الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

تأمُّلات في العلم والطبيعة 

ديمتري أفييرينوس

 

أن نكون يعني أن نكون على علاقة.

كريشنامورتي

 

كان يا ما كان في سالف العصر والأوان، في بلاد الهند، راجا (ملك) أصابه غمٌّ شديد من خشونة الأرض تحت أقدام رعاياه الطرية. فما عتم أن أمر بتغطية أراضي مملكته قاطبة بجلود الحيوان! ما كان من بعض وزرائه الحكماء عندئذٍ إلا أن أشار عليه أن بالمستطاع الحصول على النتيجة عينها، بكل بساطة، باقتطاع أسيار صغيرة من الجلد يمكن تثبيتها حول القدمين. وبذلك عرف الإنسان، للمرة الأولى، استخدام النعل!

ليس المغزى عند الهندوسي من هذه القصة الطريفة إظهار البراعة التقنية؛ بل إنها بالحري أمثولة تشي بموقفين مختلفين حيال العالم، يقابلان بالدقة نمطين ثقافيين متمايزين، هما: النمط المنقول (أو الموروث) traditional والنمط التقدمي progressive. وفي هذه الأمثولة، على الأقل، نلحظ أن الحلَّ الأبرع من الوجهة التقنية يمثل وجهة نظر المنقول الذي يرى أن من الأيسر على الإنسان، والأوفر حكمة، أن يتكيف مع الطبيعة من أن يسخِّرها لتلبية حاجاته ورغباته تلبية عمياء. ولعل في هذا ما يهوِّن علينا فهم أحد الأسباب التي لم يتطور من جرائها العلم والتكنولوجيا في الشرق الآسيوي، شأنهما في الغرب.

يتواضع أهل الغرب "التقدميون" على عزو قلة اكتراث الآسيويين النسبية حيال السيطرة التقنية على الطبيعة إلى خمول ناجم عن العيش في المناطق المدارية، أو حتى إلى غياب يرثى له للوعي الاجتماعي (بالمفهوم الغربي للمصطلح). والحق أن من أيسر المخارج على الفكر المكبَّل بأحكامه المسبقة الزعمَ أن الخبرة الروحية، المنصرفة إلى حلول جَوَّانية أكثر منها برانية لمشكلة الألم، تشجِّع على قساوة القلب أمام الجوع والمرض والظلم؛ وأهون من ذلك أيضاً القول بأن الخبرات الروحية حِيَلٌ "بورجوازية" لاستغلال الفقراء والاستئثار دونهم بخيرات الدنيا. بيد أنه ليس بمثل هذه السهولة، ربما، التفطُّن إلى أن حَمْل "ملعوني الأرض" (التعبير لفرانتس فانون) على تشهِّي الخيرات المادية، وجعل السعادة تلتبس في نظرهم إما بتغيير علاقات الإنتاج وإما بالاستهلاك المحموم، لهو أيضاً من قبيل استغلالهم سواء بسواء. إن القدرة على تغيير شكل الطبيعة، أو على اجتراح المعجزات، يقنِّع واقع أن الألم مفهوم نسبي، وأن السعادة الحقَّة مرهونة قبل كل شيء بمعرفة النفس ومعرفة العالم وبتقديس جمالهما، وليس بالتغيير الذي لا يجد تبريره إلا في ذاته – الأمر الذي يُغرِق الإنسان كل يوم في هموم جديدة تلهيه عن الهمِّ الوجودي الأساسي وتغيِّبه.

إن اجتهاد الغرب في تغيير وجه الطبيعة بالعلم والتكنولوجيا يضرب بجذوره في الكونيَّات (=الكوسمولوجيا) السياسية للكنائس المسيحية الرسمية في الغرب – وهي مؤسسات دنيوية بكل معنى الكلمة، وتختلف عن مسيحية الخبرة الداخلية اختلافاً جذرياً. والمنافحة الكنسية اليوم عن العقائد المسيحية التقليدية، على الرغم من النزاعات الضارية التي نشبت بين العلم الوليد والكنيسة (لم تُبرَّأ ساحة غاليليه إلا مؤخراً كما هو معلوم!)، ما تزال برمَّتها قائمة على التذكير بأن العلم، بالمفهوم الحديث، نشأ وترعرع في سياق تاريخي يهودي–مسيحي. لقد وقع النزاع بين الكنيسة والعلم لسبب أصيل هو أن كليهما يتكلم اللغة نفسها ويتناول بالدرس العالَم نفسه – عالم الوقائع. إن تخلي العلم، من ناحية، عن كونيات cosmology بطليموس التي تبنَّتها الكنيسة وفهمتْها فهماً حرفياً، والتي لم يستوعِ أبعادَها الرامزة إلى مراتب الوجود الكوني إلا الصوفيون المتحقِّقون بالخبرة الداخلية، – هذا التخلِّي، نقول، لم يَعْنِ تخلِّيه (أي العلم) عن نظرتها (أي الكنيسة) إلى العالم كجملة وقائع، وعَنِي تجاهلَه – شأنه شأن الكنيسة على حدٍّ سواء – أهمية الحقيقة الروحية أو النفسية التي تنطوي عليها هذه الكونيات. وإن ادعاء الكنائس المسيحية الرسمية، من ناحية ثانية، حصر الحقيقة فيها ليسير يداً بيد مع إصرارها على "واقعية" أحداث تاريخية معيَّنة.

أما الموروثات الروحية الأخرى، خارج سلك التوحيد، فإن للوقائع التاريخية فيها – على أهميتها – قيمة ثانوية بالقياس إلى القيمة الرمزية أي الروحية. على غير ذلك، خلع اللاهوت اليهودي–المسيحي التقليدي صفة "الجوهرية" على الواقعتين الجسمانيتين – حصراً – لقيامة المسيح وولادته من عذراء، ضارباً كشحاً عن رمزيتهما الباطنية والنفسانية الرفيعة. حتى الألوهة نفسها في الموروث اليهودي–المسيحي تتمتع بتلك الخاصية "الموضوعية" التي لا تتزعزع والتي تذكِّرنا بها "مقاومة الوقائع" المتمثِّلة بخرق نواميس الطبيعة – كأنْ يستجيب الربُّ (يهوه) لقائد بني إسرائيل يشوع ويوقف الشمس في كبد السماء مدة يوم كامل ويثبت القمر ريثما ينتقم "شعبُه المختار" من أعدائه (سفر يشوع، الإصحاح 10)!

لقد ورثت الكنيسة عن أصولها اليهودية فكرة تقديس التاريخ، وبذلك أخضعت الألوهة للزمن تماماً. وحتى اللاهوت المعاصر ينزع عموماً – باستثناءات قليلة للغاية – إلى إعادة توكيد تاريخية القَصَص التوراتي بحذافيره. أما اللاهوتيون الليبراليون، المتحفِّظون على باب المعجزات، فمن المستغرب أن نقع لديهم على هذا النزوع عينه مموَّهاً في طرحهم القائل بأن الأسلوب التاريخي والسردي للموروث اليهودي–المسيحي، مهما قلَّت تاريخيَّته من وجوه عديدة، يقرِّر، بالقدر نفسه، أن التاريخ إنما هو بسطُ التدبير الإلهي لخلاص البشرية في مستقبل مفترض. من خصائص اليهودية–المسيحية، إذن، القول بأن الوقائع التاريخية التي تتمسك بها معجزات؛ ويدل ذلك على ذهنية تعلِّق أهمية قصوى على تحويل العالم المادي.

تشتمل مواريث الشرق الأوسط (الهند) والشرق الأقصى (الصين واليابان)، من جانبها، على عدد من التفاصيل العجائبية، لكنها تُعتبَر فيها علامات طارئة على السلطة الإلهية التي تجترحها، ولا تشكل قط من المسألة لبَّها وأساسها؛ ناهيك عن أن بعدها الرمزي يبقى دوماً ماثلاً في ذهن الدارِس. أما مسيحية الكنيسة الرسمية فالأهم عندها خضوع الطبيعة لأوامر المسيح – وهو خضوع يتسنَّم ذروته في الانتصار على أشد الوقائع الطبيعية جبروتاً وحتمية في نظر الإنسان العادي، ألا وهو الموت.

مهما بدت المدنية الغربية اليوم "مُعَلْمَنَة" secularized وداخلة في طور بعدمسيحي، فهي ما زالت مدنية يغلب عليها الاهتمام بالمعجزات؛ أي أن دينها وديدنها ما انفك تحويل عالم يُعتبَر "موضوعياً"، أي موجوداً بمعزل عن الذات الإنسانية. وبالتوازي مع ما تقدَّم، حلت "إمبريالية ثقافية" لم يعرف التاريخ لها مثيلاً محلَّ التبشير الديني السابق، والمسيرة المتدرِّجة للتاريخ نحو ملكوت الله باتت في أيامنا هذه تُترجَم إلى التوسع التكنولوجي و"الرَوْحَنة" (افهم: "العولمة"!) المتفاقمة للعالم، بإزالة حدوده، وحذف تنوُّعه الثقافي الرائع، وتوسيع أمداء السيطرة عليه مادياً، وصولاً إلى تحقيق مقولات من نمط "نهاية التاريخ" (فوكوياما).

هذه الوقائع متجذِّرة كلُّها في الموروث اليهودي–المسيحي الذي ما فتئت كونياته السياسية، حتى عهد ليس ببعيد، هي عينها كونيات العلم الغربي، وما برحت كذلك إلى اليوم، من وجوه عديدة. والكون "السياسي"، كما بينَّا، مركَّب من أشياء وأحداث ووقائع موضوعة تحت طائلة القوانين. لا جرم أن مفاهيمنا عن قوانين الطبيعة تعرضت لتحولات كبيرة على كرِّ العصور، لكن فكرة القانون الطبيعي نفسها تعود بأصلها، أغلب الظن، إلى تصوُّر عن عالم يحكمه مشرِّع أشبه ما يكون بملك أرضي.

على أن ما قلنا حتى الآن ما يزال غير كافٍ لاستيفاء فكرة "القانون الطبيعي" حقَّها؛ إذ ينبغي أن نأخذ بالحسبان طريقة معينة في التفكير ورؤية الأمور ما كان بدونها للمواحدة مع مبدأ سياسي أن تتم أصلاً. وهذه الطريقة في التفكير إنما هي وليدة التباس عَرَضي أتاحتْه بسهولة لغةٌ متنامية، وبصورة أعمَّ أيضاً، ازدهارُ الفكر المجرَّد (أو "العقل الخطابي" discursive reason كما يسميه بعضهم) – ذلك العقل المنقطع عن موضوعاته.

يذهب رأي كثير الشيوع إلى أن ذهننا لا يطيق التفكير في أكثر من أمر واحد في المرة الواحدة؛ وبنيان اللغة – بما هي أداة الفكر الرئيسية – لا يعتم أن يؤيد هذا الرأي، باعتبارها – أي اللغة – مكوَّنة من سلاسل خطية من العلامات أو الإشارات لا يمكن النطق بها أو قراءتها إلا واحدة واحدة. وعلَّة هذا الرأي تعود، احتمالاً، إلى أن الفكر الواعي (أي الذي تختص به واعية النفس consciousness) عبارة عن انتباه مركَّز وموجَّه، وأن هذا الوعي المكثَّف لا يتناسب إطلاقاً مع حقل انتباه شديد التعقيد. فالانتباه الإرادي يتطلب إجراء اختيار؛ وعلى حقل الوعي أن ينقسم، قسراً، إلى واحدات بسيطة نسبياً أو إلى كلِّيات مبتناة، بما يسمح لأجزائها أن يحاط بها جملةً بطرفة عين. وتتم العملية في آن واحد بتقطيع الحقل إلى قطع تتصف بالبساطة المطلوبة، وبإزالة بعض التفاصيل، بحيث يُختزَل الكل إلى نموذج لا يصعب فهمه. إننا في الواقع نرى ونسمع أكثر بكثير مما ننظر ونصغي. ولكن، رغم أن استجابتنا العفوية لحشد من الوقائع أمر لا نفطن إليه تماماً، وتكيُّفَنا التلقائي مع هذه الوقائع، يتَّصفان، بحد ذاتهما، بفطنة بديعة، فإننا لا نشعر بأنفسنا سادة للموقف إلا بمقدار ما يجيز لنا هذا الموقف من سيطرة واعية.

إن واحدات الانتباه هذه، "المفروزة" من كلِّية حقل الوعي، هي ما يدعى اتفاقاً بالأشياء والأحداث والوقائع. ونحن لا نفطن عادة إلى هذه الحقيقة، ظانين بسذاجة أن الأشياء هي إيَّاها قبل إعمال أيِّ انتباه واعٍ. بيد أن البصر الخام لا يعقل شيئاً في الواقع؛ إنه يستعرض الحقل البصري كلَّه، بكافة ما يعتمل فيه من تفاعلات لانهائية. وتتكوَّن الأشياء في الذهن وتتعيَّن عندما يكسر الانتباه الواعي ذلك الحقل إلى واحدات يسهل على الفكر تطويعُها. إننا نعتبر اكتشافاً موضوعياً ما هو في واقع الأمر اختراع. فالعاقلة، إذ تدرس الحقل البصري أو السمعي أو اللمسي إلخ، تخلص إلى القول بوجود أشياء في العالم الخارجي حقاً، – وهي خلاصة تصادق على صحَّتها، على ما يبدو، إمكانية العمل التطبيقي المتعلقة بها –؛ وهذا لأننا، إذ نعقل العالم المحسوس بمعونة هذه "اللقطات"، يصبح بميسورنا التكهُّن بسلوكه المفترض وشقُّ درب لنا فيه.

على أن هذا لا يحتِّم الخلوص إلى القول بالحقيقة الموضوعية للأشياء. إن بوسعنا، على النحو نفسه، التكهُّن بالأحداث والتعامل مع العالم باختزال الحركات إلى دقائق وثوان؛ ولكن هل يخوِّلنا هذا الزعمَ أن شجرة طولها خمسة أمتار مؤلفة من خمس قطع من الخشب؟! إننا نعلم حق العلم أن هذه الشجرة مقسَّمة إلى أمتار وسنتمترات في المجرَّد لا في الواقع. بيد أن الأمر يزداد صعوبة عندما يتعيَّن علينا أن نقرَّ أن الأمر عينه ينطبق على الوعي وأن تقطيع حقله تقطيع مجرَّد هو الآخر، وليس عيانياً؛ وبعبارة أخرى، أن نتبيَّن أن الأشياء إنما هي واحدات قياس التفكير مثلما أن الرطل واحدة لقياس الوزن والباع واحدة لقياس الحجم. وإننا لنبدأ في تبيُّن ذلك عندما نلحظ أن كل شيء قابل بدوره للانقسام إلى عدد ما من الأشياء هي مركِّباته، أو يُعتبَر، بالعكس، جزءاً من منظومة أوسع.

يبقى أن السنتمترات هي تقسيمات المسطرة ولا تظهر على الجذع المقيس، بينما يبدو مظهر الأشياء ممتثلاً لتقسيمات معطاة من إيجاد الطبيعة نفسها. فما ندعوه الجسم البشري، على سبيل المثال، يبدو لنا منفصلاً عما يحيط به بسطحه المميِّز البادي للعيان. أما الحقيقة فهي أن الجلد لا يفصل الجسم عن بقية العالم إلا بنظر الفكر وحده، من حيث إن الجلد، من منظار الطبيعة، عامل وَصْل بقدر ما هو عامل فَصْل، إذ يسمح للأجهزة الباطنة بالتواصل مع هواء الخارج وحرارته وضوئه.

إن الانتباه المركَّز، بما هو حصري، اصطفائي، ويعمل بمقتضى التقسيمات، أسهل عليه بكثير اقتناصُ الفارق الذي يفصل الأشياء بعضها عن بعض من إدراك الوحدة التي تواصِل فيما بينها. الانتباه البصري يدرك الأشياء بوصفها أشكالاً تنفكُّ عن خلفية؛ والافتكار يزيد أيضاً في هذا "الانفكاك". والواقع أن الحدود التي تفصل بين المجالين إنما هي ناجمة عن قصور فهمنا للخلفية من ناحية، وعن محدوديَّة الشكل الذي يعيِّنه الذهن من ناحية ثانية. بيد أنه يعسر علينا أن نلحظ الاتحاد العضوي الذي لا تُفصَم عراه بين الشكل والخلفية التي ينفكُّ عنها، وبعبارة أخرى، بين المادة والمكان. وإننا لنتساءل هنا عن مصير شكل أو مادة لا خلفية أو مكان يحتويه. بوسعنا كذلك أن نتساءل، بالمقابل، عن مصير المكان المجاور إذا لم تشغلْه مادة. ولما كان المكان في نظر بعض العلماء هو مجرد "وظيفة إحاطة" فالجواب على السؤال السابق أنه لن يكون ثمة شيء يحاط! جدير بالذكر أن هذه الصلة المتبادلة بين الشكل والخلفية ليست منطقية وقواعدية وحسب، بل حواسية أيضاً. أما الفكرة الساذجة القائلة بوجود أصلي لمكان خاوٍ تملؤه الأشياء فيما بعد فهي متضمَّنة في السؤال التقليدي: كيف وُلِد العالم من عدم ex nihilo؟ لعل هذا السؤال يجب أن يعاد صوغه هكذا: كيف وُلد شيء–لاشيء من لاشيء؟ ربما كان الجواب كامناً في المقولة الأنطولوجية بأن العدم هو وجود، لكن ليس على مرتبة "الشيئية"!

الشكل والخلفية يشكلان، إذن، علاقة عضوية، علاقة وحدة–في–تنوُّع unité-dans-la-diversité لا تنفصم البتة، على حد تعبير تيار دو شاردان. لكن عندما ينقاد الإنسان إلى الاستغراق في الانتباه المركَّز، عبر نمط من التفكير التحليلي والاصطفائي، فإنه يكفُّ عن إدراك العلاقة المتبادلة بين الأضداد وعن استشعار وحدة الاختلافات من حيث الجوهر. إذ يجب ألا يغيب عن بالنا أن مفهوم "الواقعة" أو "الشيء" نفسه ينطوي على ثنائية. فالواقعة أو الشيء – بحكم تقسيم أو اختيار تعسفي ناجم عن التجربة – يتعارضان تعريفاً مع وقائع أو أشياء أخرى؛ وهذه الوقائع أو الأشياء هي، في الحد الأدنى، واقعتان أو شيئان. أما الواقعة الفريدة، الواقعة الخالصة، فحكمها – إن وُجِدتْ – أن تكون لانهائية، فلا يُعرَّف بها بالنسبة إلى أي شيء، ولا تتحدَّد أو تتعيِّن بأي شيء على الإطلاق، وبذلك تتلاشى بما هي كذلك وتنعدم – بالنسبة للعقل على الأقل. إن ثنائية الوقائع وتعدُّديتها لتشهدان كأحسن ما تكون الشهادة على استقلالها الأساسي بعضها عن بعض من حيث الظاهر.

ليس العالم جملة من الموضوعات أو الأغراض المكدسة بعضها فوق بعض ابتغاء وضعها على صلة بعضها مع بعض على غرار لبنات البناء. فالوقائع الأساسية في الحقيقة ليست الأشياء المنفصلة، بل العلاقات أو "حقول القوى" التي يشكِّل ما ندعوه "وقائع" حدودها وأطرافها القصوى – كأن نقول إن "الحار" و "البارد" هما الطرفان أو الحدان الأقصيان لحقل حراري، أو بأن أخمص القدمين وفروة الرأس هما الطرفان السفلي والعلوي للبدن. على أن أخمص القدمين وفروة الرأس هما من سطوح الجسم، وليس لهما أن يشكِّلا كيانات فريدة ومستقلة عنه. إن الكلمات وقوالب الفكر عاجزة عن الإحاطة بعالم العلاقات هذا، اللهم إلا بمقايسات analogies ليست مُرضِية عموماً. وإن القبول بأن العناصر الأساسية للطبيعة "علاقات" أكثر منها "أشياء" يبدو مروِّع الحذاقة والتجريد ما دام المرء لم يلحظ أن "العلاقات" هي عينها ما نلمس، وما نسمع، وما نشم... وأنه ما من شيء في نظرنا أشد عيانية من اختبارات حواسنا.

إن حظوظ مثل هذا الكشف أو الحدس – حدس أن حواسنا تتعامل مع العلاقات بين الأشياء وليس مع الأشياء نفسها – تتضاءل أكثر بالعبور من التجريد الأول – الانتباه الحصري، الاصطفائي – إلى التجريد الثاني الذي هو الرمز إلى الفكر بالكلمات. كلُّ الكلمات، بما فيها أسماء العَلَم، هي أدوات تصنيف، بحيث إن استعمالها يعزِّز أيضاً الانطباعَ بأن العالم إنما هو تعدُّدية متكثِّرة متفككة. وعندما نتبين ماهية شيء ما فإننا نُرجِعها إلى صنف أو مقولة حدَّدناها؛ إذ ما من سبيل آخر إلى التعريف بها. لكن هذا، ببساطة، فيه تمييز لهذا الشيء عن كل ما عداه، والتشديد على اختلافه بوصف هذا الاختلاف هوية ذلك الشيء، بحيث إننا نتواضع على الاعتقاد بأن الهوية إنما هي قضية انفصال: بأن هويتي، مثلاً، تقوم أولاً على دوري وموقعي، أو على طبقتي الاجتماعية، ثم على النحو المحدد الذي أختلف به عن أفراد هذه الطبقة، كما رأى بعض المفكرين. بذلك، إذا واحدتُ بين نفسي واختلافاتي، بينها وما يفصلني ويحدِّدني، أستشعر حقيقتي الخاصة بوصفها انقطاعاً وانفصالاً عن الطبيعة والإنسان، وتغيب عن ناظري الوحدةُ "العيانية" المبطِّنة لهذه العلامات الفارقة التي لم أحصل عليها إلا بعمليات تجريد ذهنية ليس إلا؛ وبذلك أدرك هذه العلامات الفارقة بوصفها مبادئ فَصْل أكثر منها مبادئ وُصْل. ضمن هذه الشروط، يبدو لي العالم شيئاً ينبغي أن أقيم معه علاقة، لا كشيء أنا على علاقة به في الأصل. لكننا نتساءل: أي فكر تحليلي خطِّي يجعل فيزيائياً كبيراً يحدس أن "الطبيعة لا تستعمل سوى الخيوط الطويلة لتنسج النموذج الذي يؤلِّف بتكراره كامل المنسوج، مما يجعل أصغر قطعة من هذا النسيج تنبئ عن بنية القماش كلِّه"[1]؟

إن هذا التماس المجزأ مع العالم لهو الشرط اللازم والكافي لكونيات سياسية كالتي تبنَّاها الغرب مع بداية عصر النهضة. إن إله الكونيات الهندوسية هو الماهية المبطِّنة للاختلافات والوحدة الكامنة في التنوع. أما يهوه، الإله اليهودي الذي ورثته المسيحية الرسمية المتهوِّدة، فهو واحد من تلك الاختلافات؛ إنه "المختلف"، "الآخر" بامتياز. وكونه الاختلاف الذي تتوقف عليه كافة الاختلافات الأخرى لا يغيِّر من الأمر شيئاً. بذلك تصبح العلاقة التي يقيمها الإنسان مع الإله علاقة يقيمها مع شخص آخر يتمايز عنه، علاقة عبد بسيِّده أو مرؤوس برئيسه. فالفرد – وهو المخلوق من عدم – مفصول في الأصل، ويجب أن يخضع للمشيئة الإلهية، طوعاً أو كرهاً.

من ناحية أخرى، إذا كان العالم مصنوعاً من أشياء، وإذا كانت الأشياء تتحدد بزمرها ومقولاتها categories، وكانت هذه المقولات تُصنَّف ويشار إليها بالكلمات، فيبدو أن الكلمة–الفكرة Logos يشكِّل من العالم فعلَه المؤسِّس (سفر التكوين، الإصحاح 1): "وقال الله ليكن نور، فكان نور." (بالمقابل، يصير الكلمة المتجسِّد في المسيحية عمانوئيل – "الله معنا" – أي الإله الحاضر في العالم.) نستشف ههنا مسلَّمتين أو مقدمتين من مقدمات العلم في الغرب: الأولى هي أن هناك قانوناً طبيعياً، نظاماً للأشياء والأحداث، يسبق وجودُه اكتشافَنا له، وقابلاً للصياغة بلغة الفكر التحليلي، أي بكلمات أو بأي نوع من أنواع التدوين؛ والمقدمة الثانية – عاقبة التوحيد بمعنى فكرة إله شخصي يحكم العالم – هي أن هذا القانون الطبيعي قانون شامل للكون كلِّه.

يمثل العلم مثالاً متطرفاً على منهج الانتباه الذي نحن بصدده؛ ويمكن التعريف به أو تحديده بوصفه إدراكاً للطبيعة يتأسَّس على الانتباه الإرادي، أي المركَّز والموجَّه، التحليلي والاصطفائي والحصري، المباشِر موضوعاتِه بالتجريد. إنه يفهم العالم باختزاله، بمقدار ما تسمح الدقة، إلى واحدات معقولة. إنه يشاطر لَيْبنِتس توقه إلى "حساب التكامل"، إلى ترجمة للطبيعة – التي يبقى لأشكالها دوماً في الواقع شيءٌ عائم وغير متعيِّن – إلى أنساق مركَّبة من واحدات بسيطة يمكن التعامل معها. إن رجل العلم يقارب موضوعَه شأنه شأن مسَّاح الأراضي يقيس قطعة أرض غير منتظمة ناقلاً بالدقة الممكنة الحدود التي تركِّبها إلى صور مجردة بسيطة، مثلثات ومربعات ودوائر، على غرار ما كان يفعله سلفُه المصري القديم. وبفضل هذه الطريقة تتم بالتدريج إزالة كل الخصوصيات والشذوذات، بحيث يبدو الله نفسه في خاتمة المطاف أشبه ما يكون بمهندس أعظم: نقف عندئذٍ مشدوهين أمام انصياع بنى "الطبيعة" هذه الانصياع التام لقوانين الهندسة، متناسين أن هذه القوانين من صنعنا نحن ومن إقحامنا نحن على الطبيعة، موارين شذوذات هذه البنى، متجاهلينها بفضل تقسيم تحليلي متقدِّم جداً، تقارب أجزاؤه بساطة النقاط الهندسية. يقول ريتشارد فاينمان في قانون الجاذبية الذي كان "أكبر تعميم أنجزه الفكر البشري"، بما ينطوي على شيء من المرح: "[...] إنني لا أهتم بالفكر البشري بقدر ما أهتم بعجائب طبيعة يمكن أن تطيع قانوناً بمثل البساطة والأناقة اللتين يتمتع بهما قانون الجاذبية. وعلى هذا الأساس فنحن معجبون خصوصاً، لا بالبراعة التي ظهرت باكتشاف هذا القانون، بل بالبراعة التي تُظهِرها الطبيعة في اتباع أحكامه."[2]

هذه الطريقة في إخضاع نظام العالم لقواعد من وضع الإنسان يمكن أن تتوضح بمثال الرسم بالمربَّعات: توضع على صورة طبيعية ورقة شفافة مقسَّمة إلى مربعات بحيث تسمح تراتيب المربعات عندئذٍ بوصف الصورة بدقة نسبية. إن الحركة المتقلِّبة الأطوار لغرض ما، إذ تُرصَد من خلال شاشة، يمكن أن يعاد بناؤها على هذا النحو بلغة كذا وكذا من المربعات في الأعلى أو في الأسفل، يمنة أو يسرة. وبمجرد أن يُعيَّن موقع الغرض على هذا النحو نستطيع أن نخمِّن بوسائل إحصائية توجُّه حركاته المستقبلية، والاعتقاد من بعدُ بأنه هو الذي يمتثل للقوانين الإحصائية التي نضعها. أما الواقع فهو أن الغرض لا يفعل شيئاً مما ذكرنا على الإطلاق؛ إن نموذج سلوك الغرض الذي ابتنيناه هو الذي يطيع القوانين الإحصائية وليس الغرض نفسه.

وعلى كل حال فإن العلم في القرن العشرين يقرُّ أكثر فأكثر بأن قوانين الطبيعة ليست مكتشَفة، بل مخترَعة، أوجدَها الفكر البشري مثلما أوجد القانون الوضعي، ويتم فيه الانتقال من تصوُّر حتمي لنماذج أو أنساق منظَّمة ملازمة للطبيعة ومبطونة فيها – الطبيعة التي جعلت شغلها الشاغل الخضوع للقوانين التي وضعها الإنسان! – إلى تصوُّر وضعي محض للقوانين الموسومة بالطبيعية. هذه الثورة الإبستمولوجية التي تقلب مفاهيم العلم الحالي رأساً على عقب يكاد الجمهور العريض المنهمك في التنعُّم بالتطبيقات التكنولوجية للعلم يجهل كل شيء عنها (وإننا لنتساءل حتَّام سيظل يتنعَّم بها!)، ووحدها بعض العلوم، أو بالحري وحدهم بعض العلماء لا يخجلون من الانتساب إليها طوعاً والمنافحة عنها – مفضِّلين الحقيقةَ على راحة البال! –، ذلك أن من شأن استيعائها أن يصيب حمَّى الاستهلاك بضربة قوية.

لقد بدأ رجل العلم باكتشاف ما ظنَّه قوانين الله في الكون، موقِناً أن الحياة في الوجود يمكن أن تصاغ بلغة الكلمة والعقل. وعندما تبيَّن له أن دقة تكهُّناته لم تكن تدين لفرضية وجود الله بشيء، تخلَّى عن هذه الفرضية ليعتبر العالم آلة ضخمة، أي شيئاً خاضعاً لقوانين غير شخصية. ثم اتضح أن فرضية القانون السابق وجودُه عديمة الجدوى معرفياً هي الأخرى! والقارئ المتابع لأدبيات العلم الحديث، ولا سيما الفيزياء، يشعر بأن العلماء باتوا اليوم يميلون إلى اعتبار القوانين مجرَّد أدوات بشرية أشبه ما تكون بآلات حادة تسمح بتقطيع الطبيعة إلى حصص أو "وجبات" يسهل على العقل "هضمها"!

وإن بعض المؤشرات لتجعلنا نحدس بأننا ما زلنا في الطور الأول من أطوار ثورة علمية جذرية. وبوسعنا أن نتساءل خصوصاً عما إذا كان المنهج العلمي يقتصر على ذلك النمط المذكور من الانتباه التحليلي التجريدي؛ إذ لم يمضِ وقت طويل على كون الهمِّ الرئيسي لمعظم فروع العلم ينحصر في التصنيف، أي في التحقُّق الصارم الدقيق من هوية الأنواع (كائنات حية، أجسام كيميائية، أجهزة حيوية، أمراض، قُسيمات أولية، الخ...). وهذا الموقف الاختزالي من الأشياء شجَّع على ظهور ذرَّانية atomism لا تظهر سيئاتها بصفة خاصة – ويا للمفارقة! – إلا في التكنولوجيا نفسها التي تيسِّر هذه الذرانيةُ تطويرَها وتشجع على تطويع الطبيعة لها!

والإنسان، وهو في سبيله إلى بسط سيطرته التقنية على العالم أجمع، يكتشف – آسفاً! – تعذُّر السيطرة على الطبيعة بالطريقة نفسها التي تُدرَس من خلالها، أي قطعة قطعة. فللطبيعة خاصية علائقية بالكلِّية، وأدنى تدخُّل في نقطة يُطلِق رُجُعاً متسلسلة غير متوقَّعة. والدراسة التحليلية لهذه التفاعلات تُراكِم كمية متزايدة من المعلومات تجعلها وفرتُها وتعقيدُها غير قابلة للاستفادة منها في العديد من الحالات العملية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرار سريع.

للتقدم التكنولوجي، متصوَّراً بهذا الشكل، عواقبُ معاكسة لما كان منتظراً منه. فبدلاً من تيسير مهامِّ الإنسان وتبسيطها، كما يبدو في ظاهر الأمر، يلوح في الواقع أنه يعقِّدها أكثر. فما من أحد اليوم يجرؤ على اتخاذ خطوة في حياته بدون استشارة "خبير"؛ والخبير، من ناحيته، لا يستطيع أن يغطي غير قطاع ضئيل من الحشد المتفاقم من المعلومات. ولئن كان العلم يتشعَّب إلى فروع خاصة، فالعالَم العياني، من جانبه، منسوج من خيط موصول، بحيث إن السيطرة على قطاع معطى من المعرفة المعلوماتية تبقينا في عوز وغمٍّ شديدين، بما يشبه امتلاكنا صندوقاً مليئاً بأحذية لا توافق إلا الرِّجل اليسرى! وهذه النقطة تمسُّ هماً أوسع بكثير من باب علم الغدد الصم أو زراعة القلب أو كيمياء التربة أو تطبيقات الليزر. ففي مجتمع وسائل إنتاجه والاتصال فيه رفيعة من حيث المستوى التقني تصير أبسط قضايا السياسة والاقتصاد والتشريع وأكثرها اعتيادية من التشابك والتعقيد بحيث يشعر الفرد المعزول أنه مشلول وأنه ينحدر شيئاً فشيئاً إلى ما يطلق عليه علماء الاجتماع مصطلح "الهامشية". وبالوسع البرهان بهذا الصدد أن تنامي البيروقراطية وازدهار الأنظمة التوتاليتارية في وقتها نجما عن شروط التحكُّم الآلي بمنظومة اتصالات مذهلة التعقيد أكثر مما نجما عن مؤثرات خارجية خبيثة – "دود الجبن منه وفيه"، على حد قول المثل السائر!

على أن هذه الملاحظات المتواضعة لا تستنفد المسألة كلَّها – وإلا لكانت المعرفة العلمية قد اختنقت بمعلوماتها وتطبيقاتها التي لا تحصى منذ أمد بعيد. فإذا كانت غير فعالة بعد إلا جزئياً، فذلك لأن رجل العلم يستشف العلائق المتبادلة بسبل أخرى غير الفكر التحليلي. فبالإضافة إلى الفكر المذكور الذي يتقدم خطوة خطوة، يعوِّل رجل العلم عملياً على الحدس إلى حد لا يستهان به – الحدس بمعنى مسعى غير واعٍ تماماً من الذكاء الذي يمعن في مقاربة الأشياء مقاربة خطية – وينبو أحياناً عن مقدرة فذة على الإحاطة كرَّة واحدة بحقول واسعة من التفاصيل ذات تفاعل متبادل.

إن علائق الطبيعة لا تبدو معقَّدة ولانهائية التنوُّع في تفصيلاتها إلا عندما تترجَم إلى واحدات من الفكر الخطِّي. وهذا النمط من الفكر، على الرغم من صرامته ونجاحاته الأولى، يبقى كسيحاً، وهو يشبه إلى حد ما نية نقل الماء في غربال بدلاً من الدلو، وذلك لأن التعقيد ليس مبطوناً في الطبيعة، أصيلاً فيها، بل ينجم عن الأداة التي يتم بها التفاعل مع الطبيعة. ليس المشي أو التنفس أو جري الدم في عروقي بالأمر المعقَّد عندي؛ فالبنى الحية نمَّت هذه الوظائف من غير أن تفتكر في أمرها. لا يغدو الدوران الدموي واقعة معقَّدة إلا عندما ينطرح بلغة الفسيولوجيا، أي لدى تعيين مفهوم عنه بواسطة نموذج تصوُّري. إن فاينمان نفسه يقرُّ بأن "معرفة قوانين الفيزياء، كما نعرفها اليوم، لا تؤدي إلى أن نفهم الأمور مباشرة ودون عناء؛ بل إن هذا يستغرق وقتاً. ومع ذلك يبقى هذا الفهم جزئياً حتى يبدو أن الطبيعة مكوَّنة بشكل يجعل أهم الأشياء في عالم الواقع تبدو نتائج معقَّدة وعرضية لعدد كبير من القوانين".[3]

وإذا بدت لنا الطبيعة روعة من التعقيد تفترض وجود فطنة خارقة لخلقها وحكمها، فإننا نحن مَن يتمثَّلها مترجمةً إلى "مدوَّنات" العقل. وبالمثل، فإن الضرب والقسمة عمليتان على غاية من التعقيد باستخدام أرقام رومانية، بسيطتان نسبياً بأرقام عربية، وأبسط باستخدام مِعْداد يدوي.

إن فهم الطبيعة بالفكر التحليلي وحده أشبه ما يكون بتمييز حواف كهف بالاستعانة بشعاع ضوئي مكثَّف لكنه دقيق جداً؛ وبعد ذلك تحتفظ الذاكرة بمسار الضوء وبسلسلة نقاط وَقْعه على حواف الكهف، ويُجتهَد فيما بعد في إعادة تكوين المظهر العام للكهف انطلاقاً من الذكريات.

يحتم إدراك جمل واسعة على رجل العلم أن يلجأ إلى الحدس – حتى وإن كان يتخوَّف منه؛ لكنه يقاطِع نفسه على الدوام ليُخضِع حدوسه لامتحان الخيط الضوئي الرفيع للفكر التحليلي. ذلك أن الحدس ما أيسر أن يتوه ويضلَّ بمثل ما يعسر أحياناً على "الفطنة الطبيعية" التي تنتظم البدن بدون أن تعي ذلك أن تجتنب "أغلاط" السرطان، أو التشوُّهات الخَلقية، أو حتى أغلاط الغريزة التي تُفضي في شروط معينة رأساً إلى الاندثار (انتحار الحيتان؟). كذا فإن الرغبة في الحفاظ على النوع رغبة طبيعية و"سوية". لكننا لن ننتظر من غريزة التناسل عند الإنسان – والإنسان في الوقت الراهن هو ما هو! – أن تأخذ الظروف بالحسبان، وتلجم نفسها بنفسها تلقائياً عندما يعزُّ القوت؛ بينما نجد مثل هذا السلوك عند الحيوان. لذا يبدو، مبدئياً، أن السبيل الوحيد إلى تصويب أغلاط الحدس أو الفطنة الطبيعية الخافية هو التحليل والاختبار. لكن هذا بدوره يولِّد تدخلاً في النظام الطبيعي، ولا يمكن تقدير مدى حكمة هذا التدخُّل إلا بعد أن يكون قد تم قطع شوط بعيد في العمل.

إذن، بوسعنا أن نتساءل عما إذا كانت "أغلاط" الطبيعة أغلاطاً حقاً. ألا ينقرض أحد الأنواع النباتية أو الحيوانية لمصلحة النظام الكلِّي للطبيعة، بمعنى أن إدامته تجعل الحياة عسيرة على كل الأنواع، بما فيها هو؟ أولا يُعقَل أن تكون "أغلاط" الأمراض الوراثية أو الأوبئة الكاسحة من ضرورات توازن الحياة في كلِّيتها؟ ألا يمكن أن تنجم عن "تصويب" هذه الأغلاط على المدى البعيد مشكلاتٌ أعسر حلاً بكثير من المشكلات التي ظننَّا أننا حلَلْناها؟ وحلُّ هذه المشكلات الجديدة الطارئة، أليس من شأنه أن يولِّد صعوبات أخطر فأخطر؟ ألا ترتكب الفطنة الخافية هذه الأغلاط لكي تحُول دون النوع والإفراط في النجاح – الأمر الذي يُخِلُّ حتماً بتوازن العالم؟ هذه تساؤلات نتركها للقارئ مادة للتأمل.

من ناحية أخرى، يحق لنا أن نتساءل عما إذا لم يكن التحليل الواعي نفسه فعالية من فعاليات الفطنة الخافية، أو تجلِّياً من تجلِّياتها. إن يونغ، على النقيض من فرويد، يقول بأن الواعية consciousness تمايزٌ عن الخافية (=اللاوعي) unconscious متأخر نسبياً، بُرعُم صغير على أحد أغصان الخافية، بحيث إن الخافية هي الأصل والواعية هي الفرع. في ضوء ما تقدم، أليس التدخل "الصنعي" في سيرورات الطبيعة تدخلاً طبيعياً للغاية، بمعنى أنه يعمل للمصلحة العامة، حتى لو كلَّفه ذلك حَجْباً محتملاً للإنسان عن خشبة مسرح الحياة إلى كواليسها؟! أو لعلَّ أن الحياة، بدفعها التحليل الواعي حتى تخومه القصوى، حتى أقصى حدٍّ ممكن، من شأنها أن تمكِّننا من اكتشاف وسائل تزيد من كفاءة الفطنة الخافية نفسها ومن فعاليتها؟

إن أصعب ما في هذه الأسئلة الإشكالية هو أن الجواب يأتينا متأخراً إلى حدٍّ تعسر فيه علينا الإفادة منه. وحتى عندئذٍ، ماذا يضمن لنا أننا نعمل في الاتجاه الصحيح؟ وبعبارة أخرى فلسفية، ما هو خير الطبيعة بعامة – الخير بالمعنى المطلق الذي تكلم عليه أفلاطون؟

الجواب التقليدي هو أن الخير عند النوع – أياً كان – إنما هو ببساطة في البقاء. والعلم منشغل أساساً بالتكهُّنات لأنه يعتبر من المفروغ منه أن الخير الأعظم للبشرية هو بقاؤها وديمومتها في المستقبل. وهذه القناعة ما تزال حتى الساعة محكَّ كل إجراء عملي يقاس نُجوعُه على أساس "فائدته للبقاء". والبرهان، عند من يسلِّم بأن خير الحياة عبارة عن ديمومتها غير المحددة ويقرِّر عَسَفاً بأنها ترتضي ذلك لنفسها، – البرهان على أن البشرية تصرفت بحصافة هو أنها ما تزال موجودة، وأنها ستبقى موجودة على ما يبدو في الأفق المنظور بمقدار ما يسمح به التكهُّن. أما دراسة نفسانية الحيوان، بالإضافة إلى نفسانية الإنسان، فيبدو أنها تبيِّن للوهلة الأولى أن "غريزة البقاء هي قانون الطبيعة الأول"! وإذ ذاك يجب الاعتراف بخشوع بأن النوع البشري لم يبلغ من الغباء شأواً كبيراً، إذ نجح في الحفاظ على نفسه إبان ملايين السنين بدون الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة! لعل ظروف حياته لم تكن مستحبة دوماً – على كون هذا المفهوم أكثر غموضاً مما يبدو عليه في الظاهر – لكنه تدبَّر أمره! كيفما كان الأمر، يبدو أن الجنس بعامة كان راضياً عن حياته بما أنه قد عاش. بيد أننا نجد صعوبة في الإقرار بأن البشرية الآن، بعد قرنين وحسب من التقنية والصناعة، باتت حظوظها من النجاة من كارثة عالمية أمراً مشكوكاً فيه جدياً.

ومع ذلك، قد يكون أن الشمولية المزعومة لغريزة البقاء الشهيرة ما هي إلا خَلْع تأنيسي anthropomorphic لصفات بشرية على الطبيعة، وتعميم تعسفي على العالم بأسره لموقف يختص به الإنسان وحده. لأنه إذا كانت الرغبة في البقاء معياراً للحكمة وسِمَة لها فإن معنى الحياة عندئذٍ يُختزَل إلى مجرد الديمومة – الاستمرار لمجرَّد الاستمرار؛ وعندئذٍ أيضاً يفصح موقفنا حيال الحياة عن كونه جوعاً محضاً يتعذَّر على أي شيء إشباعُه. إننا في ذروة فرحنا نطالب بدوام هذا الفرح، وصرخة "المزيد!" هي أفصح علامات استحساننا، ربما لأنه ما من ساعة من ساعات الحياة تحقِّق لنا امتلاءً تاماً بوجودنا – اللهم إلا إذا أحببنا حتى بذل نفسنا؛ وعندئذٍ لا نطلب مزيداً! وحتى عندما نكون راضين يخالجنا شعور بالخواء يتأكَّلنا، خواء لا تُبْرِئه إلا ديمومة غير منتهية، لأن "كل فرح يطلب الأبدية"، على حد قول نيتشه.

إن التعطش إلى الديمومة نتيجة مباشرة من نتائج "اختصاصنا" بالانتباه المقيَّد، ذلك النمط من الوعي المتسلسل الخطي الذي لا يتناول إلا فكرة واحدة أو شيئاً واحداً في المرة الواحدة. ولما كانت كل تجربة لهذا السبب تجربة ناقصة أو "منتَّفة" ليس لأي تراكم لهذه "النتف" أن يؤلِّف إنجازاً معرفياً حقيقياً؛ إذ إن تراكمها يجلب في أحسن الأحوال اشمئزاز التخمة. إن فكرة أن الطبيعة بأسرها، شأنها شأننا نحن، تتوق بغير انقطاع إلى إدامة نفسها ليست إلا عاقبة من عواقب طريقتنا في دراستها؛ والجواب متضمَّن في السؤال. إننا لا نفهم الطبيعة إلا بتفتيتها، ثم نتوهم أنها بذاتها جملة أجزاء، لنخلص أخيراً إلى أنها تؤلف منظومة من النواقص تواصل إرواء غليلها في استزادة لا نهاية لها؛ وبذلك نسوِّغ لأنفسنا أعجب أنواع الممارسات باسم تطبيق قانون "طبيعي"!

يطرح العقل والعلم بذلك مشكلات يحول منهجُهما نفسه دون الإجابة عليها يوماً؛ والعديد منها ليس مشكلة إلا من وجهة نظر الفكر. إن إثلاث زاوية ليس مشكلة مستعصية إلا على المسطرة والفرجار وحسب، والفشل في تحديد سرعة إلكترون بدقة لصالح تحديد موقعه بدقة كبيرة لهو نتيجة لامتثال فكرنا لمبدأ هايزنبرغ في "الريبة" uncertainty principle الذي هو في النهاية من إيجاد الفكر نفسه. بيد أن المبدأ هو الذي يفشل وليس هايزنبرغ؛ وليس الإنسان بما هو كذلك الذي يفشل، بل طريقته في التفكير التي تعجز عن العثور على الامتلاء الحقيقي في المعيش الوجودي. وهذا لا يعني مطلقاً أن العلم والفكر التحليليين أداتان باطلتان ومدمِّرتان، بل يعني بأن على الذين يستعملونهما أن يكونوا أكبر من أجهزتهم وآلاتهم. فحتى يكون العالِم عالماً مبدعاً بحق يتحتم عليه أن يكون أكثر من مجرَّد رجل علم (مثلما أن الفيلسوف الحق هو أكثر من مجرَّد عقل يفكِّر). ذلك أن القياس التحليلي للطبيعة لا يفيدنا بأي شيء عن كُنْه أسرارها ما لم نتعلَّم أيضاً كيف ننظر فيها على نحو جَدَد.

إن رجل العلم، بما هو كذلك، لا يرى الطبيعة، أو بالأصح لا يتمكَّن من رؤيتها إلا بواسطة جهاز القياس، مثلما يصعب على النجار أن يرى شجرة قبل أن يقطِّعها إلى ألواح أو يُعمِل فيها فارته. لا بل إن الإنسان، نقول، – الإنسان بما هو أنيَّة ego – لا يرى الطبيعة مطلقاً. فهو، بما هو أنيَّة، يواحِد بين كيانه كلِّه، أو على الأقل بين ذهنه أو ملكته الإدراكية، وبين ذلك النمط من الانتباه الضيِّق والحصري الذي دعوناه الوعي الخطِّي.

أما التغيير الجذري الذي يهدِّد ببلبلة العلم الحديث – وقد بتنا نلمس آثاره فعلاً – فهو أن يتصور العلم نفسه بوصفه شكلاً ثانياً من الإدراك، متصلاً بشكل أول أعمق وأكثر أصالة. وهذا التغير هو أكثر من مجرد الإقرار بصحة مختلف أشكال المعرفة – المعرفة العلمية، المعرفة الفنية، المعرفة الروحية، إلخ –، لأن هذا الإقرار بوجود كيفيات معرفية متنوَّعة من شأنه أن يصنِّف العالِم في خانة محددة بوصفه رجل علم، وفي خانة أخرى بوصفه رجل خبرة روحية؛ بينما ينبغي رؤية أن الأفكار العلمية الأصيلة والمبدعة تتوِّج بالفعل موقفاً روحياً لا يعتمد العقل وحده أداة للمعرفة. وفي الحاصل، فإن الفائدة التي يخرج بها الإبداع العلمي، انطلاقاً من ضرب من التأمل العقلي العميق، منعتق من كل التزام بنتائج محددة سلفاً، بات معترفاً بها أكثر فأكثر.[4] ولقد بيَّن سيو[5] أن هذا هو المبدأ الطاوي في "استخدام اللامعرفة لبلوغ المعرفة"، أو هذا هو المغزى العميق من عبارة سقراط "أعرف شيئاً واحداً هو أنني لا أعرف شيئاً". إن اكتشاف الغرب للقيمة الخلاقة للـ wou nien، أو "اللافكر"، و kouan، أو النظر العقلي بدون انتباه موجَّه، ليبدو وشيكاً.[6] إن سيو – وهو الباحث العلمي المخضرم – يبرهن، بما لا يقبل الدحض، أنْ لا غنى عن هذا النوع من المعرفة لكلِّ باحث يتطلَّع إلى أكثر من مجرد الاستيقان من مفاهيم بالية. "الشيء الضروري لوجود العلم – يقول فاينمان – هو عقول لا تقبل أن تفرض على الطبيعة شروطاً مسبقة..."[7]. وفي الوقت الحاضر ما يزال هذا "المنهج" يًُستعمَل بحذر واحتراس شديدين ويخضع لمراقبة تحليلية صارمة. إنما لعل الخاصية الهيولية للحدس التي لا يؤمَن جانبُها متأتية من ترويض غير كافٍ للذهن ومن شرود هذا الأخير في الانتباه الاصطفائي! وعلى كل حال، فإن استرجاع وعينا المحيط، الكلِّي الشامل، ليس خيراً يُسعى إليه، ولا يمتُّ إلى اكتساب صفة معيَّنة تُلقَّن للجماهير بالإقناع وبوسائل الإعلام، أو تنمَّى باتباع نهج أو سلوك محددين أو بالقيام بممارسات معينة؛ إنه بالحري هبة الطبيعة (أو الحقيقة، إن شئت) للإنسان تؤتيها من تشاء بحسب استحقاقه وإخلاصه للحقيقة. أما المثاليات الروحية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية المتمحوِرة حول المستقبل، بكل جهودها وكل نُهجها، فما هي إلا أمثلة صارخة على ضروب الوعي التي تتسبَّب في خسارنا وخيبتنا، وإفلاسُها أشهر من أن نتوقف عنده. إنها تتصوَّر الخير والشر بمعزل أحدهما عن الآخر (من هنا مصطلحات من نحو: "معسكر الخير"، "محور الشر"، إلخ)، في رؤية تكرر المفهوم اللاهوتي القديم عن صراع الله مع الشيطان؛ وكذلك المثال والواقع تعزلهما واحدهما عن الآخر، بدون أن تفلح في رؤية أن "الخير" مثال الإنسان الشرير، وأن الشجاعة غاية الجبناء، وأن السلام لا يفتش عنه إلا الذين تستعر الحرب في دخائل نفوسهم. فكما يقول الحكيم الصيني لاو تسُه (طاو ته كنغ، 18):

التخلِّي عن الطاو

يولِّد الطيبة والبر؛

الفطنة والعلم

يفضيان إلى النفاق؛

والشقاق في صلات الرحم الستِّ

ينجم عنه البَرُّ بالوالدين والحب الأبوي؛

وظلمة الأمة وفوضاها

يحرِّضان الوفاء وحسن النوايا.

إلا أن أعظم الجهود لن يفلح في جعل الاضطراب سلاماً؛ فكما تقول حكمة طاوية أخرى: "عندما يلجأ الشرير إلى الوسائل الطيبة فإن الوسائل الطيبة تنقلب شريرة"!

العقل الخطي التسلسلي ينتظر دوماً من المستقبل حلاً للمشاكل التي لا تُحَلُّ إلا في الحاضر – هنا والآن –، إنما ليس في الحاضر الذي يشوِّهه الانتباه الثابت "النقطي"، بل الحاضر الذي يستغرق الوعي الكلِّي. فكما أكد كريشنامورتي في محاضراته كلِّها، يكمن حلُّ المشكلة في المشكلة نفسها وليس خارجها. كذا فإن مشكلاتنا يجب أن يُنظَر فيها كما هي، وبكلمة أدق: علينا أن نراها لحظة ظهورها كما هي، بدون أن يتحدَّد الانتباه بهذا المظهر من مظاهرها أو ذاك. وعندئذٍ، بالدقَّة، بدلاً من أن نسعى إلى مستقبل نأمل أن نكون فيه مختلفين عما نحن عليه الآن، ينفتح عقلُنا مستقبِلاً كلِّية الخبرة الحاضرة، وفيها وبها يجد السؤال عما هو "خير" الجواب عليه.

إنه الحاضر الأبدي، "الآن الدائم" الذي يتحدث عنه غوته في مقالته الطبيعة: "في كلِّ آنةٍ تباشِر مسيرة طويلة جداً، وفي كل آنةٍ تبلغ غايتها [...]. كل شيء فهو حاضر أبداً فيها، لأنها لا تعرف ماضياً ولا مستقبلاً. إنما الآن هو أبديَّتها."

*** *** ***


 


[1] ريتشارد فاينمان، طبيعة قوانين الفيزياء، بترجمة د. أدهم السمان، دمشق، 1984، ص 11.

[2] فاينمان، المصدر نفسه، ص 12.

[3] المصدر السابق، ص127.

[4] بتنا نستطيع أن نرى في معهد الدراسات المتقدمة في برنستون، على حد ما نقل لنا أستاذ زائر هناك، عدداً من ألمع رياضيي هذا الزمان جالسين ورأسهم بين يديهم يحدقون في الفراغ ويتقاضون أجوراً جزيلة، على ما يبدو، لقاء ما يفعلون، أو لا يفعلون بالأصح!

[5] G.H. Siu, The Tao of Science, New York,1957.

مع أن الكتاب قديم فروحه ما تزال فتيَّة.

[6] راجع: ندره اليازجي، المبدأ الكلِّي: لقاء الحكمة القديمة والعلم الحديث، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1989، ولا سيما فصلي "الحكمة القديمة والعلم الحديث" و"عالم هولوغرافي كلِّي".

[7] المصدر نفسه، ص 152.

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •