الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

 

رحلة في المجهول:

استكشاف تايتان، قمر زحل الغامض

موسى ديب الخوري

 

تُعد الرحلة الفضائية التي انطلقت في عام 1997 أشبه بالمغامرة، فمع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، انطلقت للمرة الأولى مركبة مخصصة لزيارة كوكب زحل وتوابعه، وحملت معها سابراً سيهبط للمرة الأولى على أحد أقمار زحل، وهو تيتان الذي ينتظر العلماء منه الكثير. إنها خطوة جبارة تشير بوضوح إلى الإمكانيات الهائلة التي بلغتها المعرفة العلمية النظرية والتقنية على حد سواء. كذلك فهي تخبرنا منذ اليوم أن القرن القادم سيكون قرن الإنطلاق إلى رحاب المجموعة الشمسية.

فبعد رحلة تستمر سبع سنوات، سيغوص سابر من الوكالة الفضائية الأوروبية في الغلاف الجوي لتيتان. إن ضباباً بنياً برتقالياً يحجب عنا سطح هذا القمر التابع لزحل والذي كان قد اكتشفه كريستيان هيغنز. وقد سُمي سابر وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) باسم هيغنز تخليداً لهذا الفلكي. وسيغوص هذا السابر وهو معلق في مظلة في الضباب، ليكشف لنا عن جو تيتان، هذا القمر الذي يُعدّ الجسم الأغرب في المجموعة الشمسية. ذلك أنه من المرجح أن نكتشف عليه محيطاً سائلاً، إذ أن مصدراً غير معروف يغذي جوه ببخار الميتان.

وسيقوم السابر هيغنز بالرحلة محمولاً على مركبة فضائية أمريكية يجب أن تبقى في مدار حول زحل. وقد سُميت هذه البعثة المشتركة بين وكالة الفضاء الأوروبية ووكالة الفضاء الأمريكية (ESA/NASA) باسم كاسيني. وستوجه المركبة المدارية كاسيني السابرَ هيغنز إلى تيتان قبل أن تفلته ليدخل جو تيتان بينما تتابع هي دورانها حول منظومة الكوكب ذي الحلقات زحل فتقوم بتصويره وإجراء الكثير من الأبحاث حوله.

كان العالمان الفرنسي جان دومينيك كاسيني Jean Dominique Cassini (المولود في إيطاليا) والهولندي كريستيان هيغينز Chrisstian Huygens قد عملا كل على حدة على رصد كوكب زحل خلال أعمالهما في العاصمة الفرنسية. وقد اكتشف هيغينز القمر تايتان في عام 1655. وفي عام 1659 أعطى وصفاً دقيقاً لمنظومة الحلقات التي تحيط بالكوكب العملاق زحل. وبعد ذلك حدد كاسيني أربعة أقمار أخرى أصغر حجماً. وفي عام 1675 اكتشف داخل منظومة الحلقات الإنقسام الدقيق الذي يحمل اليوم اسمه. وأكد بعد وقت وبشكل صحيح أن الحلقات كانت مشكلة من مجموعات هائلة متنوعة من الأجسام الصغيرة التي كانت تتجاذب وتدور على مسارات متقاربة.

إن بعثة كاسيني/ هيغنز هي نموذج للتعاون بين وكالتي الفضاء الأمريكية والأوروبية. فقد قدمت إيطاليا بالنسبة لنموذج المركبة المدارية تجهيزات الإتصال. كذلك صمَّم فريق أوروبي السابر هيغنز. ويتطلب التشغيل الجيد بين السابر والمركبة المدارية تعاوناً وثيقاً بين الباحثين عبر طرفي الأطلسي. ويقود الباحثون الأوروبيون تجربتين من التجارب التي ستتم على المركبة المدارية للنازا ويشاركون في كافة التجارب الأخرى. وعلى العكس، فقد قدم الأمريكيون مجموعتين من أدوات السابر هيغنز وشاركوا في إنجاز المجموعات الثلاث الأخرى.

تأسست الوكالة الفضائية الأوروبية في عام 1975، عندما حلت محل التنظيمات التي كانت موجودة حتى ذلك الحين في مجال قواعد الإطلاق والبحث الفضائي. وهي تضم حالياً أربعة عشر عضواً فيها هي الدول التالية: ألمانيا والنمسا وبلجيكا والدانمرك وإسبانيا وفنلندة وفرنسا وإيرلندا وإيطاليا والنرويج وهولندا وبريطانيا والسويد وسويسرا، هذا إضافة إلى كندا التي تعد عضوا مشاركاً. وقد أنجزت وكالة الفضاء الأوروبية العديد من المشاريع وساهمت في مشاريع أخرى كثيرة. وكانت أولى خطواتها في الفضاء البعيد من خلال بعثة جيوتو Giotto الذي كان هدفه المذنب الشهير هالي (عام 1985). كذلك كانت قد أرسلت السابرين أوليس Ulysse (1990) وسوهو SOHO (عام 1995) من أجل دراسة الشمس. لكن هيغنز هو أبعد سوابرها انطلاقاً في الفضاء كما أنه سيكون أبعد السوابر التي أطلقها الإنسان وحطت في أحد الكواكب أو الأقمار.

وللوصول إلى كوكب زحل البعيد، يجب على المركبة المزدوجة كاسيني/ هيغنز أن تكتسب سرعة إضافية بفضل التسارع الجاذبي الذي ستكسبها إياه الكواكب التي ستحلق المركبة حولها لهذا الغرض. وتسمى هذه التقنية الإسعاف الجاذبي. وهكذا ستتبع المركبة كاسيني ـ هيغنز مساراً محروفاً سيقودها إلى جوار الزهرة مرتين، ثم إلى جوار الأرض وأخيراً إلى قرب المشتري، أكبر الكواكب الشمسية، الذي سوف يعطيها دفعاً أخيراً.

لقد انطلقت رحلة المركبة كاسيني / هيغنز في 6 تشرين الأول من عام 1997. وقد وصلت إلى كوكب الزهرة في 21 نيسان من عام 1998، والتفت حوله مرة جديدة في 20 حزيران عام 1999 ووصلت إلى الأرض مجدداً في16 آب عام 1999 قبل أن تواصل رحلتها إلى المشتري الذي وصلته في 30 كانون أول من عام 2000. ومنه ستأخذ الدفعة الأخيرة لتنطلق باتجاه زحل فتصل إليه في 25 حزيران من عام 2004.

وعند دخول المركبة في منظومة زحل، سينفصل السابر هيغنز عن كاسيني على ارتفاع 270 كلم فوق سطح تيتان، وتكون سرعته 18000 كلم / سا. وعلى ارتفاع 180 كلم تنفتح مظلة موجِّهة في حين تكون سرعة السابر 1400 كلم/ سا. وعلى ارتفاع 165 كلم تبدأ المرحلة الحاسمة من نزول هيغنز باتجاه تيتان فتنفتح المظلة الرئيسية ويتم التخلص من درع السابر للتخفيف من وزنه، وتكون سرعة السابر 290 كلم/ سا. وعلى ارتفاع 125 كلم تكون السرعة قد ازدادت إلى 360 كلم/ سا. وعندها يبدأ السابر في الدخول في ضبابة الهيدروكربورات التي تزداد كثافة، وعلى ارتفاع 40 كلم تكون السرعة قد هبطت إلى 46 كلم/ سا، وتكون درجة حرارة الغلاف الجوي في أدناها إذ تبلغ 200 درجة تحت الصفر المئوي. وسرعان ما يصادف السابر بعدها السحب على تيتان ليتخطاها ويصل إلى السطح المفترَض له في تشرين الثاني من عام 2004،  بسرعة 20 كلم في الساعة حيث تكون درجة حرارة السطح 180 تحت الصفر المئوي.

ستوضع المركبة الفضائية كاسيني/ هيغنز على مدار منحرف المركز جداً حول زحل. وبعد ثلاثة أشهر، ستوضع على مدار تتلاقى فيه مع تيتان. وبعد شهرين إضافيين ستوجه المركبة المدارية هيغنز باتجاه هدفه. وبعد أن تصحح المركبة المدارية مسارها، ستمر بعيدة عن تيتان لكنها ستستطيع تلقي الإشارات التي سيرسلها السابر بعد ثلاثة أسابيع بعد أن يكون قد وصل إلى الغلاف الجوي لتيتان. وسيدور سابر وكالة الفضاء الأوروبية، المغلف بدرعه الحراري، حول نفسه بسرعة 7 دورات/ دقيقة لكي يحفظ توازنه عندما يقترب من هدفه. وستوقَظ إشارات السابر هيغنز قبل أن يصل إلى أطراف الغلاف الجوي لتيتان. وسيدخل هيغنز في الغلاف الجوي لتيتان بسرعة 20000 كلم/ سا.وسيحمي ترسٌ السابرَ من الحرارة الكثيفة الناتجة عن موجة الصدم، حيث يمكن لدرجة الحرارة أن تصل إلى 12000 درجة.

وبعد المرور بهذا الأتون يصل إلى غلاف جوي صقيعي. وسيتعرض فيه السابر هيغنز لدرجات حرارة تنخفض إلى 200 درجة مئوية تحت الصفر. وستقوم أجهزة السابر خلال هذا النزول عبر الغلاف الجوي بدراسة المناخ على تيتان وسبر غيومه وتحاول اكتشاف عواصف محتملة عليه. وسيحدد هيغنز نسب مركّبات الغلاف الجوي لتيتان: الآزوت والهيدروكربورات، وسيدرس غلياناً غامضاً من مركبات فحمية وآزوتية. وستقوم تجهيزات تصوير ومقياس راداري للإرتفاعات بالكشف عن سطح تيتان عندما يقترب منه السابر هيغنز.

ولكن هل سيكون هناك صدم أم غطس للسابر في القمر؟ هنا تكمن المسألة الرئيسية غير اليقينة لهذه المغامرة في المجهول. وستقوم عندها أجهزة خاصة بتحليل سطح تيتان حتى نفاذ بطاريات السابر. عندما مر السابر فواياجير 1 قرب تيتان، في عام 1980، كان الضباب والسحب يغطيان السطح. والباحثون لا يعرفون بالتالي إذا كان أكبر أقمار زحل يملك سطحاً صلباً أم إذا كان مغطى بمحيط سائل.

إن الأرض وتيتان بين كواكب وأقمار المجموعة الشمسية هما الوحيدان اللذان يملكان جواً غنياً بالآزوت (N2). فالزهرة والمريخ، وهما الأخوان القريبان من الأرض، يملكان جواً غنياً بغاز الفحم (CO2) في حين يشبه المشتري وزحل الشمس بتركيز الهيدروجين والهليوم العالي فيهما. ومن الممكن أن هيدروكربورات مثل الميتان (CH4)، وهو الموجود حالياً على تيتان، كانت في البداية موجودة بغزارة على الأرض. وبعد نحو مائة عام من التأملات والتجارب لا يزال الباحثون غير متفقين حول الطريقة التي ظهرت بها الحياة على الأرض. ويفترض معظم الباحثين أن البكتريا تشكلت بالصدفة من تراكبات تمت بين مركبات فحمية معقدة كانت تسبح في الحساء البدئي. ولكن ما يعيق كافة الدراسات حول بدايات الحياة هو جهلنا الدقيق بالعناصر الكيميائية التي كانت موجودة على أرضنا الفتية. ومن هنا أهمية تيتان لأنه يحفظ على شكل متجلد عدداً من المركبات الكيميائية التي سبقت الحياة على الأرض. وهكذا فإن نتائج بعثة هيغنز إلى تيتان ستعطي انطلاقة جديدة للأعمال المتعلقة بأصول الحياة على الأرض.

وللتأكد من أن السابر هيغنز سيستطيع القيام بمهمته الإستثنائية، تم القيام باختبار على نطاق واسع في عام 1995 انطلاقاً من قاعدة الإسرانج Esrange، في شمال السويد في القطب الشمالي. وتظهر الصورة إطلاق منطاد من على ارتفاع 200 متر. وكان يحمل نموذجاً بالحجم الحقيقي لهيغنز في سلة خاصة. وقد ارتفع المنطاد إلى ارتفاع 37,5 كلم. وتم إسقاط نموذج السابر هيغنز بحيث اكتسب سرعة كبيرة. وعندها جرت في سلسلة معقدة عملية قذف الدرعين الخلفي والأمامي ونشر سلسلة من المظلات. وقد أثبتت الكاميرات والأجهزة الأخرى المحملة عليه أنها كانت كلها تعمل بشكل ممتاز.

إن إيصال هيغنز حتى تيتان ليس سوى فاتحة لدراسة زحل، وحقله المغنطيسي وحلقاته وأقماره. إن المركبة المدارية لبعثة كاسيني والمزودة بأجهزة علمية كثيرة ستقوم بحركات معقدة حول الكوكب العملاق. وهي ستحلق حول تيتان أكثر من 30 مرة، وتعطينا صورة أوسع عن هذا القمر، وذلك بالإشتراك مع التحليل التفصيلي الذي سيقوم به السابر هيغنز على طول مساره وفي النقطة التي سينزل فيها على سطح تيتان. وفي حلقات زحل سيرصد السابر المداري القطع الصخرية التي تشكل هذه الأحزمة. وبفضل هذه الأرصاد يأمل العلماء بأن يفهموا بشكل أفضل كيف تشكلت الكواكب ابتداء من حلقات مماثلة كانت تحيط بالشمس بعد تشكلها بقليل.

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •