الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

 

غربة المتنبي

المهندس فايز فوق العادة

          مالئ الدنيا وشاغل الناس، كان غريباً في قومه وعالمه، عايش الهم الوجودي كأحاسيس مضطرمة في أعماقه، لقد قضى ردحاً طويلاً من عمره يحلم بالإمكانية المستحيلة: إمكانية التغيير، ربما أن المتنبي لم يستطع تصديق الحقيقة الأزلية: حقيقة الاستحالة الموضوعية.

          شغلت معضلة الذات ذهن المتنبي، تلك الذات المرمية في العالم، ما هي؟ من هي؟ لماذا قدمت، متى سترحل؟ أليس من المفروض أن تترك بصماتها على العالم؟

          هو أبو الطيب المتنبي أحمد بن الحسين الجعفي، ولد في الكوفة عام 915 م من والد كان يعمل سقاء للماء، وتوفي عام 965، غادر الكوفة عام 925 م مع أهله هرباً من القرامطة، إلا أنه لم يلبث أن عاد عام 927 م ليتشرب المبدأ القرمطي، لقد كان ذلك تجسيداً لأحلام اليافع الذي لربما اجتاحته مشاعر عفوية رأى في القرامطة من خلالها فصيلاً طليعياً تقع على عاتقه مهمة تحويل العالم.

          لم ينجح المتنبي في عقد موازنة دقيقة بين حقيقة العوالم الداخلية للآخرين وبين ما يمكن أن يبذله الإنسان النخبوي على صعيد التغيير في سوية العلاقات الفعلية بين بني البشر، ذلك أن البساطة هي عمق الإنسان النخبوي، فالطبيعة بسيطة والأنا بسيطة، ولعل الآخرين بسطاء بالمثل، لقد كانت تلك هي مشكلته الرئيسية في البداية، واستمر يعاني منها حتى نهاية حياته، إلا أن ذلك لا يعني أنه لم يقع على الحقيقة أحياناً، إذ كانت تومض في ذهنه وتؤرقه، فيستجيب بتأمل الفروق بين ذاته وبين الذوات الأخرى، هو، أي المتنبي، كان صدوقاً منبسطاً مسترسلاً وفي ذلك ما يكفي لإلباس العالم ثوباً مختلفاً، إن من تحلى بخصال، كتلك، لا شك سيغدو متميزاً بين أقرانه، قال في صباه:

عش عزيزاً أو مت وأنت كريم        بين طعن القنا وخفق البنود

فاطلب العز في لظى ودع الذ          ل ولو كان في جنان الخلود

لا بقومي شرفت بل شرفوا بي                  وبنفسي فخرت لا بجدودي

إن أكن معجباً فعجب عجيب                  لم يجد فوق نفسه من مزيد

أنا ترب الندى ورب القوافي          وسمام العدى وغيظ الحسود

أنـا فـي أمة تداركها الله            غـريب كـصالح في ثـمود

          قيل أنه في البيت الأخير لقب بالمتنبي، لقد اغتاظ وحنق لأن شعره هذا لم يقدر حق قدره، سيما أنه صدر عن سريرة نقية، وتحلى بمصداقية مطلقة، لا يطيق الإنسان الحقيقي مرجعاً لذاته إلا ذاته، سيما إذا أنكره قومه.

          مرة أخرى تغرب عن بال المتنبي حقيقة الإنسان فيعاود محاولة إنقاذ الإنسان بالتخطيط للثورة، ويذهب إلى حد تنفيذها بهدف تكحيل عينيه بعالم ناصع، إنه لا يكتفي بتلك الرؤية في أحلام يقظته، هكذا يحرك الثورة في اللاذقية عام 933 م ويقرن حركته بالدعوة إلى المذهب القرمطي، ويتوج ذلك بدعوة النبوة، إنه مضرب مثل فعلي في تكريس ذاته للثورة، يقول في هذا المعرض:

سيصحب النصل مني مثل مضربه      وينجلي خبري عن صمة الصمم

لقد تصبر حتى لا مصطبر    فالآن أقحم حتى لات مقتحم

لأتركن وجوه الخيل ساهمة            والحرب أقوم من ساق على قدم

          دفع المتنبي ثمن غيريته، إذ قصده لؤلؤ أمير حمص، فقاتله وسجنه سنتين، وبدافع من نفس الهاجس، هاجس التغيير، تحول المتنبي إلى بدر بن عمار في طبرية باحثاً عن مركز مختلف لانطلاقة جديدة، إلا أن الحساد الذي كانوا يتابعونه ويرون في شخصه الكبير حائلاً دون تحقيق مطامحهم الشخصية الهزيلة، استطاعوا إبعاده عن بدر، فعاد إلى تنقله.

          كان المتنبي إنساناً مفرط الأحاسيس، لقد فهم العالم وكأن العالم امتداد عضوي للذات الإنسانية، وبقدر ما تكن الذات من طيبة يتحول العالم إلى مكان محبب جدير بالسكنى، لم يخطر ببال المتنبي أن أحلامه مستحيلة، ببساطة لأنه كان إنسان أحاسيس، هكذا غدا غريباً دون أن يرتحل، ثم أضحى مفارقاً وهو بين قومه وأهله.

          البنية الداخلية كانت المنبع والمصب في رؤية المتنبي، لقد سلم بأولوية تلك البنية حين قال:

وإني لمن قوم كأن نفوسهم            بها أنف أن تسكن اللحم والعظما

كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي       ويا نفس زيدي في كرائهها قدما

فلا عبرت بي ساعة لا تعزني           ولا صحبتني مهجة تقبل الظلما

          وكأي إنسان من هذا الطراز، تفجر تعلقه بمحبيه، خاصة جدته عند موتها، فرثاها بقصيدة تبدت ولأول مرة حكمته الجنينية فيها:

ألا لا أرى الأحداث مدحاً ولا ذماً    فما بطشها جهلاً ولا كفها حلما

بكيت عليها خيفة في حياتها           وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما

وكنت قبيل الموت أستعظم النوى     فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى

          يتحول المتنبي بسبب الإحباط المتكرر إلى الحكمة، إلا أننا نلمس في حكمه الأولى المشاعر الثورية، التي لا بد وأنها كانت تعاوده بين الحين والآخر.

أفاضل الناس أغراض لدى الزمن       يخلو من الهم أخلاهم من الفطن

وإنما نحن في جيل سواسية    شر على الحر من سقم على البدن

حولي بكل مكان مهم خلق           تخطي إذا جئت في استفهامها بمن

لا أقتدي بلداً إلا على غرر            ولا أمر بخلق غير مضطغن

ولا أعاشر من أملاكهم ملكاً                   إلا أحق بضرب الرأس من وثن

فقر الجهول بلا قلب إلى أدب                   فقر الحمار بلا رأس إلى رسن

          لم يحاول المتنبي ظلم ذاته، أو التقليل م حقيقته إزاء الصغار في كل ما كان يحيط به، وأدرك عظم سريرته المنبسطة ونقاء فؤاده وتميزه الفعلي، لقد هاله ما لمس من زيف وضحالة فتحول إلى مديح ذاته.

          لم يمدح المتنبي الآخرين، بل كان يمدح نفسه، كان يبحث في كل من مدحهم عن خصال تشبه شوارد خصاله، فيكيل لها المديح قاصداً مدح نفسه، سبق المتنبي بذلك روائي الإنسانية الأول دستويفسكي بتسعة قرون، ففي رائعته الإخوة كارامازوف، يهبط دستويفسكي إلى أعماق ذاته مستخرجاً ألكسي وديمتري وإيفان، كرر المتنبي هذا الفعل مرات عديدة في قصائده المختلفة، عندما كان يلقي أضواء بصيرته النافذة صوب سرائر ممدوحيه، ليكشف عن خصال هي فيه، فينشد في مدحها شارحاً ومفصلاً.

          نجد في مدحه الصريح لنفسه:

ما نال أهل الجاهلية كلهم             شعري ولا سمعت بسحري بابل

وإذا أتتك مذمتي من ناقص            فهي الشهادة لي بأني كامل

من لي بفهم أهيل عصر يدعي                   أن يحسب الهندي فيهم باقل

          ونقرأ في نفس القصدية مدحه لأبي الفضل أحمد ابن عبد الله ابن الحسين الأنطاكي، ذلك المديح الذي نستنتج بمقارنته مع ما تقدم، أنه مديح لذاته أولاً وأخيراً:

كلماته قضب وهن فواصل            كل المضارب تحتهن مفاصل

هزمت مكارمه المكارم كلها          حتى كأن المكرمات قنابل

وقتلن دفراً والدهيم فما ترى          أم الدهيم وأم دهر ثاكل

          نجد نفس الظاهر في مديحه لعلي ابن أحمد بن عامر الأنطاكي، حيث يتحدث عن ذاته في عبارات هي مزيج من المديح والحكمة، لعلها المديح الحكيم، أو الحكمة التي تستوجب المديح:

أطاعن خيل من فوارسها الدهر        وحيداً وما قولي كذا ومعي الصبر

وأشجع مني كل يوم سلامتي          وما أثبت إلا وفي نفسها أمر

تمرست بالآفات حتى تركتها          تقول أمات الموت أم ذعر الذعر

وأقدمت إقدام الأبي كأن لي           سوى مهجتي أو كأن لي عندها وتر

ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها               فمفترق جاران دارهما العمر

ولا تحسبن المجد زقة وقينة             فما المجد إلا السيف والفتكة البكر

وتضريب أعناق الملوك وأن ترى                لك الهبوات السود والعسكر المجر

وتركك في الدنيا دوياً كأنما           تداول سمع المرء أنمله العشر

إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقص            على هبة فالفضل فيمن له الشكر

ومن ينفق الساعات في جمع ماله                مخافة فقر فالذي فعل الفقر

وكم من جبال تشهد أنني الـ                  ـجبال وبحر شاهد أنني البحر

          ثم ينتقل إلى مدح على ابن أحمد ابن عامر الأنطاكي، فيما يتبين أنه مديح ذاتي، سيما وأن المتنبي سبق له أن تحدث عن خصال مشابهة فيه، وأن مديح علي يأتي في ظل هذه المقدمة الذاتية الملحمية، وحتى إن قبلنا بمدح المتنبي لعلي، فإن المقدمة المذكورة تضع المتنبي أولاً، يعني ذلك فيما يعنيه أن المديح بكليته إنما قصد به المتنبي، نقرأ من مدحه لعلي:

وإن سحاباً جوده مثل جوده          سحاب على كل السحاب له فخر

فتى لا يضم القلب هما قلبه            ولو ضمه قلب لما ضمه صدر

          رفض المتنبي حالة الاستلاب، مهما كان مصدر مصدر الاستلاب، لذا لم يتردد في طرح نفسه بديلاً عن العالم، تتأكد وجهة نظرنا لدى قراءة الأبيات التالية:

أي محل أرتقي أي عظيم أتقي                   وكل ما قد خلق الله وما لم يخلق

محتقر في همتي                كشعرة في مفرقي

          لقد أتى هذا الطرح على هامس المتنبي المفارق، وليس بسبب التكبر أو الخواء، اقترن رفض الاستلاب عند المتنبي باستحالة التنازل، تلك الاستحالة التي تمكنت منه إثر معاناة مديدة، وكان من دغم هاتين السمتين أن المتنبي لم يقدم على الزواج، فالزواج يستلزم المحبة، والمحبة تنطوي على التنازل، أما الحديث عن ذرية المتنبي، فلا يتعدى على الأرجح ذكر غلمانه.

          تطالع من شعر المتنبي في هذا السياق

ومن خبر الغواني فالغواني              ضياء في بواطنه ظلام

          وعلى الرغم من أن المتنبي لم يكن مثالياً، وكان معرضاً عن القيم الروحية، إلا أنه كان مفكراً ملحمياً وحكيماً بحق، لقد أعرض عن كل ما هو دنيوي، لأن ما هو دنيوي هو ما لا طائل وراءه وما لا جدوى منه.

          يشهد شعر المتنبي على ذلك:

فؤاد ما تسليه المدام                   وعمر مثل ما تهب اللئام

وفي قصيدة أخرى:

لولا العلى لم تجب بي ما أجوب بها              وجناء حرف ولا جرداء قيدود

وكان أطيب من سيفي معانقة                  أشباه رونقه الغيد الأماليد

لم يترك الدهر من قلبي ولا كبدي               شيئاً تتيمه عين ولا جيد

يا ساقيي أخمر في كؤوسكما          أم في كؤوسكما هم وتسهيد

أصخرة أنا ما لي لا تحركني            هذي المدام ولا هذه الزغاريد

          إن مدى العالم الداخلي للإنسان العظيم، يتجاوز ولا شك مدى عالمه المحيط الخارجي، ليس من المبالغة في شيء أن حاولنا البحث عن المتنبي في أعماق جبران، إن أعماق جبران هي عالم فسيح وهي مرجع جبران، وملاذه، ولنا أن نقارن ما قاله جبران بما أنشده المتنبي، قال جبران:

" أنا مثلك يا ليل، أنا ليل مسترسل منبسط هادئ مضطرب، وليس لظلمتي بدء، ولا لأعماقي نهاية"

          وأنشد المتنبي:

وكم من جبال تشهد أنني الـ        ـجبال وبحر شاهد أنني البحر

          أما ملحمية المتنبي، فلا شك أنها سبقت ملحمية تولستوي كما جسدتها رائعته الخالدة الحرب والسلام، ولنا في الأبيات التالية خير دليل:

أعز مكان في الدنا سرج سابح        وخير جليس في الأنام كتاب

          وفي قصيدة أخرى:

خميس بشرق الأرض والغرب زحفه             وفي أذن الجوزاء منه زمازم

تجمع فيه كل لسن وأمة               فما تفهم الحداث إلا التراجم

وقفت وما في الموت شك لواقف               كأنك في جفن الردى وهو نائم

تمر بك الأبطال كلمى هزيمة           ووجهك وضاح وثغرك باسم

تجاوزت مقدار الشجاعة والنهى                 إلى قول قوم أنت بالغيب عالم

أتوك يجرون الحديد كأنما              سروا بجياد ما لهن قوائم

ضممت جناحيهم على القلب ضمة             تموت الخوافي تحتها والقوادم

بضرب أتى الهامات والنصر غائب              وصار إلى اللبات والنصر قادم

ومن طلب الفتح الجليل فإنما           مفاتيحه البيض الخفاف الصوارم

نثرتهم فوق الأحيدب نثرة             كما نثرت فوق العروس الدراهم

          وجد المتنبي في سيف الدولة ضالته وضالة الأمة، فسيف الدولة هو المنقذ وهو القائد القومي، لعل سيف الدولة هو الشخص الوحيد الذي مدحه المتنبي دون أن يقحم ذاته، لقد قبل المتنبي بوجود عظيمين، هو، أي المتنبي، وسيف الدولة، ومدحه بصدق إيماناً منه أن عظمة سيف الدولة كعظمته هو، نقرأ في نفس القصيدة السابقة:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم                 وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظم في عين الصغير صغارها                  وتصغر في عين العظيم العظائم

يكلف سيف الدولة الجيش همه        وقد عجزت عن الجيوش الخضارم

ويطلب عند الناس ما عند نفسه       وذلك ما لا تدعيه الضراغم

تشرف عدنا به وربيع                 وتفتخر الدنيا به لا العواصم

          حرك سيف الدولة المشاعر القومية الكامنة في أعماق المتنبي، أوليس المتنبي هو القائل:

وإنما الناس بالملوك وما       تلح عرب ملوكها عجم

لا أدب عندهم ولا حسب   ولا عهود لهم ولا ذمم

          كان مرحلة سيف الدولة أساسية وهامة في حياة المتنبي امتدت بين عامي 948-957 م، إن في تلك المرحلة ما يثبت وجهة نظرنا، فعلى الرغم من جبه الأكيد لسيف الدولة إلا أنه كان يقوم نفسه كند لسيف الدولة:

سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا          بأنني خير من تسع به قدم

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي                   وأسمعت كلماتي من به صمم

أنام ملء جفوني عن شواردها                   ويسهر الخلق جراها ويختصم

الخيل والليل والبيداء تعرفني           والسيف والرمح والقرطاس والقلم

صحبت في الفلوات الوحش منفرداً    حتى تعجب من القور والأكم

          ينشد مادحاً سيف الدولة في مطلع نفس القصيدة:

واحر قلباه ممن قلبه شبم               ومن بجسمي وحالي عنده سقم

ما لي أكتم حباً قد برى جسدي                وتدعي حب سيف الدولة الأمم

قد زرته وسيوف الهند مغمدة                   وقد نظرت إليه والسيوف دم

فكان أحسن خلق الله كلهم           وكان أحسن ما في الأحسن الشيم

          لقد أحبط المتنبي إحباطاً شديداً عندما انتهت علاقته بسيف الدولة، وكان هذا الإحباط أشبه بما حل ببيتهوفن عندما أحبط بنابوليون فغير اسم سمفونيته الثالثة من البطل إلى البطولة، ما أشبه الإحباط الأول بالثاني وما أبعد زمانيهما، لكن المتنبي حافظ على موقفه المبدئي من سيف الدولة، وعندما وصل دمشق بعد مغادرته حلب نظم قصائد عرض بها بمدح سيف الدولة لكثرة محبته له، ذلك أن سيف الدولة كان نداً للمتنبي في العظمة.

          إن من يرى العالم نقياً لنقاء سريرته، ثم يحبط إثر اكتشافه الحقيقة، لا شك سيتحول إلى الحكمة، هذا ما حل بالمتنبي، فتجاربه المريرة نقلته إلى الحكمة، كان المتنبي حكيم الشعراء وشاعر الكماء، يقول في إحدى قصائده:

للهو آونة تمر كأنها          قبل يزودها حبيب راحل

جمح الزمان فلا لذيذ خالص           مما يشوب ولا سرور كامل

          لم يكن المتنبي فليسوفاً، لكن استطاع فهم حقيقة الحياة:

إنما الأنفس الأنيس سباع             يتفارسن جهرة واغتيالا

من أطاق التماس شيء غلاباً          واغتصاباً لم يلتمسه سؤالا

تبدت حكمته في رثاء والدة سيف الدولة:

نعد المشرفية والعوالي                  وتقتلنا المنون بلا قتال

ونرتبط السوابق مغريات              وما ينجين من خبب الليالي

ومن لم يعشق الدنيا قديماً              ولكن لا سبيل إلى الوصال

نصيبك في حياتك من حبيب                   نصيبك في منامك من خيال

رماني الدهر بالأرزاء حتى              فؤادي في غشاء من نبال

فصرت إذا أصابتني سهام              تكسرت النصال على النصال

وهان فما أبالي بالرزايا                لأني ما انتفعت بأن أبالي

          لعل البساطة هي معيار الحكمة البليغة، وما أجدر المتنبي بإصدار الحكم البليغة:

لا بد للإنسان من ضجعة             لا تقلب المضجع عن جنبه

ينسى بها ما كان من عجبه            وما أذاق الموت من كربه

نحن بنو الموتى فما بالنا                نعاف ما لابد من شربه

تبخل أيدينا بأرواحنا                  على زمان هن من كسبه

فهذه الأرواح من جوه                وهذه الأجسام من تربه

لو فكر العاشق في منتهى              حسن الذي يسبيه لم يسبه

يموت راعي الضآن في جهله           ميتة جالينوس في طبه

وربما زاد على عمره                   وزاد في الأمن على سربه

وغاية المفرط في سلمه                 كفاية المفرط في حربه

فلا قضى حاجته طالب                فؤاده يخفق من رعبه

أستغفر الله لشخص مضى             كان نداه منتهى ذنبه

وكان من عدد إحسانه                كأنما أفرط في سبه

يريد من حب العلى عيشه             ولا يريد العيش من حبه

          هل تستطيع الأجواء المحيطة تغيير بنية داخلية رسمت وتشكلت؟ إن الكرم واللؤم خاصتان ذاتيتان لا تطالهما التأثيرات، وكان الأمر كذلك على الدوام، إن إمكانية تبديل الذوات والخصائص هي إمكانية مستحيلة، تلمس المتنبي هذا الحقائق وأمثالها:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته                   وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

ووضع الندى في موضع السيف بالعلى          مضر كموضع السيف في موضع الندى

          هل هناك مغزى للحياة؟ ما الذي يسعى الإنسان إليه في حياته، هل يستطيع الإنسان تجاوز يومياته بحثاً عن وجوده؟ أم أن الناس يجنحون إلى الصغار كما رآهم المتنبي؟ كانت رؤية فذة بحق كشف المتنبي فيها عن الشرخ الذي ألم بالوحدة تاركاً إياها ثنائية، وما استتبع ذلك من صغار، ما أشبه ثنائيات المتنبي بثنائيات دستويفسكي:

ودهر ناسه ناس صغار                وإن كانت لهم جثث ضخام

وما أنا منهم بالعيش فيهم             ولكن معدن الذهب الرغام

أرانب غير أنهم ملوك                  مفتحة عيونهم نيام

بأجسام يحر القتل فيها                وما أقرانه إلا الطعام

بأرض ما اشتهيت فيها                فليس يفوتها إلا الكرام

          تحدث المتنبي في حكمه العميقة بلغة الثنائية وكأنما ينسب إلى تلك الثنائية عذابات العالم وأتراحه:

ولقد رأيت الحادثات فلا أرى                   يققاً يميت ولا سواداً يعصم

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى               حتى يراق على جوانبه الدم

الظلم من شيم النفوس فإن تجد                  ذا عفة فلعلة لا يظلم

ومن البلية عزل من لا يرعوي                  عن جهله وخطاب من لا يفهم

          هكذا يغترب الكبير بين الصغار، ويشدد على هويته من يعيش في محيط انعدام الهويات، ولا يبقى من خليل له إلا الزمان:

أذم إلى هذا الزمان أهيله               فأعلمهم فدم وأحزمهم وغد

ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى               عدواً له ما من صداقته بد

          تتعمق وحدة المتنبي ويزداد بعداً وغربة فينشد:

سبحان خالق نفسي كيف لذاتها                فيما النفوس تراه غاية الألم

الدهر يعجب من حملي نوائبه                   وصبر نفسي على أحداثه الحطم

وقت يضيع وعمر ليت مدته           في غير أمته من سابق الأمم

أتى الزمان بنوه في شبيبته             فسرهم وأتيناه على الهرم

          وفي صمت الزمان المطبق وإحجامه عن الرد يعود المتنبي إلى الحقيقة البسيطة:

خليلك أنت لا من قلت خلي                   وإن كثر التجمل والكلام

          ويخلص إلى استنتاج مفتوح:

إذا غامرت في شرف مروم            فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير              كطعم الموت في أمر عظيم

ثم يقرر:

ذل من يغبط الذليل يعيش             رب عيش أخف منه الحمام

كل حلم أتى بغير اقتدار               حجة لاجئ إليها إيلام

          سبق المتنبي فلاسفة العدمية في قصيدته التي استهلها بعبارات تتواتر من جيل لآخر:

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا           وعناهم من شأنه ما عنانا

وتولوا بغصة كلهم منـ              ـه وإن سر بعضهم أحياناً

ربما تحسن الصنيع لياليـ              ـه ولكن تكدر الإحسانا

          وأتبعها بوصف شامل وصادق لأصول النفس البشرية:

وكأنا لم يرض فينا بريب الـ                   ـدهر حتى أعانه من أعانا

كلما أنبت الزمان قناة                ركب المرء في القناة سنانا

          ثم توجه إلى كل بني البشر شارحاً حقيقة بسيطة:

ومراد النفوس أصغر من أن            تتعادى فيه وأن تتفانى

          واستتدرك مستذكراً عمق شعوره بكرامته:

غير أن الفتى يلاقي المنايا              كالحات ولا يلاقي الهوانا

          وعاد ليؤكد حقيقتين بسيطتين أخريين:

ولو أن الحياة تبقى لحي               لعددنا أضلنا الشجعانا

وإذا لم يكن من الموت بد             فمن العجز أن تموت جبانا

          وخلص أخيراً إلى جوهر الفلسفة العدمية:

كل ما لم يكن من الصعب في الأنـ            ـفس سهل فيها إذا هو كانا

          عندما نضب معين سومرست موم، توقف عن الكتابة عن الأضواء، أما أرنست همنغواي فقد أدرك للحظة أنه انتهى وفضل أن يضع حداً لحياته بيده، بينما لم يستطع ماياكوفسكي الحياة في ظل مفارقات تعزله وتتركه في وحدة مطلقة، ما الذي حدث للمتنبي؟

          لم يذهب أبو الطيب المتنبي إلى مصر مستجدياً كافور الإخشيدي، بل قصده محاولاً إحلال نفسه محل كافور لأنه الإنسان النخبوي الذي خلق للمجد ومن جبلته تكون.

          إدراك المتنبي عظم الإشكال الذي ترتب على ذهابه إلى مصر ومدحه لكافور ومن ثم هجائه له، وأحس بذلك أنه سقط مرة واحدة وللأبد، وعلى الرغم من أنه لم يقصد كافور إلا بحثاً عن موقع قوة يساعده على بعث حلمه القديم: حلم التغيير، فإن التعقيدات التي تلت حوله الإحباط لديه إلى بأس مطبق، لا شك أن المتنبي شعر عند تلك اللحظة بأن ساعته أزفت، وأن حياة كهذه لا تستحق بل لا يمكن أن تعاش.

          أعود بالذاكرة هنا إلى موقف الشخصية الرئيسية في رواية القتلة لهمنغواي الذي ينتظر قاتليه ولا يحاول الهرب لعلمه أن حياة كهذه لا تستحق بل لا يمكن أن تعاش، لقد أصدر المتنبي حكماً على نفسه بالإعدام، لكن قوة الحياة المضطرمة في أعماقه تحول بينه وبين تنفيذ الحكم، فيستدرج قتلة محترفين لتنفيذ الحكم.

          ويبدأ هذا الاستدراج بقصيدة هجاء خرج المتنبي فيها عن خصوصياته بالشعر إلى حد أننا نرفض تصنيفها في ديوانه إن لم نأخذ بسبب نظمها إلا وهو استدراج القتلة كما أشرنا، أتت القصيدة غير معقولة ولكن بما يناسب الغرض الذي قيلت من أجله:

ما أنصف القوم ضبة        وأمه لطرطبة

وإنما قلت ما قلت           رحمة لا محبة

          كانت والدة ضبة شقيقة قاتل محترف هو فاتك، الذي ما إن بلغته القصيدة حتى أخذ منه الغضب كل مأخذ وأضمر السوء لأبي الطيب، هكذا خطط المتنبي وتوقع، وعلى الرغم من تحذير صديق له، توجه لملاقاة فاتك مع علامين من غلمانه، وكان فاتك قد أعد كميناً لأبي الطيب، فلقيه في الطريق فقتله وقتل غلاميه.

          وإمعاناً من القتلة في تشويه صورة أبي الطيب ليس في ذلك الوقت بل فيما تلى من الأزمان، ادعوا أنه جبن عند ملاقاتهم وأنه حاول الفرار فذكره غلامه ببيته المشهور:

الخيل والليل والبيداء تعرفني           والسيف الرمح والقرطاس والقلم

          فكان أن عاد وجابه القتلة وقتل.

          هذه الحكاية مجرد ادعاء، لم تهدف إلا تحطيم سمعة إنسان ليس كباقي البشر، لقد قتل المتنبي وغلاميه، فمن نقل تفاصيل الحدث؟ إنهم القتلة الذين اغتالوا المتنبي وحاولوا إتمام جريمتهم باغتيال سمعته، لا يعقل أن يكون المتنبي قد تصرف على هذا النحو وهو على علم أكيد بما كان ينتظره، بل قل إنه هو المخطط لمجريات الأحداث الخاصة بموته.

تلكم كانت نهاية إنسان عظيم

تلكم كانت نهاية طفرة حقيقية ي حياة الإنسانية

 

vvvvvv

 

يشكل هذا البحث الفصل الحادي عشر من كتاب: شرخ في مرآة الفكر البشري

للمهندس فايز فوق العادة

دار المعرفة – دمشق - 1994

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •