الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

 

  طبيعة ومناخ الشرق القديم 

ترجمة: موسى ديب الخوري

يعكس المناخ في الشرق الأدنى خلال هذا العصر الوضع العام لنصف الكرة الشمالي، والذي كان يتميز بنهاية العصر الجليدي الأعظمي الأخير، أو العصر الجليدي المتأخر Tardiglaciaire. كانت أوروبا تميل بشكل عام خلال هذا العصر إلى الدفء، مع نوسانين أكثر برودة وجفافاً، هما الدرياسي الثاني Dryas II (13500-12000 قبل الميلاد) والدرياسي الحديث (10800-10000 ق.م.)، يسبقهما ويفصل بينهما العصران المعتدلان والرطبان بولنيغ Bolling (15000-13500 قبل الميلاد) وألّرود Allerod (12000-10800 قبل الميلاد).

وبحسب الدراسات الأخيرة، وبينها دراسة سانلافيل P. Sanlaville، يبدو أن الشرق الأدنى كان يمر عموماً بالوضع نفسه، لكن المعطيات غير متس  اوية، وأكثر عدداً بالنسبة للمشرق والمتوسط (عينات تربة بحرية، طبعات لغبار الطلع، دراسة لنمو الصواعد المتحجرة، تحليل للطبقات المائية العذبة تحت الأرضية)، في حين أننا لا نملك في زاغروس سوى بعض طبعات غبار الطلع حيث يكون الكشف عن هذه النوسانات المناخية ضعيفاً. والمشكلة العامة لطبعات غبار الطلع في الشرق الأدنى هي أنها في معظم الحالات غير مؤرخة بشكل جيد، الأمر الذي يفسح المجال لعدة تفسيرات ممكنة. وعلى الرغم من حالات عدم اليقين هذه، فإن الإنطباع العام هو أن النوسانات المعروفة في أوروبا ملحوظة في الشرق الأدنى وبخاصة في المشرق، على الرغم من أنها أقل تمييزاً، مع ظروف حدية أقل وضوحاً. ويبدو أنه توجد منطقتان متميزتان: منطقة »مشرقية« على امتداد المتوسط، ومنطقة »قارية« (طوروس الشرقية وزاغروس). وتُثبت المنطقة الأولى حصول تغيرات مميَّزة بنوسانات لمنحني غبار طلع الأشجار تصل إلى مؤشرات كبيرة، هي علامات الرطوبة، في حين أن منحني غبار طلع الأشجار في المنطقة الثانية يبقى شبه ثابت بمؤشراته المنخفضة جداً وهي علامات على الجفاف.

ويمكن تفسير هذه الإختلافات بالتضاريس. ونجد في الواقع، إلى الشمال وإلى الشرق، القوس الجبلي المؤلف من جبال طوروس وزاغروس التي تشتمل على قمم تتجاوز 4000 متر، وإلى الجنوب والغرب منطقة مسطحة يجتازها نهرا بلاد الرافدين الكبيران، دجلة والفرات، وأخيراً إلى الغرب واجهة المتوسط التي تحف بها سلسلة جبلية (سلسلتا جبال لبنان) ومنظومة من الوديان الموازية للساحل (واديا الأردن والعاصي).

توافق هذه المجموعات الثلاث مناطق نباتية تمايزت منذ العصر الجليدي المتأخر، والتي توضحت حدودها خلال العصر ما بعد الجليدي. وقد اقترح عالمان بالنباتات القديمة من هولندا (و. فان زيست W. Van Zeist و س. بوتما S. Bottema) العديد من الخرائط الجغرافية المعاد إنشاؤها للمنطقة.

إن الشريط المتوسطي، الضيق نسبياً (50 إلى 65 كلم)، الذي وسّعه هيلمان G. Hillman حتى دجلة، كان مغطى نحو 12000-11000 قبل الميلاد (ألّرود Allerod) بغابة كثيفة تقريباً في الجنوب (لبنان وفلسطين) وبغابة ذات فرجات و / أو بسهوب مشجرة في الشمال (سورية وتركيا). إن الأنواع الرئيسية للغابة ذات الفسحات أو للسهوب المشجرة (المسماة أيضاً بالغابة السهوب) هي البلوط و*شجرة الفستق وشجرة اللوز والتي يرتبط بها عدد من *الزروع البرية. ويجب أن نأخذ بعين الإعتبار بعض الحالات الخاصة، مثل ضفاف الفرات الأوسط وبلا شك دجلة أيضاً، التي تحف بها غابة نهرية forêt-galerie  (ripisylve) مع أنواع أكثر تأقلماً مع الرطوبة، مثل الحور أو الصفصاف أو الأثل. وفي جبال زاغروس الوسطى والشرقية، كانت توجد سهوب ذات أشجار معزولة، في حين كان يجب أن يكون مجمل جبال طوروس الشرقية وزاغروس الغربية مغطى بسهوب مشجرة أكثر كثافة.

وترتكز إعادة بناء البيئة القديمة هذه على ستة مساقط زهرية لغبار الطلع غير مؤرخة بشكل جيد. أما كامل المنطقة المتوسطة، وبخاصة السفوح وسهل بلاد الرافدين وما نسميه بشكل غير دقيق »البادية« السورية (الجزيرة)، فلم يقدم لنا أي توثيق. ونفترض مع ذلك وجود بادية وبادية صحراوية تبعاً لخط العرض، إنما مع استحالة تحديد حدودها. ومن الثابت وجود واحات ذات نباتات أكثر كثافة خلال هذا العصر.

وخلال الفترات الأكثر برودة (الدرياسي الثاني Dryas II، 13500-12000 قبل الميلاد والدرياسي الحديث، 10800-10000 قبل الميلاد)، تناقصت كثافة الأشجار وتراجعت الغابة. وشمل هذا التراجع أيضاً الأشجار الموجودة في السهوب المشجرة.

تتوافق بالتالي بدايات الفترة التي بدأت فيها ثقافة سميت *بالنطوفية مع نهاية المرحلة الجافة والباردة للدرياسي الثاني. فالجزء الأكبر من العصر يتزامن مع التحسن المناخي لعصر الألرود Alleröd (الأكثر برودة بقليل من العصر الحالي)، وينتهي مع التراجع المفاجئ للدرياسي الحديث أو بعده بقليل.

تُستكمل هذه المؤشرات بالبقايا النباتية التي وُجدت في المواقع التي شغلها الإنسان في هذا العصر وبخاصة في العصور التالية. وهي تظهر وجود قطاف منهجي لحبوب ولثمار أنواع كثيرة غنية بشكل خاص بالبروتينات: ثلاثة أنواع من الزروع البرية، القمح الذي يسمى بر القفقاس (Triticum boeoticum)، و*القمح النشوي (Triticum dicoccoides) و*الشعير (Hordeum spontaneum)، وثلاثة أنواع من *القرنيات légumineuses (Pisum sp., Vicia sp. et Lens sp.)، و*ثمار شجرة الفستق (Pistacia sp.) و*جني البلوط (Quercus sp.). إن هذه الأنواع النباتية المرتبطة نباتياً تتوزع على محور يربط المنطقة المتوسطية بمحور طوروس الشرقية ـ زاغروس. وهذه المنطقة معروفة أدبياً باسم »*الهلال الخصيب«. فهذه المنطقة بالمعنى الواسع هي التي تعتبر كمهد *للنيوليتي طالما أنه في هذا المدى الحيوي زُرعت ودُجنت أولى النباتات وأولى الأنواع النباتية التي كانت موجودة فيها في حالتها البرية.

كانت هذه المصادر النباتية موزعة بشكل غير متعادل وبالتالي لم تكن مستثمرة بشكل متعادل. والمناطق التي كانت أكثر ملاءمة للقطاف والإلتقاط تقع في المنطقة الغابية المشرقية، بين جبل الكرمل والجليل في فلسطين. فمن المرجح أنه ليس من المصادفة وجود أولى البراهين على إعمار مستمر في الموقع نفسه، على شكل تجمع لعدة بيوت (*ملاحة)، في هذه المنطقة.

ومع ذلك كان *الصيد، كما كان عليه الحال منذ بدايات الباليوليتي، يقدم الجزء الأساسي من المصادر البروتينية. وكانت الأنواع الرئيسية التي تصاد هي التالية: *الغزال (Gazella sp.) والمعزيات (*الماعز Capra hircus aegagrus، و*الأغنام Ovis orientalis، كلاهما في حالته البرية(. تأتي بعد ذلك الأيليات (Cervus elaphus و Dama mesopotamica)، و*الخنزير (Sus scrofa)، و*الخيليات (Equus africanus و Equus hemionus) و*الأرخص (Bos primigenius).

وكان يجب أن تكون هذه الحيوانات ممثلة بشكل غير متعادل في مختلف المناطق الحيوية المفترضة. وكانت الغزلان والأيليات يجب أن تفضل المناطق ذات المشاهد المفتوحة من النمط السهوبي. أما الأوساط الأكثر تشجيراً، مثل المناطق الجبلية، فكانت بالأحرى تعمرها الأيليات والمعزيات. وكما بالنسبة للمناطق النباتية، فإن هذه الفضاءات الحيوية كان يمكن أن تتغير تبعاً للتغيرات المناخية. ونجد أمثلة على ذلك في *زاوي شيمي (معظم الأيليات موجودة في السويات الدنيا مقابل أعظمية للمعزيات في السويات العليا) أو *ملاحة. 

ونلاحظ مع ذلك نوعاً من التفاوت بين المعطيات الناتجة عن غبار الطلع ومعطيات علم الحيوانات القديمة. ويلاحَظ هذا التفاوت بشكل خاص في زاغروس، حيث تظهر أنواع حيوانية غابية في المناطق التي توحي المخططات الخاصة بتوزع غبار الطلع فيها بشبه غياب للأشجار. ومن جهة أخرى، فإن سيطرة الغزلان في *أبو هريرة وفي *المريبط I توحي ببيئة سهوبية، وهي إشارة ثمينة جداً في المنطقة الداخلية من *الهلال الخصيب التي لا نملك بالنسبة لها معطيات من غبار الطلع.

 

وضع الأبحاث

إن معرفة المعطيات غير متساوية، كما أن الوضع يختلف كثيراً بحسب المناطق. فالمنطقة المشرقية هي المعروفة بشكل أفضل، أكان بعدد المواقع المنقبة أو المتحراة (أكثر من مائة)، أو من خلال عدد المطبوعات المنشورة. والغربلة هي القاعدة في هذه المنطقة، على الأقل بالنسبة للتنقيبات الحديثة، وقد نقبت مواقع عديدة بشكل متوسّع، مما سمح بالحصول على مخططات مفصلة للإعمار. وقدَّمت بعض المواقع مثل *ملاحة متتالية طبقاتية (ستراتيغرافية stratigraphique) كافية الطول وموثقة جيداً، الأمر الذي سمح بجعلها الموقع المرجع بالنسبة *للنطوفي. إن عدد وتجانس التآريخ بالكربون 14 يسمحان بوضع تسلسل زمني مؤكد نسبياً كما ويسمحان بتأكيد تقسيمات تاريخية للصناعات المحلية في ثلاث مراحل أساسية. وتسمح لنا الدراسة المنهجية لبقايا الحيوانات، وبدرجة أقل للبقايا النباتية، وذلك على الأقل في عشرة مواقع، بإعادة بناء للبيئة ولنمط الحياة (*الصيد و*القطاف الإنتقائيين) ولفترة الإعمارات (»*القرى« الدائمة أو *المعسكرات الموسمية). إن عدد المنشورات التفصيلية ونوعية الأعمال التأليفية التي ترجع بشكل خاص إلى فالا F. Valla يجعل *النطوفية إحدى أفضل الثقافات المعروفة فيما قبل التاريخ الحديث في الشرق الأدنى. ومع ذلك علينا أن نشير إلى بعض الفجوات في المعلومات فيما يتعلق بالمشرق المركزي وسيناء الغربية وشمال شرق مصر. ويمكننا هكذا التساؤل عن توسّع الصيادين ـ اللاقطين *النطوفيين باتجاه الشرق (الصحراء العربية).

أما المنطقة الثانية المعروفة بشكل جيد بالنسبة لهذه المرحلة فهي زاغروس، على الرغم من العدد الأقل بشكل ملموس للمواقع التي تم تحديدها (نحو عشرة مواقع). ويرجع الاختلاف الكبير أيضاً إلى طبيعة الأعمال المنفذة، وهي في أفضل الأحوال إسبارات محدودة. والغربلة استثنائية فيها، والنشر النادر فيها محدود في غالب الأحيان بتقارير أولية. أما التأريخ بالكربون 14 فنادر جداً، والحيوانات غير معروفة بشكل جيد في حين أن البقايا النباتية غير موجودة عملياً، وذلك على الأرجح بسبب شروط التنقيب. فلهذه الأسباب مجتمعة تكون فرضيات التفسير أكثر ارتجالية واتفاقية منها في المشرق.

وتُجمع المجموعات الحجرية تحت اسم *الزارزي الذي يمكن أن يقسم إلى مرحلتين، *الزارزي النمطي والحديث. والمواقع المعروفة تتركز في زاغروس الغربية والوسطى، وتفصل بينها مناطق غير مدروسة. ويمكننا أن نفترض أيضاً إنما دون برهان حاسم حتى الآن وجود إعمار معاصر في سهول بلاد الرافدين.

أما المناطق الأخرى فهي عملياً أراض بكر غير مدروسة terrae incognitae، باستثناء بعض الإسبارات التي تمت في الجزيرة السورية ونشرها هول F. Hole، في حين لا تزال المادة المفترض أنها معاصرة ومصدرها وديان دجلة والفرات العليا غير منشورة عملياً.

إن المناطق المحددة أعلاه كمناطق هامشية (انظر الفصل الأول) قدّمت لنا توثيقاً غزيراً بالنسبة لمصر، وتوثيقاً ذا فجوات بالنسبة للهضبة الأناضولية وإيران والقوقاز. وتمثل المنطقتان الأخيرتان مع ذلك مجموعة ثقافية ثالثة ظهر تأثيرها في الوديان العليا وبشكل جزئي في زاغروس.

 

المصطلحات

لقد اقتُرحت تسميات كثيرة بالنسبة لهذه المجموعات الثقافية، تبعاً للعصور ولأصول الباحثين، وذلك بحسب ما كان يُفضَّل التصنيف أو المقاربة التطورية. وبالنسبة للمشرق، اقتُرحت تسميات »*النطوفي« (غارود Garrod)، و»*الباليوليتي الانتقالي épipaléolithique« (حورس F. Hours وكوبلاند L. Copeland) و*الميزوليتي (Kenyon في *أريحا وبوستانسي Bostanci وكوكتن Kökten على الساحل الأناضولي). وبالنسبة لبحر البلطيق جرى الحديث عن الميزوليتي (كون Coon في بيلت  Belt وحوتو Hotu). وبالنسبة لزاغروس هناك »*الزارزي« (غارود) و*ما قبل النيوليتي protoneolithic (حورس) أو »قبيل النيوليتي« (سوليكي Solecki في *زاوي شيمي).

ونفضل هنا أن نحفظ مصطلحات من نمط تصنيفي مع تمييز مجموعتين رئيسيتين كبيرتين، *النطوفي بالنسبة للمشرق و*الزارزي بالنسبة لزاغروس، مع إدخال مجموعة ثالثة ممثلة بشكل هامشي أكثر في وديان دجلة والفرات العليا، *الترياليتي.

 

الصناعات الحجرية

تُظهر الصناعات الباليوليتية في مناطق الأنهار المتوسطية خلال العصر الجليدي المتأخر (منذ البولينغ Bölling؟) بعض العناصر المشتركة التي اعتمدتها مختلف الجماعات المحلية والتي يملك كل منها مواريثه الخاصة: الإبيغرافيتي Épigravéttien بالنسبة للمناطق الطرفية الشمالية من المتوسط بين إسبانيا والبلقان، والصناعات الغرافيتوية gravettoïdes على الساحل الأناضولي الجنوبي (كارين Karain)، والإيميريتية Imérétien  في القوقاز، والبرادوستية Baradostien في زاغروس، والمجموعتان *الكبارية و*الكبارية الهندسية في المشرق. إن هذه العناصر الجديدة المشتركة، مضافة إلى القديمة، خلقت عندها في بعض المناطق ثقافات جديدة سُميت الأزيلية Azilien في فرنسا، والإيبرومورُسية Ibéromaurusien في المغرب، و*الزارزية في زاغروس، و*الترياليتية في القوقاز، و*النطوفية في المشرق ومصر. وكان التطور في مناطق أخرى أقل ظهوراً: استمرت الإبيغرافيتية في البلقان، واستمرت الصناعات الغرافيتوية في الأناضول (كارين B و*أوكوزيني Okuzini).

وتشتمل هذه العناصر الجديدة بشكل أساسي على تصغير متزايد للأدوات الحجرية من المكاشط والتسليحات غير الهندسية (النصيلات ذات الظهر)، وعلى إدخال أنماط جديدة من *الميكروليثات (الحجارة الدقيقة) الهندسية، كالمثلثات (ذات الظهر والشطفة) والقطاعات الدائرية. وهذه الأخيرة هي المحصلة النهائية لميل عام في هذا العصر، وهو انحناء ظهر التسليحات.

وقد عرَّفت غارود D. Garrod بين عامي 1920 و 1930، اعتماداً على تنقيباته التي قام بها في المشرق (شكبه Shukbah) وفي زاغروس (*زارزي)، في كل من هاتين المنطقتين، المجموعتين الحجريتين الكبيرتين التي أسمتهما بالتتالي *النطوفية و*الزارزية (اللوحتان 1-7 و 1-10). وتملك هاتان المجموعتان عدة مواصفات تقنية ونمطية مشتركة. إن تصنيع الأدوات هو نتيجة تقصيب بالنقر غير المباشر على نوى في مستوي للطرق يُنتج نصالاً ذات حواف غير منتظمة الاستقامة، ونصيلات ذات حواف أكثر استقامة. ونشير في الحالتين إلى استخدام تشذيب خشن لتشكيل *الحجارة الدقيقة، وتشذيب مسنن (من الاستخدام؟) بالنسبة للنصال، ولتقنية الإزميل الدقيق للحصول على شوكة ثلاثية السطوح على رأس الحجارة الدقيقة.

وهناك الكثير من الأدوات الموجودة في المجموعتين: ففي مجموعة المكاشط هناك قطع قصيرة مصنوعة من شظية أو من نصل مجذوم كثيرة العدد، تليها المكاشط المتطاولة المأخوذة من رأس النصل. كذلك فإن الأزاميل المزدوجة السطح قريبة جداً منها.

وتبدي النصال نمطين من التشذيب، المستمر أو المسنن. وتكون التشذيبات إما  مقصودة أو »بالصدفة« (نتيجة لاستخدام النصل الخام). وبين المثاقب، فإن الأدوات المصنوعة من النصيلات الدقيقة، ذات الرأس غير الممشوق، هي أدوات مشتركة بين المجموعتين. وفي مجموعة الحجارة الدقيقة (الميكروليثات) ثمة ثلاثة أنماط من التسليح تتواجد معاً بتناسبات مختلفة: النصيلات ذات الظهر، و*المثلثات المختلفة الأضلاع و*قطاعات الدائرة ذات التشذيب الخشن.

وثمة أدوات أخرى أكثر تمييزاً لمنطقة خاصة. ففي المشرق، الذي نعرف صناعاته المحلية بشكل أفضل بكثير، نلاحظ وجود مثاقب من نصل ذي رأس ممشوق تماماً، ومثلثات متساوية الساقين وقصيرة وبخاصة أدوات حجرية كبيرة الحجم (في كافة المواقع؟) مثل *المعاول في الجنوب و*البليطات الحادة على الفرات. وفي مجموعة الميكروليثات المشتركة في المنطقتين، فإن الرؤوس ذات الظهر والمثلثات المختلفة الأضلاع أكثر في زاغروس منها في المشرق، حيث تسيطر بوضوح تام مجموعة القطاعات المأخوذة من دائرة.

وهناك خصوصية أخرى للمشرق هي وجود جلاء لامع على حافة بعض النصال الخشنة أو المشذبة. وثمة اتفاق على اعتبار أن مصدر هذا الجلاء ناتج بشكل خاص عن التماس المتكرر للنصل مع سوق نباتية غنية بشكل خاص بالسيليس، ومن هنا الإسم العام النصل ـ *المنجل (أو قطعة *المنجل، انظر أيضاً *سكين) المعطى لهذه النصال. وبين هذه النباتات هناك القصب و*الزروع، الأمر الذي دفع ببعض علماء ما قبل التاريخ (مثل غارود) إلى اقتراح فرضية زراعة مبكرة منذ *النطوفي. ويعتبر آخرون أن الأمر يمكن أن يتعلق بـ *قطاف إنتقائي وكثيف. وتجدر الإشارة إلى أن هذه هي الأداة الأولى التي يرتكز تعريفها وتسميتها ليس على الشكل بل على وظيفة مفترضة؛ ومن وجهة النظر النمطية الدقيقة، فإن الأمر يتعلق إما بنصل خشن، أو بنصل مشذب، أو بنصل ذي شطفة مشذبة.

وخلال *النطوفي تأخذ بعض المميزات الأكثر تحديداً معنى زمنياً، مثل التناقص الملاحظ لحجم *قطاعات الدوائر مع الزمن، وهو أمر يتزامن مع تغيير نمط التشذيب على هذه العناصر (وجود تشذيب ثنائي الوجه نصف خشن، يسمى تشذيب *حلوان، في المرحلة القديمة). ومن العلامات الأخرى علامة الخصوصيات المحلية، على سبيل المثال، على الفرات، الأدوات الحجرية الكبيرة ذات السويقة مثل الرؤوس الثقيلة و*البليطات الحادة التي سبق أن ذكرناها، وإلى الجنوب *السكاكين ذات الظهر المنحني.

وقد كشفت المنطقة الواقعة بين الفرات وزاغروس حديثاً عن بعض المعطيات التي تُظهر مواصفات يمكننا أن نقربها من العناصر المشتركة الموجودة في *النطوفي كما وفي *الزارزي. ونقصد هنا المواقع التي استكشفها هول F. Hole على الخابور، والتي كشفت عن قطاعات دوائر ومثلثات متساوية الساقين بل وأيضاً عن بعض المثلثات غير متساوية الأضلاع (ذات الظهر والشطفة). وتبين صناعة *قرميز داره، في عصر لاحق، وجوداً مستمراً لعناصر مماثلة كما نجدها أيضا في الصناعة *الخيامية  في المشرق، والمثبتة بخاصة في المرحلة BI من *المريبط. وهناك وضع مماثل كان قد لوحظ في *الملفعات. ويندرج موقع *دير هال في الجزيرة هو أيضاً في الموروث الهندسي نفسه.

 

المناطق الهامشية

إن الصناعات الحجرية الموجودة في المناطق الهامشية أو الطرفية خلال الفترة نفسها على الأرجح هي من نمطين: يقدم بعضها عدداً معيناً من الصلات والقرابة مع ما كان قد عُرِّف كـ *زارزي أو *نطوفي، في حين أن الصناعات الأخرى تتميز عنهما بشكل أكثر جذرية.

ومن بين الأولى منها يمكننا أن نذكر الصناعة التي من نمط *أوكوزيني Ökuzini الموجودة أيضاً في بلديبي Beldibi وبلباصي Belbaşi، والمميزة بـ *ميكروليثات هندسية ذات حجم صغير جداً (مثلثات متساوية الساقين ومختلفة الأضلاع، وقطاعات من دائرة) مع مكاشط قصيرة وأزاميل دقيقة ورؤوس ذات سطح مزدوج تسمى رؤوس سوفتير Sauveterre. يجب مع ذلك أن نشير في هذه المجموعة إلى غياب التأريخ بالنسبة للمجموعات الأكثر غزارة (بلديبي وبلباصي) وإلى الفقر النسبي للصناعة بالنسبة للموقع الوحيد المؤرخ جيداً (من بداية العصر الجليدي المتأخر إلى ظهور الفخار).

ويجب أن نضيف إلى ذلك اللقى السطحية في كوهبانان Kuhbanan على الهضبة الإيرانية. ويمكن أن يتعلق الأمر بخليط نتج بالصدفة لعناصر هندسية (قطاعات، أشباه منحرفة غير معروفة في *الزارزي) وأدوات أكبر حجماً على حوامل نصلية يتم الحصول عليها بتقنية الضغط. وتوحي طبيعة بعض الميكروليثات التي تم جمعها في كوهبانان بقرابة مباشرة مع مجموعة ثقافية  موجودة على ضفاف بحر البلطيق وفي القوقاز وفي الهوامش الشمالية لمنطقتنا (الوديان العليا لدجلة والفرات). وهذه المجموعة معروفة باسم *الترياليتي (اللوحة 1-13). ومميزاتها الرئيسية هي الحجم والطول للقطع الهندسية الأكبر بشكل ملحوظ مما نعرفه في *النطوفي و*الزارزي. والأشكال الأكثر تمثيلاً فيها هي الرؤوس ذات الظهر المستقيم أو المنحني، والمثلثات والقطاعات الثخينة، والتي تضاف إليها المكاشط من الشظايا ذات الجبهة الثخينة والمسننة غالباً، والأزاميل البسيطة. وقد ظهر *الترياليتي في *علي تبه على بحر البلطيق نحو 12600 قبل الميلاد وامتد حتى نحو 10800 قبل الميلاد. ووجوده في نهاية العصر الجليدي المتأخر مثبت في الطبقات الدنيا في الموقعين المجاورين *بلت Belt وحوتو Hotu.

وهذه المجموعة *الترياليتية ممثلة بعدة تنويعات محلية: شكل »كلاسيكي« في إدزاني Edzani في جورجيا، وتنويعات في تشوخ Tchokh في أزربيجان، وفي *دام دام شيشمي Dam Dam Chechme في تركمنستان، وفي قاعدة *بلت (؟) في كوهباران في إيران. لكن يمكن إعادة النظر في هذه التقسيمات، لأنها ترتكز على عدد محدود من المواقع التي نادراً ما أُرِّخت. إن حدودها الشمالية على السفح الشمالي للقوقاز وفي جزيرة القرم محددة بثقافة تنتسب لها وتعاصرها تُعرف باسم شان كوبا Chan Koba. وتبلغ حدودها الجنوبية منطقتنا عبر وديان كورا Koura والأراكس Araxe والوديان العليا لدجلة والفرات، كما تثبت ذلك الصناعة *الترياليتية النموذجية في *حالان شيمي نحو 10600-9300 قبل الميلاد و*دميركوي Demirköy. ويمكن اعتبار نمطية العناصر الهندسية الموجودة في صناعة المواقع الأحدث (*نفالي تشوري و*كفر هويوك وبوي تبه Boy Tepe) كأثر على وجود *الترياليتي حتى وادي الفرات الأوسط. ويمكن أن يكون الأمر في *نفالي تشوري، بحسب المنقب، خليطاً من العناصر الأقدم، الموجودة في غير مكانها، مع الصناعة »الكلاسيكية« من الإعمار *النيوليتي. وعلى العكس، ففي *كفر هويوك في مرحلتها القديمة، تشكل هذه الهندسيات النادرة على الأرجح عنصراً مشكلاً للصناعة *النيوليتية المحلية، كـ »صدى« متأخر لموروث أقدم. وتذكّر الرؤوس ذات الفرضة في السويات القديمة من الموقع نفسه بأشكال مماثلة وجدت في *أسيكلي Aşikli على الهضبة الأناضولية في إطار *نيوليتي أيضاً. ومثل القطع الهندسية، فإن هذه الرؤوس توحي بتقاربات مع صناعات من العصر الجليدي المتأخر. وقد وُجد رأس ذو فرضة مماثل في *زارزي Zarzi. وفي *أسيكلي، وفي هذا الإطار *النيوليتي نفسه، يمكن للكثير من القطع الهندسية ذات الحجم الكبير (مثلثات وقطاعات) ولرؤوس  ذات ظهر منحني ولرؤوس مثلثية الشكل ذات قاعدة مشذبة وظهر مشذب جزئياً أن تشكل أيضاً تذكُّرات لصناعات من العصور الجليدية المتأخرة الشمالية الأقدم. فإن وُجد إعمار للهضبة الأناضولية أقدم من العصر *النيوليتي، فإن بعض عناصر الإجابة يمكن أن يقدمها لنا تنقيب البعثة البريطانية لـ *بينارباصي Pinarbaşi قرب *شاتال هويوك، وهو موقع يمكن أن يردم جزئياً الفراغ في المساحة الأرضية والإختلافات النمطية بين مجموعة *أوكوزيني وموروثٍ ما قبل *أسيكلي محتمل. وبالطريقة نفسها، فإن إعادة فحص للقى السطحية التي التقطها بنديكت Benedict في الوديان العالية لدجلة والفرات يمكن أن تقدم عناصر إجابة على وجود بشري سابق للنيوليتي في هذه المنطقة.

وفي جنوب المشرق، في المناطق الهامشية (سيناء والنقب)، نستنتج في نهاية العصر وجود مجموعة ثقافية مميزة *للنطوفي باسم *الحريفي Harifien، والتي تتميز صناعتها بسيطرة للمكاشط الدائرية المصنوعة من الشظايا مرافقة بـ »سكاكين« ونصيلات ذات ظهر منحن، وبمثاقب ذات رأس غير مشيق وبشظايا كبيرة مسننة. وتسيطر النوى الخام غير المجهزة مسبقاً وذات مخطط الطرق. إن كافة هذه العناصر توافق المواصفات المشتركة التي عددناها أعلاه بالنسبة *للنطوفي و*الزارزي. وتلكم هي أيضاً حال *الميكروليثيات الهندسية (قطاعات ومثلثات متساوية الأضلاع)، والنصيلات ذات الظهر والأزاميل الدقيقة. إن العنصر الرئيسي  الخاص بـ *الحريفي يتكون من *رؤوس ذات ساق معلاقية تسمى رؤوس *حريف Harif ورؤوس أونان Ounan، ترافقها رؤوس متناظرة ذات قاعدة مشذبة تحمل اسم رؤوس *شنيرا Shunera (اللوحة 1-7). وقد وُجدت بعض رؤوس حريف حديثاً في الصحراء إلى الغرب من النيل. وتوحي هذه اللقى التي لا تزال معزولة، مثل القطاعات التي وجدت في حلوان في ضاحية القاهرة، باتصالات محتملة بين المشرق ومصر. إن موروث الميكروليثات الهندسية لا يُحد بشمال مصر. فهو ماثل أيضاً في مصر العليا (الإيسني والسيلسيلي والقاضي، على حدود السودان). وتوجد هذه الظاهرة في الغرب في المجموعة الليبية ـ الكفزية وفي المجموعة الإيبرومورسية في المغرب.

ومن الصعب حتى الآن الحصول على رؤية متجانسة لتوزع مختلف هذه المجموعات الثقافية، بسبب الفجوات في المعلومات التي تُترجم بالكثير من الفراغات على الخرائط وبسبب تفاوت مناهج الدراسة ونشر النتائج. ويفسح ذلك كله مجالاً كبيراً للنظرة التأويلية، الأمر الذي لا يمنع مع ذلك بأن نقترح من جهتنا فرضيات في هذا الإتجاه.

 

*المتاع الثقيل

أخذ شغل الحجر أشكالاً مختلفة غير الأدوات المجمعة تحت اسم الصناعة الحجرية. ودون أن يكون هذا النمط من المواد تجديداً مطلقاً، طالما أن *الكباري يقدم أمثلة على استخدام أجران من الحجر، فإنه يشكل ميزة معروفة منذ زمن طويل للـ *نطوفي و*الحريفي. ويبدو أن الشكل الأكثر انتشاراً هو *جرن كبير عميق (0,50 0,60 سم)، وهو غالباً ما يكون من البازلت بل وأيضاً من الكلس، مع أو بدون قاعدة مميزة، ويُقرن به *هاون أسطواني أو ذو قاعدة مفلطحة ويكون مزيناً أحياناً أو منحوتاً (اللوحتان 2-1 و 2-4). وفي حالات كثيرة يكون قعر هذه الأجران مثقوباً، دون أن نستطيع معرفة فيما إذا كان الأمر يتعلق بحادث يرجع إلى استخدام مكثف أو لقصد معين متعمد. وتوجد نسخة مصغرة (0,10 سم) من الأدوات ذات الشكل المطابق.

ونجد أيضاً *مساحق مسطحة (0,40   0,50 سم) من الحجر الكلسي غالباً، والتي تُقرن بها *مدقات.

وتتألف مجموعة ثالثة يمكننا مقاربتها مع المجموعتين السابقتين من تجويفات كبيرة الحجم نسبياً (وهي عبارة عن كؤيسات صغيرة أو »أحواض« بطول 0,30 م تقريباً) يمكن لعمقها أن يصل إلى 0,15 م، وهي منحوتة في الحجر الكلسي. وثمة نسخة »متحركة« على شكل صفائح منفصلة عن الصخرة الأم، ونسخة »ثابتة« على شكل سلسلة كثيرة العدد نسبياً من هذه التجويفات المحفورة مباشرة في الأساس الصخري. وعدد كبير من هذه المجموعات وُجد في جوار مواقع السكن وبالارتباط معها.

ويمكننا أن نتساءل حول وظيفة هذه الأدوات أو هذه الإنشاءات، والفرضيات الأكثر تواتراً، والمؤسسة على ملاحظات إثنوغرافية، تقترح معالجة بالسحق لبعض المواد النباتية أو الحيوانية. ويمكننا أن نذكر من بين المواد النباتية *الزروع و*القرنيات و*الفستق و*البلوط، إلخ. ومن بين المواد الحيوانية يمكن أن نفكر باللحم المهروس. وكان هذا السحق أو الهرس يتم بواسطة مدقات أو هواوين تعمل بالترتيب في الأجران أو في المساحق »النائمة«، المثبتة في الأرض، وذلك بالأحرى عندما يتعلق الأمر بتجويفات محفورة في الأساس الصخري.

ونربط بشكل عام استخدام هذه الأدوات التي يصعب نقلها بنمط حياة حضري (انظر فيما يلي المسكن)، والذي أصبح ممكناً من خلال الوجود و*القطاف الكثيف في الجوار المباشر لمواد كانت تعالَج في هذه الإنشاءات. ويمكننا التفكير بشكل خاص بمعالجة *الزروع أو *القرنيات البرية المكسوة، والتي تتطلب مثل البلوط والفستق معالجة آلية بالتقشير أو الجرش. وقد اقترح بعضهم حتى ربط وجود هذا النمط من القطع بشكل مبكر للزراعة.

ولا يجب مع ذلك أن ننسى أن ثقافات باليوليتية كثيرة (المولودوفية Molodovien الأوروبية و*الكباري المشرقي) قدمت أدوات مماثلة دون أن تكون قد وصلت بالضرورة إلى حضرية متقدمة طيلة سنة كاملة. ونعتقد بالأحرى في هذه الحالة بعَودات دورية للمجموعات نفسها إلى الموقع نفسه. وتوافق هذه الفرضية أيضاً المواقع المعاصرة للـ *نطوفي في وادي النيل (القاضي والإيسني) حيث نجد مع ذلك مع الغياب الكامل لآثار العمارة مساحق نائمة أو مسطحة. وتوحي تحليلات غبار الطلع وفحص المشطورات[1] في إيسنا وفي قاضا بقطاف للقمح والشعير البريين.

وفي زاغروس كشفت بعض مواقع *الزارزي الحديث (*زاوي شيمي) عن أدوات مشابهة: *مساحق و*مدقات molettes من الصلصال الرملي أو من الغرانيت، ومدقات أسطوانية من البازلت. ونجد المساحق والمدقات أيضاً في المجموعة *الترياليتية في *علي تبه على بحر البلطيق.

ونشير إلى أن *الأجران العميقة والمدقات ذات القاعدة المفلطحة موجودة بشكل خاص في المنطقة التي تعتبر بشكل تقليدي على أنها »المنطقة النووية« *للنطوفي (جبل الكرمل والجليل في فلسطين)، إنما مع توسعات باتجاه الجنوب في وادي الأردن (*أريحا، *جيلغال I، وسوية *نطوفية غير منشورة بعد)، وباتجاه الشمال (يبرود)، وفي البقاع اللبناني (سيدة) ونحو الشرق (وادي *حمامه). وفي المناطق المحيطية (*أبو هريرة)، يُحد متاع السحق بالمساحق المسطحة والمدقات وبالهواوين الأسطوانية وحدها.

وقد لوحظت بلاطات من الحجر الرملي بطول ضلع نحو 0,30 م، تحمل آثار إعداد واستخدام (تحضير للطعام؟) في *زاوي شيمي.

 

المتاع الخفيف

يبدو أن المنطقة النووية تميزت هي أيضاً بـ *الآنية الحجرية و*المتاع الخفيف. ويتعلق الأمر بآنية نادرة مفتوحة من البازلت، ذات قعر مستدير، مع نصف قطر يصل إلى 15 سم. وثمة بعض النماذج (القريبة من *الأجران) مزينة تحت شفة الإناء بتعرجات منحوتة وبآكاليل زهرية. وتوجد أيضاً مجموعة »مصغرة« من القطع المماثلة، العميقة نسبياً، والتي تبدو غائبة عن المنطقة النووية والمميزة بالأحرى لأطرافها. ولم يكشف أي موقع خارج المنطقة المشرقية حتى الآن عن قطع من الطراز نفسه.

بالمقابل، ثمة قطعة أخرى لا يزال استخدامها غير مفسر، موجودة أيضاً في المشرق كما وفي زاغروس. إنها »*الحجارة ذات الفرضات« التي تتبدى كحصيات بيضوية مسطحة أحد وجهيها مثقوب بفرضة عميقة وعريضة. ويعتبر بعضهم أن هذه القطعة كانت تستخدم لصقل قناة أسلحة الرمي (اللوحة 2-6).

وفي زاغروس، لوحظ وجود *فؤوس من الحجر المصقول في مواقع من هذا العصر في باليغاورا Palegawra و*كريم شاهر و*زاوي شيمي و*دير هال. إن مصدر النموذج الوحيد المنشور والذي ينتمي بشكل واضح دون أي شك إلى إطار *زارزي هو *دير هال. وفي *كريم شاهر يتعلق الأمر على الأرجح بالأحرى بمزيج مع صناعة لاحقة (*الملفعاتي من الفترة 2 أو 3). أما باليغاورا فغير منشورة والنماذج المشار إليها في *زاوي شيمي يمكن أن تُنسب بصعوبة، بعد فحص مباشر، إلى هذه المجموعة النمطية.

 

الصناعة العظمية

الصناعة العظمية أقل غزارة من الصناعة الحجرية، وذلك على الأرجح بسبب الشروط السيئة للحفظ، وهي تقدم لنا في آن واحد أدوات معروفة في الباليوليتي الأعلى أو الأخير، وأدوات أكثر نوعية مميزة للفترة 1.

ويمكننا أن نذكر من بين الأدوات الأولى الرؤوس المتطاولة التي يمكننا توزيعها، بحسب حجمها، إلى ثلاث مجموعات: فأطولها يتجاوز 10 سم، وأوسطها من 5 إلى 10 سم، وأصغرها أقل من 5 سم. ويحمل بعضها رأساً مجهزاً واحداً، في حين يحمل بعضها الآخر رأسين (مزدوجة الرأس). وهي أحياناً ذات مقطع بيضوي أو دائري (مزدوجة الرأس)، وأحياناً أخرى ذات مقطع مسطح وبخاصة في جنوب المشرق. ويمكننا اعتبار هذه الرؤوس كرؤوس *مزراق، على الأقل بالنسبة لأكبرها حجماً. أما بالنسبة للأصغر فقد اقتُرحت استخدامات أخرى، كصنارة على سبيل المثال. ولا توجد الصنارات »الحقيقية« بشكل كلاب إلا في كبارة. وثمة فئات أخرى من الرؤوس (إنما أقل عدداً بكثير) تحمل صفاً وأحياناً نادرة جداً صفين من الأشواك. وهي تماثَل عموماً بـ *خطافات. وقاعدتها غير معدَّة في حين أن شكلانيتها تقربها من الخطافات المميزة للباليوليتي الأخير و*الميزوليتي الأوروبي. فيمكن أن يتعلق الأمر بأسلحة صيد بري أو بحري. ونجدها بشكل حصري في منطقة محدودة إلى الشمال بأنطلياس وإلى الجنوب بـ *أريحا والتي لا تتجاوز إلى الشرق وادي الأردن. إن المثاقب المصنوعة من عظام ال métapode للمجترات الصغيرة، معروفة في أوساط كثيرة في المشرق كما وفي زاغروس.

وفي المشرق ترافق هذه الأدوات أدوات مصنوعة من عظام مسطحة (الأضلاع أو عظم الكتف) نطلق عليها الاسم النوعي »*الملعقيات«، والتي تكون مزودة أحياناً بمقبض متضيّق.

أما القطع النوعية الوحيدة الممثلة جيداً بشكل خاص في هذا العصر، فهي قطع مسطحة، ذات حزة محفورة على جزء من أحد الطرفين (اللوحة 1-1). ونعتبرها إجمالاً كمقابض مخصصة للإمساك بعنصر صواني أو أكثر. كذلك فقد رُبطت، مثل المساحق والأجران، بـ »زراعة« مبكرة محتملة، لكن من المقبول اليوم أن هذه »*السكاكين« أو »*المناجل« قد أمكن أن تُستخدم في *قطاف الزروع أو نباتات برية أخرى.

ويمكننا أن نميز شكلانياً أنماطاً كثيرة: المقابض المستقيمة البسيطة كالتي عُثر عليها في *شانيدار B1، والمقابض المستقيمة ذات النهاية المنحوتة على شكل رأس أو بشكل أندر على شكل جسم حيواني، أو غير منحوتة وتحمل على ظهرها على الطرف المقابل انتفاخاً. إن هذا النمط الأخير يميز مواقع المشرق المركزي وأطرافه الشرقية. وفي وادي *حمامه يتخذ المقبض في بعض الحالات شكلاً منحنياً، لكن الحزّة الجزئية دائماً تبقى مستقيمة.

وفي *زاوي شيمي تم العثور على مقبض مثلثي الشكل مع فرضة مستقيمة على مجمل الطرف في إطار طبقاتي غير مؤكد. ونجد مقابض مماثلة وبخاصة في المغرب في فترة تالية بفترة وجيزة (الكابسي Capsien في كولومناتا Columnata).

 

الأدوات غير النفعية

نضع في هذه الفئة، اتفاقاً، القطع التي لا تدخل في أي من الفئات السابقة. وهي تُعتبر كأدوات فنية أو كحلي. فالرؤوس العظمية المنحوتة على شكل رأس حيواني، التي نجدها إما على طرف مقابض *السكاكين أو معزولة (مقابض مكسورة؟)، تدخل في هذه المجموعة. ولا تسمح التقنية المستخدمة بأن نحدد بسهولة الحيوانات المملثة، والتي تشبه عموماً مع ذلك بغزلان أو بمجترات صغيرة.

ونقارب مع هذه القطع تمثالاً حجرياً صغيراً مقطوع الرأس يمثل غزالاً أو أيلاً ومصدره أم الزويتينه.

وتُظهر *التماثيل البشرية الصغيرة، الأكثر ندرة والأقل تجانساً أسلوبياً، رؤوساً إما »واقعية« أو على العكس »منمقة« جداً (الشكل 6-2).

وتوجد التشكيلات »المنمقة« (وهي عبارة عن مجموعة خطوط منحنية متمركزة) على الطرف الأقصى لبعض الآنية الحجرية وعلى مجموعة من الصفائح الحجرية التي يصل طولها إلى أكثر من 1,5 متر والتي عُثر عليها في وادي *حمامة. وتوجد أيضاً تشكيلات من خطوط متموجة متوازية من الأسلوب نفسه على مدقات وعلى حواف أوعية. ولا توجد كافة هذه القطع الحجرية إلا في مواقع من المشرق الجنوبي.

وثمة بعض القطع العظمية (الملعقيات والمقابض) تحمل تزييناً (؟) من خطوط متوازية محزوزة أو مشكلة من رؤوس.

وتتألف قطع الحلي والزينة، التي وجدت بشكل أساسي مرتبطة بالمدافن، من أسنان حيوانية مثقوبة، ومن أقراط حجرية أو مصنوعة من عظام طيور أو مجترات صغيرة، ومتحجرات من عصور جيولوجية، وقواقع (من نوع النابية[2]) مستوردة أحياناً من على مسافات بعيدة، بحيث أن مصدر بعضها البحر المتوسط وبعضها الآخر البحر الأحمر. إن ظاهرة تداول وانتشار قطع من هذا النمط هي ظاهرة نعرفها أيضاً في ثقافات الباليوليتي الأعلى أو الأخير الأوروبي، المعاصرة *للنطوفي أو *الزارزي.

 

المسكن

تبدي بنى المسكن في هذا العصر سمة مشتركة مزدوجة: شكلها الدائري أو نصف الدائري، وتأسيسها بالحفر الكلي أو الجزئي (التأسيس على منحدر). ويمكن أن تختلف بحجمها وتقنيات بنائها (البنى العلوية) وترتيبها.

ونصادف في كثير من المواقع نمطين رئيسيين: حفر »صغيرة« بقطر مساو أو أقل من 1 متر، وتُعتبر غالباً أنها غير ملائمة للسكن وأن وظيفتها المفترضة هي التخزين (*أهراء)، وحفر »متوسطة« (بقطر 2,5 3,5 متر) أو »كبيرة« (بقطر أكثر من ثمانية أمتار) والتي يعتبَر أنها استُخدمت للسكن. وجدران بنى المسكن هي إما الناتجة عن الحفر فقط، كما في *أبو هريرة، أو مليسة كما في *كريم شاهر (؟)، أو مغطاة بعدة ركائز حجرية كما في *ملاحة أو *هايونيم أو وادي *حمامة أو زاوي شيمي. وفي حالات أخرى (*روش زين Rosh Zin ورمت حريف Ramat Harif)، تجعلنا دوائر الحجارة التي عُثر عليها، مقرونة بحفر أم لا، نفكر بأنه أمكن أن توجد بنى أكثر خفة وحركة إلى جانب المنشآت السابقة التي تعتبر عموماً كمساكن دائمة.

أما البنى العليا فمن الصعب تصورها. وتجعلنا بقايا الجدران التي عثر عليها في مواقعها نعتقد أن هذه البنى العليا كانت خفيفة. ولم تكن الحجارة الباقية في الموضع لتشكل سوى قاعدة الجدار المصنوع من مواد عضوية (جلود، نباتات). وفي حالات نادرة (*أبو هريرة، وادي *حمامة)، تم العثور على آثار ثقوب لدعامات محتملة. ففي *ملاحة، في الملجأ 131، كانت الدعامات مقامة في الداخل، بموازاة جدار الملجأ، ويجعلنا حجمها نفترض وجود صقالة هيكلية ذات ضخامة معينة. وفي وادي *حمامة يكمل خط من الحجارة ثقوب الدعامات الواقعة على محيط الحفرة السكنية.

ويتألف التجهيز الداخلي في غالب الأحيان من مواقد محفورة أو محاطة بحجارة، ومن مجارش وأجران موضوعة على الأرضية أو معدة فيها. وفي بعض مواقع المشرق الجنوبي (*أبو سالم) استُخدم الأساس الصخري، المحفور بشكل كؤيسات، كأرضية سكن.

ويوجد هذا النمط من البنى ذات المخطط الدائري والبنية العلوية الخفيفة منذ العصر *الكباري، إنما بشكل معزول (منشأة واحدة أو اثنتان) وفي عدد محدود من المواقع. ثلاثة فقط من هذه البنى أُثبت حتى اليوم (عين غيف I Ein Guev و*أوهالوOhalo II  وجعيتا II). ومع ذلك، فمنذ *النطوفي القديم تبين مواقع السكن تجمعات لبنى أكثر عدداً تجعلنا نفترض اختراع *الضياع الجماعية الأكثر استقراراً وديمومة على الأرجح. وقد استمرت المساكن المعزولة (*زاوي شيمي)، لكنها تبدو في التوثيق المتوفر حالياً أنها كانت استثناء بالأحرى منها قاعدة.

ويمكننا تمييز نمطين رئيسيين للتجمعات (الشكل 7 – 9).

في الحالة الأولى تكون الخلايا السكنية متلاصقة (مغارة *هايونيم أو *روش زين)، وفي الحالة الثانية تكون الخلايا المسكونة منفصلة عن بعضها بعضاً، وذلك تبعاً لطبوغرافية الموقع، ومصطفة أو لا بحسب إنحناءات السوية (*ملاحة، *رمت حريف، *أبو سالم). ومع ذلك يجب أن يكون هذا التمييز قابلاً للتأويل، لأنه ليس من السهل دائماً وضع معاصرة دقيقة لعدة بنى ومنشآت. ونستنتج في الحالتين ارتباط بنى السكن »الكبيرة« مع منشآت أصغر (حفر) يمكن أن يكون استخدامها المفترض هو التخزين.

ونستنتج، أكانت هذه المساكن دائمة أم غير دائمة، أن استخدام الملاجئ الطبيعية في هذا العصر (مغائر مع أو بدون بنى مبنية) كان لا يزال متواتراً: *هايونيم، الواد، شقبا، كباره، *زارزي، باليغاورا، *شانيدار، وارواسي، *علي تبه. وقد مالت هذه الممارسة إلى الإختفاء خلال الفترات التالية.

وثمة عنصر آخر يجب أخذه بعين الإعتبار من أجل تفسير هذه المواقع السكنية هو وجود مدافن مرتبطة بها (انظر لاحقاً).

وضمن هذه الشروط، فإن إجماعاً معيناً يقبل أنه كان من الممكن وجود ثلاثة أنماط من المساكن: *ضياع دائمة لحضريين تتميز بـ »*بيوت« مقرونة بحفر تخزين، وبمتاع ثقيل وبمدافن (*ملاحة، وادي *حمامة)؛ وضياع لنصف حضريين موسمية تتميز بـ »بيوت« أخف وأكثر قرباً من بعضها، مع أو بدون متاع ثقيل، وبلا مدافن (*أبو سالم، رمت حريف) في المشرق الجنوبي؛ و*معسكرات اتفاقية مع أو بدون آثار مدافن (*خلات عنازه). والتمييز بين النمطين الأخيرين ليس واضحاً دائماً، لأنه من النادر أن يكون من الممكن إثبات معاصرة البنى الطبقاتية غير المرتبطة ببعضها.

وقد اقتُرحت نماذج كثيرة لأخذ مختلف أنماط السكن هذه بعين الإعتبار: وهي تعارض بين منطقة نووية، هي مقر ضياع مستقرة ودائمة، ومنطقة هضاب مشغولة بضياع موسمية و»صحراء« تجتازها مجموعات مترحلة تشغل لفترة قصيرة مواقع متخصصة. إن هذه النماذج تستلهم من حالات معاصرة لاحظها علماء السلالات، والتي يصعب التحقق منها بواسطة الإكتشافات الآثارية فقط. وكانت قد أُعدت من أجل المنقطة المشرقية، وذلك بطرح فكرة وجود منطقة نووية محدودة في جبل الكرمل وفي الجليل، محاطة بـ »مناطق أطراف« (المشرق الجنوبي مع المواقع *الحريفية، الهضبة الأردنية، وادي الفرات). إن نقص المعطيات المستخدَمة في المناطق الإنتقالية (المشرق المركزي) والشرقية (زاغروس والهضبة الإيرانية) لا يسمح باختبار هذه النماذج فيها، وخاصة بسبب غياب الضياع الدائمة.

وضمن الوضع الحالي لمعارفنا، من المستحيل البرهان على صحة النماذج المقترحة. فلا مناهج التأريخ، ولا الطبقاتية الدقيقة microstratigraphie تسمح لنا في الواقع بقياس المعاصرة الدقيقة والمدة الحقيقية لإعمار منشأتين على الموقع نفسه. ويمكن لتحليل البقايا العظمية، وهو تحليل قادر بشكل خاص على تحديد أعمار ذبح الحيوانات وبالنتيجة فترات إعمار الموقع، أن يُظهر انحرافات إحصائية لا تسمح بتمييز إعمار مستمر فعلياً لسلسلة من العَودات الدورية إلى الموقع نفسه في فصول مختلفة.

إن الشكوك التي قدمناها لا تلغي التمييز الجوهري بين المواقع »الأكثر ديمومة«، التي تكشف عن بنى ومتاع ثقيل ومدافن، والمواقع »الأقل ديمومة« حيث تغيب هذه العناصر أو تكون شبه غائبة. إن هذا الميل إلى شكل من التحضر الأكثر تثبيتاً، على الأقل في مركز المشرق، يشكل أحد السمات الأكثر تميزاً في هذا العصر.

ولا يتعلق الأمر بتجربة وحيدة طالما أن هذا الميل نفسه كان قد ظهر في مجتمعات باليوليتية أيضاً، كما في *الغرافيتي الشرقي الأوروبي (دولني فستونيسي Dolni Vestonice، مزيريسي Mezirici، مولودوفا V Molodova V) بين 25000 و 15000 قبل الآن. إن الفارق الجوهري هو أن هذه التجربة لم تستمر في أوروبا، في حين أنها كانت في الشرق الأدنى أصل تحول عميق للمجتمع، والشرط اللازم إنما غير الكافي، لظهور *النيوليتي، كما سيبين ذلك تطور العصور التالية.

 

المدافن

لقد سبق وأشرنا إلى أن وجود *المدافن المرتبطة بمسكن مبني كان يمكن أن يشكل  عنصر برهان على ميل إلى التحضر. فالمدافن *النطوفية كثيرة بشكل خاص. ولها أنماط عديدة، فردية أو جماعية، وأولية أو ثانوية، ونجد أحياناً هياكل عظمية فُصلت عنها الجمجمة (*هايونيم). وتكون الهياكل بوضعية منطوية ومضمومة، على جانبها أو على ظهرها، وتحمل غالباً قطع حلي. أما وضعيتها في المسكن فليست واضحة تماماً: فهي تكون أحياناً داخل منازل مهجورة أو مسكونة (؟)، وأحياناً في الخارج. ويقودنا وضع *ملاحة (السوية *النطوفية الحديثة) إلى طرح السؤال حول »مقبرة« مقامة في موقع سكن كان قد هُجر عندها، طالما أن معظم المساكن كان قد أعيد إشغالها بقبور. ويبدو أن مغارة *هايونيم كانت قد لعبت على الأقل في إحدى مراحلها دور المقبرة. كذلك طُرحت فرضية »مقبرة« *زارزية في السوية B1 من مغارة شانيدار من قبل سوليكي R. Solecki. وفي المشرق تتأتى معظم المدافن من المنطقة النووية التي سبق أن عرّفناها، باستثناء موقعي وادي *حمامة و*أزرق.

وكما المساكن الدائمة، فإن المدافن المتجمعة تظهر أيضاً منذ الباليوليتي الأعلى في أوروبا (بردموستي Predmosti في مورافيا Moravie)، وبالنسبة للمدافن فقط في المنطقة الإيبرو ـ موريسية المغربية. وفي الحالتين، يبدو أنها مرتبطة ببيئة غنية بشكل خاص وقابلة للسماح بنوع من الإستقرار الإقتصادي والمكاني. إن هذه الظاهرة تشكل برهاناً جديداً على التحضر.

 

الإقتصاد ونمط الحياة

إن معظم العناصر المذكورة حتى الآن تبين أن الثقافتين *النطوفية و*الزارزية، كما والثقافات الطرفية والمحيطية، تُبدي مواصفات من النمط الباليوليتي من العصر الجليدي المتأخر، كما يوحي بذلك أيضاً نمط الاقتصاد، الذي يرتكز بشكل أساسي على *الصيد البري و*الصيد البحري و*القطاف. وقد تغيرت النسبة بين هذه الأنماط الثلاثة من كسب المصادر الغذائية مع الزمن، بل وأيضاً مع طبيعة البيئة.

 

الصيد البري

يمكن للبقايا العظمية التي حُفظت في المواقع أن تعطي مؤشرات ليس فقط على الأنواع الحيوانية التي كانت متوفرة في البيئة، بل وأيضاً حول المصادر الغذائية للمجموعات البشرية.

ففي المشرق، كان استهلاك الغزلان يتغير بين 40 و 85 % من مجمل الطرائد الكبيرة المستَهلَكة. وكان يرافقها غنميات وعنزيات وبقريات وخنزيريات وخيليات، إنما بنسب أضعف بكثير ومتنوعة بدءاً من 5% وتصل أحياناً بشكل استثنائي إلى 20%.

وفي زاغروس، فإن التشكيلة أكثر تنوعاً ولا يوجد بينها أي نوع مسيطر بهذه الدرجة الكبيرة. وفي حالات كثيرة، نجد نوعين ممثلين بشكل أفضل من الأنواع الأخرى، مثل الأيليات في السويات القديمة ثم الغنميات في السويات الحديثة في *زاوي شيمي. وعلى العكس، فإن الغزلان والغنميات هي الأكثر عدداً في *الزارزي. وفي *شانيدار B1، فإن المعزيات والخنزيريات والأيليات هي الغالبة، في حين تسيطر في وارواسي Warwasi الخيليات والخنزيريات والعنزيات. وكان ثمة اهتمام خاص بالمصادر البحرية (القواقع والسلاحف وأسماك المياه العذبة).

ويوحي لنا ذلك بأن زاغروس، على عكس المشرق، كان يقدم تنوعاً أكبر، أكان بالبيئات الطبيعية (الوديان المعزولة)، أو بالأذواق الغذائية. ويميز التنوع نفسه المواقع *الترياليتية على بحر البلطيق (الفقمات، الغزلان، الغنميات، والبقريات وذلك في تناسبات متغيرة).

وكان يرافق *الصيد البري للطرائد الكبيرة في المنطقتين صيد للثدييات الصغيرة (الأرانب البرية، الثعالب؟) وللطيور المختلفة، المهاجرة أو المستوطنة. وفي هذه الحالة، لم يكن ربما استهلاك اللحم الهدف الوحيد من الصيد (بل والملابس والحلي). وكان قد أمكن لنشاطات الصيد، وكما افترض بعضهم للضبط الإتفاقي لقطعان الحيوانات التجمعية، أن تصبح سهلة وميسرة إذا قبلنا أن *الكلب كان قد دُجن في المشرق على يد *النطوفيين. وعلى الرغم من ندرة بقايا هذا الكلبي، فثمة في الواقع حيوان ذو شكلانية مدجنة موجود منذ *النطوفي. ويؤيد هذا الزعم وجود كلاب مدفونة مع البشر في *ملاحة وفي *حايونيم. وقد ظهر تدجين الكلب في أوروبا في *الميزوليتي نحو عام 8500 قبل الميلاد، وذلك قبل ظهور أوائل *النيوليتيين بفترة طويلة. وهو يبدو مقترناً بالأحرى بالصيد أكثر منه بضبط القطعان المحتمل، وهو أمر يصعب تخيله في وسط غابي.

 

الصيد المائي

يشير وجود عظام الأسماك في العديد من المواقع إلى أن منتجات الصيد المائي كانت تكمل النظام الغذائي، وبخاصة في المواقع التي كانت البيئة تساعد فيها على ذلك، على ضفاف الفرات، كما في *أبو هريرة وفي *المريبط IA، وعلى ضفاف أنهار الجبال كما في *زارزي و*شانيدار، أو على ضفاف بحيرة ما (*ملاحة) أو في جوار البحر (*حايونيم).

 

القطاف والإلتقاط

وكما سبق وبينا، فإن طبيعة الأنواع النباتية المجنية والمستهلكة ترتكز على نمطين من التجارب: تجربة مباشرة من خلال مطابقة البقايا النباتية التي عثر عليها وتجربة غير مباشرة من خلال وجود الأدوات النوعية التي يُفترض أنها لعبت دوراً في الجني (*أدوات القطع) وفي معالجة هذه الأنواع (*الأجران، *المساحق، إلخ.). إن دور هذه الأدوات في صيرورة القطاف يشكل دائماً موضوع نقاش وجدال. إن المواقع التي نملك فيها نتيجة التحاليل للبقايا الكبيرة النباتية قليلة جداً، ومحدودة في المشرق أو في الفرات الأوسط. ومن بين الأنواع الكثيرة التي تم التعرف عليها، وكلها برية، نشير بشكل خاص إلى تلك الغنية بالبروتينات مثل *الشعير والكرسنة و*العدس و*الفستق، يرافقها بشكل أندر *القمح من نوع بر القفقاس البري. وكان معظم هذه الأنواع يشكل مذاك مادة قطاف في *الكباري (*أوهالو II Ohalo II)، مع المحصول من *البلوط واللوز.

إن التوزع الحالي لهذه الأنواع يغطي ليس فقط المشرق، بل وزاغروس أيضاً، الأمر الذي يسمح بالإفتراض أنه على الرغم من غياب بقايا نباتية تم العثور عليها، وذلك بسبب عدم الغربلة بالتأكيد، فإن النظام الغذائي في هذه المنطقة كان يمكن أن يقارن بالنظام الغذائي المشرقي. إن وجود الزروع في هذه المنطقة مثبت أيضاً من خلال مساقط غبار الطلع.

إن المشكلة الرئيسية بالنسبة لهذا العصر هي تقدير حصة *الصيد الإنتقائي لبعض الأنواع (التمثيل الراجح *للغزلان)، ولجنس دون الآخر (رجحان الذكور في بقايا الغزلان)، أو لبعض فئات الأعمار (رجحان صغار الأغنام البرية أو صغار الغزلان). وقد استنتج بعض علماء الحيوانات القديمة من هذه المؤشرات فرضية وجود شكل من ضبط القطعان البرية من الغزلان والأغنام، والذي كان يمكن أن يؤدي إلى *تدجين سابق لأوانه.

وقد اقتُرح النمط نفسه من الفرضية من أجل *تدجين *الزروع، وذلك وفقاً لمؤشرات القطاف التفضيلي، والذي أمكن أن يقود إلى انتخاب غير واع للنباتات القابلة كمونياً للتدجين. إن هذه الفرضية تطرح مسألة »زراعة« ممكنة للزروع البرية في *النطوفي.

ومع ذلك، فلا في حالة النباتات، ولا في حالة الحيوانات، لم يصل في هذا العصر أي من هذه الصيرورات، الواعية أو غير الواعية، إلى تغييرات شكلانية غير عكوسة. وهذه التغيرات هي وحدها حالياً البرهان المقنع، بغياب المعطيات المورثية، على حصول تدجين حقيقي.

 

خاتمة

إن جوهر النتائج المقدمة هنا لا يتعارض، بداهة، مع توزع ثقافات هذا العصر في منطقتين كبيرتين: *النطوفي في المشرق و*الزارزي في زاغروس. ويمكننا مع ذلك طرح بعض الشكوك حول هذه الرؤية، إذا عوضنا الشرق الأدنى في المنظور الأعم للثقافات المعاصرة والمجاورة في أوروبا وأفريقيا التي تتميز أيضاً بميكروليثات هندسية وبمكاشط قصيرة. وتدعم هذه الشكوك بالحالة غير المتساوية للمعارف داخل المنطقة المدروسة (غياب البحث أو اختفاء المواقع المطمورة تحت رسوبيات لاحقة)، وتباين المقاربات العلمية للباحثين الذي يمكن أن يقود إلى محاكمات مختلفة مطبقة على المادة الآثارية نفسها.

ونجد المثال الجيد على ذلك من خلال تعريف الجوهر *النطوفي نفسه الذي يُفهم حيناً بمعنى ضيق وأحياناً بمعنى واسع. فبالنسبة لبعضهم، يكفي وجود *ميكروليثات على شكل قطاع دائري في صناعة ما حتى تُعتبر أنها *نطوفية، وبالنسبة لبعضهم الآخر، فإن قائمة الصفات المميزة أطول بكثير: فإضافة إلى الوجود المقترن لمثلثات متساوية الساقين ولعناصر من *المناجل ومن *السكاكين ذات الظهر المنحني والمسننات، يجب أن نضيف *الأجران و*المدقات ذات القاعدة المتوسعة، والآنية الحجرية المزينة، والفن الحيواني، ومقابض السكاكين، والمسكن الدائم والمدافن المجمعة.

وضمن هذه الشروط تتحدد المنطقة *النطوفية، بالنسبة للقائلين بالتعريف الضيق، بمنطقة تشتمل على جبل الكرمل والجليل، والتي تدعونا اكتشافات حديثة إلى توسيعها إلى الهضبة الأردنية وإلى لبنان. ومن هذه المنطقة النووية، التي سبق أن توصلت إلى المرحلة *قبيل النيوليتية، فإن *النطوفي كان سينتشر عندها باتجاه المحيط إلى الشمال وإلى الشرق (؟) مع فقدانه تدريجياً لبعض سماته المميِّزة.

ويمكننا أن نقدم مقابل هذه الرؤية »المركزية« تفسيراً »إقليمياً« لمناطق مرتبطة بـ »بؤر« بيئية مختلفة يملك كل منها أصالته، وتقيم اتصالات فيما بينها (الشكل 4). وضمن هذا المنظور، فإن *النطوفي بالمعنى الدقيق يحتل إحدى هذه المناطق المحاطة بمجتمعات منتسبة لها تقريباً: إلى الجنوب، *الحريفية التي ظهرت في نهاية العصر، وتتميز برؤوس *حريف وبرؤوس أونان وبمسكن موسمي (؟)، وإلى الشمال، مجموعة متمركزة على وادي الفرات توافق *نطوفياً أخيراً، مع آنية صغيرة من الحجر غير مزينة، وبليطات ونصال خشنة ملمعة، ورؤوس كبيرة ذات ساق ومسكن دائم (؟). وإلى الجنوب الشرقي يمكننا أن نميز بشكل اتفاقي تنوعاً مجرداً من بعض الميكروليثات (المثلثات) وفقيراً بالمتاع الثقيل مع مسكن موسمي على الأرجح (»الصحراء السوداء« وواحات الأردن وسورية). ولم تحظ هاتان السمتان الأخيرتان بتسمية نوعية خاصة.

وربما كان من الممكن تطبيق هذا النموذج »الإقليمي« أيضاً على زاغروس، حيث ثمة ما يغرينا باقتراح تنويعين *للزارزي: منطقة غربية (*زارزي و*زاوي شيمي) ومنطقة شرقية (وارواسي). ويرتكز التمييز على معايير جغرافية (وديان عميقة من الصعب التنقل والإتصال فيها) أكثر منه على معايير نمطية. ونجد هذا التنوع، المميز نمطياً بشكل أفضل، في الصناعات التالية للمنطقة نفسها.

وقد أمكننا التعرف شمال زاغروس وفي الوديان العالية على مجموعة رابعة، غير موثقة بشكل جيد (غياب المسكن والمتاع الثقيل في هذه المنطقة)، وذلك باستثناء نمطية الصناعات، هي *الترياليتي Trialétien.

ومن وجهة نظر التطور العام للباليوليتي الأخير في أوروبا وفي حوض المتوسط، فإن النموذج »الإقليمي« المقترح بالنسبة للشرق الأدنى أكثر توافقاً مع الوضعية التي نصادفها في العصر نفسه في المناطق المجاورة ذات التضاريس المرتفعة أكثر. ولكن في حين أن هذا الوضع يستمر حتى 7000 قبل الميلاد في البلقان و3800 قبل الميلاد عند التخوم الغربية للفرات، فإن الشرق الأدنى شهد تطوراً أبكر.

ومن وجهة النظر التقنية والاقتصادية، فإن سكان الشرق الأدنى لا يتميزون في هذا العصر عن مجموعات الصيادين القاطفين المعاصرين، باستثناء حالة واحدة تقريباً، وهي حالة سكان »المنطقة النووية« حيث ظهر *النطوفي بالمعنى الدقيق للكلمة. لقد طوَّرت هذه الثقافة التي كانت تملك كافة السمات المشتركة للعصر بالإضافة لها صفات نوعية، هي أجنة التطورات المستقبلية التي ستقود إلى *نولتة الشرق الأدنى. والتجديدات الرئيسية هي التالية: التحضر المتميز بمسكن مبني بشكل دائم ومجمّع ووجود مدافن متجمعة (مقابر)، و*متاع »ثقيل« من الحجر، و*آنية حجرية، و*»سكاكين« ذات مقابض، وفن متاعي. ويشكل معظم هذه التجديدات، التي انتشرت تدريجياً على أراضي واسعة، »المعارف« الثقافية التي اعتمدتها الشعوب (*المريبط، *حالان شيمي، *نمريك، *ملفعات) التي تطورت لديها فيما بعد صيرورة النولتة، مع احتمال أن تتعدل على الطريق بعض النماذج المنتقلة (التخلي عن الأجران المجوفة الكبيرة، وتعديل شكل المقابض).

وبهذا المعنى، يمكن اعتبار المشرق خلال هذا العصر، وبخاصة »المنطقة النووية« في *النطوفي، أنهما المنطقة المولِّدة أو بالأحرى الرحم الحقيقي للصيرورة التاريخية التي أدت إلى *النولتة. وضمن معارفنا الحالية يبقى الشرق الأدنى هو المنطقة الوحيدة الذي شهدت نهاية سيناريو (استثمار تفضيلي لبيئة غنية ـ التحضر ـ المسكن الدائم ـ المتاع الثقيل والخفيف ـ الفن ـ اختراع التقنيات الزراعية ـ التقنيات الجديدة) أمكن له أن يجري في أماكن أخرى ومنذ مرحلة أبكر (*غرافيتي أوروبا الوسطى والشرقية) إنما الذي لم يكتمل لأسباب لا نزال نجهلها.

عن كتاب قيد الترجمة  لأوليفييه اورانش بعنوان: النيوليتي في الشرق الأدنى القديم

ترجمة موسى ديب الخوري وسيصدر عن وزارة الثقافة ـ المديرية العامة للآثار والمتاحف

 

 


 

[1] المشطورات فصيلة من الأشنيات السمراء وهي نباتات مجهرية من وحيدات الخلية تعيش في الماء، المترجم.

[2] النابية رخوية بحرية ذات قوقعة تعيش في الرمال البحرية وصدفتها مقوسة على شكل ناب. المترجم.

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •