|
حول العالم في
الموسيقى الكلاسيكية
الأستاذ أحمد
الدسوقي
أنتم
اليوم مدعوون إلى رحلة موسيقية , سأكون فيها دليلكم السياحي إلى عالم
اتفق على أن تكون الموسيقى لغته الموحدة , لغة تجمع بين جنبات الأرض .
فالكل له موسيقاه الخاصة و لمسته المميزة و تراثه الذي يفخر به و يقدمه
بأحلى صورة , فتعرض الألحان الشعبية بطريقة متميزة و مطورة بروح الأصالة
و عبقرية البناء الموسيقي .
لقد
كتبت العديد من المقطوعات الموسيقية عن البلدان و تنوعت بين رقصات شعبية
أو أغان . و ربما سحر بعض الموسيقيين بجمال مدينة زاروها فكان منهم تعبير
عما أحسوه بألحان ابتكروها عن تلك المدن . و قد تصنف بعض الألحان تحت
راية الموسيقى القومية , كألحان الخمسة الكبار في روسيا الذين نذروا
موسيقاهم لبلدهم .
و نرى
في الموسيقى تمازج الحضارات , فروسي أعجب بألحان عربية فكتبها و عالجها و
آخر كتب متأثرا ً بألحان صينية . و تستمر عملية التأثير المتبادل في
الموسيقى لتشمل حتى ألحان من مسح تراثه كالهنود الحمر .
سأحاول في هذه الأمسية أن أعرض موسيقى من معظم البلدان , في مختلف
القارات حتى القطب الجنوبي .
لقد
أحضرت في جعبتي ما نحتاجه في هذه الرحلة من ألحان ستهزأ بالمسافات , و
تتجاهل الحدود , و تتفاهم مع الجميع أيا ً كانت لغتهم .
هانحن ننطلق من منطقتنا العربية الشرقية . التي تمتلك نكهة موسيقية
مميزة و روحاً تتحدث عن غموض و سحر مازال يشغل و يفتن الموسيقيين .
هانحن
ننطلق من الشام دمشق و معنا ذكريات من تراث غنائي قديم تناقلته الأجيال
على بساطته و ظرفه . و للشام حكايات كثيرة مع الألحان و الأغان , تعبق
برائحة ياسمين بيوتاتها و طبيعة أهلها . فمن تلك الألحان أقتطف رعد خلف
وردة دمشقية من حديقة التراث و عالجها بطريقة علمية كلاسيكية و بتوزيع
متقن لكي يصل إلى لغة مشتركة تشكل صورة قديمة في أطار جديد . لن أذكر لكم
عنوان الأغنية الشعبية , و أدع لكم التعرف عليها . لكن رعد سماها شام .
1- فيديو شام لرعد خلف
لقد
كتب تشيكوفسكي و كورساكوف و رحمانينوف و حتى يوهان شتراوس موسيقى ذات
نكهة شرقية عربية .
و
رحماتينوف (1873/1943) تلميذ ريمسكي كورساكوف يعد من الموسيقيين
الرومانتيكيين الذين لم يأتوا الجديد , تعتمد شهرته في المجال الدولي على
كونشيرتات البيانو الأربع التي أبدع في ثانيها بشكل خاص , إلى جانب
براعته في العزف على البيانو .
و لم
يظهر رحمانينوف في فنه أي غايات متطرفة , إذ يعد فنه عودا ً على بدء ,
رجعة إلى أجمل العهود الرومانتيكية في القرن التاسع عشر أكثر منه محاولة
لابتكار أسلوب جديد , و هو امتداد و استمرار لتشايكوفسكي . (ملاحظة س 1)
لقد
ألف رحمانيوف رقصة شرقية للبيانو و التشيلو . أورد هنا الرقصة رقم 2 من
المصنف الثاني . تبدأ الرقصة من البيانو بعرض لمحات اللحن الإيقاعي الذي
ستبني عليه جملة التشيللو , يدخل التشيللو متدرجا ً بالارتفاع عارضا ً
اللحن شرقي الطابع بتفهم و نظرة غربية مع إيقاعات البيانو , و بعد العرض
الأول للجملة الموسيقية يحدث تبادل في الأدوار بين البيانو و التشيلو حيث
يقوم التشيلو بإعطاء الخلفية الإيقاعية التي كان البيانو يؤديها , و يعزف
البيانو نفس اللحن , و يقوم بعدها التشيلو بعرض تنويع على اللحن و لكن
سرعان ما يعود لنفس الجملة , ثم يأتي لحن متدفق سريع في ثورة الرقصة التي
ما تلبث أن تهدأ و تعزف برقة و عذوبة , (ملاحظة مقطع). نستمع الآن إلى
جزء من الرقصة .
1-الرقصة الشرقية رقم 2
سيرغي رحمانينوف
و
ننطلق نحو مصر التي تمتلك سحرها الخاص , حيث كتبت أعمال تذكر فيها ,
كالمارش المصري ليوهان شتراوس و الباليه المصري للويجيني ألكساندر
(1850/1906) . عازف كمان و قائد و مؤلف فرنسي من أب إيطالي أصبح مواطنا
فرنسياً . كان ألكساندر قائد فرقة المسرح الكبير في ليون و في المسرح
الإيطالي في باريس . فاز بالجائزة الثانية للكمان في كونسيرفاتوار باريس
عام 1869 , عين على أثرها قائدا ً لاوركسترا المسرح الكبير في ليون ثم
عضوا ً في الكونسيرفاتوار .
كتب
عددا ً من أعمال الباليه من ضمنها الباليه المصري في ليون عام 1875 . و
من المتتالية المأخوذة عن تلك البالية أعرض الحركة الافتتاحية
2- الباليه المصري الحركة
الأولى من المتتالية
و
نتابع توجهنا إلى الغرب إلى أسبانيا التي أفتتن الكثير بها و نجد مؤلفات
كثيرة عنها و عن مدنها الجميلة لقد كتب لها غلينكا (ليلة في مدريد ) و
كتب رافيل أكثر من عمل منها الرابسودي الأسباني و لالو السيمفوني
الأسباني و تستمر القائمة لتصل إلى كورساكوف الذي كان أستاذ الموسيقى في
كونسيرفاتوار بطرسبيرغ , و كان آخر المنتمين إلى جماعة الخمسة الكبار في
روسيا و هو أصغرهم سنا ً , وهو الذي شعر بالحاجة إلى الاحاطة بكل النواحي
الفنية في التأليف الموسيقي , و كان أستاذا ً في فنه
لجأ
إلى الحكايات الروسية الخرافية القديمة و قدمها بصورة واضحة التألق , ولا
يفوتني التنويه كونه أعظم أعلام التلوين الموسيقي في الكتابة للاوركسترا
, و يبدو ذلك واضحا ً في شهرزاد و في الكابريس الأسباني الذي هو شاهدنا .
يتألف
هذا الكابريس من خمس حركات تتفاوت بين السريعة و البطيئة . و من الحركة
الرابعة اقتطف جزء ً منها لضيق الوقت .
3- نزوة أسبانية لكورساكوف
الحركة الرابعة
و من
الذين استلهموا ألحانا ً من التراث الأسباني ايمانويل شاربيه
(1841/1894).
مؤلف
و عازف بيانو و قائد اوركسترا فرنسي .
درس
البيانو و الكمان و ألف و هو صغير . دخل كلية الحقوق ليدرس القانون ثم
عمل كموظف في وزارة الداخلية خلال الفترة 1861-1880 و تعرف في هذه الفترة
على الرسام مانيه الذي رسمه مرتين. كما قابل الموسيقار فوريه .
بعد
سماعه أوبرا تريستان و ايزولد لفاغنر صمم أن يترك العمل لدى الدولة و, و
أن يكرس حياته للموسيقى . و بعد زيارته لأسبانيا كتب الرابسودي الأسباني
عام 1883
سوف
نشاهد هذا الرابسودي .
2- فيديو الرابسودي الأسباني
ايمانيويل شاربيه
و من
أسبانيا إلى إنكلترا البلد الذي قد زاره عدد من المؤلفين الموسيقيين
الذين قدموا موسيقى لها , و منهم هايدن جوزيف . الذي ألف مجموعة من اثنتي
عشر سيمفونية سميت بالسيمفونيا ت اللندنية و هي من الرقم 96 و حتى 104
المسماة بسيمفونية لندن دون سبب محدد .
و
فرانز جوزيف هايدن (1731/1809 ) ولد في الريف النمساوي قرب العاصمة
الإمبراطورية , من أسرة فقيرة من أصل هنغاري على الحدود بين النمسا و
المجر , وهو الثاني من بين اثني عشر طفلا ً , مات ستة منهم في مستهل
طفولتهم .
تعلم
هايدن العزف على الكمان و كان يؤدي في الكنيسة ثم على الأورغن . ثم حصل
على وظيفة معلم موسيقى , ثم عمل في قصر الأمير و استطاع أن يبدع تراثا ً
خصباً من الموسيقى الخالدة , الرائدة , و يفتح آفاقا ً جديدة خلال تجربته
الطويلة الدؤوبة .
لقد
استطاع (المعلم ) كما لقب , أن يرقى في صيغة السوناتا و السيمفونية إلى
شاطئ الأمان , حيث أرسى قواعدها على أسس ثابتة راسخة, فأصبح جديرا ً بلقب
أب السيمفونية.
إن من
السمات البارزة لموسيقى هايدن الصفاء و العذوبة و العفوية. و هي تفيض
بالخطوط اللحنية السلسة والهارمونية المتألقة . و كان عبقريا ً في تطوير
النغمات وفق إيقاع راسخ متين . لقد حدد هايدن كون السيمفونية أربع حركات
وأصبحت قاعدة عامة تشمل العصر الكلاسيكي بأسره . و تم تحديد فئات
الاوركسترا السيمفونية الأربعة و هي . الآلات الوترية و آلات النفخ
الخشبية , و النحاسية ثم الإيقاع. و يكفي أن أقول أن من تلاميذه موتزارت
و بتهوفن .
أعرض
هنا لسيمفونية أوكسفورد رقم 92 التي أديت عندما تسلم هايدن الدكتوراة من
جامعة أوكسفورد .
4- أوكسفورد لجوزيف هايدن
و
ننتقل إلى الشمال إلى اسكولتلندا , حيث الطبيعة الجميلة و القاسية شتاء ً
, و التي زارها عدد من الموسيقيين و تأثروا بها مثل فيليكس مندلسون الذي
ألف السيمفونية السكوتلندية رقم 3 كما ألف افتتاحية يصف فيها طبيعة جزرها
و انطباعه عن كهف زاره يسمى كهف فنغال في الهيبرديس . كما ألف لها ماكس
بروخ الفانتازيا السكوتلندية و التي وضع فيها ألحانا ً شعبية في نطاق
أوركسترالي .
و
بروخ (1838/1920) مؤلف و قائد اوركسترا ألماني درس على يد هيلر و راينكه
في كولون . ثم قاد حفلات متعددة في برلين و بون و اوركسترا لفيربول .
تم
تأليف الفنتازيا الاسكتلندية مابين عام 1879 و 80 . عزفت لأول مرة عام
1880 من قبل العازف و المؤلف الكبير سرسات على آلة الكمان حيث نجد فيها
بروز آلة الكمان منفردة في مواجهة الاوركسترا في حوار معها يتطلب مهارة
كبيرة من قبل عازف الكمان . تتألف من أربع حركات تحكي التراث الغنائي
الاسكتلندي .
تعنون
الحركات كما يلي : الأولى روب موريس العجوز . الثانية الطاحونة المعفرة .
الثالثة : أنا ذاهب إلى بحيرة جوني . و الرابعة واها هي وي . دم والس
5- الفنتازيا الاسكوتلندية
الحركة الرابعة
نتجه
الآن شرقا ً إلى فرنسا , حيث برع فيها موسيقيون ,كما تأثر فيها آخرون .
و قدم
هايدن مجموعة من السيمفونيات و هي ست سيمفونيات أطلق عليها الباريسية على
غرار اللندنية .
لقد
تعرض المؤلف الفرنسي كميل سان سان (1835/1921 ) , إلى مختلف التيارات
الموسيقية , لكنه بقي محافظا ً على مثله الفنية , لما وهب من حس سليم و
صفاء في الأسلوب و كمال في الشكل, معتبرا ً أبدا ً اللغة الموسيقية غاية
في ذاتها لقد كان سان سان , يملؤه الحماس الدائم , وكان يعرف عن الموسيقى
أكثر من أي فنان آخر في بلده . لقد كتب العديد من الأعمال الغنائية
الدرامية و السيمفونيات و كانت أعذب أعماله للكمان و الاوركسترا روندو
كابريتشيو , و أوحت له الأندلس بعدة مقطوعات تفوح منها نسائم الروح
الأندلسية. من أعماله نستمع إلى المارش الفرنسي.
6- المارش الفرنسي كميل
سانسان
و إلى
الشرق , حيث ألمانيا , بلد برع فيه عدد كبير من الموسيقيين , و كانت لهم
مدرستهم الخاصة و فلاسفتهم و شعراؤهم .
كما
يتصف بتراث أخذ من البيئة , حيث نجد ألأغان الريفية و الرقصات .
و قد
كتب موتزارت رقصة ألمانية , رقصة الزلاجة التي تندمج مع أجواء الثلج و
الأحصنة التي يصدر عن حركتها أصوات من الأجراس .
و
موتزارت فولفغانغ أماديوس (1756/ 1791) ولد في سالزبوغ لأب موسيقي (ليوبولد)
يتقن العزف على الفيولون , و يؤلف في شتى الصيغ الموسيقية , لم يبق القدر
له إلا على اثنين من أطفاله السبعة هما ماريا آنا و فولفغانغ الذي عكف
على الكلافيير (جد البيانو) و استطاع في الخامسة أن يبتكر ألحانا ً, و
يدهش هذا الطفل عواصم العالم الغربي , بمهارته الخارقة في العزف على
البيانو .
و يصل
إلى البلاط الإمبراطوري و هو في السابعة ليعزف في قصر الأميرة ماري
أنطوانيت . و في باريس يستمع إليه ملك فرنسا لويس الخامس عشر في قصر
فيرساي . و تتالت إنجازاته و أعماله من سيمفونيات و كونشيرتات و أوبرا ,
و يحقق ذروة في الخلق الفني لا مثيل له في تاريخ الموسيقى بأسره .
7- الرقصة الألمانية موتزارت
و
نتجه الآن إلى النمسا , مقصد الفنانين , و مرتع خصب لأفكار موسيقية جديدة
.
و
شتراوس ابن النمسا لم يستطع إلا أن يحكي لنا عن نهرها و غاباتها و شعبها
و طبيعتها . بطريقته الخفيفة الظل و ألحانه السهلة المسترسلة التي تدخل
القلب دون استئذان . و فالس الدانوب الأزرق هو من أكثر الأعمال عزفا ً في
الأمسيات الموسيقية لما يمتلكه من شعبية كبيرة بين المستمعين .
و
يوهان شتراوس الابن (1825/1899) ملأ أجواء فيينا و عواصم العالم الغربي
بفالساته الخالدة . و قدر كبار العمالقة في عصره , فنه الجذاب المتألق ,
من أمثال فاغنر و فرانز ايست و يوهان برامز . و لقب بملك الفالس , حيث
بلغ في ذلك الذروة
و كان
أبوه يوهان شتراوس , يعاف ولع ابنه للموسيقى , لكن يوهان الابن درس
التأليف الموسيقي و العزف على الكمان سرا ً. و كتب أول فالس له في سن
السادسة من عمره .
3- فيديو الدانوب الأزرق
هانحن
نتجه نحو ايطاليا بلد يعد من أكثر البلدان تعرضا ً كموضوع موسيقي حيث كتب
تشايكوفكي النزوة الايطالية و كتب مندلسون أيضا سيمفونية كاملة كرسها
لايطاليا و هي السيمفونية الرابعة .
وفيلكس مندلسون (1847/1809) مؤلف ألماني رومانتيكي كلاسيكي , تفيض
موسيقاه بالانفعالات , و يتجه بعضها بالسوداوية .
لقد
تمسك مندلسون بالقواعد الموسيقية . و لم يطرق العالم الخفي الذي عرفت به
الرومانتيكية , و ظل طوال حياته موتسارتيا ً و نقل بعض صيغ موتسارت
الهارمونية الكروماتية و أفرط في تمييعها لحد كبير . كما اتبع في كتابة
السيمفونية نهج بتهوفن في الاتجاه تحو التصوير . و سيمفونياته شاعرية في
تصويرها و أحاسيسها , و كانت له أعمال سكيرتزو مأخوذة عن شيكسبير (حلم
ليلة صيف ) . لكن ما ابتكره مندلسون لم يكن مقصورا ً على السكيرتزو
الخيالي . فقد قدم انطباعات الألوان التي توحي بها المشاهد الإيطالية .
فلنستمع إلى الحركة الأولى من السيمفوني الايطالي.
8- الحركة الأولى من
السيمفوني الإيطالي مندلسون
و عبر
البحر الأدرياتيكي نعبر من ايطاليا إلى هنغاريا . حيث ألحان رقصاتها جعل
برامز ينهل من معينها و يكتب 21 رقصة هنغارية تعد من أشهر ما كتب في
الرقصات.
و
يوهان برامز(1823/1897) المؤلف الألماني المحبذ للتطوير لا الثورة و هو
رومانتيكي استطاع و هو في العشرين أن يزهو بالترحيب الحماسي من قبل
الموسيقيين من أمثال شومان الذي اعتبره مساويا ً له في العبقرية .
إن
أسلوب برامز هو خليط من باخ و موتسارت و بتهوفن و شوبرت و شومان .
كان
برامز أعظم ممثل للحركة الرومانتيكية في الموسيقى التي سعت للتوافق مع
الماضي , في نواحي الإبداع .
و
بينما كان فاغنر يعتقد أن السيمفونية التاسعة لبتهوفن هي خاتمة المطاف .
ظهر برامز ليكتب روائع السيمفوني .(الناقد ).
و من
عالم برامز الرائع و من رقصاته أعرض أشهرها
9- الرقصة الخامسة من مجموعة
الرقصات الهنغارية
و
نتجه إلى تشيكوسلوفاكيا , حيث الطبيعة الجميلة أيضا ً و إن كان شتراوس قد
ألف للدانوب فإن بريدريخ سميتنا كتب عن موطنه و عن نهر الملداو
و
بردريخ سميتنا (1824/1888) أول شخصية بارزة و ذات موهبة رفيعة في البلاد
التشيكية و و هو أعظم شخصية في بوهيمية في مطلع القرن التاسع عشر , حيث
خلق الروح الشعبية القومية , إن القومية عند سميتنا ليست في التزام
الحدود بل أن يكون داعيا ً لموسيقا بلاده خارجها .
بدأ
سميتنا عازفا ً في السويد و قائدا ً مبدعا ً الألحان , و تحت إلحاح
الدافع القومي أنشأ الكونسيرفاتوار في العاصمة براغ , و هناك أحيا
الحفلات الموسيقية .
و
كانت الأحداث السياسية التي أدت إلى نوع من الاستقلال دافعا ً ليقوم
سميتنا عام 1862 بإعداد برنامج لحفلات موسيقى تشيكية محضة . و عمل رئيسا
ً للأوبرا التشيكية حتى 1874 حيث أصيب بالصمم فتفرغ للتأليف حتى أصيب في
النهاية بالجنون.
لقد
كانت قصيدته السيمفونية موطني من أواخر إبداعاته . و لم يسبق لأي بلد أن
خطت بتمجيد طبيعتها أو بطولاتها كما في هذا القصيد .فقد جمع هذا القصيد
السيمفوني من الجوانب الشاعرية و الدرامية و الدينية كل ما يمكن جمعه .
إن
الملداو قد تتحدث بلغة موسيقية محلية لا يتأثر بروحها على أكمل وجه إلا
أبناء الأمة التشيكية .
4- فيديو نهر الملداو
بريدريخ سميتنا
وإلى
بولندة حيث المؤلف العظيم للبيانو فردريك شوبان (1810/1846) الذي اتحد في
موسيقاه العنصر القومي و العبقرية في أسمى صورها .
كان
شوبان طفلا ً معجزة في عزفه و إبداعه الفني , و بعد نجاحه الأول في وارسو
موطنه الأول و عاصمة بولندة المناضلة , غادرها نهائيا ً إلى فيينا و قدم
فيها أعماله للبيانو بمصاحبة أوركسترا فيينا , ثم توجه إلى باريس , التي
أصبحت وطنا ً روحيا ً له. و عاش في باريس , فنانا ً حرا ً طليقا ً بعيدا
ً عن الاحتلال الذي أصاب بلده .
لقد
عاش شوبان حياة آلام و أحزان لكثرة ما عانى من المرض و الهم من البعد عن
وطنه و الحنين إليه , حيث كان يشعر بعمق مأساة وطنه جراء مقاومته ضد
روسية , لقد قيل له قبل خروجه من بلاده قاوم الاحتلال بموسيقاك و علينا
أن نقاوم ببنادقنا .
و سعى
شوبان منذ البداية للجمع بين أسمى صور الإبداع الفني و الصناعة الفنية.
و
فاضت موسيقاه بالألوان و الظلال . و هي جميعها ألحان رائعة تفيض بمستجدات
ميلودية تنساب من خلال تآلفات هارمونية ذات سحر و جمال .
لقد
تجسدت روح بولندة في موسيقاه أكثر من أي مؤلف آخر , و حققت معاني وطنية
كبيرة , فكانت مؤلفات البولونيز المعبرة عن الرقصات الشعبية أو مناسبة
احتفالية حيث كتب شوبان ثلاث عشرة منها , و كانت المازوركا و هي رقصة
ريفية نشأت في مازوفيا قرب وارسو و كتب شوبان حوالي الستين منها .
و من
مجموعة المازوركا أعرض الأولى .
10 – المازوركا الأولى شوبان
نتابع
رحلتنا شمالا ً إلى فنلنده التي كانت مضطهدة من جانب الغزاة المحتلين و
قد أنجبت طائفة من المؤلفين الرواد , و كان يان سيبيليوس عملاق الشمال
أعظمهم وقد تمتع بشهرة عالمية وضعته جنبا ً إلى جنب مع عمالقة الفنانين
العالميين .
و قد
جاء سيبيليوس (1865/1957) ليعبر عن روح الشعب الفنلندي و أساطيره و
معتقداته و عن مناظر الطبيعة الساحرة في بلاده في سيمفونياته و قصائده
السيمفونية
و ها
هو يصف في متتالية كاريليا وهي مقاطعة في جنوب فنلندة , جمال بلاده و
ألحانها
11- من متتالية كاريليا
الحركة الثالثة
و
ننطلق إلى النرويج , آخر دولة في شبه الجزيرة السكندنافية حيث نجد
الأغاني الشعبية, و الرقصات الريفية الفولكلورية , و لعل هذه الأغاني بكل
ما فيها من إيقاعات قوية راسخة وطابع خاص بها تعد من أهم موسيقى بلاد
الشمال .
و
إدوارد غريك (1843/1907 ) هو أكثر الموسيقيين النرويجيين أصالة, و الطابع
النرويجي عنده واضح في مؤلفاته. و قد أطلعنا ادوارد غريك في أحدى
متتالياته , بير غنت على إحدى القصص الشعبية الموروثة . لقد كان مؤلفاً
و قائد اوركسترا و عازف بيانو .
شجعته
أمه على الموسيقى , حيث كانت عازفة بيانو موهوبة و بنصيحة من أحد عازفي
الكمان , شد غريك الرحال من بيرغينت إلى كونسيرفاتوار ليبزيغ , ثم استقر
في كوبينهاغين . و قد ألف غريك في مختلف أنواع الموسيقى و أذكر هنا
كونشرتو البيانو و الاوركسترا الذي يعد من أجمل ما كتب للبيانو .
لقد
استطاع غريك أن ينقل الفولكلور النرويجي , بأغانيه و رقصاته , بعبقرية
نادرة , بكل ما فيها من سمو و شاعرية , و بإبداع فذ فريد, و هارمونية
غنية محببة للنفس .
و
أقدم هنا الرقصة النرويجية رقم 2
12-غريك الرقصة النرويجية
رقم 2
شرقا
ً إلى روسيا حيث المدرسة القومية الموسيقية التي أفرزت الخمسة الكبار
لكن
موسيقيا ً مرهف الحس , كبير الموهبة كان روسيا ً بطريقة تختلف عن الخمسة
الكبار , وجد طريقه في الموسيقى ليخاطب كل العالم بلغة موسيقية عالمية ,
و إن كانت لكنتها في بعض الأحيان روسية .
لقد
كان تشايكوفسكي ( 1840/1893 ) من الكبار بطريقته الخاصة .
لقد
أبدع بكل ما كتب من كونشيرتات لمختلف الآلات وسيمفونيات , حيث أثرى
تشايكوفسكي موسيقاه السيمفونية بالمشاعر الوفيرة , حسب برامج مرسومة .
و
كانت أروع أعماله في البالية ومنها كسارة البندق , حيث كتب فيها مجموعة
من الرقصات العربية و الصينية و الروسية , و من هذه الرقصات الخاصة
بروسيا رقصة التريباك و هي رقصة شعبية حيوية ذات مقياس 4/2 قدمها
تشايكوفسكي و موسورسكي , فمن متتالية كسارة البندق أعرض الرقصة الروسية
13 - رقصة التريباك
تشايكوفسكي
و
جنوبا ً إلى تركيا حيث الأسلوب التركي الغريب في الموسيقى و خاصة أيام
موتزارت . حيث كتب أوبرا عن الحريم التركي و روندو تركي في السونات
للبيانو حيث نجد اللحن الآسر و الإيقاعات الجميلة مما خلق لها الشهرة و
الاستمرار
5- فيديو موتزارت المارش
التركي
و إلى
الصين حيث يوجد للموسيقى طابع خاص و سلالم موسيقية ذات أبعاد مختلفة عن
بقية أنواع السلالم . و كجميع البلدان نجد بعض الألحان و الرقصات الشعبية
قد تم توزيعها بطريقة أوركسترالية و سردها بطريقة علمية . نذكر هنا رقصة
صينية قام ( زو- دو ) بتوزيعها و تحوياها إلى حوارية كلاسيكية بين الكمان
و الأوركسترا
14- رقصة صينية
و
نستمر شرقا ً لنصل إلى أميركا و خاصة الشمالية , العالم الجديد الذي كان
يعيش الهنود الحمر فيه بتناغم و تآلف مع الطبيعة فكانت لهم تقاليدهم و
اعتقاداتهم و أيضا ً موسيقاهم , لكن يد الأوربيين امتدت لتحتل أرضهم و
تمحو تراثهم و تنفيهم على أرضهم , إن السكن الأصليين لم يعودوا إلا أقلية
.
لقد
حكى لنا دفورجاك في سيمفوني العالم الجديد عن الثقافات التي كونت هذا
العالم من افريقية و أوربية و هندية حيث يروي في الحركة الثانية مأساة
الهنود الحمر مشيرا ً إلى ألحانهم التي لفها الحزن و بدأت تتلاشى .
و
دفورجاك أنطونين (1841-1904 ) بدأ حياته الفنية بالعزف على الأورغن ثم
عازف كمان ثم مدرسا ً للتأليف في الكونسيرفاتوار .
عني
دفورجاك بأشكال الموسيقى المطلقة فكتب سيمفونيات و كونشيرتات للبيانو و
الكمان و التشيلو .
لقد
ورث دفورجاك تراث الموسيقى , حيث ملأ موسيقاه بالعذوبة و الإيقاعات
الساحرة . و استوحى دفورجاك ألحانه من الرقصات الشعبية و الأغاني
البوهيمية .
و كان
أهم تجاربه في ميدان الموسيقى الشعبية للبلاد الأخرى , تجربة الولايات
المتحدة الأميركية حيث زارها بين 1892 و 1895 , و هناك استمع إلى موسيقا
الزنوج و فولكلور العرق الأحمر, و كانت الثمرة سيمفونية العالم الجديد
حيث مزج فيها بين قدرته الخلاقة و روح الألحان الشعبية للزنوج و العرق
الأحمر .
نشاهد
الخمس دقائق الأولى من الحركة الثانية لسيمفوني العالم الجديد .
6- فيديو العالم الجديد
دفورجاك(فيديو )
و
إلى أقصى الجنوب , إلى القطب الجنوبي , حيث الطبيعة المتجمدة القاسية ,
حيث لا يود أحد أن يكون هناك , لكن بعض الأشخاص المحبين للتحدي شدوا
رحالهم غليه ليقهروا الصعاب و يؤكدوا سيادة البشر على جميع جنبات الأرض .
و من
الأوائل في قهر القطب الجنوبي و الوصول إلى أدنى
نقطة في الأرض , القارة المتجمدة الجنوبية , سكوت بين (1910 -1912 ) . و
كانت محاولته قد ألهمت الفن السينمائي بتخليد محاولته .
لقد
قام فوغان ويليامز بتأليف سيمفونيته السابعة مكرسا ً إياها لرحلة القطب
الجنوبي
تم
تأليفها بين 1949 و 1952 و عزفت لأول مرة في مانشيستير عام 1953 .
و كان
فوغان ميليامز (1782 – 1858) , يتمتع بثقافة عالية . و تتميز ألحانه
بالعذوبة و الجمال , لقد تكلم ويليامز لغة موسيقية جديدة ,عالية رائعة
ترقى إلى مستوى أعظم الأعمال الموسيقية , حيث تخطى عتبة الرتابة بجرأة
نادرة نحو التألق و خاصة في سيمفونياته الخمس الأخيرة .
15– فوغان ويليامز المتجمد
الجنوبي
و من
برودة القطب الجنوبي نعود إلى دفء شمسنا , و إلى أغان طالما سمعناها و
تربت أجيال عليها , و كان لها التأثير حتى على الأجانب .
لقد
زار رون غودوين لبنان و جال فيها و في المدينة القديمة حيث سمع لحناً قام
بتوزيعه و تسميته ببيروت القديمة , ستعرفون حتما ً الأغنية التي سنستمع
إليها .
16- بيروت القديمة
و
هكذا انتهت رحلتنا في عالم الموسيقى .
الصفحة
الرئيسية |