الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

تربية الإبداع العلمي لدى الأطفال

المهندس    فايز فوق العادة

لا نستطيع التحدث عن موضوع على جانب كبير من الأهمية كتربية الإبداع العلمي لدى الأطفال, ولا التحدث عن أي مسألة أخرى ,بالغاً ما بلغ مداها من الأتساع أو الضيق, دون الهبوط إلى العمق في تحليل تفاصيلها واكتشاف نواظم دقائقها . وبما يسهل مهمة استخلاص النتائج وصوغ نظرية تتناول الموضوع قيد الدرس وتبقى فعالة ولو إلى حين.

يتوقف فهم مصطلح  الإبداع , ومعه مصطلح تربية الإبداع, على التصور الصحيح لآليات تعاملنا مع العالم. تقع معرفتنا للعالم على قمة الهرم الممثل لذلك التعامل, نعلم اليوم أن معرفتنا للعالم هي مهمة من الدرجة الأولى. دونها المهام الأخرى كمهمة تحويل العالم. سنتطرق في القسم الثاني من هذا البحث إلى التساؤل الكبير المتعلق بتحفيز الإبداع العلمي لدى الطفل. لكن علينا ألا نغمط الاختبار حقه, إذ يتوجب أن نكون في موقع يمكننا من كشف الأطفال المؤهلين للإبداع.

لعل القارئ قد كشف وجهة انظر نعتقد صحتها ألا وهي النظر إلى العلم كحلقة من سلسلة المحاولات الدائبة التي يبذلها الفكر الإنساني لحل الأشكال الوجودي والتي بدأت بالتخمينات والأساطير وتوجها العلم بأدائه الناجح. أما العلم التطبيقي, فله شأن آخر, انه لا يعدو كونه مهارات مهنية. وتربية الإبداع العلمي التطبيقي هي تربية مهنية صرفة لا تفرض اشتراطات مسبقة على بنية الخيال لدى الطفل أو اليافع.

يحكى أن أينشتاين- مبدع النسبية- كان ذا أداء متوسط في الفاعليات المدرية التقليدية, لكنه كان صاحب خيال خصب نابض قادر على خلق التصورات والنماذج.

ولأننا قد أخذنا على عاتقنا الابتعاد عن الأسلوب المدرسي فلن نسرد الملاحظات ولن نعدد النتائج, كما يتواتر في الأبحاث التقليدية, حيث تعرض مهام المربي في بنود مبوبة منفصلة لا ناظم لها. وغالباً ما تطلب من الدارس  مقدرات استظهارية تخبو معها أية إمكانية لقدح خياله.

نوجز فنقول: إن بحثنا يقوم على نقطتين أساسيتين: تتعلق الأولى بالمنهج المعتمد حالياً في معرفة العالم , أما الثانية فلها ارتباط بالاستعدادات الذاتية لدى الطفل التي يمكن تطويرها من جعله عالماً في إطار العلم المعرفي الذي ألمحنا إليه. إن ما سنخلص إليه ينطبق على الشاب والسن أيضاً, وسنوضح ذلك بعد قليل.

وقفة أخرى مع العلم المعرفي قبل المضي قدماً في بحثنا. اكتشف العلماء مؤخراً أن هناك قانوناً كونياً شاملاً يطال بفعله كل البنى الكونية, شأنه في ذلك شأن قانون  الجذب الثقالي. نختزل هذا القانون بالقول إن العالم الفيزيائي المتروك لشأنه سينحدر إلى الفوضى والتحلل مع مضي الوقت, وان فعلين اثنين بمقدورهما وقف الانهيار هما: التفاعل اليخضوري لدى النباتات والنشاط المعرفي للفكر الإنساني, إن للقانون المذكور خلفية فيزيائية أضيق تعرف في أدبيات الفيزياء, بمصطلح الأنتروبي, والأنتوربي تمثل الفوضى وهي تزداد على الدوام, وكان العلماء لعقد من الزمن فقط يعتقدون أن الأنتروبي سمة من سمات الجمل المحدودة المغلقة وحسب.

 سنبتعد ما أمكن عن المصطلحات التقليدية لعلم النفس, إذ أن الهدف الأول والأخير هو بناء مخيلة الطفل وإرساء القواعد الأخلاقية لديه. أما السبب في عدم تطبيقنا للمصطلحات المذكورة, فهو أن علم النفس المعاصر قد تحول من علم يعالج مشاكل انتقالية إلى علم يعزز واقعاً قائماً, تختزل المشاكل الانتقالية في الصدمة التي تمخضت عن الانتقال من مجتمعات كان فيها تكافل على نحو ما إلى مجتمعات يحيا الفرد فيها وحيداً , أو يسوغ له ذلك بحجة أن لكل دوره في الحياة. إن علم نفس الواقع القائم هو علم النفس المعاصر الذي بات يستند إلى الإحصاءات والجداول, والذي يهدف فيما يهدف إلى تطويع الذات الإنسانية واقناعها بحقيقة التفرد والوحدة إن لم يكن لسبب فلتحقيق ضمانة مديدة في استمرار دوران الآلة وتصعيد النتاج الاستهلاكي, وذلك بتطبيق آليات مختلفة. مثل فعالية الروائز في مجال الإنتاج. يتلخص دور علم النفس المعاصر بضبط الاشعور (الخافية) وأقلمته للشروط غير المعقولة المعاشة كتدمير البيئة بحجة تطبيق العلم, هذا بعد أن كانت الخافية بعداً حقيقياً للخلاص. لا غرو في غرابة مصطلحاتنا, إذ أننا نحاول مخاطبة وتحرك الخافية, ففي اعتقادنا أن تعزيز جمالياتها وتخيلاتها كفيل بإحداث انقلاب روحي لدى الإنسان ودفعه إلي الأمام في دروب التطور الحقيقي. كانت معالجة علم النفس للمشاكل الانتقالية تتم على أيدي أطباء نفسيين غدوا نجوم فترتهم. أما تعزيز الواقع القائم من المنظور النفسي, فقد أسند إلى التلفزيون الذي دخل كل بيت وبات جزءاً من شبكة عالمية يخطط لها اختصاصيون في علم النفس.

ما هو المنهج المعتمد حالياً في معرفة العالم وأين دور الخيال فيه؟ انه منهج النمذجة أي بناء النماذج العقلية. عندما يتفاعل أحدنا مع محيطه ويخاطب أقرانه:

واقع الأمر أنه يخاطب النماذج الذهنية للمحيط والأقران, إذ قلت هذا باب فما يشير إليه هو جملة من التراكيب العقلية القابعة في مخيلتي. لكن قولي لا يتعلق بالتراكيب المذكورة وحسب . فما يدفعه ويبعثه إلى الحياة تفسير يصوغه العقل على مقدمة هذه التراكيب . وأستبصره على صفحة شعوري, تشكل التراكيب العقلية مع تفسيرها ما ندعوه بالنموذج. إن الشعور بالعالم هو ضرب من النمذجة, أما الشعور بالشعور فهو معضلة لا سبيل إلى حلها على الأقل في المستقبل المنظور.

غدا منهج النمذجة قانوناً شاملاً يغطي أي تفاعل للذات مع ذاتها ومع سواها. عندما أقرر المصادرة التالية: العالم باق بعدي, فإنما أقرر نموذجاً ذا بنية فيزيائية عقلية وتفسير ذهني مهيمن. إلام ستؤول المصادرة عندما تعدم التشكيل الفيزيائي الذي تتمكن من التجمع والتحقق فيه, أعني البنية الفيزيائية للمخ, وأي معنى سيبقى لها في هذه الحالة. لنلاحظ أن المعنى بحد ذاته هو نموذج. كان اليونانيين القدماء أول من جعل من منهج النمذجة منهجاً قائماً بذاته, لكن تاريخ العالم شهد محاولات أخرى مغايرة لمعرفة العالم لم تلبث أن ذوت واضمحلت. كان من تلك المحاولات صنع النماذج الأفقية, ففي محاولتهم معرفة أحوال كوكب الزهرة ,أشاد المايا القدماء شبكة –نموذجاً من الأبنية لخصت تلك الأحوال بفتحات ونوافذ وتفاصيل معمارية _وعوضاً عن سؤال معاصر نطرحه يتعلق بوجود الكوكب في نقطة ما من مداره, كان أفاد المايا بالمقابل يكتفون بالتدقيق بمرور الكوكب في مواقع معينة من شبكتهم المعمارية. هناك طريق ثالث محتمل في معرفة العلم هو ما يمكن أن ندعوه التخلل الكوني والذي قد يحتاج إلى فيزياء مستقبلية تمكن العقل من القفز فوق حواجز المكان ولازمان , وإذ ذاك تصبح المعرفة جاهزة في كل حيز وآن . لنلاحظ أن الطرائق الثلاث في معرفة العالم تتمايز في شأن اعتمادها على الخيال , فبينما يعد الخيال مركزياً في منهج النمذجة, يضع التخلل الكوني في دوائر النسيان.

هكذا يقف الخيال شامخاً كونه صانع النماذج, وكون النماذج بمعنى من المعاني هي العالم بأسره. ذلك أن قيمة العالم في منهج النمذجة يوفرها الوعي المنذج في صوغه النظريات والآراء, بينما يهب العالم الوجود للوعي ,وما موضوعية العالم إلا نموذج في خضم من النماذج.

تقوم النمذجة على اكتشاف للعالم خاص بنا , وليس على معرفة العالم كما هو. إن هذه الموضوعة بالغة الأهمية فيما سيلي من بحث. قد يمكن التخلل الكوني من معرفة العالم كما هو. إن للتخلل الكوني_ كمنهج_ ركائزه المعاصرة. نعلم مثلاً أن عدم التمايز وضياع الهوية في عالم الصغائر يجعل المعرفة وجيزاَ متواتراً مكرراً, لكننا نجهل الآلية التي تصل الأشياء المكررة, كما نعدم الوسيلة التي تدمجنا في كل موحد مع ذلك المتصل حيث كل شيء موجود في كل شيء آخر. إن المعرفة النموذج هي معرفة خاصة بنا, فعندما نلم بحقيقة كره أحد الأشخاص للمزاح إنما نخلق صورتنا الذهنية الخاصة ونتحاشى على أساسها المزاح مع الشخص المعني من خلال تحاشي المزاح مع الشخص النموذج.

هذه هي النقطة الأساسية الأولى ,لكنها تتغلغل في مدى النقطة الثانية. فأنى لأي منا أن يتصور ما قد يكون عليه الطفل من حال نفسي, ما لم يستجر صور طفولته إلى الحاضر, تلك الصور التي هي نماذج طفولية بكل ما في الكلمة من معنى. أرى أن هذه النماذج ذات أهمية قصوى, فانتقال الباحث إلى أطرها يمكنه من وضع نفسه مكان الطفل واستكشاف ما يتوجب عمله إذ ذاك. لا أقصد هنا الاستبطان في المعرفة النفسية, لكنني أحاول خلق نمط من النظريات والموضوعات النفسية قائم على استشعار واستشفاف الحالة المعاشة للنموذج, ولا تفهم تلك الحالة على أساس نمذجتها بالاستناد إلى النموذج المذكور. يتجسد الاستشعار والاستشفاف المشار أليهما بحزن يلم بنا لألم فيزيائي حل بآخر, لأننا نعرف طعم ذلك الألم. و ما بكاؤنا في موت عزيز إلا لجهلنا حالة الموت الغامضة التي سنبلغها دون استشعار مسبق لما قد تكون عليه, كما نفقد التصور الذهني لمعايشتنا لتلك الحالة القادمة بلا ريب.

مهما يكن من أنر, إن ارتحال الباحث إلى طفولته, نحو البدء, لا يكفي من وجهة نظرنا لتحسس الطفولة كما يجب. فتح القياس لنا الباب على مصراعيه أمام رأب هذا الصدع في مسلسل أفكارنا. إن القياس آلية أساسية من آليات صوغ النظريات والآراء, ويمتد فعله على طيف واسع يضم كل المسائل الاجتماعية والعلمية وسواها. إن المجال غير مناسب هنا لعرض القياس في العلم, غير أننا نؤكد أن النموذج الأحدث ما هو إلى توليد واستكمال لنموذج أقدم يتمان بفعل القياس. وما شأن القياس في بحثنا. الأمر بسيط. إن كان الطفل طفلاً لضيق عالمه وان كان الطفل طفلاً لسذاجة استجابته الاجتماعية, فان نسبية ضيق العوالم وانعدام التعريف المطلق للسذاجة يجعلن منا أطفالاً بمعنى من المعاني. إن كان البيت والألعاب هي عالم الطفل فالأرض والنجوم هي عالمنا .والمقياس هنا ما هو إلا نسبة رياضية محضة. إننا ندمر البيئة بحجة تطوير العالم لكن تدمير البيئة قد ينفي الحياة. أليس نفي الحياة سذاجة ولعله السذاجة بكليتها.

إذا أخلصنا للحقيقة في بحثنا فعلينا نزع الأقنعة عن أحوالنا الطفولية الراهنة ومعايشتها بصدق وحميمية. لا بد من ذلك في محاولة تربية الإبداع لدى الطفل القابع في كل ذات من ذواتنا.

يدهش الطفل لما يراه في مرحلة أولى. هنا يختلف الأطفال في ردود أفعالهم إزاء الدهشة. فقد تذوي وتندثر الدهشة, وقد تتفاعل وتكمن لتتعضد بعد ئذ مع دهشة ثانية وأخرى تالية. إن اندثار الدهشة ليس اندثاراً كلياً لكنه يتناسب عكساَ مع استجابة الطفل الصغير, أو الطفل الكبير في مرحلة لاحقة, ومع شدة تلك الاستجابة بشكل خاص. وكي نحدد بحثنا في عبارات كمية لابد من وحدة قياس نتبناها لمعايرة الاستجابة المذكورة, هذا إلى جانب حرصنا على الصيغ الكيفية التي تغطي هذه الاستجابة, أما وحدة القياس فهي عرض .....

...وامتداد العالم الذي يتسع على الدوام اثر أية استجابة للطفل, في حين أن المعاناة الجمالية هي في مقدمة الصيغ الكيفية المحركة والدافعة للاستجابة. تختزل الاستجابة في طلب التفسير والسعي إليه .إن النشاط المهني ما هو إلا تصعيد لفشل جزئي أو كلي في حيازة التفسير. وما يحدث في نطاق النشاط المهني هو استجرار تفاسير سابقة وتطبيقها. يصعد المستجر هنا حقيقة جلبه تفسير للآخر بتطبيقه المهني للتفسير. كما لو أن ذلك التطبيق هو أصل التفسير. لنلاحظ أن التطبيق يقترن بغياب الدهشة. لا تندرج في قائمة تطبيقات النشاطات العلمية التي تسهم في توسيع العالم كبناء المركبات الفضائية واستحداث الأجهزة بهدف الكشف عن مكنونات الوراثة.

إن لكل تفسير تفسيراً آخر أعم وأصح .هذا هو مبدأ طفولي فاعل وشامل وهو حجر الزاوية في منهج النمذجة. انه القاسم المشترك الذي يجعل من الأطفال أطفالاً ومن الكبار أطفالاً على حد سواء يقودنا منهج النمذجة إلى رؤية جديدة للتاريخ على مساس كبير ببحثنا, فالتاريخ ليس سلسلة مستمرة من الأحداث, انه انتقال من طور إلى طور. تشب الإنسانية لدى مغادرتها الطور الأسبق عن طوق الطفولة في إشكال معين  لتلج حالة طفولية أخرى ضمن إشكال آخر. نسوق مثلاً من تاريخ العلوم. كانت الصواعق تدهش كل الأطفال من الكبار والصغار. واستطاع أولئك الذين عمرت الدهشة أفئدتهم الخروج بالتاريخ من مرحلة الطفولة الكهرطيسية. ذلك الخروج الذي تمثل بقنونة الكهرطيسية إلى مرحلة الطفولة النووية . هكذا فللنوع الإنساني طفولته المستمرة. مثلما للفرد طفولته المستمرة. لقد ثبت أن بعض الأحلام تشتق من طفولة الفرع الإنساني.

إن الدهشة وانفعال الدهشة شرطان لازمان للإبداع , سواء أكانت تلك الدهشة بسبب ظاهرة فيزيائية أو ظاهرة عقلية صرفة مثل الرياضيات المجردة.

ما هي الدهشة وكيف تحدث ؟ إن الدهشة, أولاً وأخيراً هي انفعال جمالي. ألا تتذوق في موسيقى العظماء ولوحات المشاهير مساحات جمالية نستشف منها الدهشة المتأججة في صدورهم. إن الدهشة المحددة بموضوع معين في القضايا المعرفية تقابل عند هؤلاء بدهشة سديمية شاملة وغير محددة. كذلك شأن الفارق بين التفسير المعرفي والتفسير الموسيقي. فالأول محدد ومركز. والثاني  متلاطم متصل هذا إلى أن كل منهما يخلق دهشة جديدة.

تتفتق الدهشة عن معاناة جمالية تتجسد لدى الموسيقى بإبداع عمل موسيقي مستحدث, ولدى العالم بصوغ نظرية جديدة. إذن هو مسلسل المعرفة, دهشة فانفعال جمالي فدهشة أخرى وهكذا.

إن الدهشة الغامرة هي لارتباط الداخلي المناظر للمجهول المتربص في الخارج. ولعلنا ندهش لأن ما نعرفه هو مجهول بحد ذاته , ففي العم ننطلق مما هو غير معروف. وأكثر القضايا إشكالية هي القضايا الغير معروفة.

علينا ألا نستنكر ما تفعله الدهشة, سواء نجم عنها عمل طفولي متهور لكسر أغلال الجهل والبحث عن تفسير, أو أدت إلى خيالات جامحة ورؤى غريبة وافتراضات مفارقة. ففي نطاق الدهشة يصنف كل ما يحدث في إطار ما هو طبيعي ومقبول وما عداه ليس طبيعياً ولا مقبولاً.

ندرج ما تقدم في نطاق الاستبطان الموضوعي حيث يبحث الدارس أحوله الداخلية ويجعلها مادة لبحث موضوعي. تتطلب هذه الآلية حداً أدنى من المصداقية شأنها شأن عناصر الطفولة الأخرى ,تتوفر بنسبة طفولية متباينة لدى الأطفال الصغار ولدى الأطفال الكبار. علينا أن نقر ونعترف بأن نسب تدني المصداقية لدى الأطفال الكبار , آخذة في الازدياد. يبرز هنا دور المربي الحقيقي الذي يسعى إلى كبح هذا الازدياد خاصة لدى الأطفال الصغار. إن برنامجناً لتنمية الإبداع العلمي لدى الأطفال يجب أن يؤسس على ما قدمنا من أفكار.

نتعلم بعد أن نشب عن طوق الطفولة التقليدية. أن وعي الأنسان الفرد ينمو ويتسع مع تطور القدرات الادراكية وتراكم المعارف المحصلة, لكنني أرى أن ما يحصل هو العكس تماماً , فعوضاً عن تصور وعي جبني يكبر ويتمدد في عالم أسبق بوجوده وثبات خصائصه, أطرح نموذجاً مغايراً حجر زاوية فيه وعي يشق طريقه في عالم محدد وضيق, ويأخذ بتوسعه وتضخيمه ما دام الوعي نابضاً بالحياة. إن  عودة سريعة إلى عالم الطفولة توفر لنا ما يؤيد هذا النموذج...  فمركز العالم هو أنا الطفا. وكل اكتشاف جديد ما هو فلا مردود جهد بذله الطفل ليضاف إلى لبنات العالم الذي يشاد تدريجياً حول المركز المذكور. حري بنا أن نعترف بمركزية كل منا في هذا العلم, على الأقل في حواتنا الداخلية. وان كنا لا نجرؤ على مثل هذا الاعتراف , وان أتى صامتاً. يتكافأ النموذجان من الوجهة الفيزيائية, نموذج وعي يكبر في عالم معطى, ونموذج في عالم متوسع في مرآة وعي مركزي.ٍ

لقد خلصنا للتو إلى قناعة مفادها أن العالم, تعريفاً هو مجموعة النماذج, وان التطور ما هو إلا إضافات جديدة إلى هذه المجموعة وصقل عناصرها السابقة, إلا يعني ذلك أن الانتقال من الطفولة إلى الشباب هو في واقعه توسع للعالم حول وعي مركزي كما ذكرنا؟ تأيد وجهة نظرنا هذه بالماحة فلسفية مفادها أن العالم توسع النماذج. يعكس ويجسد محاولة العالم فهم ذاته.

إذا كانت هذه الآلية فعالة بقوة لدى طفل معين في إطار محاولته اكتشاف واستشفاف العالم فعلى المربي دعمها بكل الوسائل. إن خيطاً دقيقاً يفصل بين هذا المنظور للعالم وبين الأنانية, وهناك احتمال غير ضئيل في أن تنقلب المركزية إلى أنانية . تفصل هذا الأمر وتحسمه القناعة المتنامية لدى الطفل الكبير أو الصغير, بضرورة توسيع العالم. تلك الضرورة التي تترجم إلى مرادفات لغوية أبسط على النحو التالي: علينا أن نعرف العالم لأن ما يميزنا هو حقيقة أننا كائنات المعرفة باختصار :إن توسع العالم حول وعي مركزي لا يعني إطلاقا احتواء العالم في بوتقة الأنانية المحدودة .

لا يمكن للمربي أن يدعم أحولاً نفسية مشابهة لدى الأطفال الذين لا تمضي بهم ظاهرة الدهشة إلى حدود خلق الانفعال الجمالي الدائم بما يؤمن توليداً مستمراً لتساؤل من تساؤل ولتساؤل من الإجابة . فهذا النمط من الانفعال وحد ه كفيل  منع الانحدار إلى الأنانية. من هنا كان على المربي أن ينتبه للفروق الفردية بين الأطفال. إن إغفال هذا الأمر قد يقضي بوجود أنماط من علماء مهنين تعودنا عليهم في عصرنا, فهم يسهمون بتصنيع كل ما قد يؤدي إلى إفناء الجنس البشري من أدوات الحرب والاستهلاك.

أما الأطفال ذوو العوالم الداخلية الواسعة فهم الأجدر بالاهتمام والتبني, ذلك أن الحيز الأكبر يتسع لنماذج أكثر وأعمق. ترفد السذاجة الطفولية العالم الداخلي الواسع بنماذج مفارقة. ونقصد السذاجة الطفولية هنا ما تلصق به المصادرات الاجتماعية سمة السذاجة . بينما تلك المصادرات ساذجة على صعيد آخر .قيل لأنيشتاين إن ما أبدعه يعتبر مستحلاً في سياق الاعتياد, فأجاب: لو تجاوز الطفل في داخلي سن طفولته لاكتشفت الاستحالة ولما كانت هناك نظرية النسبية, كان الطفل- أينشتاين يوسع العالم على هواه وأتحفنا بإبداعاته العظيمة.

ومن المصادفات الملفتة للنظر أن هذه النظرية نقلت الإنسانية من مرحلة الطفولة الأرضية إلى مرحلة الطفولة الكونية. فبفضل النسبية توسع الكون إلى أضعاف المسافات التي كان يفترضها علماء القرن التاسع عشر, وتحول الكون إلى التمدد بعد أن كان مستقراً من منظور سكون أزلي أبدي. كل ذلك لأن طفلاً بعالم داخلي واسع أبى إلا أن يوسع العالم.

ما ذا لو لقنا طفلاً من نوعية مشابهة أنه مجرد وعي ضيق في عالم مترام. قد يصاب هذا الطفل بالإحباط وقد يحجم عن الإبداع على العكس ,ربما لو حاولنا تحفيز هذا الطفل المعني بتنبيه إلى سعة عالمه الداخلي وضيق العالم من حوله, سيحاول الطفل بشتى الوسائل توسيع العالم مستخدماً الآلية التي أشرنا إليها ألا وهي  نمذجة العالم. تقع على عاتق المربي هنا مهام شاقة, منها الفرز الدقيق لهذا النمط من الأطفال واكتشاف الطرائق الناجعة لدفعهم إلي جهة توسيع العالم. وقد يحتاج الأمر  إلى جهود مؤسسات.

في عالم واسع رحيب, كعالم الطفل, تلعب البساطة دوراً مركزياً في عمليات النمذجة. نشير هنا إلى تقاطع حقيقتين: الحقيقة الأولى هي بساطة عالم الطفل والثانية هي بساطة المعرفة, يسعى الطفل إلى التفسير الأبسط بأبسط الوسائل, قد تكون مصادفة كبيرة أن هذا المنهج في السعي قد غدا معياراً أساسياً في تقديم النظريات العلمية فلو نجحت, وعلى قدم مساواة عدة نظريات في تفسير ظاهرة كانت النظرية الأبسط هي النظرية الأصح.

إن العالم الموهوب هو بحق ذاك الذي  تتراكم المعارف العلمية في وعاء بساطته,وهو الطفل الكبير الذي بقيت بساطته كما  هي. لا أرى هنا زيف الكبار ضرباً من التعقيد, بل نمطاً من أنماط السذاجة يستجر الرثاء, ففي ظل الزيف الاجتماعي يتحول الإخلاص للحقيقة إلى نكران للوجود, وينتزع الهم الوجودي من دائرته الطبيعية: دائرة البساطة, ليلبس حلة هم آخر هو الهم بالتعجيل في التسارع نحو النهاية, تفعل البساطة الباقية لدى الطفل الكبير فعلها, فتحاول تعليقه بملاذ يبعده عن الهاوية, انه ملاذ المعرفة وهو خير ملاذ.

تلتقي عناصر بحثنا الآن :العالم المتسع البساطة والملاذ.

إن هذه المصطلحات الغريبة نوعاً, هي برأيي مصطلحات رئيسية لأي منهج تربوي يهدف إلى  فرز النخبة القادرة على توسيع النماذج الوجودية والتي يمكن أن يلقب أفرادها بناة العالم. نطرح بقوة الفكرة التالية: ليست المعرفة مدينة للعالم الموضوعي إنها مدينة لتلك الأداة الخلاقة الحية والكامنة في أعماق كل منا: أداة التخيل والصوغ والاندهاش. من هنا كانت ضرورة تحفيز الأفكار الخارجة عن الإيقاع الاجتماعي, وذلك أن المعرفة العلمية باتت نمطاً اجتماعياً وفي هذا ما فيه من الخطر.

تقوم المجتمعات الإنسانية الآن بفعل المصادرة على أية فكرة لا تصب في قناة الاستهلاك, ما العلم في التعريف المعاصر إلا علاقات و نظم بمقدورها تكرار ونشر الأشكال الاستهلاكية. ما أشبه اليوم بلأمس حينما كانت المجتمعات تصادر أيضاً على المسيرة المعرفية العلمية.

إن الغرائب الطفولية هي دنيا كاملة من نماذج محتملة, والمربي الناجح هو الذي يستطيع وضع اليد على الخيوط الواصلة لتلك  الغرائب.

أوكد, وفق ما تقدم أن هناك تفكيراً علمياً وآخر غير علمي, عندما يشب الطفل عن الطوق يصبح الأمر نسبياً محضاً, فعملية الفكرة تتحدد بمدى نموذج معين لا بالتجربة الحسية المباشرة, فلو قلنا إن الشمس تكسف لأن تنيناً يبتلعها, لأثبتت التجربة ذلك .إذ قرع الطبول سرعان ما يخيف لتنين الذي يطلق الشمس ويولي هارباً, إن النموذج الآخر للكسوف القائم على توسط القمر بين الأرض و الشمس كان ذا مدى أوسع من نموذج التنين, على الرغم من بقائه ردحاً طويلاً من الزمن مستنداً إلى التجربة العقلية الصرفة. إن فشل التجربة الحسية في هذا المثال يؤدي إلى استنتاج مفاده إن التجربة الحسية ليست إلا مراناً للخيال وحسب. يعتمد المدى عوامل عدة منها: العالم المتسع, التخييل الخلاق الجنوح نحو الأبسط وسواها من المقومات الطفولية.

ليس العلم منهج مصادرات, انه أسلوب نمذجة وحسب. في كل نموذج هامش للتشكيك. وطالما أن الدهشة هي عمادنا. نذكر أن الشك يطال أكثر الأنماط العلمية صلادة ألا وهو نمط الرياضيات.

ففي الثلاثينيات من هذا القرن, برهن جودل أن أي منظومة من الموضوعات الرياضية, تبقى قاصرة عن برهان بعض القضايا, وأن توسيع المنظومة الموضوعاتية بزيادة عدة موضوعات فيها سيوفر برهاناً للقضايا العالقة لكنه سيخلق قضايا أخرى تعجز المنظومة الجديدة عن برهانها وما هو أخطر من ذلك أن أسلوب التوسع المستمر للموضوعات سيؤدي إلى حالة من الريبة بشأن المنظومة بأسرها .يا للدهشة؟ إن الرياضيات ليس منهجاً حتمياً في معرفة العالم, بل إن الرياضيات لا شأن لها بالعالم الواقعي ,إنها خلق عقلي محض, يعتمد الخيال أولاً وأخيراً, وان دل عمل جودل على شيء فإنما يدل على ضرورة البحث عن أنماط ونماذج مستحدثة على الدوام. قد يتجاوز بعضها الرياضيات في يوم من الأيام.

لكننا , نحن الأطفال الكبار, يجب أل نحبط بسبب ذلك ,كما يفترض فينا منع إحباط الأطفال الصغار لنفس السبب. فطالما أن العالم هو نماذج , فعلينا توقع نموذج الريبة في المحيط المتلاطم من النماذج. إن النظر إلى الريبة على أنها مجرد نموذج سيبعدنا ويبعد الأطفال الصغار على حد سواء عن دائرة  الإحباط لنعود ويعود الأطفال المبدعون إلى خانة مواجهة جهلنا للعالم بصوغ مزيد من النماذج له.

نتساءل عند هذه المرحلة عن دور التحليل والتركيب والتجريد في تنمية الإبداع العلمي لدى الأطفال. يتسق التحليل والتركيب من جهة أخرى في سيق البحث العلمي الضيق والمؤطر. يعكس هذا الاتساق مبدأ السببية كما نفهمه من المنظور الأرضي. على أننا بتنا نعرف اليوم أن مبدأ السببية يستبدل على الصعيد الكوني, بمفهوم الاتصال, فكل شيء موجود في كل شيء آخر, وليس هناك ما يسوغ افتراض السببية في تبادل الأفعال. لا يبقى مفهوم الاتصال, من ثلاثية التحليل والتركيب والتجريد, إلا على المصطلح الأخير أي التجريد. إن التجريد فعل حدسي وكل حدس لا بد له من قاعدة إثبات خصبة تربتها الخيال. نعود بذلك إلى آليات بحثنا: الخيال الخلاق ومولد النماذج, وليس التحليل والتركيب, هو المعطى الأول لانتقاء الأطفال من بناة العوالم ودفعهم لاشارة ما يحلو لهم من أكوان.

والدهشة ,مرة أخرى لفيزياء القرن العشرين التي يضع أحد فروعها الأسباب جانباً, ليصور العالم في حالات, وما هذا الفرع إلا الميكانيك الكوانتي.

العالم في الميكانيك الكوانتي احتمالي, وليس حتمياً, كما أن انتقاله من حالة إلى أخرى لا يتأتي  عن سبب أو جملة من الأسباب, بل أنه متروك للاحتمال. مزيد من الدهشة.. إن كل ما نتعم به من الإلكترونيات في حياتنا المعاصرة مدين للميكنيك الكوانتي.

تتحدد هويتنا بالإبحار في محيط النماذج, باختصار إننا كائنات المعرفة, تكفل هذه الحقيقة ملء حبعتنا بما شئنا من أفكار مفارقة, لا بل البحث عنها في رؤى الأطفال الموهوبين. يمثل التجريد الحرية المطلقة للفكر الإنساني, وما الخيال إلا هذه الحرية أثناء  الفعل.

أعرف الإبداع في إطار هذا البحث بالمقدرة على صوغ مزيد من النماذح المعرفة للعالم, أي الكفاءة والفاعلية لتوسيع العالم, كما أسلفنا لكن الدهشة هي وقود الإبداع وعملية التعليم التي لا تتغلغل الدهشة في ثناياها, هي أشبه بصحراء قاحلة  لا تنبت و لا تزهو. ليس من شأن المربي أن يحدث حالة من الدهشة بهدف إحداثها وحسب بل لا بد من تصعيد هذه الحالة إلى سوية المعاناة المعرفية, تلك المعاناة التي تؤرق المفكر الموهوب في كل لحظة وبرهة وثانية, والتي لا ثيجد حلاً لها إلا في طباق من النماذج قد يريحه ولو إلى حين لكن سرعان ما يعود المفكر إلى حيز آخر من الدهشة والمعاناة ,وهكذا دواليك.

إن الطفل الذي ينطلق بسرعة من الدهشة إلى المعاناة هو طفل واعد, وأهل لدخول نادي بناة العوالم, قد لا تتوقف تربية الإبداع العلمي لدى الأطفال على زيادة حصص العلوم. بل قد يكون من الأجدى التركيز على إثارة دهشتهم. إن من البديهيات  سان ينتقى المربون في هذه الأحوال, ممن يمتلكون حدوداً دنيا من الدهشة والمعاناة, نلخص المعاناة المعرفية بالقول :أنها الحالة التي يطرح صاحبها من خلالها فيضاً من التساؤلات أما ذاته ليظفر بكم محدود من الإجابات. تتقاطع الطفولة مع حب المعرفة عند هذا التعريف للمعاناة. يتوجب على المربي تثمين المثابرة أمام أعين الأطفال الموهوبين, إن المثابرة سمة ذاتية لا بد من توفرها لحل المعاناة في طباق من النماذج قبل توسيع تلك المعاناة. ومن غير الطفل الموهوب يستطع ذلك دون أن يأبه بالمصادرات الاجتماعية. انه العالم الذي كبر وبقي طفلاً.

ماذا لو راجعنا البحث هذا بدغم مصطلحاته كتوسيع العالم والنمذجة والتجريد وسواها؟

إن مركزية الوعي فعالة أيما فاعلية في توسيع العالم, تنفصل الحدود وفق ما قدمنا بين الذات والموضوع, فطالما أن العالم نماذج, وان النماذج آخذة في التوسع, يصبح الموضوع جزءاً لا يتجزأ من الذات, هذا إلى أن الذات في واقعها جزء من الموضوع كما يفيدنا نموذج آخر. إن التغذية الراجعة بين هذين النموذجين تكفل اللحمة بين الذات والموضوع.ما من قانون علمي له وجود عياني, فكل ما يحدث من تشابك لمكونات العالم وما ينجم من نظريات إن هو إلا تشابك للنماذج يولد نماذج جديدة, أما انطباق النماذج في العالم الفعلي فهو نمط من أنماط التفسير, فالشمس والأرض لا تعقدان اجتماعاً لتداول الأحوال والإذعان لحقيقة وجود قانون الجذب الثقالي, ومن ثم الامتثال له.ما يحدث أننا نفسر تجاذبهما على أساس نموذج القانون المذكور. نذكر في هذا السياق أن مشهد العالم لدى الدلفين لا حواف فيه فهو جملة من الانحناء آت. ول ندري بالضبط فيما لو استطاع الدلفين تطوير منظومة رياضية, أكان من الممكن أن تضم هذه المنظومة مثلثاً أو مربعاً؟

لعل هناك عوالم متعددة, عالم خاص بكل صنف من الكائنات, بل لعل هناك أكواناً متعددة تتماس دون أن تتكاشف كما يؤكد الميكانيك الكوانتي, ويخص كل كون بنتيجة التجربة أي بنمط من أنماط النماذج.

لا انفصال بين مصطلحي  التجريد وتوسيع العالم, إن تصور المصطلح الأخير في دائرة الفعل أكثر إرضاء للذات. من هنا كان هذا المصطلح طبيعياً جداً بالمقارنة مع نقيضه مصطلح توسيع الوعي. كان اقليدس طفلاً في معرفته لذاته, فقد تصور أن موضوعات هندسته هي حقائق ثابتة عن العالم الفيزيائي, وما درى أن تلك الموضوعات ما هي فلا نماذج مجردة في إطار نشاط عقلي. كانت محيرة اقليدس الموضوعة الخامسة التي تنص على أنه من نقطة خارجة من المستقيم لا يمكن إنشاء أكثر من مواز واحد لذلك المستقيم. تطلب الأمر مرور أكثر من ألفي سنة لاثبات أن الرياضيات هي نظم مجردة تنطوي على توسيع العالم من منظور الطفولة الإنسانية

استبدل لوباتشفسكي, في مطلع القرن التاسع عشر الموضوعة الخامسة بموضوعة أخرى مفادها أنه من نقطة خارجة عن المستقيم يمكن إنشاء أكثر من موازي لذلك المستقيم. وبعده بربع قرن طرح ريمان بديلاً آخر يفيد أنه من نقطة خارجة عن المستقيم لا يمكن إنشاء أي مواز لهذا المستقيم. تبين بذلك أن الرياضيات ما هي إلا نظام تجريدي شانه شأن كل النماذج التي يقوم العل الإنساني بنحتها. كما تبين بولادة نموذجي لوتشفسكي وريمان, أن توسيع العالم هو نتيجة لتكثير النماذج, ولا غرو في أن تكون نسبية اينشاتين التي وسعت العالم قد اعتمدت الهندسة اللااقليدية, مرة أخرى, إن هذا التوسع هو تجربة ذهنية صرفة.

يشترط الرياضيون المعاصرون في أية منظومة رياضية شرطي الاتساق والاقتصاد, وفيما عدا ذلك إننا أحرار فيما نشيد من نظم رياضية. يعني الاتساق إلا تقضي الموضوعات إلى نظرية ونقيضها, في حين يفرض الاقتصاد عدم إمكانية استنتاج بعض الموضوعات من بعضها الآخر. تؤكد لنل الرياضيات المعاصرة أن اتساق موضوعات اقليدس وانطباقها على مجموعة معينة يرتبطان ارتباطاً وثيقاً باتساق موضوعات لوباتشفسكي وانطباقها على مجموعة أخرى .

لقد تراكم من الأفكار في بحثنا ما يمكننا الآن من الإبحار بعيداً, وصولاً إلى ما نصطلح على تسميته بطابع النمذجة. إن نماذجنا بصرية الطابع, ولهذه الحقيقة خلفيتها المحددة. لقد طورت الحياة أكثر من أربعين نموذجاً للعين خلال تاريخها الطويل فبات حديثنا عن أي نموذج حديثاً بصرياً من ذلك قولنا: دعنا نتصور كيف تدور الأرض حول الشمس وتصور ما قاله فلان, وغير ذلك , انتصور ونقول هنا لنتصور, كائنات أخرى في أصقاع كونية بعيدة تعتمد حاسة الشم لبناء نماذجها, بكلمة أخرى ستكون نماذج تلك الكائنات نماذج شمية الطابع, إن الحوار بيننا وبينها سيكون بلا شك حوار طرشان, أوردنا هذا التصوير في إطار إثبات وجهة نظرنا القائلة أن العالم هو مجموعة نماذج وان دورنا البصري الخلاق ودورهم الشمي الخلاق ودور سواهم الخلاق على صعيد آخر هو الذي يضفي القيمة على العالم بل لعله صانع العالم.

يهدف الاتصال بين الأفراد الصاعين لطابع معين من النماذج إلى الاتفاق على ما هو صحيح وما هو غير صحيح في تلك النماذج, تعني النمذجة فيما تعنيه عدم وجود نماذج نهائية لكن ذاك لا يعني بحال من الأحوال طبع النمذجة بطابع آلي كما يحدث اليوم في مصادرة البحث العلمي, فأهم أسلوب للبحث وفق دراستنا هذه هو أسلوب بناء الأخيلة الذي يعتمد الحدس أساساً. إن صناعة النماذج ليست دوامة ولا حلقة مفرغة. أعتقد أن هذه الصناعة لا بد ستصل بصانعيها حد التخلل الكوني الذي أشرنا إليه في مقدمة هذه الدراسة.

إن البحث عن الند والتطلع إلى الخلاص هما من أصول الطفولة. بما في ذلك الطفولة الإنسانية. من هنا كان نموذج الأطباق الطائرة تلك الأطباق التي قد تصل لحظة بلوغ العالم حافة الهاوية ..

أشير إلى الطابع النفسي العميق للفقرة الأخيرة, وأضيف في نهاية  هذه الدراسة اقتراحاً مفاده تغيير دلائل علم النفس. و إعادة صياغتها على أساس علاقة الذات بالنموذج.

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •