالتحول مع ازدياد الأنتروبي أي مع ازدياد الفوضى. إذا حافظنا على ثبا الأنتروبي. فإن التحولات من النمط المشار إليه ستتم بانخفاض الطاقة الحرة الجاهزة للعمل.

القانون الثالث: هناك درجة حرارة دنيا تصبح المادة عندها منظمة بشكل كامل ومطلق وينتفي أي أثر للفوضى.

إن تساءلنا ما هو الزمن, فتلكم الإجابة: إنه التيار المضخم للفوضى وإذا شئنا العودة إلى تمثيل الزمن ببعد هندسي لعرفنا التغير والتطوير بأنهما سبر غير هادف لهذه الهندسة. بكلمات أوضح يختبر الكون وبشكل عشوائي كل أحوله الممكنة, لكن اشتراط ازدياد الأنتروبي هو القيد في انتقال من حال إلى حال. تنجم العمليات اللاعكوسة في الفيزياء عن الإنسياب غير الهادف بين كل الأحوال الممكنة, أما المفارقة الكبرى في هذا السياق فهي أن الطاقة الكلية للكون تساوي الصفر. ذلك أن الناظر الداخلي لا يأخذ بعين الإعتبار الكمون الثقالي الكلي, بينما يبقى إجمالي الطاقة ثابتاً تزداد الأنتروبي على نحو مطرد.

 

يهدف ازدياد الأنتروبي في المنظور الفيزيائي البسيط, إلى تحقيق حالة التوازن الحراري. نواجه في إطار هذا المنظور تساؤلاً مربكاً إن كانت حالة التوازن الحراري المطلق تقابل قيمة عظمى للأنتروبي, فلا شك أن الكون كان يمتلك مثل هذه القيمة في فجر تاريخه, ذلك أنه كان في حالة توازن حراري يكاد يبلغ حد الكمال عند تلك المرحلة, فهل يعقل أن الأنتروبي الخاصة به قد انخفضت بعد ذلك؟ نذكر في معرض الإجابة أن الكون كان يستخدم آنذاك كل عشوائية ممكنة لتحقيق ولادته, لكن البدائل العشوائية كانت محدودة بسبب صغر حجم الكون في ذلك الزمن. بكلمات أخرى أن القيمة العظمى للأنتروبي في الكون الجنين كانت قيمة محدودة بنسبة حجمه. لقد ثابرت الأنتروبي على الإزدياد منذ ولادة الكون متحولة من قيمة عظمى إلى قيمة أعظم.

نجد على الدوام بدائل متكافئة لتعريف الأنتروبي. تنجم الأنتروبي مثلاً عن ازدياد الفوتونات العشوائية المخصصة لكل جسم.

نسرد فيما يلي قيم الأنتروبي أي عدد الفوتونات العشوائية المرتبطة ببعض التشكيلات الكونية. نعني هنا الفوتونات العشوائية الطاقة غير المرتبة التي استحوذتها الأنتروبي.

ثقب أسود بكتلة الشمس   10 100

ثقب أسود بكتلة مليون شمس  10  101

ثقب أسود بكتلة 10 11 شمس    11110

حالة الكون المتقلص 10  123

يمثل الثقب الأسود ميتة مرعبة لنجم أو مجموعة من النجوم, تتقلص الجثة النجمية فيها إلى أصغر حجم ممكن ويتوقف الزمن ويتلف المكان على نفسه, لقد تبين للعلماء أن انتروبي الثقب الأسود تتناسب مع مساحة أفق الحدث الخاص به.وهو الحيز المحيط بالثقب الأسود الذي إن اجتازه أي جسم, ابتلعه الثقب الأسود وأخفاه عن الوجود؟

من جهة أخرى, يؤدي انفصال البنى الكونية وإلغاء خصوصيتها, إلى ازدياد الأنتروبي. فعلى صعيد المراقبة الواعية, يقبع هناك بعيداً عن الراصد جسم كوني تستوجب معرفته فعل النمذجة, لكن الجسم المرصد, ومهما كان ضئيلاً سينكفئ على ذاته, حاجباً معظم معلومات المعرفة لوجوده. هكذا يولد النموذج ناقصاً منطوياً على هامش كبير من الريبة. إن مثل هذه الولادة ستؤدي إلى زيادة الأنتروبي ولا شك لا تستطيع المعرفة القائمة على النمذجة إذن كبح الإزدياد العشوائي المطرد للأنتروبي. أما على صعيد الإنفصال الفيزيائي الصرف فنذكر أن أجراء قياسين متباينين لفترة فاصلة بين لحظتين سيتمخض عن فارق كبير بين القياسين, إن نفذ القياس الأول راصد متسارع, وحقق القياس الثاني راصد متحرك على خط العالم الواصل بين اللحظتين سيفضي كبر الفارق إلى إخلال بتوازن الإشعاع الكوانتي العشوائي بين الراصد المتسارع وبين المحيط. يترافق هذا الإخلال مع ولادة حمام حراري يندفع صوب الإستقرار أي جهة ازدياد الأنتروبي.

لو استعدنا التعاريف المختلفة المتكافئة للأنتروبي التي ذكرناها, لخلصنا إلى استنتاج مفاده أن مصير الكون سيحدده ازدياد الأنتروبي, سواء أثابر الكون على تمدده أو عاد إلى التقلص.

إننا نعيش في عالم يزداد تعداد سكانه بوتائر عالية, ويغرق قاطنوه في محيطات الإستهلاك فتسمح هيئاتهم وتطمس معالمهم وتوارى خصوصياتهم لعمري إنها أفدح زيادة للأنتروبي, زيادة ناجمة عن تحول البشر إلى هباء آت متناثرة.

إن الحالة الإجمالية التي نشاهدها لأي تشكيل مهما كانت طبيعته, لا تقوم بالضرورة على توزع معين للجزيئات المكونة لهذا التشكيل, فهناك عدد من هذه التوزعات ,يتمخض كل منها بشكل منفرد عن ذات الحالة الإجمالية للتشكيل المدروس إلى التوازن الحراري .نذكر في هذا السياق أن حالة الترتيب الكامل للمادة تتحقق عندما يكون العدد المذكور مساوياً الواحد الصحيح, يحدث ذلك عند درجة حرارة الصفر المطلق. تساوي الأنتروبي جداء ثابتاً في الفيزياء يعرف بثابت بولتزمان بلوغاريتم عدد التوزعات المشار إليه, لما كان هذا العدد هو المسؤول عن تجسد حالة عيا نية , لذا لا يمكن أن يتناقص اثر بلوغ نهايته العظمى, من هنا كان الميل الطبيعي لازدياد الأنتروبي, يتسق هذا الإزدياد مع مبدا كوني آخر هو مبدأ الطاقة الأقل, حيث يجنح كل جسم إلى التحول جهة سوية طاقته الدنيا. تساوي الأنتروبي صفراً عند الصفر المطلق.

يساوي إجمالي الأنتروبي لوحدات منفصلة ,مجموع قيم الأنتروبي لهذه الوحدات. تؤكد نسبية أينشتاين أن النواميس الفيزيائية الأساسية لا تتغير من راصد لآخر, لذا لا يرى الجميع إلا تزايداً للأنتروبي على الدوام .يعترض البعض بالقول أن ٍٍٍازدياد الأنتروبي هو قضية ظاهرتية ترتبط بالتجربة. يؤكد الميكانيك الكوانتي أن الوسيلة الوحيدة لخلق الكينونة هي التجربة بالمعنى المعمم, فحيثما يلتقي إلكترونان في ساحة الوعي تكون هناك تجربة, بكلمات أوضح أن الإعتراض المذكور يحمل الرد عليه في طياته, فلا وجدود بلا تجربة, والأنتروبي هي فعل وجودي, لو راجعنا مجمل البنى الرياضية لقوانين الفيزياء للاحظنا أن كل هذه البني تقوم على مفهوم الدفق عبر حيز وحيثما كان الدفق ,حدث التبدد, ومع حدوث التبدد تزداد الأنتروبي, لقد قام بعض العلماء بمراجعة الفيزياء على ضوء القانون الثاني للترموديناميك, أي قانون ازدياد الأنتروبي وأعادو كتابة العلاقات الفيزيائية على أساس هذا القانون. لم تكن المهمة صعبة فادى عزل لقطة تتضمن حدثاً فيزيائياً محدوداً, يمكن تصور ثبات الأنتروبي أثناء هنيهة زمنية لا متناهية في صغرها, ويمكن لنفس الآلية أن تنسحب على الكون .لما كانت الطاقة الإجمالية للكون كما ألمحنا مساوية صفراً,فإن الأنتروبي الخاصة به والمنسوبة إلى حجمه ستبقى على الدوام في نهايتها العظمى. وستتحول من نهاية عظمى أكبر مع تمدده. ويهدف استنتاج ناموس فيزيائي, نعتبر إحدى هذه النهايات العظمى على أنها القيمة الثابتة التي يمكن تبنيها لأهداف البحث المرحلية.ماذا لو أجرينا المزيد من التأملات في بنى هذه الأنتروبي, كنا قد أشرنا إلى أن السبر غير الهداف للهندسة يتجسد في هيئة تطورات وتغيرات متلاحقة, وما استشعار مرور الوقت إلا المنتوج المؤكد للإنطباعات الكيميائية عن هذه الرحلة في أدمغتنا. كيف يمكن أن يؤدي كل ذلك إلى نظام, ففي داخلنا الأفكار وحولنا المنشآت والهياكل !  الأمر بسيط للغاية , فما النظام الظاهري إلا فوضى باطنة. تتوقف على سبيل المثال لا الحصر عند كرة ترتطم بسطح منضدة لترتد وتعود فترتطم وهكذا دواليك. لكن الأمر لا يستمر هكذا إلا ما لانهاية ,نصف ارتطام  الكرة وارتدادها بأنه عمل هادف يوحد كل جزيئاتها. على أن هذا العمل الهادف سرعان ما يترجم إلى فوضى في جزيئات المنضدة. وعندما تسكن الكرة تكون جزيئاتها وجزيئات المنضدة في حالة فوضى شاملة. لا تتمخض هذه الفوضى بالطبع عن أية محصلة محددة. لذا تتحول المنضدة والكرة إلى حالة استقرار وسكون.

يختلف النظام والعفوية .كما يكبح النظام ازدياد الأنتروبي. لكن النظام المحي يخلق المزيد من الفوضى. فما تولده الثلاجة المنزلية من نظام تمثل ٍٍبتخفيض درجات الحرارة. يقابل بفوضى تنمو في مكان وزمان آخرين. عندما يتحد الأوكسجين بالحديد تنطلق طاقة كبيرة وتبدد فتزداد الأنتروبي تشبه الأكسدة في هذا السياق عمليات تبريد المعادن الحارة, أي أن الصدأ أبرد من الحديد, إن الانخفاض المحلي للأنتروبي في التفاعلات الكيميائية ومنها الأكسدة, يرتب تضخماً هائلاً في الأنتروبي على مقياس واسع, يتنامى عدد التفاعلات الكيميائية في عالمنا , ومع تناميه يتركز النظام في نقاط معزولة وترتفع قيم الأنتروبي في الإجمالي الشامل للوجود

تمثل التفاعلات الكيميائية الجارية في أجسادنا أحولاً خاصة من التفاعلات الكيميائية التي أشرنا إليها للتو. وهي مثل تلك التفاعلات تزيد في تركيز الأنظمة المحلية بما يتمخض عن كل ذات من ذواتنا . لكن ذلك لا يتم إلا بدفع ثمن باهظ, أعني دفعاً للأنتروبي نحو الأعلى ضمن الدوائر المحيطة بالذات. أهو ضرب من ضروب القدرية؟الأدهى من ذلك أن فعل المعرفة القائم على النمذجة يعمق هذه المأساة بصرف ضريبة من النتروبي في كل مرة يولد فيه نموذج, هل هناك من مخرج, أم إنه مأساة مغلقة. سأعود إلى صياغة الإستنتاج الخاص بي حول هذه المشكلة في نهاية البحث بعد عرض كل العناصر المطلوبة لهذه الصياغة.

نعيد طرح ما قدمناه بعبارات مبسطة: تسود الطاقة والمكان والزمان .وهي ثابتة في كميتها وتساوي الصفر على صعيد الكون. لكن النور يستتبع الظل. كذا..الأنتروبي, إنها ظل الطاقة, تحاول الأنتروبي تخريب ما تصنعه الطاقة. إن كانت الطاقة هي الترياق, فالأنتروبي هي السم, وبعكس الطاقة تزداد الأنتروبي على نحو مطرد, ينطوي أي فعل كوني على تحول الطاقة من شكل إلى آخر, لكن هذا التحول غير متوازن, بمعنى أن جزءاً من الطاقة يتبدد على الدوام أي يتحول إلى طاقة فوضوية غير هادفة. يمثل هذا التبدد ازدياد الأنتروبي. وهكذا ومع مرور الزمن ستبدد الطاقة الكونية بكاملها.إن السيالة الزمنية النموذج أي المتجانسة عاجزة بحد ذاتها عن أي إجراء بما في ذلك التصريح نفسه. لذا لا بد من بذل الطاقة ,من هنا كان قانون انحفاظ الطاقة وازدياد الأنتروبي.

وكما قيد الوجود الإنساني بالجذب الثقالي, كذلك قيد بازدياد الأنتروبي, فباطن الثقوب السوداء حيث تتناقص الأنتروبي, محجوب عنا بأفق الحدث, ولا يمكن أن نتعامل مع الثقب الأسود إلا من بعيد حيث نراه كتشكيل يزيد من الأنتروبي بشكل مستمر ,إننا لا نستطيع أن نعايش, من حيث المبدأ, إلا المنظومات ذات الأنتروبي المتزايدة.ٍتزداد أنتروبي المادة الميتة حتى اللانهاية, بينما تتميز الطاقة بانعدام الأنتروبي, نستطيع في هذا السياق صوغ تعريف للمادة والطاقة, تمثل المادة جنوحاً وجودياً عفوياً إلى ازدياد الأنتروبي بلا حدود. بينما الطاقة هي ثبات في وجه تيار الأنتروبي عند الموقع الذي تنعدم فيه الأنتروبي. من هنا كانت مكاشفتنا لمختلف الأوجه المادية التي تتميز بانتروبي كبيرة واستحالة تعاملنا مع الفراغ حيث تمكن نوبات من الطاقة ذات أنتروبي معدومة. أما المفارقة الكبرى, فهي أن التكوين الإنساني وهو تكوين غير مستقر ينقص الأنتروبي داخله, بينما تزداد الأنتروبي الخاصة به لحظة الموت إلى اللانهاية. تتميز العملية المعرفية المستندة إلى النمذجة بإنقاص محلي مفاجئ للأنتروبي وتضخيم مقابل بطيء للأنتروبي المحيط.

لكن النشاط الأهم الذي يخفض الأنتروبي على نطاق واسع هو التفاعل اليخضوري الذي تنجزه الأشجار على نحو خاص. فالطاقة الشمسية المتبددة المنتشرة في الفضاء تعترضها أوراق الأشجار وتمتصها لتعيد تشكيلها في بنى منظمة ذات أنتروبي منخفضة .وعلى الرغم من أن أحداً لا يملك تعريفا للحياة ,نستطيع عند هذه المرحلة الحديث عن الحياة بأنها تجربة كونية لإحلال النظام محل الفوضى, لرصف نوبات الطاقة وترتيبه وإبعاد شبح الأنتروبي وبالتالي ترفد بعض الحيوانات هذا التيار بطبيعتها وعفويتها ,فالفيل الذي يقتات من الأشجار لا يطرح فضلاته إلا في الأماكن المفتوحة حيث لا توجد أشجار. ومع تلك الفضلات يطرح بذور الأشجار التي لا يستطيع جهازه الهضمي تمثلها. وفي تلك الأماكن تنمو أشجار جديدة لدعم مقاومة الأنتروبي. وبينما تتعامل المادة مع الطاقة على أساس الإلتقاط والتوزيع العشوائين, تحاول الاشجار من جانبها ترتيب الطاقة وتنظيمها وكبح الأنتروبي, إننا ننضم الآن إلى قافلة الفوضى الكونية بإزالة الغطاء الأخضر لكوكبنا. علينا أن نتذكر دور هذا الغطاء في إنتاج الأوكسجين, لن أقف عند ضرورة هذا الغاز لحياتنا ,لكنني سأذكر بدوره في عمليات الأكسدة الضرورية لتركيز النظام وتخفيض الأنتروبي في أعماق كل منا ,وسأعود كما ذكرت إلى معضلة الشمولية بعد قليل.

لا نستطيع أن نخرج عن تعريف الحياة الذي يرى فيها مقاومة الفوضى والأنتروبي ولا أدل على صحة هذا التعريف من الكم الهائل من المعلومات الذي سعت الحياة إلى مراكمته عبر تاريخها ,إن هدف الحياة هو التنظيم.

كيف نستخدم الحياة الآن .كيف نواجه الحياة في هذا العصر؟ توظف التكنولوجيا المعاصرة كميات ضئيلة من المادة والطاقة لتحريك كميات مقابلة كبيرة من المادة والطاقة, و في هذا ما فيه من الخطورة ,إذ أن التوظيف المذكور يتفتق عن تضخيم الانتروبي, إن القصد الوجودي الأصلي من تحديد كميات ضئيلة من المادة والطاقة لم يكن إطلاقاً التحريك المشار إليه, بل اختزال الكون إلى أكوان داخلية في أعماقنا بهدف دفع الكون لمخاطبة ذاته. إن هذه المخاطبة بالغة الأهمية لما يلي من استنتاجنا. ينطوي التحريك المشار إليه على التحكم والسيطرة, فمن النتائج المترتبة على القانون الثاني للترموديناميك أن ازدياد الأنتروبي يخفض من جودة الطاقة.

فالطاقة الموجودة في روابط البنزين أجود من تلك الموجودة في الغاز المندفع من عادم السيارة. هذا ويستحيل تحويل الثاني  إلى الأول دون استنفاد كمية إضافية من الطاقة الجيدة ودفعها إلى حظيرة الأنتروبي.

إذا صورنا الكون في هيئة مصنع كبير تكون الأنتروبي أشبه بإدارة هذا المصنع, إذ أنها تقرر طبيعة ونوعية الأعمال التي يمكن إدراجها في الخطة, ثم تدفعها إلى حيز التطبيق فعلاً. أما الطاقة, فهي في هذه الحالة مراقب مالي يتابع التوازن الدقيق بين الأرصدة والديون. ولا غرو في ذلك فالأنتروبي تقرر الإتجاه اللاعكوس لجريان الأحداث أي ذلك الإتجاه الذي لا عودة فيه على الماضي والمترافق مع تردي تدريجي في جودة الطاقة.

على أية حال, لا يتوجب أن نكرر أنفسنا كثيراً خاصة في سياق مثل هذا البحث, فالبحث المختزل في أدنى عدد ممكن من الأسطر هذا  البحث الأجود, لأن الأنتروبي فيه أقل والعكس بالعكس. لكننا نشير إلى العودة بالزمن إلى الوراء تقضي بتقويم ما فسد من الطاقة, وهذا هو عين المستحيل, فالمشكلة لا تكمن فقط في استجرار كم جديد مرتب من الطاقة بل في أن الأنتروبي المتزايدة تعني جهلنا الواسع بتفاصيل المنظومة المدروسة. وأنى لنا أن نعيد هذه المنظومة إلى ما كانت عليه إن كنا نجهل أحوالها السابقة, أخيراً وليس أخراً يعكس قانون انحفاظ الطاقة مبدأ التناظر في الزمان هكذا ترغم الأنتروبي الطاقة على الجريان في اتجاه وحيد.

شهد مطلع القرن ولادة مبدأ فيزيائي على جانب كبير من الأهمية ألا وهو مبدأ تكافؤ الطاقة والكتلة وتحول أحدهما للآخر وانحفاظهما المشترك. لكن نظرية المعلومات أفضت بدورها إلى قانون لا يقل أهمية هو قانون تكافؤ المعرفة والأنتروبي وتحول أحدهما للآخر وانحفاظهما المشترك. نشير هنا إلى أن وجود الأنتروبي مرتبط بالمعرفة لا بالأنتروبي وهو أمر يشكل جوهر استنتاجنا في نهاية هذا البحث.

ما مقياس التحول من المعرفة إلى الأنتروبي ,ومن الأنتروبي إلى المعرفة. إنه مقياس الرداءة والجودة , نستطيع أن نقبل وبدون أي تحفظ تعريفاً للجودة يفيد أن ازدياد الجودة يتناسب وانخفاض الفائض المعلوماتي. يعني ذلك أن تحويل الكون إلى نظام معلوماتي معرفي مرتب يقضي بعدم حدوث أي تكرار في البنية الناتجة, تعني بالبنية المعلوماتية المعرفية هنا تحديداً للآليات الأساسية بصرف النظر عما تقضي إليه تلك الآليات من مظاهر متواترة متكررة. إذ لو حاولنا الإحاطة بكل مظهر من المظاهر المذكورة لأضعنا هدراً كل وقت متاح ولازدادت الأنتروبي بدلاً من أن تنقص. نفرق عند هذه النقطة بين احتياجات المعرفة وبين احتياجات التكنولوجيا, فاحتياجات المعرفة تختزل فيما عنيناه للتو. أما التكنولوجيا فتعتمد بحث الآليات الظاهرية المباشرة بأشكالها المتكررة المتكافئة, إن هذا التناول هو تناول إجمالي لما فيه من تواتر ونسخ واستجرار وهو يتغاضى عن ازدياد الأنتروبي في المجموعات الجزئية, فمهما كانت الوحدة التكنولوجية المعلوماتية أو الوحدة التكنولوجية المنجزة صغيرة, فستنضم في ثناياها ولا شك وحدات أصغر منها تهملها الطرائق التكنولوجية من حيث جوهر تلك الطرائق ,فتتضخم الأنتروبي في تلك الوحدات بنتيجة ذلك دون حدود. هذه هي الحقيقة في العمق: الأنتروبي موجودة والمعرفة موجودة الشر موجود والخير موجود, الكائنات الرديئة موجودة والكائنات الجيدة موجودة, لا نستطيع تعليل هذه الصيغ المتكافئة بأكثر من كونها مصادرات وجودية وكل عنصر كوني لا يتعدى حدود المصادرة. تخترع في تجارب الكون الحياتية جمل معلوماتية تتكون من عدد أصغري من العناصر المعرفية الأولية. تمثل كل جملة كائناً منفصلاً هو أحدنا أو فرد في الكائنات الحية الأخرى. تميز هذه الجملة بأنها لا تتكرر إطلاقاً كما أن من المحال أن يصنع أحدنا من جملة أقصر أو أطول من الجملة المعلوماتية التي تعرفه, هكذا يقضي مبدا الجودة المعلوماتية, ألا يحل واحد محل الآخر سواء في المكان أو في الزمان, أي لا تكرر الجملة المعلوماتية الخاصة به إطلاقاً, ولا غرو في ذلك فقد يكون الكائن في عداد كائنات الأنتروبي تحتله وتضرم الأنتروبي فيه بدرجة ما وقد يكون من كائنات المعرفة صنعت جملته المعرفية أصلاً على أساي تجاوز الأنتروبي وقطع شوط ما في درب المعرفة وكما ينتقل الكون من نهاية عظمى للأنتروبي إلى نهاية عظمى أعظم. كذلك تنتقل الكائنات في توالدها من نهاية عظمى للأنتنروبي إلى نهاية عظمى أعظم, أو من نهاية صغرى معرفية إلى نهاية صغرى أخرى وذلك في نسق عشوائي صرف.

أصيبت الدارونية بنكسة إثر ظهور نظرية المعلومات. فبدلاً من بروز أنماط فردية جديدة تنتشر لتشمل الجماعة معرفة نوعاً جديداً. ترى نظرية المعلومات عكس ذلك فوفق مبدأ ازدياد الأنتروبي يفضي النموذج الدارويني إلى تشتت النوع و اندثاره في فترة ظهوره. أما نظرية المعلومات فتؤكد سريان فعل الإرتقاء من الجماعة الكبيرة فالتجمعات الأدنى وبشكل تدريجي وصولاً إلى الفرد الذي تختزل في جملته المعلوماتية المواصفات الجديدة للنوع.

يجدر بنا أن نشير إلى أن البرهان المنطقي لطبيعة البنية الأصغرية للجمل المعلوماتية , هو برهان مستحيل من حيث المبدأ .فوفق نظرية لجودل  طرحها في مطلع الثلاثينيات, هناك نهايات عظمى للأنتروبي وصغرى للمعلومات يستحيل إثبات وجودها في ظل موضوعات معينة . فإذا أضفنا إلى هذه الموضوعات, قائمة أخرى من الموضوعات بهدف توفير البرهان المستحيل, لاجتزنا المستحيل ولاستطعنا ذلك البرهان فعلاً لكن نهايتين أخرين ستبرزان, إحداهما عظمى للأنتروبي وأخرى صغرى للمعرفة وسيستحيل إنشاء برهان منطقي في إطا ر الموضوعات الجديدة. وهكذا نضيف موضوعات جديدة لنواجه نهايات حدية محدثة دونما توقف. لكن التجربة الكونية الحياتية المتمثلة بتقليص الانتروبي وتحديد المعرفة اخترعت أسلوباً آخر لتجاوز هذه العقدة:إنه الحدس كانت كبريات النظريات العلمية من صنع الحدس ولم تكن ناجمة عن الاستقراء أو الإستنتاج. يتجاوز الحدس الأنتروبي لأنه يهمل التفاصيل.

لقد اخترع الحدس من اللحظة الأولى التي دارت عندها الأشجار وجهها صوب الشمس لتكبح الأنتروبي الهائلة المتدفقة عبر الفضاء.

تختلف التكنولوجيا عن التجربة الحياتية الكونية بشكل جذري. إننا نصنع آلاتنا من قطع غيار قابلة للإستبدال وفي هذا ما فيه من زيادة الأنتروبي. أما التجربة الكونية الحياتية فتتحرك على محورين مغايرين هما محور استحالة الإستبدال والتكرار, ومحور الإرتقاء بالجودة المعلوماتية وصولاً إلى أنظمة المناعة الذاتية التي تفتقر إليها آلاتنا. لكن النهج المبدع للتجربة الكونية لم يكن بلا ثمن إذ كان لا بد من تكاثر الكائنات وكان لا بد لكائنات المعرفة من خيار المعاناة الصعب. أعود وأكد أن مبدأ الجودة المعلوماتية مستقل تمام الإستقلال عن الإنتقاء الطبيعي لداروين,فبينما يتميز مبدأ الجودة بالاعكوسية أي الإرتقاء المطرد في حيازة المعلومات , يفتح الإنتقاء الطبيعي لداروين الباب على مصراعيه أمام استبدال صف من الكائنات المعرفية بصف مقابل من كائنات الأنتروبي والعكس بالعكس.

 لا تبرز المعلومات وتأخذ طريقها إلى تحقيق المعرفة إلا عبر التجربة الكونية الحياتية. يتميز الكائن الحي باستجابته للمحتوى المعلوماتي لأية حادثة وليس لمظاهر الحادثة. لكن التلوث والإستهلاك المعاصرين باتا مهددين للمحتوى المعلوماتي وذلك بتفسيخه ورفع الأنتروبي فيه. تميزت الحياة الأولى بكم منخفض وجودة معلوماتية عالية. أدجت المصادرة الخاصة بالتجربة الكونية الحياتية إلى البحث عن طرق أكثر أمانة في نقل لا الكم المعلوماتي وحسب الجودة المعلوماتية أيضاً, فكان التكاثر اللاجنسي ثم التكاثر الجنسي باشتراك كائنين حيين. لكن التكاثر الجنسي لم يستطع المضي في شوط التجربة الكونية الحياتية حتى النهاية, ذلك أن التكاثر الجنسي يوحي للوهلة الأولى بلم شمل الجزيئات الحية وتنظيمها في تيار مضاد للأنتروبي, بدمج الكائنات المعرفية وحل الإشكال إلى الأبد, لكن سرعان ما يبرز أثر الفعل الجنسي كائن آخر, كائن يتبع القاعدة العشوائية للكون في سبره لكل أحواله الممكنة, بكلمات أوضح كائن من كائنات المعرفة أ, كائن من كائنات الأنتروبي.

هل نستطيع تحميل المورثات المعلومات الجيدة المكتسبة لنقلها إلى أجيال تالية! هل تطفو على السطح في عصر الإستهلاك أية معلومات جيدة !إذا قبلنا  بموضوعة التحميل هذه فلن نستطيع المضي بها قدماً لأكثر من سبب. تفرض هذه الموضوعة تحقق العقل الجمعي في المكان والزمان .لكن هذا التحقق يشكل مفارقة على خلفية الإزدياد المطرد للإنتروبي, فسرعان ما يتحول التحقق إلى نكوس خاصة لدى التعامل مع كائنات الأنتروبي. تستحيا وحدة الكائنات في بحر من الأنتروبي يعلو ويمتد. إن كانت وحدة الكائنات مستحيلة مع ازدياد الأنتروبي, فإلام سيؤول مصير الكائن الشمولي. ما هو أدهى أن التكاثر الجنسي تحول إلى متعة بحد ذاتها,والمتعة للمتعة. دون بعد معرفي هي أنتروبي أيضاً, لقد تحول العالم بسبب  ذلك وبسبب الإستلاهك إلى مخبر كبير لتجارب التنمية الصنعية للأنتروبي. وبما أن الطبيعة قد وعت ذلك فها هي ذي تتراجع في محاولة لشطبنا من جدول التجربة الحياتية الكونية وطرح كائنات بديلة للمضي قدماً في التجربة وتنمية المعرفة. وللطبيعة مسوغاتها في ذلك ,فكل المناهج البشرية الهادفة لتحقيق التوازن والتنظيم...تبقى خارجية حتى بالنسبة لمن يصوغها, فالجنوح إلى المعرفة والتنظيم قضية باطنة في الجملة المعرفية المحددة للكائن . لقد تنبه دوستويفسكي إلى هذه الحقيقة منذ أكثر من قرن فكان اشتراطه الجوهري بضرورة الإنقلاب الروحي الذي نترجمه في بحثنا هذا إلى عبارة الوقفة المتجذرة  لكائنات المعرفة في الخضم المتلاطم للأنتروبي.إن كانت الفوضى قاعدة والنظام شذوذاًَ . إن كانت الأنتوبي سياقاً والمعرفة استثناءاً فلا عجب مما نراه اليوم من تشويه المعنى الأساسي المقصود بأهل الأرض. ذلك المعنى الذي لم تعد تتمثله إلا كائنات المعرفة وهي كائنات حالمة غير واقعية في منظور الأنتروبي. فالحقيقة كل الحقيقة, والحقيقة  كما هو معلوم واحدة بينما الخطأ متعدد. الحقيقة أن الكم المعلوماتي الذي يؤويه المخ الإنساني أكبر بكثير من الكم المعلوماتي المتوفر في كل الكون الفيزيائي. تحقق هذا التراكم المعلوماتي على مراحل وقفزات, وبرزت أولى أشكال الحياة الفاعلة عندما أتى إلى الوجود كائن حي يفوق بمعلوماته كل الكون الفيزيائي حوله وانتهت بولادته المرحلة الأولى أي مرحلة تصنيع الحياة... بدأت بعد ذلك المرحلة الثانية أي مرحلة النقل الأمين للكم المعلوماتي و الجودة المعلوماتية من أجيال متقدمة إلى أجيال لاحقة من الكائنات الحية, توجت هذه المرحلة بظهور المخ. يعرف المخ بكونه البنية الأقل احتالاً فطالما أن المهمة الرئيسية المناطة به هي تخزين المعلومات, نتوقع أن تجنح الأنتروبي إلى تأخير ظهوره بل ولربما إلى منع هذا الظهور.

لا نستطيع أن نتصور الفوضى والمخ كثنائية يرتبط وجود أحد شقيه بالآخر , كثنائبة الوجود والعدم مثلاً ,فالمخ الممثل للنظام ينحدر بسرعة الآن إلى أتون الإستهلاك, يسهم المخ حالياً بزيادة الأنتروبي بنسب تتجاوز الوتائر المعتادة الطبيعية لارتفاعها. لو كانت الفوضى محددة بالمخ. إذن لما انزلق المخ إلى براثنها نافياً ذاته دافعاً بالفوضى نفسها إلى العدم وفق الإفتراض المتقدم.

إن هويتنا الوجودية هي تخفيض الأنتروبي, لكننا في هذا الوقت ما يخالف مضمون هذه الهوية. يعني تخفيض الأنتروبي التقليل من الفوضى وسواد النظام. تلكم كانت السمة الأساسية للصناعة في بدايتها, إذ أنها كانت تجمع الفلزات المنتشرة بشكل فوضوي وبانتروبي عالية بالتالي لتحولها إلى أشكال منظمة ذات أنتروبي منخفضة. على أن ما تفعله الصناعة ليس بدون مقابل, فهي تستهلك طاقة منظمة في تحويلها العشوائية إلى نظام. تخرج الطاقة المنظمة من عمليات التصنيع إثر ذلك فوضوية لتسهم في ازدياد الأنتروبي ولتصب في قناة الفوضى الكونية, تبقى الصناعة عملاً حضارياً يعكس الهوية الإنسانية ما بقيت كمية الأشكال المنظمة الناجمة عنها متجاوزة حجم الأنتروبي الأخيرة المشار إليها.

أدى إغراق العالم بالبضائع الإستهلاكية إلى كسر هذا التوازن فقد طغت الأنتروبي بسبب التعددية الإستهلاكية الهائلة على مفهوم النموذج المنظم, وبتنا نعمق الفوضى الكونية بدلاً من إنقاصها  يعزى ذلك إلى كميات الأنتروبي المتزايدة الناجمة عن التوسع الكبير في تحويل الطاقة وعن الفائض المعلوماتي الهائل الذي لا جدوى منه.

تمثل كل سلعة جديدة تؤدي ذات الوظيفة التي تؤمنها سلعة أسبق. تمثل في حقيقتها فائضاً معلوماتياً أي أنتروبي. لقد أقدم التطور الصناعي في العقدين الأخرين على تضخيم الفائض المعلوماتي وفق هذا المعنى.إن الفائض المعلوماتي هو معلومات معاكسة. أي أنه وكما أشرنا أنتروبي, أسقط التطور الصناعي مؤخراً معيار الجودة المعلوماتية الذي تبنته الحياة عبر ملايين السنين من تطورها مكتفياً بالكم وحسب. لقد اتحد الصناعيون على مواصفات غريبة ,منها أن تبلى صناعتهم بعد فترة قصيرة بهدف الحفاظ على استمرارية إنتاجهم, بينما خاضت الحياة بعفوية وعبر ملايين السنين أقسى معاركها بغية تحقيق مبدأ مختلف تماماً هو النقل الأمين للمعلومات الأجود. تتنافى الجودة وفق نظرية المعلومات ,مع أي فائض معلوماتي مهما كان مبرره, وهي تعني فيما تعنيه تكريس الديمومة. إن الديمومة هي أسمى خاصية تناظرية ولا شك .

يرتبط الاستهلاك بالخواء النفسي والروحي والإستهلاك والأنتروبي سواء .أما النظام فيقترن بتركيز وازدياد المعلومات الجيدة. إن الخواء ليس خواء بالمعتى الحرفي للكلمة, بل هو تخزين للمعلومات السيئة وغير المفيدة. يتطلب تجميع المعلومات الجيدة ضرباً من التركيز والصفاء, في حين يلغي الإستهلاك التركيز ويشوش الصفاء وبهذا يفتقد العامل الأساسي في التفريق بين الكون الفيزيائي وبين الحياة. الإستهلاك هو الفوضى وهو المدمر للإرث المعلوماتي الهائل الذي قامت الحياة بجمعه.

لنتصور البدائل الهائلة العدد لكل سلعة استهلاكية ألا تشبه بمجموعها جزيئات الغاز المنتشرة في الحيزين الجزيئين في مثالنا الأول. لا بل إ، تلك البدائل أسواء من جزيئات الغاز في جنوحها إلى تضخيم الانتروبي, فبينما تنتشر جزيئات الغز عبر الفضاء الفيزيائي تتبعثر البدائل الإستلاكية عبر الفضاء النفسي الجمعي, هذا إلى جانب انتشارها في الفضاء الفيزيائي أيضاً, وما علينا إلا استذكار آلاف وآلاف السيارات وهي تندفع على طرقات العالم, مسكين هذا العالم, لقد أصيب بداء السيارة. السيارة ذلك السلاح الخطير.

تتحرك الصناعة المعاصرة في دائرة مفرغة مؤادها الحقيقي ازدياد الأنتروبي, خلق الحاجات الوهمية- تطوير التكنولوجيا لتلبيتها-تلويث الطبيعة نتيجة الإنتاج المتزايد-تحويل الطاقة بإيقاعات جنونية وتضخيم الأنتروبي بشكل سرطاني-البحث عن أنماط مستحدثة للطاقة- إقامة منشآت طاقية جديدة خطرة- التسويق البضاعي للمنتجات الجديدة-تصغير الإنسان وتحويله إلى هباءة أنتروبية بغمره في محيطات متفجرة من الإستهلاك-سبر ردات الفعل الإستلاكية-خلق الحاجات الوهمية, والنتيجة المتواترة على الدوام هي ازدياد الأنتروبي.

كنا قد أشرنا إلى المخ كاحتمال بالغ الضآلة في التجربة الكونية, بل احتمال معدوم تقريباً.نضيف إلى ما تقدم تعريفاً للفعل الإداري للمخ: إنه النشاط المبرمج المناهض للنزوع العام الطبيعي لازدياد الأنتروبي. نستدم من الميكانيك الكوانتي ما يدعم هذا التعريف, يقوم النشاط وفق الميكانيك الكوانتي على فعل ضئيل الإحتمال للغاية هو اجتياز الحواجز الكمونية .تفرض هذه الحقيقة جهداً كبيراً يبذله كائن المعرفة في مواجهة تيار الأنتروبي. لا غرو في أ، يكون النظام بعيد التوقع بهذه الدرجة.

أهو قدر لا مفر منه أيعقل أن تتبدد طفرة النظام لتذوي وتختفي في غياهب الفوضى. هل من سبيل إلى الصعود صوب التفاؤل بينما أمواج الأنتروبي تتلاطم من حولنا. فكتل السيارات المنتشرة أنتروبي, وما تنفثه في الغلاف الجوي الهش أنتروبي. مواد التجميل أنتروبي, وآثرارها النفسية والإجتماعية أنتروبي. لكن مهلاً لن أستطرد في هذا التعداد لئلا يتحول النص بحد ذاته إلى أنتروبي لدى استعراضه المظاهر المتعددة للأنتروبي.

وعوضاً عن الاستطراد ,نحاول لملمة أجزاء مختلفة تطيرها الأنتروبي, لنستجمع صورة الحقيقية, كون متفجر تقوده الأنتروبي وتدفعه إلى التبدد والإندثار. هناك وفي زاوية مهملة تنمو أصول نظام وترتفع متحدية فوضى نجم صغير هو الشمس.وبعيد برهة تالية تأخذ زمام المبادرة كائنات مستحدثة لتطرح أسلوباً  آخر لمواجهة الفوضى. سرعان ما يتكشف هذا الأسلوب عن أنه الوجه الباطن للفوضى. لكن تلك الكائنات تغض الطرف عن هذا الإكتشاف لتمضي قدماً في تطبيق أسلوبها إلى حد محو أصول الكائنات الأولى التي تحدث الفوضى لأول مرة. إننا نقتلع الأشجار لنعجل في انحدارنا إلى العدم  وامتزجنا بظلمة الفوضى.

ولد الأسلوب نماذج و بدائل, ووفرت له خلفية معرفية وهمية فكانت هناك ما تعرف بالفلسفات الواقعية. وغدا كل تطبيق مبرراً, وأصبح كل فرد مقرراً. لا بل لقد حدد صوغ النماذج بما يمكن تطبيقه فقط. أي انتروبي تضاف إلى أنتروبي. وفي خضم الرفض الظاهري للمصادرات, تحول الجنس البشري إلى العيش في ظل مصادرة استهوته واستحوذ ته. تقول المصادرة: إن الاقتصاد يسير الحياة يجري الإقتصاد بشكل عفوي ويتبعه الإنسان.

تحول التركيز في عصرنا إلى مجموعة كبيرة من الكائنات الأنتروبية نجد في عداد المجوعة علماء وكتاباً وشعراء. غدا هؤلاء مرجعاً لجموع البشر. فالحديث يتواتر عما يفعله العلماء وما يخطه الكتاب وما ينشده الشعراء.

يخترع العلماء نمطاً استهلاكياً جديداً أو عسكرياً خطيراً كل يوم و كل دقيقة وكل لحظة. باختصار أنهم يخلقون أوراماً أنتروبية. يجمع الكتاب ما يسمعونه في مجالس الندماء ثم يبثونه في مؤلفات خلوة من الهدف والتفسير, أخيراً يصوغ الشعراء طرائق جديدة في نظم الشعر بحجة أن الطرائق القديمة باتت عاجزة عن احتواء انفعلاتهم. أنه ليس تبدداً فيزيائياً وحسب بل هو تفجير وتذويب للبنية النفسية الفردية و  الجمعية إن أسوأ نمط من أنماط الكائنات هي كائنات الأنتروبي التي تدعي المعرفة وتصادرها عبر فعل أنتروبي صرف. يا له من ازدياد في الأنتروبي ألا يسهم التلفزيون في عصرنا بازدياد الأنتروبي!

لا توجد أزمة طاقة, لكن توجد أزمة ازدياد سرطاني في الأنتروبي. لا توجد أزمة اقتصادية بل أزمة تصاعد في القيم اللاأخلاقية. لا توجد أزمة في العلم بل هناك أزمة خطيرة في تضخم التصنيع الإستهلاكي والعسكري. لا توجد أزمة في المعرفة , بل هناك أزمة في التكرار وتناول الجزئيات وبروز ظاهرة حمقى التخصص. لا توجد أزمة في الكتابة بل هناك أزمة تتمثل بلوغ حد العشوائية في وصف الكلمات فيما يسمى كتابة. لا توجد أزمة في الشعر بل الأزمة هي تحول الجميع إلى شعراء.

هل يسقط كل شيء على خلفية هذه الصورة. يبدو أن النظام لا يزال يستذكر ذاته. لماذا لا نضيف إلى هذه الصورة لمسات أخرى كائنات معرفية تسعى وتعاني لإبداع النماذج العلمية والمعرفية بغية سبر أعمق لهذا الوجود المدهش. تبدأ تلك الكائنات في مرحلة تالية بدمج النماذج وتوحيدها لتنتقل بعد ذلك إلى مرحلة عليا تستغني فيها عن فعل النمذجة لأنه كما ذكرنا فعل يتمخض عن ازدياد في الأنتروبي. تبلغ كائنات المعرفة عند تلك المرحلة حد التخاطب المباشر مع كل الدقائق الوجودية متخطية حواجز الزمان والمكان. إنه حد التخاطر الشمولي. يوصف هذا الحد بكونه حد الجاهزية المعلوماتية المعرفية. إذا شئنا الإذعان لمبادئ الميكانيك الكوانتي ختمنا فقرتنا هذه بكلمة :ربما ومع ختام الفقرة ينتهي الفصل .

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •