الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

رسالة المركبة بايونير

ناصر منذر

حملت المركبة بيونير-10 رسالة إلى حضارات محتملة قد تصادفها في أعماق المجرة بعد أزمنة بعيدة.. لوحة من الألمنيوم مغطاة بطبقة سميكة من الذهب أبعادها (15×25) سم، ثبتت على الجزء الخارجي من المركبة، لم تعتمد الرسالة لغة أرضية معينة بل استخدمت نظام الترميز الثنائي Binary System وهو أبسط الأنظمة الرياضية وأبسطها اكتشافاً، في أعلى يسار الرسالة معلومات عن القفزات الطاقية لذرة الهيدروجين التي تترافق بإطلاق موجة راديوية بطول 21 سم، وتواتر 1420 ميغا هرتز، وباعتبار الهيدروجين هو أكثر العناصر انتشاراً في الكون فقد افترض العلماء أن أي حضارة متقدمة أخرى يقدر لها أن التقاط الرسالة ستتفهم بسرعة مضمون هذا الجزء من الرسالة والذي كتب على هيئة مجموعة من الخطوط والنقاط وفق النظام الثنائي، وكوسيلة للتحقيق تستخدمها الحضارات المتقدمة لدى فكها لرموز هذه الرسالة وضع الرمز المثنى للعدد 8 الدال على طول المركبة التي وقعت حدودها على اللوحة كخلفية لها، بينما في المقدمة نقش لرجل وامرأة عاريين وهما عماد الحضارة الأرضية. أما في يسار ووسط الرسالة فقد نقشت مجموعة من الأعداد باستخدام النظام المذكور، وفي سبيل استنباط معنى محدد يمكن افتراض كونها مسافات (وعندها لن تحمل معنى محدد) أو فترات زمنية وعندها ستساوي الأدوار الزمنية الدقيقة مقاسة على الأرض للنجوم النباضة والمنابع الكونية الراديوية الأقرب للمجموعة الشمسية، وقد أشير في أسفل الرسالة لتلك المجموعة بنقش دائرة تمثل الشمس وتسع دوائر مجاورة ممتدة على طول لوحة الرسالة ممثلة لأفراد المجموعة الشمسية، وقد أشير بسهم للدائرة الثالثة تحديداً لمصدر الرسالة الأرض ثالث كوكب وفق ترتيب البعد عن الشمس.

صاحب فكرة هذه الرسالة هو ريتشارد هوغلاند بالاشتراك مع إريك بورجيس، اللذان حملا الفكرة إلى كارل ساغان الذي نفذها بنجاح على متن أول مركبة فضائية تفلت من الجذب الثقالي للشمس، أما كيف تولدت فكرة هذه الرسالة فإن هوغلاند بنفسه يخبرنا بذلك.. (1).

"لقد ولدت فكرة الصفيحة المعدنية خلال مهمة أخرى وهي اتخاذ المسبر مارينر-9 مدارا ًله حول كوكب المريخ في تشرين الثاني عام 1971، كنتُ عصر ذلك اليوم أرقب الأحداث التاريخية في مختبر الدفع النفاث حيث استطاع مسبر متواضع أن يدخل مداراً حلقياً حول الكوكب الذي طالما داعب مخيلات بني البشر، وفي اللحظة التي انخفضت عندها سرعة المسبر الفضائي تحت السرعة السحرية، ولو حدث أن فشل المحرك فإن المسبر الفضائي لن يستطيع الإفلات من جذب المريخ، عند تلك اللحظة هب مئات الصحفيين والعلماء والمهندسين واقفين على أقدامهم مصفقين بحماس كبير."

"وفي غمرة الفرحة، فرحة مركبة فضائية وقعت في فخ كوكب آخر وإلى الأبد، بدا أن رجلاً واحداً لم يكن على ما يرام، لقد أثارني فعلاً، بادرته بالسؤال: ما الخطب؟ أجاب بهدوء: هناك مسبر فضائي سيطلق نحو المشتري، اسمه بيونير ولا أحد يذكره بكلمة!"

"كان هذا الشخص بيت وولر والذي أسندت إليه مهمة إدارة العلاقات العامة في مركز مونتن فيو في كاليفورنيا، وأخبرني أنه يعد لاحتفال صغير خاص برجال الإعلام يوم الثلاثاء التالي يقدم خلاله العلماء الذين عملوا في مشروع بيونير أهم التجارب المصممة خصيصاً لذلك المشروع."

"يوم الثلاثاء وبعد ثلاث ساعات مضنية من الاستماع ساقتني الأقدار مرة أخرى إلى بيت وولر، كان وجهه متهللاً بالفرح وأعلن بأعلى صوته مخاطباً الحضور عند انتهاء العلماء من مداخلتهم المطولة عن الحقول المغناطيسية وامتلاك المشتري لحق لمغناطيسي، قائلاً: (لدينا مفاجأة، لقد خططنا لإطلاعكم على المسبر الفضائي بيونير بذاته، قبل شحنه إلى رأس كينيدي بأيام قليلة)..".

"... كان هذا المسبر مختلفاً تماماً عن التوابع الصنعية الأخرى التي ألقينا بها في الفضاء السحيق فمهما حدث لآلاته الدقيقة إثر مواجهة أحزمة الإشعاع الهائلة في محيط المشتري، كانت الخطة تقضي بأن يدفع المشتري بالمسبر في غضون سنـتين من تلك المواجهة خارج المجموعة الشمسية وإلى الأبد. كان على المشتري وفق آلية محددة من آليات الميكانيك السماوي أن يزود المسبر بسرعة تكفيه للتخلص نهائياً من الجذب الثقالي للشمس، والتجوال من ثم إلى الأبد بين الآفاق غير المنتهية لعوالم النجوم وربما هو أفضل من ذلك.. إذن بيونير كان سيصبح رسولنا الأول المغفل إلى المجرة."

"كانت الحجرة مؤلفة في واقعها من حجرتين: الحجرة الداخلية وهي إناء الفراغ الحقيقي والقشرة الخارجية البيضاء المعدة خصيصاً لأغراض التبريد في شمس كاليفورنيا الحامية، .. بدا المسبر لامعاً في الضوء الأبيض الساقط عليه وخلال النوافذ المتجلدة (سبب التجلد هو درجات الحرارة المنخفضة السائدة في الحجرة والناجمة عن وجود الآزوت السائل، أما الهدف من كل ذلك فهو تأمين أجواء أشبه بتلك السائدة في محيط المشتري على أبعاد سحيقة من الشمس) كانت كل تفاصيل بيونير واضحة بما فيه الآلات الإلكترونية الدقيقة، لقد بدا المسبر كمجرة محتجزة في فناء ضيق، وكانت أشبه بالنجوم التي ستلتحم معها يوماً وإلى الأبد، كان ذراع التحسس المغناطيسي والمولدات النووية مثبتة إلى المسبر في مواقع منه بطريقة توضع تخالف الطريقة التي ستكون عليها لدى إبحار المسبر في الفضاء، كان المسبر بيونير أشبه ببعوضة الكترونية محتجزة في قارورة كونية تنتظر إطلاق سراحها.."

"سيكون بيونير بحد ذاته منبعاً فياضاً للمعلومات هناك في بقعة كونية نائية، لو قورن بالنقاط والخطوط الراديوية التي اعتبرت لفترة طويلة على أنها واسطة الاتصال الكونية الوحيدة، هذا إذا حدث واكتشف أحد ما بيونير، سيكون بمقدور الباحثين المجريين أن يقوموا بتحليل معمق لإلكترونيات بيونير وخلائطه المعدنية بل وحتى جراثيمه العالقة وسيخلصون من ذلك إلى معلومات مستفيضة تبلغ أضعاف المعلومات التي تزودها الأشعة الراديوية"

"لقد كنا أنا وإريك نعلم علم اليقين أن احتمال التقاء بيونير بأحد ما خارج المجموعة الشمسية هو احتمال مساو للصفر تماماً، مرت بذاكرتي عند هذه اللحظة عبارة عن مسلسل الهجرة إلى النجوم حيث يقول أوهورا: (ولكنها مجرة مترامية يا سيد سكوت)، وعبر تلك المجرة الهائلة كنا نحن، الجنس البشري على وشك إطلاق دقيقة فضية من صنعنا، هذا ما كنا على ثقة مطلقة منه على الأقل، كم عدد العوالم يا ترى التي قد تجري عليها أحداث مماثلة في خضم هذا الكون المظلم الفسيح؟ وما الذي سيخطر ببال أولئك الذين خلدوا إلى الراحة في منازلهم بينما رسولهم ضاع وافتقد بين النجوم؟ لو قبلنا بالأطروحات المتأخرة التي تؤكد أن الحياة ظاهرة كونية شاملة وأن المجرة تضج بالمجموعات الكوكبية المأهولة لخلصنا فوراً إلى استنتاج مفاده أن ما يحدث الآن وهنا يتوجب أن يتكرر ملايين وملايين المرات. أما بالنسبة لنا فلن يحدث ذلك إلا مرة واحدة، وها قد حدث فعلاً. نظرتُ مرة أخرى إلى حشود الزوار الذين كانوا ينتظرون زملائهم ممن لازالوا في جوار المسبر الفضائي السجين، كم منهم يا ترى كان قد تفهم أهمية هذه اللحظة التاريخية؟ وهل سيكون بمقدوره إشعار الآخرين بمدى هذه الأهمية".

"هتفتُ: (إريك إنك على حق، يجب أن نحمّل هذا المسبر رسالة) ولكن ستكون الرسالة موجهة إلى أنفسنا، وعلى الفور بدأنا سوية بتحقيق هذه الفكرة، لقد حلقنا أنا وإريك عصر ذلك اليوم مع بيونير في رسالته، وسرعان ما تبينا إمكانية نجاح مسعانا فيما لو اتصلنا بكارل ساغان وطرحنا عليه الفكرة ألا وهي إعداد رسالة كونية ليست ذات أهمية علمية مباشرة، وتحميلها على بيونير في غضون إعداده للإطلاق خلال شهرين"

"وجدنا نفسينا بعد فترة بسيطة على الطريق المؤدية إلى مختبر الدفع النفاث، ولحسن حظنا التقينا ساغان مصادفة هناك، إذ كان يعد لمحاضرة بعنوان: (المردود العلمي لعواصف المريخ الغبارية)، استمع ساغان بهدوء وتمعن إلى اقتراحنا بتزويد بيونير برسالة وسرعان ما بدت ابتسامة عريضة على وجهه وقال: (يا لها من فكرة طريفة)".

"أما الباقي فيمكن إجماله بقولنا أنه جزء من تاريخ المجرة، لم يكن لدى أي منا أي وهم يتعلق بإمكان أن يلتقي أحد ما ببيونير وينـزع منها الصفيحة المعدنية، على الأقل خلال فترة زمنية أطول من الفترات المعتادة للميزانيات المالية لناسا (هكذا عرض ساغان الأمر)، إن الفضاء شاسع ومسار بيونير لن يقودها إلى أي نجم قريب، ناهيك عن كوكب مأهول في جوار مجموعة نجمية، ولا شك أنها لن تصمد إذا دلفت إلى الغلاف الجوي لأحد الكواكب إذ أنها ستحترق ولن تصل سطح الكوكب، واحتمال أن يحدث كل ذلك لا يتجاوز الواحد في المليون"

"لقد حملت المسبر بيونير رسالته لسبب هام وأساسي: إعطاء ذلك اليوم التاريخي من كوكب الأرض أهميته التي يستأهلها.. إنها رسالة موجهة لنا".

نعم.. إنها رسالة موجهة لنا..

-----------------

(1): القصة كما يخبرها ريتشارد هوغلاند في كتابه "الحضارة المريخية مدينة على تخوم الأزل" ترجمه للعربية المهندس فايز فوق العادة.

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •