الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

 

 الحشرات المهندِسة

 موسى ديب الخوري

                    

أمام تعقيد أعشاش دودة الخشب والنمل والنحل وغيرها يتساءل العلماء المختصون بسلوك الحيوان كيف تستطيع حشرات بسيطة السلوك عموماً أن تبني مثل هذه البنى المعقدة.

من المذهل في عالم الحشرات أن البناء الجماعي للحشرات للأعشاش ولشبكات المستعمرات يختلف بين حجم الأفراد الذي يتراوح بين ميليمتر وسنتمتر وحجم البنى الذي يتراوح بين عشرات السنتمترات وعدة أمتار! فعند أحد أنواع دودة الخشب يمكن للأعشاش أن تصل إلى ارتفاع سبعة أمتار، أي 600 ضعف حجم الدودة. ومقارنة مع الانسان فإن ذلك يشبه بناء مدينة هائلة يوجد فيها ناطحات سحاب تصل إلى ارتفاع 1000 متر. أما المستعمرات الهائلة لنمل الخشب التي يمكن أن يصل عدد أفراد النمل فيها إلى مئات الملايين، فقد طوَّرت شبكات من الطرقات تصل إلى عدة عشرات الكيلومترات، أي عدة ملايين ضعف حجم النملة. ولا تتوقف قدرات الحشرات الاجتماعية هذه عند بناء الأعشاش أو الشبكات الكبيرة، بل وتمتد أيضاً إلى تحقيق بنى فائقة الانتظام والتعقيد! فعند عدد كبير من أنواع الزنابير الاستوائية تتألف الأعشاش من تراتب عدد كبير من الخلايا المتمركزة وفق أنصاف أقطار تلاصق الغلاف الخارجي للعش. وهي ذات فتحات اتصال مركزية أو محيطية تسمح بالمرور من طبقة إلى طبقة. وعلى الرغم من أننا نجد عناصر أساسية مكررة مثل الخلايا والأقراص، لكن الأعشاش منظمة وفق بنى فائقة يمكن أن تشتمل على عناصر مختلفة جداً. وعلى الرغم من أن العلماء درسوا بشكل جيد هذه البنى، وأشهرها قفار النحل البسيطة بينها نسبياً، لكن الآليات السلوكية المؤدية إلى إنجازها لا تزال لغزاً في كثير من مراحلها بالنسبة للعلماء.

ولهذا تساءل العلماء إذا كان يوجد مخطط ما تعتمد عليه هذه الحشرات في بناء الأعشاش. وقد افتُرض في البداية أنه يمكن لأفراد الحشرات أن يمتلكوا معرفة بالبنية الشاملة التي يريدون إنتجها، وبالتالي امتلاك شكل من أشكال الذكاء الفردي. ووفق هذه الفرضية يكون أصل تعقيد هذه البنى في قدرة الأفراد على معالجة المعلومة بشكل مركزي، وبالتالي على اتخاذ القرار بأعمال يجب القيام بها من خلال تمثل العمل الخاص بهم. لكن لا يوجد حالياً أية معطيات تجريبية تسمح بتأكيد أن الحشرات تستخدم ما يكافئ نوعاً من الخارطة أو مخطط البناء. وبالمثل فليس ثمة ما يسمح للعلماء بالافتراض أن السلوك الفردي للحشرات الاجتماعية يختلف بشكل جوهري عن سلوك حشرات الأنواع الفردية السلوك. ومثل بقية الحشرات تملك الحشرات الاجتماعية تجهيزات حسية تسمح لها بالاستجابة للتحريضات الصادرة عن زميلاتها أو من البيئة المحيطة. ولكن هذا لا يعني أن لهذه الإشارات قيماً رمزية. فهي تكون جاذبة أو منفرة، ومثبطة أو منشطة ببساطة بحسب كثافتها والإطار الذي صدرت فيه. ولهذا من المدهش أن تكون مثل هذه البنى المعقدة ممكنة على مستوى مستعمرة من هذه المستعمرات.

يرتكز النموذج المتفق عليه اليوم من أجل تفسير التعارض بين التعقيد الملاحَظ وبساطة السلوك الفردي على التعاون غير المركزي لوحدات ذاتية موزعة في المحيط. وفي هذا النموذج لا تكون البنية العامة للهندسة مبرمجة بوضوح على المستوى الفردي. وتنتج البنى المعقدة من تسلسل عدد كبير من التفاعلات بين الأفراد أو بين الأفراد والمحيط. فمثلاً عند حفر عدد من الخنادق أو الحفر تقوم كل نملة من أحد الأنواع بحفر حجم يعادل 1 سم3 الأمر الذي يتطلب القيام بأكثر من ألف حركة أولية بسيطة. ويبني نوع آخر من النمل تلالاً إبرية صنوبرية الشكل يمكن أن يبلغ حجمها عدة امتار مكعبة، وتقوم المستعمرة بعشرة ملايين حركة فردية على الأقل لجلب المادة الضرورية لبناء متر مكعب واحد! لكن هذا العدد الهائل من الحركات والأفعال لا يمكن أن يفسر وحده البنى الملاحظة. وقد كشفت الدراسات التي تمت خلال العقد الأخير عن الكثير من آليات الربط بين الحشرات الإجتماعية. ومن بين مختلف الطرق المستخدمة وأبسطها الطريقة التي تبني وفقها دودة الخشب الغرفة الملكية. وترتكز على إقامة نوع من الترميز بين طبيعة الإشارات الماثلة في المحيط واستجابات الأفراد لها، وذلك تبعاً للظاهرات التي تنتج عن حياة الملكة في هذا الوسط. ويتوافق ذلك مع البناء أو مع حالة الانتقال باتجاه معين. وبالنسبة للعاملين في البناء يكون مخطط البناء موجوداً سلفاً بالتالي في الوسط البيئي على شكل تعليمات أولية وخواص متغايرة. وهذا النمط من البناء ليس مرتبطاً باجتماعية الحشرات، وهو مستخدم أيضاً لدى الحشرات غير الاجتماعية أو الوحيدة. ويمكن لمعيار البناء هنا أن يكون معامل الرطوبة أو الحرارة في الوسط والذي يكون موجوداً بشكل مسبق في الطبيعة.

وهناك طرق أخرى لبناء هذه الأعشاش المعقدة. ولعل أهمها ما يسمى بالعمل الإبري. وقد بني هذا المفهوم على فرضية أن الحشرة تتأثر بنتاج عملها السابق بنتيجة مخطط من التماثلات والاستجابات. فكما أن وصول أحد الأفراد إلى مصدر غذائي يؤدي إلى وصول أفراد آخرين من المستعمرة إلى المصدر نفسه، كذلك فإن النشاط السابق في بناء المستعمرة لأحد الأفراد من الحشرات يحرض حالة بناء عند لقائه بكتلة من المادة الأولية للبناء. ويمكن لهذا التحريض أن ينتقل إلى نشاط بِناءٍ لدى أفراد آخرين من المستعمرة. ومع ذلك فإن هذه الطريقة لا تفسر أيضاً العلاقة بين الأشكال المبنية والآليات السلوكية. وقد لاحظ العلماء من خلال هذه الطريقة وجود حالات تكرار للأشكال التكوينية لا تختلف نوعياً بل كمياً فقط. وفي معظم الأحيان يكون التكرار ناجماً عن مماثلة لنموذج أصلي. وهكذا تبدو هذه الطريقة كصيرورة منتظمة ذاتياً. ويقود هذا النمط من العمل إلى بناء أكوام منتظمة تفصل بينها مسافات متساوية خلال المراحل الأولى من بناء عش دودة الخشب. وثمة أنواع كثيرة من هذه الدودة تستخدم كريات من الطين لبناء أعشاشها ممزوجة بالفيرومونات، وهي مادة تطلقها الحشرة لنقل الإشارات إلى مكان وجودها وإعطاء معلومات عن حركتها ومسارها. وظاهرة الملاط هذه تنتشر بواسطة هذه المادة في الوسط المحيط خالقة معامل تركيز على خزان المصدر الاساسي للبناء من الكريات الطينية. وهكذا يتم ضبط عملية وحركة العاملات في البناء من خلال المساحة التي انتشرت عليها مادة الفيرومونات (وهي مواد كيميائية تستخدمها الحشرات للتواصل). وبالتالي تنتظم كافة الحشرات حاملات الكريات الطينية التي تكون حركتها عشوائية في البداية في أشكال أكثر فأكثر انتظاماً. وهكذا يتم وضع لبنات المواد الأساسية في المكان الأشد تركيزاً برائحة الفيرومونات. وشيئاً فشيئاً تكبر الكومات المحيطة لكنها تبقى متصلة بالمركز الرئيسي. ومع الوقت يتم استبعاد وإلغاء الكومات التي لا تكون منتظمة البعد عن بعضها بعضاً. وهكذا يظهر البناء المنتظم دون الحاجة إلى قياس عملي للمسافات.

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •