الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

التنجيم عند العرب

 ناصر منذر

          تعود بداية علم الفلك إلى بداية تكوّن الوعي البشري، حيث كانت الظواهر الكونية -من تعاقب الليل والنهار وحركة الشمس والقمر والنجوم والكواكب، والتغيرات التي تطرأ عليها من كسوف وخسوف والمظاهر التي ترافقها من تعاقب الفصول وتغير المناخ- قد شغلت الإنسان الأول في كل بقاع الأرض التي سكنها، فبالإضافة إلى أنها أثارت الرغبة لديه في كشف النقاب عنها وفهمها، أيضاً قد كانت تعاقباتها وتغيراتها تلك مؤثرة في كيفية حياته القائمة على الزراعة والصيد والرعي، لذلك بدأ الإنسان يُـراكم معارفه وأرصاده في سبيل بناء علم فلك عقلاني يتيح له فهم الكون ويمكّـنه من السيطرة والتكيف مع الظروف المحيطة به ليضمن استمراره في الحياة، وقد استغرق ذلك، أي تبلور علم عقلاني منهجي يدرس الكون ويفسّر ظواهر آلافاً من السنين تراكمت خلالها أرصاد ومعارف وخبرات لدى مختلف الحضارات البشرية، وكان للعرب دور هام في هذا المجال.

اهتم العرب القدماء بالسماء، حيث كان لزام عليهم معرفة النجوم والكواكب ليهتدوا بها أثناء مسيرهم ليلاً الذي فرضته عليهم بيئتهم الصحراوية الحارة والخالية غالباً من علامات يُهتدى بها، هذا بالإضافة إلى طبيعة حياتهم القائمة على الارتحال والتنقل الدائم، ونجد في التراث العربي الكثير من المقولات والأشعار التي تشير بوضوح إلى استدلالهم بالنجوم، كقول سلامة بن جندل مشيراً إلى سيرهم اهتداءً بالكواكب:

"ونحنُ نعشو لكم تحت المصابيح"

أو قول ذي الرمة:

"تياسرن عن جدي الفراقد في السرى

ويامنّ شيئاً عن يمين المغاورِ"

وكذلك قول عبد الله بن قتيبة الدينوري موضحاً كيفية الاهتداء بالنجوم:

"اعرف البلد الذي تؤمه، وفي أي أفق، فإن كان في ناحية المشرق كخراسان وما صاقبها: استقبلت منازل الشمس والقمر، إن كان سيرك ليلاً والسماء صاحية، وجعلت الجدي -أي القطب وبنات نعش- على يسارك، والشعريين وسهيلاً على يمينك. وإن كان في ناحية المغرب استدبرت منازل القمر وجعلت الجدي وبنات نعش على يمينك والشعريين وسهيلاً على يسارك. وإن كان في ناحية اليمن: جعلت منازل القمر على يسارك وجعلت الجدي وبنات نعش وراءك وسهيلاً أمامك. وإن كان في ناحية الشام جعلت منازل القمر على يمينك وجعلت الجدي وبنات نعش أمامك وسهيلاً وراءك."

وقد شغلت ظواهر السماء ومتغيراتها (من حركات الكواكب والنجوم ومواضعها إلى كسوف وخسوف الشمس والقمر وتعاقب الفصول وطولها واختلاف مواضع شروق الشمس وغروبها وغير ذلك) اهتمامهم حيث ربطوا هذه المتغيرات بحياتهم ومستقبلهم، ذلك أنه لم يكن لديهم آنذاك، شأنهم شأن غيرهم من الحضارات القديمة، تصوّر صحيح للكون ولا فهم لماهية وحقيقة ما يشاهدون في السماء، لذلك لم يكن هناك فصل بين علم الفلك –الذي نعرّفه اليوم بأنه فرع علمي يختص بدراسة الكون- وبين التنجيم الذي يدّعي التنبؤ بالغيب استناداً إلى تحركات أجرام السماء دون اعتماد المنهج العلمي.

كلمة فلك لدى العرب تعني "مدار النجم"، وقد كان يطلق على هذا العلم عندهم: "علم/صناعة الهيئة" أو "علم/صناعة النجوم" أو "صناعة التنجيم"، و"الفلكي" أو "المنجم" هو المشتغل بهذا المجال ومعناه في لسان العرب: "من يظفر في النجوم ويحسب مواقيتها وسيرها"، ويؤكد هذا قول للمسعودي (توفي 957 م):

"إن صناعة التنجيم، والتي هي جزء من أجزاء الرياضيات، وتسمى باليونانية Astronomy تنقسم قسمة أولية إلى قسمين:

  1. العلم بهيئة الأفلاك وتراكيبها ونصبها وتآليفها.
  2. العلم بما يتأثر عن الفلك.".

ولعل هذا التعريف –وربط التنجيم بالرياضيات- حديث نسبياً لدى العرب، فقد كان استخدام الرياضيات سابقاً مقتصراً على ترقيم الظواهر المتكررة وتسجيلها، ثم إن اعتماد الحسابات في علم الفلك عند العرب لم يكن قبل الدولة العباسية، وبالذات قبل عهد أبو جعفر المنصور في هذه الدولة (754-775 م) حيث ترجم بأمر منه، ابراهيم من محمد الفزاري كتاب "السند هند" وهو كتاب بأحكام النجوم العالم الرياضياتي الهندي برهمكيت وكان كتبه للملك فياكهرمكة عام 628 هـ.

وقبل ذلك العهد كان المشتغلون بهذا المجال يطلق عليهم اسم "العرّافين" أو "الكهّان"، وكانت مهمتهم استطلاع الغيب والتنبّؤ بالمستقبل، ولعل أصول هذه المعتقدات قد كانت –وهي بسيطة على كل حال- تعود إلى تواصلهم من البابليين والكلدان في بلاد الرافدين -هؤلاء الذين هم أول من عرف عنهم اهتمامهم بعلم الفلك والتنجيم- ويدل على ذلك، الكثير من الكلمات العربية الموافقة للأصل الكلداني، فمثلاً كان الكاهن يسمى بالعربية: "حزاءاً" أو "حازياً" وهي لفظة كلدانية تعني "الناظر" أو "البصير"، كما أن كلمة "مريخ" مأخوذة من اسم الإله "مردوخ"، ونجد أيضاً كلمات أخرى مثالها أسماء الأبراج العربية وما يقابلها من الأصل الكلداني:

 

الحمل

إمرا

الثور

ثوار

الجوزاء

نامي

السرطان

سرطان

الأسد

إربا

السنبلة

شبلتا

الميزان

ماساثا

العقرب

عقربا

القوس

قشتا

الجدي

كديا

الدلو

دولا

الحوت

نونا

 

وقد كان لكل كاهن عند العرب ما قبل الإسلام، قَسَم يفتتح به نبوءته، ويعتمد فيه سجعاً خاصاً، يحلف فيه بعناصر الطبيعة، وبظواهر السماء، مثل العرّافة زبراء القضاعية من بني رئام، وكانت تحلف بـ:

"الليل الغاسق، واللوح الخافق، والصبح الشارق، والنجم الطارق، والمزن الوادق"

وطريفة اليمنية، كاهنة اليمن (التي يقال أنها أنبأت الملك عمر بن عامر بزوال ملكه وخراب سد مأرب)، وكانت تحلف بـ:

"النور والظلماء، والأرض والسماء"

وسطيح الكاهن (وهو ربيع بن ربيعة بن مسعود بن مازن بن ذئب بن عدي بن مازن بن غسان) الذي كان يقول قبل نبوءته:

"أقسم بالشفق، وبالغسق، بأن ما أخبر به هو الحق"

وقد تراجع الاهتمام بالتنجيم في صدر الإسلام والعهد الأموي، بسبب نهي الرسول والخلفاء الراشدين عنها، وقرب عهد الناس من عهدهم، ونرى صدى استنكار الناس للتنجيم في تلك الفترة بكثير من الأشعار، فنرى الخليل بن أحمد يقول:

أبلغا عنّي المنجّم أني

 

كافر بالذي قضته الكواكبُ

عالم ما يكون وما كان

 

محتّم من المهيمن واجبُ

وقال الصاحب بن عباد:

خوّفني المنجم أبو خبل

 

تراجع المريخ في برج الحمل

فقلتُ دعني من أباطيل الحيل

 

فالمشتري عندي سواء وزحل

وقال آخر:

تعلّـم أنه لا طير إلا

 

على متطيـّر وهو البثورُ

بلى، شيء يوافق بعض

 

شيء أحاييناً، وباطله كثيرُ

 

          لكن عودة معتقدات التنجيم، هي ما فتحت باب علم الفلك من جديد لدى العرب، مع عهد أبو جعفر المنصور الذي كان أول من جمع المنجمين في بلاطه، واقتدى به خلفاؤه، فأصبح المنجمون بمثابة فئة من موظفي الدولة ولهم رواتب وأرزاق، وقد كان أبو جعفر المنصور يتخذ له منجماً فارسياً اسمه "نوبخت" (وهو فضل بن سهل النوبختي صاحب كتاب الفهمطان في معرفة طالع الإنسان برصد النجوم) وكان يصطحبه معه دائماً، حتى أنه طلب منه أن يختار مكاناً لبناء عاصمة الدولة الجديدة بعد الكوفة، ليدرس مواضع النجوم كي يحول دون التأثيرات المريبة، ويحدد ساعة وجوب الشروع بالعمل، وهكذا عمل مجموعة من الفلكيين (ماشاء الله اليهودي وابراهيم الفزاري وعمر بن فرخان الطبري) برئاسة نوبخت الفارسي، على وضع خارطة تنجيمية ليقترحوا بدء العمل في بناء بغداد يوم 15 ربيع الثاني سنة 145 هـ، وقد زعم المنجمون أن طالع هذه المدينة ينبئ أنه لن يموت فيها خليفة، وقد شاع ذلك، حتى قال فيه بعض الشعراء:

يهنيك منها بلدة تقضي لنا

 

إن الممات بها عليكَ حرامُ

لما قضت أحكام طالع وقتها

 

أن لا يُرى فيها يموتٌ إمامُ

 

          وصادف أن أكدت الأحداث التي تلت ذلك هذه النبوءة –ولكن إلى حين- فقد مات المنصور في طريقه إلى مكة، ومات المهدي بماسبندان، ومات الهادي بماساباد، ومات هارون الرشيد بمدينة طوس، ثم حدثت الفتنة بين الأمين والمأمون، ليُقتل الأمين بشارع باب الأنبار في بغداد، ويظهر فساد قول المنجمين، والذي قيل فيه:

كذب المنجم في مقالته التي

 

نطقت كذباً على بغدانِ

قتل الأمين بها لعمري يقتضي

 

تكذيبهم في سائر الحسبانِ

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •