الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

 

العلم يتعلم من الطبيعة

 موسى ديب الخوري

 

يزداد اهتمام العلماء بدراسة آليات عمل الكائنات في الطبيعة لأنهم يستمدون منها أفكاراً لتحقيق المزيد من الإنجازات التقنية والصناعية. ما هي آخر الاكتشافات في هذا المضمار؟

إن البنى المنتظمة هي أساس العديد من الإنجازات التقنية. فشاشة الحاسوب مثلاً تشتمل على شبكة دقيقة من النقاط الفوسفورية التي تضيء عندما تصدمها حزمة إلكترونية. وخلفها يوجد واقي يحمي كل من هذه النقاط من الالكترونات المخصصة للنقطة المجاورة. وفي عمق الحاسوب هناك المعالج أو الدماغ إن صح التعبير ويتألف من مركبات إلكترونية موزعة بشكل منتظم على رقائق. ونجد هذا النموذج في الطبيعة. فنجد في الطبيعة العديد من الأمثلة على بنى على شكل شبكة من الثقوب والنقاط. وهي حالة القواقع المجهرية أو النقاط الحساسة من أعين الحشرات. وبعض الحراشف التي تغطي أجنحة الفراشات محاطة بأهداب دقيقة تنشر الأشعة الضوئية مما يعطيها مظهرها المشع والملون. ولكن على عكس شبكة الحاسب، فإن هذه النتائج ليست ناجمة عن عملية إعداد مبرمج. فقد تجمعت من نفسها عبر سنين طويلة جداً. ومن هنا اهتمام العلماء بالظاهرات الطبيعية، لأن الحاجة المتزايدة إلى الدقة والصغر في الحجم في الصناعات الالكترونية وغيرها يتطلب مزيداً من المعرفة التي حصلتها الطبيعة بشكل أو بآخر في رحلة تطورها الطويل. وليس الفيزيائيون وحدهم معنيون بذلك. فمنذ وقت طويل يستخدم علماء البتروكيمياء مادة الزيوليت، وهي عبارة عن معادن طبيعية تملك على المستوى الذري بنى تنتظم فيها ذرات الألمنيوم والسيليسيوم والأكسجين في أشكال هرمية، والشبكات المنتظمة التي تؤلفها هذه المعادن تشكل ثقوباً لا تترك سوى جزيئاً واحداً من الهيدروكربورات يمر فيها. وفي الثلاثينات وجد الكيميائيون وسيلة لتصنيع معادن زيوليتية لا ينفك العلماء يحسّنونها حتى الآن وهي لا تزال مستخدمة بشكل أساسي في الصناعات البتروكيميائية.

لاحظ الفيزيائيون في السنوات الأخيرة أن المواد ذات الثقوب المتباعدة بشكل منتظم عن بعضها بعضاً يمكن أن تستخدم كبلورات فوتونية توقف الأشعة الضوئية. عندما يكون للثقوب نفس الحجم والتباعد لأطوال الموجات الضوئية فإنها تدفعها بالضبط كما يحصل في لعبة كرات البليارد الكهربائية التي تصطدم بحواجز وكرات أخرى. وتمنع هذه الظاهرة الأشعة الضوئية من اجتياز عتبة الصف الأول من الثقوب. ويمكن لعازل للضوء من هذا النمط أن يستخدم على سبيل المثال في تلبيس الألياف الضوئية. يمكن أيضاً للبلورات الفوتونية أن تقود الأشعة الضوئية باتجاه نقطة محددة أو مخرج كهربائي مثلاً. وبذلك يمكن تصنيع مدارات كهربائية تعمل بالتيار الضوئي بدلاً من التيار الكهربائي، أو تصنيع أنواع جديدة من اللايزر أكثر اقتصادية. لكن شبكة البلورات الفوتونية يجب أن تكون مجهرية الحجم. ومن المستحيل على هذا المستوى حتى الآن إنجاز ثقوب. ولكن العلماء تعلموا خلال السنوات القليلة الماضية كيف يتعلمون من الطبيعة في حل مثل هذه الصعوبات. وتشتمل إحدى الطرق على ترك كريات السيليسيوم الدقيقة تنجذب أو جزيئات البوليستيرين المعلقة في سائل. فإن كان لجميع الكريات الحجم نفسه، فإنها سوف ستتراكم بشكل منتظم تقريباً يشبه تراكم الفواكه عند أحد البقالين. ويمكن عندها جعل السائل يتصلب في الفراغات ما بين الكرات. ويكفي عندها حرق أو حل هذه الكريات للحصول على شبكة ذات ثقوب.

نجد المظاهر المنتظمة في كافة أشكال الطبيعة الحية. فالكائنات الحية تشتمل على الكثير من البنى الهندسية غير الظاهرة دائماً إنما التي يمكن التعرف عليها إذا ما درسناها عن قرب وبتمعن. فأوراق نبتة ما تتوزع بانتظام على الساق، بحيث تتتالى غالباً بأزواج يسار ـ يمين وأمام ـ وراء. بالمثل فإن خطوط الحمار الوحشي او النمر تمثل هندسة وإن معقدة. ولا شك أن أفضل الأمثلة على الهندسة الطبيعية نجدها في الكائنات البحرية، وخاصة في القواقع التي تغلف الكائنات الحية الهلامية. وبعض هذه الكائنات يصنع هذه القواقع من الرمل والكوارتز، وبعضها من كربونات الكالسيوم. ونجد نماذج متعددة من هذه القواقع ومنها أشكال النجوم أو الأسطوانات المثقبة. لم يبدأ العلماء بفهم الهندسة الطبيعية وبالتالي بإمكانية استثمارها إلا في بداية القرن العشرين، عندما وضع البيولوجي دارسي تومسون تفسيراً للطريقة التي تتشكل بها بعض القواقع البحرية. وفي عام 1952، اقترح عالم الرياضيات ألان تورينغ نظرية تفسر الظهور المتزامن للأشكال (مثل بقع أو خطوط جلود الحيوانات)، وذلك من خلال مزيج كيميائي تنتثر فيه الجزيئات وتتفاعل آنياً فيما بينها. وأشار تورينغ إلى أنه إذا كان نوع من الخلايا الناتجة خلال التفاعل يمنع التفاعل من الاستمرار في حين أن نوعاً آخر من الخلايا يعمل على استمرار التفاعل، فإن المزيج ينقسم إلى قسمين مختلفين في التركيب الكيميائي. وبعد ذلك تم البرهان أن هاتين المنطقتين تشكلان بقعاً أو خطوطاً ذات مسافات وأبعاد متساوية تقريباً كما نرى في شكل حمار الوحش. أما المزيج الكيميائي الذي يُنتج فعلياً هذه التخطيطات والبقع الذي اقترحه تورينغ أو توقع وجوده بشكل رياضي بحت فلم يُكتشف فعلياً إلا في عام 1990. وبعد خمس سنوات تم البرهان على هذه الصيرورة بشكل فعلي في الطبيعة على أحد الكائنات البحرية. ويقدر عدد من البيولوجيين حالياً أنه خلال نمو الجنين عند الحيوانات التي لديها بعض التشكيلات الجميلة مثل حمار الوحش فإن جزيئات تسمى المورفوجينات أو الجينات الشكلية تنتشر تحت البشرة متفاعلة فيما بينها ومنتجة العلامات على شكل هندسي. وهذه العلامات تنطبع في مكانها لتظهر فيما بعد على جلد الحيوان. إن الآلية التي طرحها تورينغ شائعة جداً. وهذه الآلية كما يعتقد العلماء هي التي تعطي البنية التخطيطية لبعض أنماط المعادن مثل العقيق أو اليشب. إن كافة تشكيلات الطبيعة تتميز بأنها تتشكل آنياً، وهذه هي الآلية التي يعمل المهندسون والعلماء في كافة المجالات على تقليدها اليوم.

 عن جريدة لوموند الفرنسية، بتصرف

Le monde, 26, mai, 2000

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •