الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

مفارقة القرن التاسع عشر

الأرض أقدم من الشمس..!

 

المهندس ناصر منذر

 

 

تشترك كثير من الشعوب القديمة في معتقداتها حول ولادة الأرض التي كانت تمثل الكون بأكمله بالنسبة لهم! فهذه الولادة حدثت في لحظة معينة من ماض بعيد أو قريب.. ولأن هذا الأمر ينطوي على مداخلة ربانية حاول البعض تحديد عمر الأرض استناداً إلى تعاليم ونصوص دينية.. كما فعل رئيس أساقفة أيرلندة في القرن السابع عشر حيث أشار إلى أن الأرض ربما تكون قد خلقت صباح يوم 26 تشرين الأول عام 4004 قبل الميلاد!! في حين قبل سنت أوغسطين بأن العالم خلق قبل المسيح بـ 5000 عام، أما فلاسفة اليونان و أرسطو فقد رأوا في هذا التحديد تدخلاً في الشؤون الإلهية، فقد كانوا مقتنعين بأن البشر وجدوا على الأرض منذ الأزل وسيبقون عليها إلى الأبد، وفي معرض ردهم على حجة أن البشر يتقدمون في علومهم وحضارتهم كانوا يؤكدون أن كوارثاً تصيب الأرض "كالحرائق والزلازل والطوفانات" تعيد الحضارة البشرية إلى نقطة انطلاقها الأول..

تتسم طرائق التأريخ بكونها نسبية، فليست هناك أية طريقة ناجعة لتحديد التاريخ الدقيق لتغيرات السجل الجيولوجي والمدة التي استغرقها ذاك النشاط وطول هذه المدة (يشار إلى تشكيلات الصخور بمصطلح السجل الجيولوجي).

لقد طورت طرائق مختلفة لكشف النقاب عن تاريخ كوكبنا، أي تقدير عمره وتحديد تواريخ الأحداث المختلفة خلال حياته، بدءاً من التأريخ النسبي للطبقات المتوضعة في الصخور الرسوبية والمستحاثات الموجودة فيها وانتهاءً بدراسة الصخور البركانية عبر تطبيق المعلومات المتوفرة عن النظائر المشعة، إن أبسط المبادئ المطبقة ينص على أنه: في معظم الأحيان تقع الطبقات والصخور الأحدث بالقرب من السطح، أي أن تسلسل حوادث الحت والانزلاق المتتالية تؤرخ بتسلسل الطبقات، حيث تمثل شرائح الطين في القاع (في جدول أو محيط) أقدم الأحداث بينما تقابل الطبقات السطحية الأحداث المتأخرة، تدريجياً تتحول هذه الطبقات بالانضغاط والجفاف إلى صخور. إلا أن هناك قوىً فاعلة أخرى إلى جانب الحت تساهم في تغيير هذه الصورة البسيطة، كالهزات والبراكين والنيازك وغيرها.. فمثلاً قد تتخلل الحمم البركانية الحديثة طبقات رسوبية قديمة مشوشةً الترتيب البطيء السابق، كما يحدث أن يتغير الطقس في منطقة المسيل المائي حيث يجف ذلك المسيل تاركاً الصخور الرسوبية على احتكاك مباشر بالجو لتأتي بعد ذلك عواصف مطرية فتتآكل الصخور الرسوبية وتمتزج بما يحمله السيل المطري ومتوضعة في نفس الأماكن من المسيل القديم متحولةً إلى طبقات جديدة من الصخور الرسوبية القابعة فوق طبقات أقدم عرّاها الحت، لذا فإن عدم الأخذ بعين الاعتبار هذه الفترات الخاصة سيؤدي حتماً إلى أخطاء فادحة..

يستطيع الجيولوجيون المحترفون تمييز الأحوال الموصوفة سابقاً، وتدعى بحالات عدم التلاؤم، حيث أن الطبقات المتوضعة فوق بعضها والممتدة لمسافات كبيرة لا تلاؤم بعضها، كما اكتشف العلماء أن هناك علاقات شمولية بين بقايا المتعضيات الحية في الطبقة أو في الحمم المتجمدة، حيث يبدو أن صفوفاً معينة من النباتات والحيوانات ترقد بعضها فوق بعض في الصخور الرسوبية بتسلسل محدد، وقد أصبح هذا التسلسل أساساً للتأريخ الجيولوجي في وقتنا الحاضر.

كان الاسكتلندي جيمس هوتون أول من أشار إلى إمكانية تحديد كمية الطين المنقولة من اليابسة في عاصفة ما بقياس تواتر هذه الأحداث في الوقت المعاصر ومن ثم استخدام السرعة لحساب الزمن اللازم لتوضع الطبقات من سماكة معينة مع مراعاة احتمالات الحت وحالات عدم التلاؤم، ويعتمد هذا المبدأ على أن الطبيعة تتصرف على نحو متجانس خلال الفترات الزمنية المتتالية بحيث نستطيع استقراء الأحداث السابقة من خلال دراسة الأحداث الحالية، وقد أشارت الحسابات المنفذة بطريقة هوتون إلى أن الصخور الأرضية ذاتها أقدم بكثير من تقديرات رئيس الأساقفة! حيث أعطت الحسابات عمراً للأرض يقارب المئة مليون سنة، فإذا كان عمر الطبقات الرسوبية من هذه المرتبة فالمستحاثات المحتجزة فيها من نفس المرتبة تقريباً، هكذا أرسيت دعائم العمل الثوري لشارلز داروين الكبير: أصل الأنواع والانتقاء الطبيعي الذي نشره عام 1859.

وبموازاة عمل الجيولوجيين والبيولوجيين كان فيزيائيو القرن التاسع عشر يحاولون عبر منحنىً آخر تقدير عمر الأرض، وحل المفارقة التي بدت كأن الأرض أقدم من الشمس!! فبعد أن قدر عمر الأرض "جيولوجياً" بحوالي 75 مليون سنة كان العمر الوحيد المفترض للشمس هو الرقم الذي قدمه إيمانويل كانت والذي لم يتجاوز الـ 1000 سنة!! بناء على فرض أن توليد الشمس للضوء يتم على شكل احتراق داخلي كما كان معروفاً في ذلك الوقت، ولأن الفيزيائي هرمان فون هلمولتز كان يرى أن هذه المفارقة ظاهرية فقط، قام بحساب عمر الشمس انطلاقاً من أن الطاقة الثقالية الكامنة هي المسؤولة عن التفاعلات الجارية في الشمس حيث قدر أن تقلصاً طفيفاً في الطبقات السطحية للشمس لا يتجاوز معدل نصف متر في السنة يكفي لقدح هذه التفاعلات، ولكن حتى هذه الحسابات التي قدمها هلمولتز في العام 1854 لم تعطِ للشمس عمراً أكبر من 40 مليون سنة!!

في العام 1899 قدم الفيزيائي البريطاني لورد كلفن بحثاً إلى الجمعية الأميركية لتقدم العلوم، استند فيه إلى حسابات هلمولتز حيث بيّن أن عمر الأرض لا يمكن أن يتجاوز أكثر من 20 مليون سنة!! وهنا تأججت المشكلة..

بالرغم من أن جميع المشاركين في الجدل الدائر حول قدم الأرض بالنسبة للشمس قد سمعوا باكتشاف الفيزيائي الفرنسي هنري بكرل عام 1895 للنشاط الإشعاعي، إلا أن أحداً منهم لم يفطن إلى أهمية هذا الاكتشاف الذي كان يمكن أن يقدم مصدراً للطاقة من خلال ذرات الشمس، وذلك مع أن شامبرلن رئيس قسم الجيولوجيا في جامعة شيكاغو قد أوضح أنه قد تكون هناك مجاهيل كثيرة في نطاق فهم المادة، كأن يكون هناك مصدر للطاقة لم يكتشف بعد (بالنسبة لهم في ذلك الوقت) يتم ضمن الدقائق المادية ذاتها دونما حاجة لفعل احتراق داخلي أو تقلص للطبقات السطحية للشمس..

في العام 1905 غيّر آرنست رذرفورد وجهة النظر السائدة حول العالم آنذاك مرة واحدة وإلى الأبد.. وذلك عندما اكتشف البروتون الذي هو اللبنة الأساسية في بناء المادة (نحن نعرف اليوم أن البروتون هو الذي يحدد طبيعة العنصر)، وقد اقترح رذرفورد طريقة جديدة لتأريخ الصخور وذلك بالعودة إلى الفلزات المشعة التي تعمل كساعات ذرية ميكروسكوبية محتجزة في الحمم البركانية الصلبة.

في العام 1913 يقدم جيولوجي شاب وهو أرثر هولمز رسالة لنيل شهادة الدكتوراه بعنوان "عمر الأرض"، حيث قابل هولمز بين تواريخ النشاط الإشعاعي وبين المقياس الزمني للتوضع الطبقي مستنتجاً العلاقات الزمنية الخاصة بالطبقات الرسوبية (حيث حدد مواقيتها بواسطة المستحاثات) رابطاً بأعمار النشاط الإشعاعي للثورات البركانية (والتي حددت بدورها من تبرد وتجمد تجمعات الحمم البركانية)، وكانت النتيجة التي خرج بها هولمز مدهشة ولم تتغير إلا بعد منتصف القرن الماضي حيث أدخلت عليها تعديلات طفيفة..

بدا لهولمز أن أقدم الصخور الرسوبية الحاوية على مستحاثات (كالمفصليات مثلاً) تعود إلى 600 مليون سنة، أما قبل ظهور هذه الأشكال المعقدة من الحياة فقد تأكد أن عمر الأرض يعود إلى آلاف ملايين السنين، وقد ثبت ذلك بدراسة النشاط الإشعاعي للعناصر المحتجزة في الحمم البركانية التي تبلورت منذ أجيال بعيدة.

تغدو المؤشرات المستنبطة من النشاط الإشعاعي أسوأ (فيما يتعلق بالدقة) كلما حاولنا الاندفاع بها في الزمن نحو الوراء وذلك لأسباب تكنيكية حيث أن التأريخ الدقيق يعتمد الكمية المتناقصة من عنصر مشع نادر بالمقارنة مع الفلزات الاعتيادية التي تشكل الصخور، وكلما كانت الصخور أقدم كانت كمية العناصر المشعة فيه أقل، لذا فإن تقدير عمر الأرض بحوالي 4500 مليون سنة يحتمل خطأ قدره 100 مليون سنة زيادة أو نقصاناً، ويعادل هذا الخطأ نصف عمر الحياة الحديثة على الأرض..

أدى اكتشاف النشاط الإشعاعي في النهاية إلى كشف النقاب عن كامل التفاعلات النووية الكونية المتسلسلة.. بدءاً من تحلل العناصر النادرة في باطن الأرض (هذا التحلل الذي وفر الحرارة اللازمة للبراكين وسيلان الحمم الذي ساعد الجيولوجيين على استقراء التواريخ الصحيحة بالعودة إلى ذات النشاط الإشعاعي)، وانتهاء بنوع آخر من التفاعلات النووية وهو الاندماج.

حل الفيزيائيون الكونيون في النهاية مشكلة مصدر طاقة الشمس وتبين أن هذه الطاقة تنجم عن اندماج العناصر الخفيفة لتكوين عناصر أثقل وتحول جزء طفيف من الكتل المندمجة إلى طاقة، أكدت الحسابات أن الشمس وفق المنظور الجديد لمصدر طاقتها لها من العمر مليون ضعف العمر المقدر لها لو كانت الشمس تعيش على الاحتراقات العادية.. ذلك أن الاندماج النووي يكافئ مليون مرة التفاعلات الكيميائية في مجال إنتاج الطاقة، أما التقدير الفعلي لعمر الشمس فقد كان حوالي 10000 مليون سنة، مضى منها حتى الآن نصفها تقريباً، أي أن المدة المنقضية تكافئ عمر الأرض والكواكب الأخرى وتوابعها.

استخدمت النيازك لتقدير أعمار الكواكب والتوابع وذلك بافتراض أن النشاط الإشعاعي في هذه الأحجار السماوية يمكنه أن يطلعنا على أعمار كافة الأجسام التي تطوف بالشمس والتي يقدر وسطيها بحوالي 4650 مليون سنة.

هكذا أسدل الستار على المفارقة الكبيرة المتمثلة بكون الأرض أقدم من الشمس، وقد غدت الصورة الجديدة مختلفة على نحو جذري، فوفق هذه الصورة تشكلت الشمس ومعها كل أفراد أسرتها دفعة واحدة منذ عدة آلاف من ملايين السنين.

------

من كتاب "الحضارة المريخية، مدينة على تخوم الأزل" للعالم ريتشارد هوغلاند، والذي قام المهندس فايز فوق العادة بترجمته إلى العربية.

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •