الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

الثورة النيوليتية والتحول العقلي

موسى ديب الخوري

 

شكلت الثورة النيوليتية تحولاً حاسماً في تاريخ الإنسانية إذ انتقل معها الإنسان من الصيد والقطاف إلى الإستقرار والزراعة والتدجين. كيف يمكن دراسة هذا التحول؟

إن منفذنا الرئيسي إلى النفسانية الجمعية للمجتمعات القديمة التي بلا كتابة هو فنها؛ فالتحول الأول الذي نلحظه في فجر النيوليتي يتعلق تحديداً بالفن. إن التطور الحديث في المناهج التاريخية يساعد على دراسة هذا التحول: فهو يشهد في الواقع تجاوزاً عاماً للتعريف التقليصي لإبداعات الخيال البشري كمشتق ثانوي من وضعيات أكثر مادية وواقعية. وعلى العكس، فإن التخيل يوجد في غالب الأحيان في أساس المحرضات التاريخية». فهو يستطيع أن يخلق الحدث بذاته وأن يحدد وقائع مادية..إن «مادية» علماء ما قبل التاريخ تتأتى بشكل خاص من أنه ليس لديهم في غالب الأحيان سوى وقائع مادية لفكها وشرحها. فبقدر ما شكَّل «الفكر التقني» لأناس ما قبل التاريخ، أي الترابطات التصورية التي أدت إلى تصنيع واستخدام أدواتهم، موضوع دراسات معمقة، لكن مقاربة إيديولوجيتهم وعقائدهم ظلت أمراً مختصراً وسريعاً. فقد ظلت الوثائق التي كانت تسمح بذلك نادرة جداً لفترة طويلة، بل وحتى غير موجودة. ومع ذلك فثمة فن كان قد وُجد قبل وخلال الثورة النيوليتية. وإذا كنا مجبرين على البحث عن أساس هذه الثورة بواسطة الإستبعادات المتلاحقة داخل الفاعل الإنساني نفسه، فإننا لا نستطيع ألا نقدر أهميته ولا أن نرفض دفع تحليل أولى الوثائق الفنية الموجودة إلى أقصاه.

ما هي أولى الوثائق الفنية التي تم العثور عليها واعتمد عليها العلماء في دراساتهم؟

لم يفدنا فن أوائل الصيادين ـ اللاقطين النطوفيين في الشرق الأدنى نفسه إلا بالقليل، باستثناء أنه كان فناً حيوانياً بشكل أساسي. أما الفن الفرانكو كانتابري في الغرب، البعيد جداً في المكان إنما السابق مباشرة في الزمن طالما أنه انطفأ نحو 12000 قبل الميلاد في حين أن النطوفي كان يبدأ في الشرق الأدنى، فهو أكثر تعبيراً بكثير حول ما كان يمكن أن تكونه المنظومات الرمزية للصيادين ـ اللاقطين في العصر الحجري القديم (الباليوليتي) الأخير. فقد أضيف للفن المتاعي فيه في الواقع فناً جدارياً حيث يشكل فيض من الصور الحيوانية الذي اعتُبر لفترة طويلة كفن فوضوي مجموعات تأليفية بحصر المعنى. فقد أمكن أن تُحلل فيه بدقة ليس فقط الصلات الكمية للأنواع فيما بينها، بل وقواعد مواضعها بالنسبة لبعضها وصلاتها مع العلامات الهندسية التي ترافقها. هكذا بين أندريه لوروا ـ غوران في البداية أن هذا التصوير لم يكن أبداً مجرد انعكاس لصلة تجريبية مع الحيوانات الملاحَقة: فالماعز والخراف لم تكن ممثلة أبداً في حين كانت في ذلك الوقت مدجنة وأساس التغذية اللاحمة. ووفق تعبير ليفي ـ شتراوس فإن الحيوانات «الطيبة للأكل» ليست بالضرورة «جيدة للتفكر بها»: والحال أننا نتعامل هنا حقاً مع منظومات تفكير. ومنظومة العصر الحجري القديم تُترجم بخاصة بـ «تصنيف» رمزي بحت للأنواع في نصفين متتامين يتصفان بصلات تكون في إحدى الحالات «ذكرية» وفي الأخرى «أنثوية».

ما الذي يعكسه هذا الفن من نمط التفكير الإنساني؟

إن ما يهمنا هنا هو أنه لا تعداد الصور النوعي ولا تحليلها المكاني يوحيان في الباليوليتي بنمط التراتبية الذي سيميز الفن النيوليتي. فحيوانات الباليوليتي تبقى عموماً مدرَكة وممثَلة جماعياً. وحتى الأكثر تأثيراً من بينها، وهو الماموت، فإنه يظهر في روفينياك Rouffignac مثل قطيع من الماموت وليس كـ «إله ماموت». والأمر كذلك بالنسبة للأنواع الممثلة في أغلب الأحيان: البيسون والأحصنة البرية. إن وظيفة الرمزي كما بينها كلود ليفي ـ شتراوس في كل مجتمع إنساني، أكان مجتمع قنص أو زراعة ورعي، هي أن تجعل الإنسان يعقل العالم الذي يحيط به كما ويعي في الوقت نفسه مكانه في هذا العالم. وثمة فيه بشكل خاص الأوضاع الحدية التي يصطدم بها كل إنسان، وهي الألم والموت والقلق المدمر الذي يولدانه، وهي حالات على كل أسطورة أن تعطيها إجابة لتؤمن التوازن الداخلي للمجتمعات وتجانسها النفسي ـ العاطفي وبذلك استمرارها نفسه. إن وجود مثل هذه المنظومة في العصر الحجري القديم الأعلى يبدو أمراً مؤكداً إنما مجرداً جداً بحيث يصعب تفسيره، فلا نفهم أبداً كيف كان الصيادون اللاقطون المجدلانيون، الذين ما كانوا ليفلتوا أكثر منا من الألم والموت، يواجهون ذلك عقلياً ولا أية «حكمة» كان فكرهم الأسطوري قد أعد كإجابة. وفي كل حال فإن اللجوء في معابدهم تحت الأرضية التي لم يكن من الممكن أن تكون سوى أماكن إسرار إلى آلهة مشخصنة وإن كان ذلك لا يزال على شكل حيواني لا يبدو أنه شكَّل منظومات تفسير.

ما هو النمط الفني الذي ساد في الشرق الأدنى مع بداية العصر النيوليتي؟

على عكس صور الحيوانات الفرانكو كانتابرية، فقد ظهر لنا المرأة والثور النيوليتيان في الشرق الأدنى مثل ألوهتين امتد انبثاقهما في الألف العاشر من خلال انتشار في كامل المشرق القديم. والإلهة التي يرافقها قرين مذكر مشبّه بالثور ستكون مركز القبة لنظام كامل ينتظم من حولها. ويمكن لهذين الكائنين أن يغيرا وجهيهما بحسب مناطق العالم: فـ «الإله المريخي الأعظم» من المنطقة الصحراوية يفرض صورة هائلة بشرية الشكل، أنثوية أو عديمة الجنس، تسيطر على شخصيات بشرية صغيرة ترفع أيديها في وضعية الصلاة.

كيف يمكننا «إدراك» الصلة الحقيقية التي جمعت ثورة الرموز مع إنتاج المعيشة الذي جاء بعدها بقليل؟

يجب أن تكون قد وُجدت أسباب أخرى من مجرد نقص الغذاء حتى يكون أحفاد النطوفيين قد شعروا بعدم الرضى على نمطهم التقليدي في الحياة فعملوا على تعديله رأساً على عقب. والحال أن ما نكشفه عندها في تطور الخيال هو الأساس الإناسي لعدم الرضى هذا بالأحرى من أسبابه الإتفاقية. إن الرغبة بالتغيير، «التقدم» الناتج عنه والذي سيتسارع بدءاً من ذلك الحين، إن ذلك كله، الذي سيميز بعد مئات آلاف السنين من التطور البطيء جداً، السباق الحديث للإنسانية وصولاً إلينا، يمكن أن يتجذر في هذه «الثورة الثقافية».

وهكذا أجازت المجتمعات النيوليتية التي كانت حتى ذلك الحين متفرجة على الأدوار الطبيعية لتكاثر العالم الحي التدخل فيه كمنتجة نشطة. وكان هذا الأمر ممكناً حتى قبل ذلك، بالمصطلح التقني، ولكن لا الفكرة ولا الرغبة لم تكونا ببساطة قد ناسبتاها أبداً: وبهذا المعنى فقط يجب إعادة النظر وتفسير عبارة روبرت بريدوود «الثقافة لم تكن جاهزة بعد».

 

 المراجع

J. Cauvin, Naissance de l’agriculture, Naissance des divinites, 1998.

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •