الجمعية الكونية السورية

 

تأسست في عام 1980

اتصل بنا

من نحن

المقالات

المحاضرات

الأخبار العلمية

المنتدى

برنامج الأفلام

برنامج المحاضرات

الصفحة الرئيسية

مسائل رياضية

كتب علمية

قواميس وفهارس

نادي الصور

أحوال الطقس

الخارطة الفلكية

أرشيف المحاضرات

 
               

 

تأملات حول تاريخ العلوم ـ الرياضيات

أديب الخوري

 

بعد إلقائي لمحاضرتي الأولى في الجمعية الكونية السورية، "لماذا الرياضيات" عام 1997، علّق صديقٌ أحترمُ بعمقٍ رأيه على كون المحاضرة "تنطوي على نفَسٍ صوفيّ". لم ألحظ ذلك من جهتي حتّى أنّني استغربتُ في حينه هذا التعليق. لكنّني اكتشفتُ لاحقًا أنّ هذا النفَسَ كان شيئًا من طبيعتي وأنّه دون شعورٍ منّي قد انتقل عبر الكلمات إلى نفوس المستمعين. أما اليوم فإنّني أفهم أكثر أنّني، شئتُ أم أبيت، لا أستطيع أن أتحدّث عن الرياضيات (أو عن أيّ موضوعٍ آخر) دون الانطلاق من قاعدةٍ فكريّةٍ أظنّها، كما هو ظَنُّ  كلُّ إنسانٍ في أفكاره، صحيحة. والحال فلقد فكّرتُ لكي أكون صادقًا مع نفسي ومع القارئ من جهة ولكي يكون الطرحُ أكثر وضوحًا من جهةٍ أخرى، أن أعبِّر ولو بإيجاز عن الخلفية الفكرية، بل والروحيّة أيضًا، التي أنطلق منها لا في كتابة هذا الكتاب حصرًا بل في رؤيتي للحياة والكون والعلم عمومًا وفي عيشي لهذه الحياة أيضًا. وهذه الخلفيّة أستطيع أن ألّخصُها هنا في النقاط الآتية:

    ·    تبنّي النظرة التطوريّة وفق طرح العالِم والمفكّر والمتصوّف الكبير تيار ده شاردان، والّذي أَعتَبِرُه معلِّمًا وملهمًا بالنسبة لي، وهي نظرةٌ تَعتبر، بحسب تعبير جوليان هكسلي، أنّ "الظاهرات، مع كونها تبدو معزولةً وجامدة، إلا أنّها ليست كذلك أبدًا: إنّها عملياتُ تَقَدُّم كاملةٍ أو جزئية. وعليه فإنّ فروع العلم تتوحّدُ كلّها كي تبرهن على أنّ الكون بكليته يجب أن يُعتَبَرَ عمليةَ تقدُّم واحدة عظمى، وهذه العمليّة هي صيرورةٌ نحو تحقيقِ مستوياتٍ جديدة من الوجود، الأمر الذي نسمّيه تطوّرًا". وبمعنىً آخر اعتبار الكون والحياة ظاهرةً تطوريّة على نحوٍ مستمرّ والإنسان كونه جزءًا لا يتجزّأ من هذه الظاهرة، وكونه، إضافةً إلى ذلك، الجزء من عملية التطور الذي تعي فيه هذه العملية نفسها، مَعنيٌّ بفهمها ووعيها ومن ثمّ بلعب الدور الموكَلِ إليه كقائدٍ وموَّجهٍ ومسؤولٍ عن هذه العملية، الأمر الذي نراه يتجلّى بوضوحٍ اليوم في الإمكانيات المتاحة أمام الجنس البشريّ لتنظيم الحياة على الأرض والحفاظ عليها وربّما نشرها في أرجاء المجموعة الشمسية، أو في تدمير نفسه وتدميرها إن بسبب التلوث، أو كل أنواع المخاطر الأخرى التي يمكن أن يقودنا إليها سوء استخدامنا للعلم، كالاستنساخ واللعب بالجينات واللعب بالحياة، أو بسبب حربٍ نووية لا تبقي ولا تذر. ويقودنا هذا إلى الاعتبار الثاني.

    ·    وهو كما يقول تيار نفسه: "اعتبار الإنسانية نموذجًا جديدًا لمتعضية يتحتّم عليها أن تحقق إمكاناتٍ جديدةً لتطور الحياة على سطح كوكب الأرض." وأعتقد شخصيّاً أن هذه الإنسانية الواحدة، المتعضيّة الجديدة، ما تزال في طور التكوين، إنّها جنينٌ لم يولد بعد، وأنّ ولادتها الوشيكة تترافق مثل كلّ ولادة بالكثير من الألم وكذلك بخطر الإجهاض! وأظنّ أيضًا أنّ التزايد الهائل في عدد سكّان الأرض، وهم خلايا جسد هذا الجنين، خلال القرن السابق من جهة؛ وبداية الارتحال في الفضاء من جهةٍ أخرى، والتقدّم التقنيّ ولا سيّما في مجالات الاتّصالات وتبادل المعلومات وظهور شبكة الأنترنت من جهةٍ ثالثة (والذي يشبه إلى حدٍّ كبيرٍ تكوّن الجهاز العصبيّ لهذا الكائن العتيد!) تُشكّل إشاراتٍ لتكوّن هذه البشريّة الواحدة والتي يبقى عليها بعد ذلك أن تتجاوز أسباب العداءات والانقسامات والحروب والكوارث لكي تصبح مستعدّةً للعب دورها الحاسم المقبل. يمكن للقارئ أن يفكِّر بكلّ آفاق هذه الفكرة، مجريًا ما يشاء من المقارنات، أما أنا فسأتوقّف عند هذا الحدّ لأن موضوع الكتاب الأساسيّ هو شيءٌ آخر.

    ·    تصُبُّ في هذه النظرة وتؤيّدها أفكار عالم النفس الكبير كارل يونغ وبالتحديد فيما يتعلّقُ باللاشعور الجمعيّ (أو اللاوعي الجمعي أو الخافية الجمعية) inconscience collective وهو إذا جاز القول، ذلك الموروث الهائل من خبرات البشرية ومعارفها منذ بداية تطوّرها، بل حتّى منذ ما قبل المرحلة البشريّة والموجود في أعماق كلِّ واحدٍ منّا بلا استثناء والّذي يفسِّر على سبيل المثال أن يرى أحدنا في حلمه صورًا ما قبل تاريخية وأساطيرية مختلفة... يمتلك كلُّ شخصٍ بالقوّة، أي على نحوٍ كامنٍ، وفق هذه النظرة جميع الخبرات والمعلومات والإمكانيات التي توصَّلَت إليها البشريّة ولا يحتاج إلا إلى نوعٍ خاصٍّ من التمرين إذا جاز القول، لكي يصبح قادرًا على إبراز هذه الخبرة التي هو مزوّدٌ بها أصلاً من مضمار الكمون ونقلها إلى مضمار التحقيق أي من مجال اللاوعي الجمعي إلى مجال الوعي. ويمكن القول أنّ هذه الخبرة (أو المعلومة،الخ..) تصبح أسهل متناولاً على الصعيد الواعي كلّما اعتُنِيَ بتحفيزِها من جهة، وكلّما كانت محلّ حاجةٍ للاستخدام من جهةٍ أخرى. هكذا نفسِّرُ مثلاً قدرةَ ولدٍ صغيرٍ على تعلّم العدّ وعلى قبول مفهوم العدد كشيءٍ منفصلٍ عن الشيء الّذي يمثِّله، الأمر الّذي احتاج أجدادنا إلى أجيالٍ كثيرة كي يحقِّقوه. وكمثالٍ آخر يلاحظ بعض الباحثين أنّ خبراتٍ كقيادة الدرّاجّة الهوائية أو الضرب على الآلة الكاتبة (أو لوحة مفاتيح الكمبيوتر)... تحتاج اليوم إلى تدريبٍ أقلّ مما كانت تحتاجه قبل بضعة عقود.

    ·    تبنّي أفكار وطروحات ندوة البندقية (فينيسيا) وبشكلٍ خاص العبرمناهجية التي يمكن أن ألخصها كما يلي: لا يمكن لمنهجٍ معرفيّ، أيّاً يكن أدّعاء تفسير الطبيعة أو معرفة الكون أو الوصول إلى الحقيقة... إنّ للعلم دورًا يقوم به في صيرورة التطور على الأرض كما أن للتكنولوجيا دورًا آخر وللتقاليد المختلفة دورها أيضًا ورغم كل التناقض الظاهر بين العلم والتقاليد ترى النظرة عبر المناهجية أن العلمي والروحي لا يتعارضان بل يتكاملان ويتشاركان جنبًا إلى جنب في إنجاز تفتح القدرات الكامنة في الإنسان وفي الإنسانية. (مراجعة)

يبقى أن أشير إلى كون وحدة الإنسانية هذه هي بالنسبة لي موضوع إيمانٍ بالدرجة الأولى، إيمان بالأصل المشترك وبالمصير المشترك. إيمان بالتضامن وبالتعاضد الإنسانيين أبعد من كلِّ مظاهر الحروب والنزاعات والانقسامات، إيمان بالجهد الإنساني المشترك منذ اكتشاف النار وابتكار الكتابة والمتصاعد عبر التاريخ وصولاً إلى عصرنا، عصر الكمبيوترات والفضاء...، وهو إيمانٌ لا يستند على العلم أكثر مما يستند بالأولى على شعورٍ عميق أبعد من مجال العقل والمنطق. لكنّني أشعر أنّ العلم من جهةٍ أخرى يؤيّده ويؤكِّده وأستطيع أن أؤدّي بلا أدنى تردّد شهادة كون عملي في الرياضيات، وإن كان محدودًا جدّاً نسبيّاً، وأنّ قراءاتي ومطالعاتي في مجال فلسفة العلوم خصوصًا، إنّما تعمّق هذا الإيمان وتثبّته. وعلى نحو ما يقول يونغ نفسه: لم أعد أؤمن صرت أعرف!!

 

رحلة الألف ميل

بدايات الرياضيات

الشجرة التي تملأ السماء تولد من بذرةٍ صغيرة

والبرج الذي طبقاته تسع، يرتفع من قطعة حجر،

ورحلة الألف مكان تبدأ بخطوة واحدة خارج العتبة

لاو تسو، كتاب الطاو

 

يجب على مؤرّخ العلوم أثناء سيره على امتداد ماضٍ مظلم

أن يساعد الأذهان على إدراك القيمة الإنسانية العميقة لعلوم اليوم.

غاستون باشلار

 

عندما نتجّه إلى تاريخ العالم القديم، يتكون لدينا، بدون وعي،

نفس التأثير الذي يحدثه فينا التطلع إلى سلاسل الجبال من زجاج طائرةٍ.

فيتساوى كلّ شيء وتبدو المسافات صغيرة وتختفي التفاصيل نهائيّا،

ولا تبدو عندئذٍ سوى صورة عامّة للمنظر.

ف. سميلجا

 

في عصر التطوُّر العلميّ والتقنيّ، بل عصر سيطرة العلوم والتقانة على مختلف مظاهر الحياة؛ ما تزال كلمة "تاريخ" ترتبط على الأكثر بتاريخ الأحداث السياسية والعسكرية بالدرجة الأولى، والاجتماعية والاقتصادية بالدرجة الثانية، والعلمية في الدرجة، ربّما، الأخيرة. ومع ذلك فإنّ ما نلمسه، لا يوميّاً فقط، بل في كلِّ لحظةٍ من حياتنا، من أثر العلم فيها، ما هو غير محصّلةٍ لتاريخٍ طويل جدّاً يمتدّ بعيدًا في ظلمات الأزمنة السحيقة. فضوء المصباح الكهربائي على سبيل المثال ما هو غير الحفيد البعيد لاكتشاف النار وترويضها منذ عشرة آلاف عام. وهكذا يمكن لأصل ما نتعامل معه اليوم من ألزم الأشياء لحياتنا أن يعود إلى فجر وجود الجنس الآدميّ وما نراه من منجزاتٍ مدهشة تبدو أقرب إلى المعجزات ما هو في الحقيقة سوى تتويجٍ لسيروراتٍ مغرقة في القِدم. وعندما نفهم بعمقٍ هذه النظرة فإنّ العالم المعاصر، "سيأخذ شيئًا من العمق ويصبح أكثر ألفةً لنا".

لكنّ هذا العصر هو أيضًا عصر الاستهلاك. حيث تضيع قيم الأفكار والاكتشافات والمبادئ والعلوم مع تهاود أسعار الكولا والبطاطا المصنّعة والوجبات السريعة! ومع أنّ العلم وقرينته التكنولوجيا هما صاحبا الفضل المباشر في ما يعيشه إنسان اليوم من رفاهيةٍ لم يحلم بمثلها ملوك وسلاطين العصور الغابرة (وأيّ ملكٍ قبل مائة سنةٍ فقط كان يحلم بركوب طائرةٍ مثلاً؟) إلا أنّ هذه الرفاهية نفسها تنسينا قيمة العلم الذي أتى بها. وهذا طبيعيٌّ أيضًا، فالّذي لا يُتعِبُ نفسَه في كثيرٍ من الأمور ويلجأ للآلة الحاسبة حتّى من أجل أبسط العمليات الحسابية لا يستطيع أن يقدِّر القيمة الكبرى للعلم والجهد العظيم الذي بُذِل عبر التاريخ من أجل وضع هذه الآلة بين يديه! من هنا كانت قناعتي بأهمية تاريخ العلم وبأهمّية نشر ثقافةٍ وافيةٍ حول هذا التاريخ كوسيلةٍ تعيد للعلم البحت بعض قيمته الضائعة.

 أما السمة الثالثة والأهمّ لهذا العصر الذي نعيش فيه فهي أنّه عصر بزوغ الوحدة. العصر الذي يجري فيه الحديث في كلّ مكانٍ عن تحوّل الأرض، بفضل وسائل الاتّصال والنقل... إلى ما يشبه القرية الصغيرة وهذا يعني بالضرورة تحوّل الناس في مجتمعاتهم ودولهم إلى عائلةٍ إنسانيةٍ واحدة. لكنّ هذا الوعي لوحدة الجنس البشريّ لا يأخذ كامل بعده إن لم نعرف، ونعمّم هذه المعرفة، بأنّ هذه الوحدة تجد جذورها أيضًا منذ بدايات ظهور الإنسان وأن العلم الذي يتيح لنا اليوم ، أو يقدّم على الأقلّ الإسهام المباشر الأوفر في إتاحة إمكانية تحقيق هذه الوحدة، هو عملٌ مشتركٌ أسهمت فيه على امتداد التاريخ كلُّ الحضارات؛ وبأنّه من الضروري تتبّع تطوّره هنا وهناك وانتقال شعلته من أمّةٍ لأخرى عبر آلاف السنين لا بهدف إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه، أو لتحديد إسهام كلِّ أمَّةٍ أو حضارة بل بالأولى من أجل التأكيد على أنّ ما نتمتّع به اليوم هو ميراثٌ مشترك. إنّه نتاج جهد البشريّة كلّها وعمل الناس جميعهم عبر التاريخ وهو اليوم ملك جميع الناس في كلّ الأرض وعلى الجميع معًا، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، المضيّ إلى الأمام في طريقٍ لن يحسنوا تلمّس معالمها دون النظر إلى الماضي لرؤية كليّة المسار. كذا يمكن لتاريخ العلم أن يلعب دورًا موّحّدًا على الصعيد النفسي الجمعي لبني البشر. والحقّ أنّ العلم قد لعب دومًا هذا الدور وإذا كنّا نعي اليوم هذه الحقيقة فإنّ علينا أن نستفيد منها على نحوٍ أفضل بكثير. ففي الوقت الّذي يقصُّ علينا التاريخ العام، منذ ظهور البشر على الأرض، روايات الحروب والنزاعات والانقسامات فإنّ تاريخ العلم يروي لنا إذا أحسنّا قراءته قصّة مسيرةٍ مشتركة تتّجه نحو فهم حقيقة وجودنا ومغزاه وإذا كان التاريخ العام ينطوي على التأكيد على فرقة البشر ونزاعاتهم مغذّيًا روح العداء والانتقام فإنّ تاريخ العلم ينطوي على التأكيد على وحدة هؤلاء البشر وتكاملهم مغذيًا روح المحبّة والتعاضد. ففي العلم وحده، وخلافًا لكلّ المناهج المعرفية الأخرى الهادفة إلى فهم الإنسان والعالم، لا نجد علمًا يمينيّاً وعلمًا يساريّاً أو شرقيّاً وغربيّاً ولا نجد طوائف وأحزاب. صحيحٌ أن العلماء قد يختلفون في تفسير فكرةٍ أو نظريّة لكن النظريّة نفسها لا تكون إلا صحيحةً أو خاطئة باعتراف الجميع. والرائع في العلم، فوق ذلك هو عدم وقوفه عند تفسيرٍ نهائي. بل انطلاقه المستمرّ نحو آفاقٍ جديدةٍ للفكر ونحو معرفةٍ أوسع للكون والطبيعة فكما يعبِّرُ آينشتاين: "لا يتردّد العلم أبداً في معارضة المنطق العام الفطري، فالذي يخشاه هو التضارب بين المفاهيم السائدة والمعطيات الجديدة. وإن حدث هذا التضارب، فإن العلم سرعان ما يسحق الفرضيات القائمة ليصعِّد معرفتنا إلى سويّة أعلى".

انطلاقًا من كلّ ما تقدّم يشهد العالم، في جهدٍ محمود، سعيًا نحو إعادة صياغة التاريخ العام بحيث يأخذ تاريخ العلم مكانه الملائم وأهميّته الخاصّة ضمن سياقات تاريخ الأحداث السياسيّة والعسكريّة والاجتماعية والفنيّة والأدبية والدينية وغيرها... وانطلاقًا من ذلك أيضًا، ولأسباب أخرى بالتأكيد، يشهد عصرنا اهتمامًا متزايدًا بتاريخ العلوم وبفلسفة العلم ويكفي للتأكّد من ذلك ملاحظة الإصدارات الكثيرة من الكتب حول هذه المواضيع كما والإقبال المتزايد من طلاب الجامعات على دراسة هذه المواضيع والتخصص بها. لكنّ منظورًا جديدًا لرؤية وتقويم الأحداث العلميّة يُطرَحُ اليوم. فلقد اقتصَرَ تاريخ العلوم لفترةٍ طويلةٍ كما يقول                "في عرضِه الناس والأحداث على نحوٍ نقطيٍّ فكأنّهم شواخصَ مأثورة على طول طريق موجّهةٍ بالضرورة نحو تقدّم الفكر بحيث يبدو الباحثون وفق هذا المنظور كأبطال موسومين بحظوة الإلهام، يكرِّسون حياتهم لحلِّ أسرار الكون ويجنون من معاصريهم، أو لاحقيهم، أكاليل الشهرة المبكِّرة أو المتأخّرة. وهكذا يمكن استعراضُ مجرى التاريخ كما يُزارُ رواقٌ رُصِفَ بالتماثيل.. لكنّ اتجاهًا جديدًا ظهر اليوم يحاول وضع الاكتشافات العلمية ضمن المناخ الثقافي والاجتماعي الذي ولدت فيه، وتحليل الظروف المتعلقة بقبولها أو رفضها أو تعديلها وفق العصر وآرائه المسبقة. وبدلاً من رؤية الاكتشاف العلمي كقبس عبقريّة، يغدو هذا الاكتشاف جزءًا مكمِّلاً لصيرورةٍ فكريّةٍ اجتماعية ديناميكية تضفي عليه إنارةً جديدة. وبدلاً من رؤية العلم مشعلاً ينتقل عبر التاريخ من أمّةٍ إلى أخرى، وهذا صحيحٌ جزئيًا وضمن منظورٍ ضيّق، يصبح العلم صرحًا هائلاً أسهم ويسهم في تشيّيده كلّ الناس وجميع الأمم. وهو بناءٌ يبني الإنسان بقدر ما يبنيه الإنسان. فتقدّم العلم هو تقدّم الفكر الإنساني، وكتابة قصّة العلم هي رواية قصّة تفتّح الفكر الإنساني بدءًا من حالة أوّليّة جدّاً ووصولاً إلى إنسان اليوم.

لعلّ كلّ ما ذكرته حتّى الآن يشكّل سببًا كافيًا كي نوليَ تاريخ العلم منزلةً أوليّة. لكنّني أوّدّ أن أشير إلى أسبابٍ عمليّةٍ أكثر. فمعرفة تاريخ الرياضيات أمرٌ ضروريٌّ لتقدّم الرياضيات نفسها أذكر كمثالٍ بسيط أنّ البرامج التي تُبرمَجُ وفقَها الآلات الحاسبة للقيام بالعمليات الحسابية يعتمد بعضها على طرق الحساب القديمة التي منها ما كان يستخدمه البابليون أنفسهم منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام. بل إنّ تصميم الكمبيوتر نفسه إنّما يعتمد على مبدأ نظام العد الثنائيّ الذي ربّما كان أحد أول محاولات الإنسان للعدّ لكنّ اكتشافه في التاريخ الحديث يعود للألماني لايبنتز في مطلع القرن الثامن عشر ومن الأكيد أنّ لايبنتز ما كان ليتخيّل طبيعة التطبيق الّذي أدّت إليه تسليته بالأرقام هذه.[1] يبقى سبب آخر للاهتمام بتاريخ الرياضيات وهو سببٌ يعني معلمّي هذه المادّة بالدرجة الأولى؛ فكلّما كان لمدرّس الرياضيات معرفة أكبر بتاريخها كان أقدر على تقديم المادّة من جوانب مختلفة وعرض أفكارها بطرق متعدّدة. أخيرًا فإنّ التاريخ هو قصّةٌ ممتعة كما كان يقول لنا محقِّين أساتذة التاريخ في المدرسة وأعتقد أنّ كلّ ما يلزم للاحتفاظ بهذه المتعة هو حسن العرض والتقديم وآمل أن يحالفني في ذلك التوفيق.

 

كان يا مكان في قديم الزمان

كان هناك راعٍ لم يترك، مثل أكثر العظماء الحقيقيّين، اسمه وعنوانه وتاريخ مولده وجنسيته، هذا إن كانت له جنسية، مسجَّلاً في التاريخ؛ ذلك أنّه عاش ما قبل التاريخ. ففي ذلك الزمان كان الرعيُ مهنةً جديدةً وبدائية ولا شكّ أنّ ذلك الراعي لم يكن يشبه كثيرًا رعاة بقر غرب الولايات المتّحدة الأميركية، أبطال المسدّسات، الذين كانوا ينفِّسون عن تعبهم بلعب الورق أو البيلياردو وبشرب الويسكي والبيرة. بل كان إنسانًا بسيطًا جدّاً عاش في زمان لم يكن ثمّة الكثير من الأشياء يستطيع المرء أن يسلّي نفسه بها. كان صاحبنا مضطرّاً أن يصرف وقته بينما أغنامه تقضم العشب وتتقافز على الصخور بالتفكير. وربّما أنّ التفكير لم يكن قد وُجِد أيضًا، ذلك أنّ التفكير يحتاج إلى لغة ولم يكن قد تعلّم لغةً لأنّ اللغات نفسها لم تكن قد وُجِدَت بعد. لم يكن أمام راعينا العزيز إذًا، غير أن يتأمّل. والتأمّل كما نعلم جميعًا هو أمرٌ بالغ الصعوبة لكنّه على الدوام يقدّم نتائج مدهشة!

تستطيع عزيزي القارئ تخيّل صعوبة الموقف. هب نفسك مضطّراً للبقاء وحيدًا لفتراتٍ طويلةٍ من النهار كلّ يوم. ليس هناك جهاز تلفزيون ولا حتّى راديو ليس هناك كهرباء أصلاً. لا أشخاص تحدّثهم... لا شيء تفعله... إنّ أغلبنا في مثل هذه الأحوال يتسلَّون بالعدّ. نعدُّ الأشجار إذا كنّا في غابة أو المقاعد إذا كنّا في قاعة أو النجوم إذا كان الوقت ليلاً... لكن الأعداد نفسها لم تكن موجودة في ذلك الحين والحال فلقد توجّب على صديقنا الراعي أن يخترعها!!

لا شكّ أنّ القصّة لم تجرِ على هذا النحو تمامًا. لكنّ أحدًا لا يعرف التفاصيل الدقيقة. وأغلب الظن أن أشياء غريبة قد بدأت تحدث، فهكذا هي الحال دومًا، عندما بدأ الراعي يفكِّر بضرورة اختراع شيءٍ يسلِّي به نفسه ويملأ أوقات فراغه. ولم يستطع أوّلاً فهم ماهية هذه الأمور الغريبة. فلعدّة أيام متتالية لازمه شعور محبط بأن أغنامه تتغيّر ولم تعد هي نفسها ولم يكن يستطيع معرفة طبيعة هذا التغيير. لم يكن قطيعه كبيرًا جدّاً، وهو أمرٌ لم يكن يعرفه بالأصل، لأنّه لم يكن يفرّق بين كبيرٍ وصغير ولم يكن كما أسلفنا يعرف أيّ شيءٍ عن الأعداد لكنّ هذا الشعور بتغيّر القطيع بدأ مع الأيام ومع ازدياد هذا التغير يفصح عن طبيعته واستشعر الراعي الذكيّ الموضوع. ولأن البشر قد فُطِروا على الفهم عن طريق المقارنة فلقد بدأ يبحث في تأمّله عن صورةٍ تقرّب له الفكرة الغامضة التي أقضَّت مضجعه.

 

ثمَّ ماذا؟ لقد بلغنا منتصف الكتاب ولم نتحدّث عن أيّة رياضيات!!

أفهم اعتراضكَ عزيزي القارئ لكنّني أستميحك عذرًا وأطلب منك القليل من الصبر فلإطالتي هذه سببان أولهما معرفتي بأنّ معظم القرّاء سيبدؤون بتقليب الصفحات بسرعة ما أن يشاهدوا بعض المعادلات أو الرموز الرياضية. وثانيهما سأقوله فيما بعد. أما الآن فبينما كنّا نبتعد عن الموضوع كان أخانا الراعي قد وجد مقارنةً مناسبة زادت فهمه لما يحدث. والحقّ أنّه كان لزوجه فضل كبير في ذلك. فقد كانت هذه الزوج تهتمّ بصنع بردةٍ من جلد الماعز لكلّ واحدٍ من أولادهما ومنذ سنةٍ تقريبًا حدث مع الأسف وباءٌ أصاب كل المنطقة بحيث أن بعض أولادهما لم يعودوا موجودين. في حين بقيت بطبيعة الحال مآزرهم. وهنا خطرت ببال الراعي النبيه فكرة عظيمة. ونام في ذلك اليوم وقد عزم على القيام بأمرٍ يؤكّد له أو ينفي حدسه في ما يحدث مع القطيع لكنّ أيّة فكرةٍ كبيرةٍ عن كونه يفتح أمام جنس بني البشر بابًا كبيرًا جدّاً نحو آفاقٍ لا تخطر في بال أحد، ما كانت لتخطر له على بال.

 

في اليوم التالي، عندما فتح باب الحظيرة، التي لم تكن غير مغارة حفرتها الطبيعة في الصخر سُدَّ بابها بحاجزٍ من جذع شجرة؛ كان قد حمل معه وعاءً صغيرًا صُنعَ بطريقةٍ ما من تراب الأرض. وأخذ يلتقط حصاةً من الأرض يضعها في الوعاء كلّما خرجت غنمة من المغارة. وعندما خرجت آخر واحدةٍ منها كان قد سجّل في أوّل دفترٍ في تاريخ الكتابة أوّل "عددٍ" في تاريخ الرياضيات، دون أن يعي كثيرًا بُعد ذلك. وفي المساء لدى عودته صار يُخرِج من الوعاء الطينيّ حصاةً كلّما دخلت غنمة إلى المغارة ولم يُصب بدهشةٍ كبيرة عندما بقيت بعض الحصيّات في الوعاء. فقد حصل ما يؤكّد حدسه بأنّ للذئب علاقةٌ بالأمر.

كذا بدأت مغامرة العدد، وسأصرّح الآن بالسبب الثاني الذي جعلني أطيل على هذا النحو. فإن كنتَ قد وجدتَ ممّلاً الحديث بكلّ هذا التفصيل عن إجراء أوّل مقارنةٍ على طريق التعرّف على الأعداد. فإنّ من المهمّ أن تعرف أيّها الأخ الكريم أن التوّصل لتمييز الواحد عن الإثنين قد استغرق بعد ذلك عدّة أجيال وأن روايتنا هذه لشديدة الاختصار إذا ما قورنت بواقع مجرى الأمور ولكي أوضح لك مدى إيجازي في رواية قصّة الأعداد وتاريخ الرياضيات بشكلٍ عام فإنّني أستطيع أن أُرجعك إلى السيد نيكولا بورباكي[2] وهو شخصيّة اعتباريّة تمثّل عددًا من علماء الرياضيات الفرنسيِّين الذين رغبوا بتلخيص الرياضيات في مجموعةٍ صغيرةٍ من المجلّدات على نحوٍ يحاكي تلخيص إقليدس لرياضيات زمانه في كتاب المبادئ، فلم يستطيعوا اختصار الحديث عن العدد واحد بأقلّ من مائتي صفحة فقط! وفي كلّ الأحوال فأنا أعتقد بعمق أنّ بعض التأمّل في تفاصيل مثل هذه القصّة يمكن أن يساعدنا في التخلّي عن الكثير من غرورنا وادّعائنا الذكاء والتفوّقَ فضلاً عمّا يثبته هذا من وحدة الإنسان عبر التاريخ. فالأشخاص بحدّ ذاتهم ليسوا من الأهميّة بمكانٍ كبير لكنّ المهمّ هو أنّ كلّ تقدّمٍ يحقّقه شخصٌ ما في أيّ زمانٍ وأيّ مكان هو كسبٌ للإنسان في كلّ زمانٍ ومكان.

 

أصابع اليدين والقدمين وطرق العدّ القديمة

من المعروف أنّ خير وسيلةٍ يستعملها التلاميذ الصغار لتعلّم العدّ وحتّى لتنفيذ بعض العمليات الحسابية هي أصابع اليدين وأغلب الظنّ أنّ الإنسان البدائيّ قد فعل بالمثل أيضًا، فعوضًا عن الحصيّات التي استخدمها صديقنا الراعي المجهول؛ اكتشف عظيمٌ مجهولٌ آخر أنّ أصابع اليدين يمكن أن تغني عن هذه الحصيّات في كثير من الأحوال، وفي أحوال أخرى، يمكن استخدام أصابع اليدين والرجلين معًا (سيّما أن الأحذية الجلدية الإيطالية الفاخرة لم تكن تُصنّع بعد!). ويعتقد الكثيرون بأن كون عدد أصابع اليدين هو عشرة، لا اثنا عشر مثلاً كان السبب في انتصار نظام العدّ والحساب القائم على أساس العدد 10 والذي يسمّى النظام العشري. لكنّ هذا النظام، على خلاف ما نتوقع ليس النظام الوحيد ولا هو النظام الأقدم حتّى أنّه ليس الأجدى دومًا.

ربَّما استخدم الأقدمون طريقة العدّ الثنائية التي سبق أن نوّهنا عنها والتي يستخدمها جهاز الكمبيوتر اليوم. وهي طريقةٌ تقوم على استخدام رمزين فقط.[3]وهناك أقوامٌ أخرى استخدمت كأساسٍ لعمليّة العدّ العدد 20 الّذي يُفسَّرُ باستخدام أصابع اليدين والقدمين معًا وهذا النظام في العدّ ترك أثره حتّى اليوم في تسمية بعض ألفاظ العقود في اللغة الفرنسية، حيث يُقالُ للثمانين أربع عشرينات وللتسعين أربع عشريناتٍ وعشرة. وفي نظام النقد السوري واللبناني؛ المأخوذ عن النظام الفرنسي أيضًا، فجيلنا ما يزال يذكر تمامًا الفرنك والفرنكين كما يذكر أيضًا أن الليرة كانت تساوي عشرين فرنكًا.

من أنظمة العدّ الشديدة الأهمية التي استخدمها الإنسان في التاريخ نظام العدّ الستّيني والّذي لا نزال نستخدمه حتّى اليوم في تقسيمنا الساعة إلى ستّين دقيقة والدقيقة إلى ستّين ثانية. ومن الأكيد أنّ السومريين والبابليّين كانوا أوّل من استخدموه في الحسابات الفلكية خصوصًا كونه يوافق تقسيمهم السنة إلى 360 يومًا. ولهذا النظام، مثل كلّ شيءٍ في العالم ميّزاته ومساوئه. فأمّا أهمّ  ما يميّزه فهو أنّ العدد 60 يقبل القسمة على الكثير من الأعداد: 1،2،3،4،5،6،10،12،15،20،30، الأمر الّذي يقلّل من ظهور الكسور أثناء العمليات الحسابية. أمّا عيب هذا النظام الأكبر فهو الحاجة لابتكار وحفظ تسعٍ وخمسين رمزًا مختلفًا لاستخدامها في كتابة الأعداد. الأمر الذي حلّه رياضيّو بابل باستخدام رمزين فقط! أمّا كيف جرى ذلك فأمرٌ له قصّةٌ شيّقةٌ أخرى، كان يمكن أن تضيع وربّما كنّا قد فقدنا إمكانية كبيرة لاكتمالها، ذلك أنّ ديمقراطيو القرن الحادي والعشرين ينهبون المتاحف ويخرّبون التراث!

 

من نهب متحف بغداد؟!

لا أقصد بالتأكيد أن أنتقل إلى السياسة فلست من أهلها. لكنّ الأحداث المأساوية التي أكتب في جوّها تفرض نفسها على كلّ شخصٍ يملك مقدار حبّة خردل من الإنسانية ومن الشعور بأهمية الميراث الثقافي الإنساني. ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ متحف بغداد، والمتاحف العراقية الأخرى لا بدّ أن تحوي الكثير جدّاً من الوثائق الهامّة التي يزيد عمرها عن خمسة آلاف عام والتي تخصّ بشكلٍ مباشرٍ جدّاً موضوعنا فبلاد الرافدين قد شهدت كما يعلم الجميع أهمّ فصول قصّة الأعداد. أعتقد في نهاية الأمر أنّ الذين كانوا وراء عملية النهب المحزنة تلك هم أشخاص وجماعات يهتمّون ولابدّ بالقيمة الماديّة الهائلة لمقتنيات المتحف والتي لا تقل عن القيمة الماديّة للثروة النفطية العراقية لكنّهم يهتمّون أكثر من ذلك بتزوير التاريخ لأنّه بكلّ بساطةٍ يفضحهم ويفضح الحجج الواهية لوجودهم الاستيطاني في المنطقة، إنّهم أشخاص وجماعات يستحقّون فعلاً كلّ ما يمكن من الشفقة. لأنّهم يظنّون أنّهم يستطيعون اغتصاب أمنهم بالقوّة غير عالمين أنّ الأمان لا يكون إلا بالنيّات الصادقة وبسلام القلب. وعلى كلّ حالٍ فلقد صدق من قال منذ ألفي عام :"ما من خفيٍّ إلا سيظهر" وهذا أمر يشعرني بالاطمئنان ويعطيني الصبر الكافي لترك التفكير في متحف بغداد ومكتبتها والانتقال بضعة آلافٍ من السنين إلى الوراء مع البقاء في المكان نفسه.

 

يتقدّم الزمن إلى الأمام وتزداد الحياة تعقيدًا باستمرار ولا بدّ للإنسانية على الدوام من أشخاصٍ يملكون ذكاء ذلك الراعي الذي تحدّثنا عنه أعلاه، ليسعفوها بما يلزم من الرياضيات الكافية لحلّ مشاكل هذه الحياة.

فمع نشوء المجتمعات "الحضرية" القائمة على الزراعة أوّلاً ومن بعدها ظهور المدن الكبيرة واشتغال الناس بالتجارة وابتكار المال، شيطان جميع العصور، وتنازع الناس على الأراضي أو على المحاصيل أو تنازع الإخوان على الميراث، وهو الجدّ الكبير لتنازع البلدان والممالك على أراضي الشعوب المسحوقة وتنازع الشركات الاحتكارية الكبرى على السيطرة على منابع النفط والثروات الأخرى... بدأ الحساب يبدو حاجةً لا غنًى عنها، وبدأ بفضل أشخاصٍ مجهولين بدورهم، بذلوا ولا شكّ جهودًا كبيرة، لاكتشاف طرقٍ يستطيع المرء فيها أن يقسِّم قطعةً من الأرض على عددٍ معيّنٍ من الأولاد توفيّ والدهم دون أن يلحق بأيِّ واحدٍ منهم أيّ غبن. أو أن يستطيع تقدير كمية القمح التي يجب أن يقايض بها الفلاح راعيًا يريد أن يتخلّى له عن خاروفٍ مسمّن[4]... ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ حاجاتٍ ذات طبيعة فلكية كانت تفرض تطوير الحساب أيضًا سواء كانت هذه الحاجات دينية الطابع أو متعلّقةً بالفصول ومعرفة مواعيد البذار والحصاد والطوفانات وما إلى ذلك (في جميع الأحوال لم يكن هناك فصل كبير بين مثل هذه الحاجات وما نسمّيه اليوم حاجات دينيّة فقد كان الناس في ذلك الوقت يعيشون ما يؤمنون به ويؤمنون بما يعيشونه على عكس ما نفعل اليوم فنجعل الدين غطاءً لعيش أشياء أخرى!) وقد جرى ذلك في أنحاء كثيرة من العالم إذ من الثابت أنّ الحساب إن كان قد تطوّر في منطقةٍ أكثر من أخرى إلا أنّه كان يتطوّر في مناطق عديدة وعلى نحوٍ مستقلٍّ، حتّى أنّنا نجد تقنياتٍ مختلفةٍ لتنفيذ العمليات الأساسية باختلاف البقعة من العالم القديم بل وأكثر من ذلك نجد اختلافًا في نظم العدّ نفسها. ومع ذلك فإنّ من المؤكّد أيضًا، وعلى حدِّ ما وصلنا من الكشوف الآثارية ومن الكتابات القديمة، أن الحساب قد شهد تطوّرًا خاصًّا في بلاد بابل.

واقع الأمر هو أنّ أبناء حمورابي، وهو أوّل المشرّعين المعروفين في التاريخ، والّذي تثير قصّة تسلّمه الشريعة من الآلهة محفورةً على لوحين من الطين أبلغ الدهشة عند مقارنتها مع قصّة موسى عليه السلام، والّذي يمكن أن يفسِّرَ مجرّد وجود تمثالٍ له يصوّره مستلمًا ألواح الطين (الأمر الذي لم يتوفّر لموسى) نهب متحف بغداد، لا ينتسبون إلى عرقٍ خاصّ كما هو الحال بالنسبة للسومريين أو الأكاديين أو سواهم من شعوب ما بين النهرين، بل بالأحرى إلى مدينة بابل التي سرعان ما أصبحت لفترةٍ ما مملكةً عظيمة تضمّ أعراق وشعوب عديدة من بينها السومريين أنفسهم الذين كانوا قد طوّروا أوّل نظامٍ معروفٍ لكتابة الأعداد كان خليطًا من النظام العشري والستيني. لكنّ البابليين وخلال زمنٍ يمتدُّ نحو ألفي عامٍ قاموا بتطوير هذا النظام على نحو رائعٍ وصولاً إلى أوّ ل نظامٍ عدديٍّ موضعيّ بما في ذلك استخدام الصفر وبداية استخدام الفاصلة العشرية وقد استخدموا هذا النظام لإنجاز عملياتٍ حسابيةٍ خارقة بالنسبة لزمانهم.

 

علّم صاحبنا الراعي أولاده أصول المهنة، بما في ذلك التأكّد من "حجم" القطيع لكنّه أورثهم كذلك شيئًا نفيسًا آخر لم يكن يدرك هو نفسه وجوده، أعني ملكة الذكاء وروح الابتكار. وهكذا لم يعد هؤلاء الأخيرين يعذبون أنفسهم بوضع الحصيات وإفراغها بل صاروا بدل ذلك يضعون رسومًا معينة تمثل الغنمات على السطح الخارجي للإناء الفخاري نفسه. ولقد كانوا كرماء بنقل سر المقارنة هذا إلى أبناء عمومتهم من مربّي الدواجن الذين كانوا يرسمون أشكالاً أخرى تمثل الدجاجات وسرعان ما صار هناك الكثير من الأوعية التي رسمت عليها أشياء أخرى كثيرة وتلك كانت بداية اختراع الكتابة التصويرية أيضًا وهذا أمرٌ يعطي للرياضيات فخرًا آخر فميلاد الرياضيات كان سببًا لميلاد اللغة. فالرياضيات واللغة توأمان وما كان ممكنًا أن ينمو أحدهما دون الآخر إلا بمزيدٍ من الصعوبة.

هكذا صار حفيد راعينا العزيز يرسم شكلاً يمثّل الغنمة على الغلاف الطيني وصار أخوه المزارع يطبع شكلاً يشبه الدجاجة على سطح وعاءٍ آخر. فكان وعاء الأوّل يمثل له عدد أغنامه ووعاء الثاني يدلّه على عدد دجاجاته.

نلخّص باختصارٍ شديد فنقول أنّ تطورّان هامّان حدثا بعدئذٍ: الأوّل هو الاستغناء عن الأوعية وتحولها إلى ألواح طينية، مع ما رافق ذلك من نحت أدواتٍ تستخدم لطبع الأشكال المنشودة على اللوح الطيني قبل أن يجفّ وهذا يعني بداية ولادة الكتابة. والثاني هو إيجاد رموزٍ للأعداد منفصلةٍ عن أشكال ما نعدّه، فبعد فترةٍ من الزمن لم يعد ضروريًا رسم أربعة أشكال ماعزٍ وخمسة أشكال دجاجة بل نرسم شكلاً يمثل أربعة (أربع إشارات تشبه الرقم 1 مثلاً) وبجانبها شكل ماعز وشكلاً آخر يمثّل الخمسة وبجانبه شكل دجاجة. وهذا يعني انفصال العدد عن المعدود، أي التجريد ويعتبر الكثيرون أن هذا الحدث يعني ولادة الرياضيات. لكنّ صحّة مثل هذا الاعتبار تتعلّق إلى حدٍّ كبيرٍ بما نعنيه بكلمة رياضيات وسنعود لهذا الموضوع لاحقًا.

كانت المرحلة التالية هي ولادة الواحدات إذا جاز لنا القول. ونبسّط فكرة ذلك مضّحين بالدّقة اختصارًا فنقول: أنّه بدلاً من كتابة عشرين إشارةٍ تشبه الرقم 1 وبجانبها صورة الماعز أو الدجاج أو سلّة القمح... صار يُعتمدُ على إيجاد رمزٍ لعددٍ من الواحدات المساعدة. فإذا كان بإمكان العين البشريّة المدرّبة أن تميّز ثلاث إشاراتٍ متشابهة دون أن تخطئ في عددها بينما يبدأ الخطأ عندما تصير أربع إشارات فلقد اصطُلح على وضع رمزٍ جديد يمثّل الأربعة. فيمكن لتمثيل العدد 10 مثلاً أن نضع دائرتين صغيرتين تمثل كل منهما أربعة و رمزين من الشكل 1 يمثل كل منهما واحدًا. واختيار الأربعة أو الخمسة أو غيرها أمرٌ يتعلّق باعتباراتٍ مختلفة كعدد أصابع اليد أو قدرة العين على تمييز عددٍ من الواحدات المتشابهة "من أوّل نظرة"، الخ... وفي جميع الأحوال لا بدّ من التشديد مرّةً أخرى إلى أنّ روايتنا هذه هي تلخيصٌ سريعٌ جدّاً لمجرى الأمور. والإيجاز السريع الآخر هو في انتقالي مباشرةً للحديث عن الأعداد عند السومريين والبابليين.

 

أعطى السومريون، في بداية الأمر، أشكالاً مختلفة تمثّل الأعداد: 1، 10، 60، 600، 3600، 36000. وكانت جميع الأعداد تكتب باستخدام هذه "الواحدات" فالعدد 4953 مثلاً يمثّل بكتابة رمزٍ واحدٍ يمثّل 3600 ورمزين يمثل كل منهما 600 ورمزين آخرين يمثل كل منهما 60 وثلاث رموز يمثل كل منها عشرة وسبع رموز يمثل كل منها واحد. لأنّ

4957= 3600x1 + 600x2 + 60x2 + 10x3 + 1x7

ومن الواضح أنّ هذا النظام في تمثيل الأعداد هو مزيج من النظامين العشري والستيني. وفي نهاية العصر السومري على وجه التقريب، وبعد ظهور الكتابة المسمارية صار التعبير عن الأعداد يتمّ باستخدام شكلين فقط أحدهما يمثّل الواحد إذا كتب صغيرًا والستين إذا كتب كبيرًا والآخر يمثل العشرة. وهذا النظام الستيني المطعّم بالعشري هو الذي ورثه البابليون فقاموا من خلاله بإنجاز عملياتٍ كبيرة.

 

يبلغ ما عُثِر عليه من الآثار المسمارية في بلاد الرافدين ما يزيد عن نصف مليون رقيم من الصلصال (وهذا يعطينا فكرة أخرى عن معنى نهب المتاحف العراقية) ومن بين هذه الرقم ثمة ثلاثمائة رقيم تخصّ الرياضيات مباشرةً وهي أولى الوثائق الرياضية البحتة في التاريخ بمعنى أنها ليست عمليات رياضية تخصّ التجارة أو شيء آخر بل هي جداول رياضية وتمارين ومسائل تعليمية... وهذه الوثائق تعود إلى فترتين بعيدتين نسبيّاً فقسم منها يعود لعهد الملك حمورابي أي ما بين 1800 و1600 قبل الميلاد ومعظمها جداول رياضية تفيد في إجراء عمليات حسابية (جداول لمربعات ومكعبات الأعداد وغير ذلك...) والقسم الآخر إلى القرون الثلاثة السابقة مباشرة للميلاد أي أن هناك ما لا يقل عن ألف وثلاثمائة سنة فُقِد فيها تتبع أثر تطور الأرقام وفي خلال هذه القرون الثلاثة عشر ظهر الصفر. ذلك أن المجموعة الثانية من هذه الوثائق تتميز باستخدام الصفر فيها كأمرٍ طبيعيّ مألوف في حين أن أسلافها من الرقم كانت تتميز بترك فراغٍ في الأماكن التي ينبغي أن يوضع فيها الصفر وهو أمرٌ كان مدعاةً للالتباس وارتكاب بعض الأخطاء. ولعلّه من المناسب، لكي نعطي فكرةً عن الحسابات التي قام بها الحسّابون القدماء، أن نشير إلى أنّ بعض الرقم التي تعود إلى العام 300 قبل الميلاد تتضمن حساباتٍ تحوي 17 خانة في النظام الستّيني ما يعادل عملياتٍ على أعدادٍ تحوي 29 رقمًا في النظام العشري الذي نستخدمه اليوم. أي أعدادٍ من رتبة ألف مليار مليار مليار تقريبًا!

وبمناسبة الحديث عن الخانات، يبقى أن نشير إلى الإنجاز الأعظم للبابليين وهو استخدام النظام الموضعي أي إعطاء كل رقم قيمته المعنوية بحسب ترتيبه في العدد أي بحسب خانته. ونشرح تطوّر النظام الموضعي باختصارٍ شديدٍ مرّةً أخرى على النحو التالي. لنفترض أننا لا نملك من الرموز التي تدلّ على الأرقام العشرة الأولى بعد غير الواحد والخمسة. وأننا نكتب واحدًا كبيرًا إذا أردنا أن نشير إلى العشرة وأننا لا نفرّق بين اليمين واليسار في الكتابة. إنّنا نعبّر عن العدد 57 في هذه الحالة مثلاً بكتابة خمس عشرات أي خمس رموز كبيرة للعدد واحد وخمسة واحدة وواحدين أي: 11111511 ومن الواضح هنا أن ترتيب وضع الخمسة بين الواحدين والخمس عشرات أو على يمين العدد أو يساره أمر ليس من الأهمية بمكان فنحن في جميع الأحوال نملك خمسة واحدة يجب جمعها مع الواحدين والخمس عشرات. بل ليس مهمّاً بالأصل أن ترتّب الخمس عشرات بجانب بعضها البعض يكفي أن نعلم أن لدينا خمس عشرات فالعدد السابق يمكن كتابته بشكل صحيح أيضًا بالشكل: 11115111. لكنّ الأناقة والجمال وحدهما ربّما قد جعلا هذا العدد يكتب بالشكل الأول حصرًا كما وكل الأعداد الأخرى. والحال فإنّ ملاحظةً رائعة قد خطرت ببال عبقريٍّ بابليٍّ لا نعرف اسمه وهي أن يكتب رمزًا يعبّر عن جداء العشرة بالخمسة بدلاً من تكرار العشرة خمس مرّات وبما أن الضرب عند البابليين لم يكن له رمز خاص بل كان يعبر عن جداء عددين بكتابتهما الواحد منهما فوق الآخر. فلقد جرى الأمر على هذا النحو. لكن الفكرة الأكثر عبقريةً هي التي جاءت فيما بعد فلماذا نكتب خمس عشرات؟ نكتب أولاً عدد الواحدات ثم نترك فراغًا مناسبًا ونكتب بعده عدد الخمسات دون أن نكتب أنها خمسات إذ يكفي وجودها بعد الواحدات كي يُعرَف أنها خمسات ثم نكتب عدد العشرات وهكذا.

هذا هو بالضبط المسار الذي قطعه البابليون لابتكار النظام الموضعي مع فارقين اثنين: الأول أنهم فعلوا ذلك في النظام الستيني لا العشري أما هنا فقد اخترتُ العشري للتبسيط (فجعلت الخمسة هنا بدل العشرة عندهم والعشرة بدل الستين). أما الفارق الثاني فهو أنّ هذه العملية التي لخصتها بأقلّ من صفحة وبدت مع ذلك مملّةً لعدد من القرّاء بلا شكّ قد استغرقت ما يقارب الخمس عشر قرنًا فقط‍  أما ابتكار النظام الموضعي العشري وتطويره من قبل الهنود فليس هناك ما يثبت أو ينفي على نحو قاطع أنه تم بشكلٍ مستقلٍّ عن تطور النظام الموضعي الستيني السومري البابلي وأنا أميل إلى الاعتقاد بأن فكرة النظام الموضعي ما دامت قد وجدت مرّةً في مكانٍ ما، في فكر إنسانٍ ما، فإن ظهورها في مكان آخر بطريقةٍ "مستقلة" صار شيئًا متوقعًا ذلك أنها صارت جزءًا من الفكر الإنساني الواحد! وفي جميع الأحوال لا بدّ من الإشارة إلى أنّ شعوبًا عديدة طوّرت طرقًا مختلفة للعدّ وأن التبادل التجاري والثقافي بين الشعوب المختلفة كان يحرّض هذا التطور على الدوام هنا وهناك. ومن الطبيعي أن أزهار الشجرة وثمارها تظهر بشكلٍ خاصٍّ عند أطراف فروعها لكنّ ذلك لا يجعل من الفروع هذه شيئًا أفضل من الأغصان الكبيرة ومن الجذع الذي يحمل كامل الشجرة‍.

 

النظام الستيني يحال على التقاعد.

استمرّ العمل بالنظام الستّينيّ طويلاً لأنّه كان لوقتٍ طويلٍ الطريقة الوحيدة المتوافرة التي تستخدم النظام الموضعيّ او الخانيّ. مقابل ذلك ظهرت الكثير من الأنظمة الأخرى للعدّ ولكتابة الأعداد وللقيام بالعمليات الحسابية من أشهرها الأعداد الرومانية التي ما تزال تُستخدم حتّى الآن في ترقيم فقرات موضوعٍ ما مثلاً. والأعداد الرومانية تستخدم كما هو واضحٌ بعض أحرف الأبجدية اللاتينية مثل I وV وX و L واستخدام أحرف اللغة كان شيئًا مألوفًا للدلالة على الأرقام حتّى أنّ الجملة العشرية نفسها كانت تستخدم بعض حروف الأبجدية كرموزٍ للأرقام قبل أن يبدع الهنود في  القرن الخامس رموزًا خاصّة ونظامًا لكتابة الأعداد في الجملة العشرية وهو النظام الذي نستخدمه اليوم مع بعض التعديلات.

كان الخوارزمي الذي عاش في بغداد في القرن التاسع الميلادي هو أول من دعا عبر كتابٍ له عن الأرقام الهنديّة إلى تبنّي هذه الطريقة الآتية من بلاد الهند، لكنّ هذا التغيير لم يكن سريعًا جدّاً مع ذلك واحتاج الأمر إلى قرنين تاليين حتّى تبلغ هذه الطريقة الأندلس التي كانت ما تزال تحت الحكم العربي وتأخرّ قبولها في أوروبا بعد أن منعت حكومة فلورنسا استخدامها بسبب سهولة التلاعب والتزييف بتبديل الأرقام المتشابهة 0 و6 و9.

كان أحد عيوب الجملة العشرية الذي أخّر انتصارها وتعميمها هو صعوبة تعاملها مع الكسور فكان النظام الستّيني يمتاز عن العشريّ في هذه الناحية لفترةٍ طويلة وقد لعب عدد من الرياضيين الذين عادةً ما لا يُعطَوا حقَّ قدرهم من الذكر دورًا أساسيّاً في ابتكار طرقٍ للتعامل مع هذه الكسور ومن أبرز هؤلاء الكاشي الذي عاش في القرن الخامس عشر وكان مسؤولاً عن مرصد سمرقند الشهير. وإضافةً لابتكاره الهامّ للطريقة التي نستخدمها اليوم في كتابة الكسور العشرية، كان الكاشي من أوائل من فكّروا بالأعداد السالبة. في نهاية الأمر ألّف بلجيكيٌّ يدعى سيمون ستيفن كتابًا ضخمًا سمّاه "فنّ الأجزاء العشرية" فكان مرحلة حاسمة لاحتوائه على أوّل معالجة نظامية للكسور العشرية الجديدة. أمّا أوّل استخدامٍ للفاصلة العشرية كما نعرفها اليوم فيعود للاسكتلندي جون نابيير عام 1617. يبقى أن نشير إلى أنّ البابليين كانوا قد عرفوا قبل ذلك بألفي عام بالضبط أي في القرون القليلة السابقة للميلاد بعض أنماط الأعداد العشرية وهي من الأعداد التي تتراوح قيمتها حصرًا بين الصفر والواحد فكانوا يضعون صفرًا على اليسار (دون استخدام فاصلة) للدلالة على أن العدد هو عدد عشريّ.

 

وللأشكال قصّةٌ أخرى.

تروي أهرامات الجيزة في مصر، عن هندسة المصريين القدماء، أكثر بكثير مما نستطيع أن نرويه ههنا. وتبقى عمارتها سرّاً كبيرًا يجعلنا ننحني أمام عظمتهم ويدعونا إلى المزيد من التواضع.

إننا لن نعرف أبدًا على ما يبدو، مهما تعدّدت الفرضيات والنظريات كيف بنيت الأهرامات. لكننا نعرف أنها من الإنجازات الهندسية العظيمة لا قديمًا، بل وحديثًا أيضًا. فممّا لا شكّ فيه أنّ الدقّة التي نراها في بناء هرم خوفو وفي توجيهه نحو الجهات الأربعة هي أقرب إلى المعجزة منها إلى الواقع. لكنها مع ذلك واقع يستطيع كلُّ واحد منّا الذهاب لرؤيته في صحراء مصر ما دام تلوث البيئة لم يخرّبه بعد!

نعلم، لا من الأهرامات فقط، بل وكذلك من بعض الوثائق على قلّتها، أن الهندسة، أو على الأقل معرفة بعض الأشكال الهندسية المستوية والفراغية وحساب مساحاتها وحجومها، كانت أكثر تطورّاً في مصر القديمة منها في أيّ مكانٍ آخر. ومن أهمّ هذه الوثائق برديةٌ تعود إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد وتسمّى بردية ريند نسبةً إلى البريطاني الذي اشتراها في الأقصر (قرأت في ثلاثة مصادر على الأقل أن ريند هذا قد اشتراها لكن أيّاً من هذه المصادر لم يذكر ممّن اشتراها فهل هناك من يملك حقّ بيعها حتى يملك ريند أو غيره حقَّ شرائها؟ لا ننسَ أيضًا أنّ مصر كانت خاضعةٌ للاحتلال البريطاني وقتذاك) وبرديّة ريند هي وثيقة رياضية شديدة الأهمية وفيما يخصّ الهندسة نقرأ فيها بعض المسائل ومنها:

المسألة 51: مثال على حساب حقل مثلّث. إذا قيل لك ما هي مساحة مثلّث ارتفاعه 10 فيرج (الفيرج لفظ يدل على واحدة طول عندهم) وقاعدته أربعة فيرج؛ فإنّك تحسب على هذا الشكل:

تأخذ نصف الأربعة أي 2 لكي تجعله قائمًا (أو لتجد منه مثلثًا قائمًا) وتضرب 10 بـ 2 فتكون لك المساحة.

وفي المسألة التالية من نفس البرديّة نجد حسابًا لمساحة شبه منحرف. أما الإنجاز الأكبر في حساب المساحات فهو حساب مساحة الدائرة الذي نذكر أيضًا كيف يجري بحسب هذه البرديّة:

طريقة لحساب قطعة أرض دائريّة نصف قطرها 9 فيرج. فكم تكون مساحة أرضها؟ (من الأكيد أنه لم تكن عندهم علامة الاستفهام لكنني أضعها تجاوزًا)

عليك أن تطرح من التسعة واحدًا. يبقى 8. ثم تضاعف الـ 8 ثمانية مرّات فتحصل على 64 (تذكر البرديّة طريقة الضرب) فمساحة الأرض هي ستُّ عشراتٍ وأربعة.

وتوضح بقيّة النص أنّ الواحد المطروح من التسعة هو تسع التسعة فالخوارزمية المستخدمة هي تربيع ثمانية أتساع نصف القطر، أي حساب مساحة المربع الذي طول ضلعه ثمانية أتساع نصف قطر الدائرة وهي طريقة تقريبية جيدة جدّاً تقابل إعطاء قيمة للعدد π تساوي 3.1605 (كانت بقية الشعوب المعاصرة لتلك الفترة تعطي نسبة محيط الدائرة إلى قطرها القيمة 3) يبقى أن نذكر أن المصريّين قد حسبوا بنفس الطريقة حجم الأسطوانة وذلك بضرب مساحة القاعدة (المحسوبة وفق الخوارزمية السابقة) بارتفاع الاسطوانة.

وقد استطاع المصريون أيضًا حساب حجم الهرم وحجم جذع الهرم وتوصّلوا (دون استخدام الرموز بالتأكيد) إلى ما يقابل الصيغة: v=h/3(a²+ab+b²) في حساب جذع الهرم الرباعي.

ليس قصد هذا الكتاب أن يكون دراسةً تاريخية ومع ذلك فإن القليل من التفاصيل تعطينا فكرةً واضحة ومنطلقًا جيّدًا للحديث عن هندسة الأقدمين. إنّ التدقيق في المسائل السابقة يمكِّننا أن نستنتج بعض الحقائق شبه الواضحة:

1-     من الواضح تمامًا أن اهتمام المصريّين بالهندسة كان ينطلق من الحاجة لحساب مساحات الأراضي بالدرجة الأولى. وحساب حجوم بعض الأبنية ولا سيما الأهرامات.

2-     لم يترك لنا المصريُّون (ولم يكن البابليُّون بأفضل من هذه الناحية) أيّ أثرٍ يخبرنا عن كيفية توصّلهم إلى طرق حسابهم للمساحات والحجوم. فكلُّ ما نراه هو تعليمات عن طرق تنفيذ خوارزميات لا نعلم من أين أتت. والسؤال الذي يطرح نفسه ويبقى محيّرًا نوعًا ما هو: هل كانت الخبرة هي وحدها مصدر هذه القوانين أم أن هناك استنتاجات وبراهين حقيقية، بالمعنى الإقليديّ للكلمة لم تصلنا منهم؟

3-     إنّ بعض التأمّل الإضافي في كون الطريقة التي تعطي مساحة الدائرة هي طريقة تقريبية، بينما نجد قانونًا صحيحًا لحساب حجم جذع الهرم، مع ملاحظة أن المسألة الأولى هي مسألة صعبة بالتأكيد في ذلك الزمان وأن المصريين كانوا يمتلكون خبرةً كبيرة في ما يخص الأهرام خصوصًا، يجعلنا نعتقد أن الخبرة الحسابيّة هي التي أوصلتهم إلى هذه الطرق وليس البرهان الرياضي الهندسي. يبقى أن نقول أن هذا الأمر لا يقلل مطلقًا من شأن هؤلاء الرواد الذين مهّدوا الطريق بلا شك لمن سيخلفهم في تطوير الهندسة ولا سيّما الإغريق.

إن الثروات العظيمة من الألواح المسمارية السومرية والبابلية ومن أوراق البردي المصرية ومن آثار غيرهما من الحضارات قد ضاع معظمها في غياهب التاريخ، وما نسيته عاديات الزمان منها يتذكّره اليوم من يدّعون كونهم أهل العلم والحضارة والديمقراطية وما سلم من الحرق والنهب في متحف الإسكندرية ومكتبتها يُجهَزُ عليه في بغداد اليوم. ومع ذلك فثمّة ذاكرة أصدق من كل الوثائق وهي ذاكرة تسجل كل شيء ولا تنسى شيئًا، وهي إلى ذلك ذاكرة تبقى ما دام الإنسان موجودًا على الأرض، ولعلها تبقى حتى بعد الإنسان. وهذه الذاكرة ما هي بكل بساطة سوى ما يسميه يونغ اللاوعي الجمعي للبشرية.

هكذا، فقد انتشر طلاب العلم من اليونانيين، حتى من قبل أن يُلحِق الأسكندر المقدوني معظم العالم القديم بشبه الجزيرة اليونانية الصغيرة، يجوبون مصر والشام وبلاد الرافدين ينهلون منها علوم تلك الحضارات. ومما يذكره التاريخ أن تاليس الذي عاش بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد والذي يعتبر المؤسّس الأوّل لكلّ العلوم في اليونان القديمة، والذي يعرفه جميع طلاب المدارس الإعدادية من خلال النظريّة الشهيرة المنسوبة إليه (نظريّة نسب الأطوال التي يحددها قاطعان مختلفان لمجموعة من المستقيمات المتوازية)، قد عاش عدّة سنوات في مصر وأن فيثاغورس الأكثر شهرة منه بالتأكيد والذي كان فيلسوفًا وصاحب مذهبٍ ديني تصوفيّ أكثر منه عالمًا فحسب قد عاش سنوات طويلة من عمره في مصر وفي بابل قبل أن يؤسِّس مدرسته الفيثاغورية التي تركت أثرًا كبيرًا ولعبت دورًا مهمّاً في تطوّر الهندسة فيما بعد. وباختصارٍ أكبر وببساطةٍ شديدة نستطيع أن نقول أن بذرة الهندسة التي اختمرت خلال وقتٍ طويلٍ في مصر كانت جاهزةً لتنتش في اليونان.

لقد كان التطوّر الكبير للحساب وللهندسة في حضارات الشرق القديمة نتاجًا للحاجة العملية كما أسلفنا مرّاتٍ عديدة، أو أن هذا ما تجيز لنا قوله الدراسات الآثارية حتى الآن على الأقل. أما الرياضيات بالمعنى العميق للكلمة فلم تكن قد وُلِدت بعد.

يمكن أن نشبّه النقلة النوعية التي حصلت عند انتقال المعارف "الرياضية" البابلية والمصريّة إلى اليونان بالمقاربة التالية: يزور سائحٌ أجنبيٌّ قريةً صغيرةً نائية في بلدٍ بعيد ما يزال بعيدًا عن "الحضارة". يقدِّمُ له فلاحٌ مضيافٌ إبريقًا فخَّاريّاً ليشرب منه ماءً زلالاً. فبالنسبة للفلاح، لا يشكّل الإبريق أكثر من أداةٍ صنعها جدّه يستخدمها ليشرب الماء. لكنّ الزائر الغريب يرى فيه قطعةً فنيّةً في غاية الجمال، وموضوعًا لدراسة كيفية صنعه وتكوينه وكيفيّة حفظه لبرودة الماء، الخ... ومن الطبيعي جدّاً أننا نجهل في كثيرٍ من الأحيان القيمة الجمالية والعمق الكبير لأشياء نستخدمها كلّ يوم، تمامًا كما لا نكتشف مقدار محبّتنا لشخصٍ ما إلا حين يفارقنا!

هكذا فقد تعب المصريّون ودخل اليونانيّون على تعبهم ورأَوا في المعارف التي ورثوها شيئًا لم يكن لمبدعيها أنفسهم أن يرَوه فيها. ومن هنا بالضبط ولدت الرياضيات.

لقد أوصلت الخبرة العمليّة عبر آلاف السنين كتّاب الألواح المسمارية وأوراق البردي المصريّة إلى طرق حساباتهم التي لم تعدو، على روعتها وعظمتها، أن تكون مجرّد وصفاتٍ جاهزة لحلّ مسائل مختلفة: إذا كنت تريد الحصول على مساحة الشكل الفولاني فاعمل ما يلي... دون أيِّ تفسيرٍ لكيف ولماذا وما هو الإثبات عن صحّة كلامك... وهذا السؤال الأخير هو بالتحديد ما طرحه على أنفسهم تاليس وفيثاغورس وأفلاطون ... وصولاً إلى إقليدس الذي كان كلّ شيءٍ قد نضج في زمانه ولم يبقَ غير القطاف.

يشبه ما تركه المصريون والبابليون، على امتداد ألف ونصف الألف من السنين مجموعةً من الحجارة الكبيرة والصغيرة، ومن المواد الأوليّة الضروريّة الأخرى اللازمة للبناء ويشبه ما فعله الإغريق خلال أربعمائة عام تجميع هذه المواد في بناءٍ سيظلّ فريدًا من نوعه لألفين تاليين من السنين! وهذه الصورة في تركيب الحجارة المختلفة لإشادة بناءٍ إنّما تكرّرت مرّات كثيرة في تاريخ العلم فكلُّ قفزةٍ علميّةٍ كبيرةٍ وحاسمة ما هي في الواقع إلا بناء جديد من حجارةٍ كثيرةٍ كانت تنتظر من يجمعها وهذا ما قاله نيوتن مرّةً حين شبّه نفسه بطفلٍ صغير يلعب على شاطئ البحر فيلتقط صدفةً من هنا وحجرًا ملوّنًا من هناك ويشكّل منها مادّة بنائه ومن الجدير ملاحظته أنّ هذا البناء الّذي وضعه نيوتن والذي كان ميلادًا للعلم الحديث قد طرحه في كتابٍ اختار له نفس الاسم الّذي اختاره إقليدس لكتابه: المبادئ!

إن الفكرة الأساسية الأولى التي يقوم عليها البناء الهندسي هي التجريد. فالدائرة هي الدائرة وليست قطعةً من الأرض لها شكل معيّن وليست عجلة عربةٍ ولا شيئًا آخر. وهي هي سواء كانت كبيرة أم صغيرة فخواصها في الحالة الأولى هي نفس خواصها في الحالة الثانية. وهنا تأتي الفكرة المهمّة الثانية وهي أنّ خواص الدائرة وكل شكل هندسي آخر هي خواص ثابتة يمكن استنتاجها بشكلٍ منطقيّ وابتداءً من حقائق معروفة سوف تصنّف فيما بعد وفق فئتين كبيرتين: المسلمات (أو الموضوعات) والبديهات. أما مجموعة هذه الاستنتاجات فهي التي ستشكّل ما ندعوه بمجموعة النظريات والبراهين التي تشكّل البناء الهندسي.

تطوّر هذا البناء شيئًا فشيئًا وقد بدأه تاليس العائد من مصر كما أسلفنا ووضع عليه اللمسات الأخيرة إقليدس الذي عاش في الأسكندرية أيضًا. ومثل كلّ بناءٍ آخر احتاج بناء الهندسة الإقليدية إلى الكثير من التشييد والهدم والإصلاح والتشذيب لكي يخرج في نهاية الأمر في الشكل الذي منحه إيّاه إقليدس.

 

في وقتٍ ما من القرن الرابع قبل الميلاد وضع إقليدس كتاب المبادئ الأمر الذي يعتبر بلا شكّ حدثًا كبيرًا ومنعطفًا مهمّاً في تاريخ البشرية. لكنّ من الأكيد بالمقابل أن أحدًا من "كبار" ذلك الزمان، أعني من كبار الأباطرة والملوك والحكّام والقوّاد، الزمنيين وغير الزمنيين، الذين ذهبت جميع أعمالهم وبقي عمل إقليدس، ما كان ليهتمّ بمثل هذا الحدث وكان الناس يعيشون حياتهم العادية في التجارة والصناعة والزراعة والطعام والشراب والزواج والموت والولادة والفرح والحزن... أعتقد أنّ علينا أن نتعلّم درسًا ما هنا فالحياة اليومية التي تجري بانتظام تخفي في طيّاتها أحداثًا صغيرةً لكنها خالدة وقد لا نسمع بها أبدًا رغم كلِّ وسائل إعلامنا الحديثة التي لا تنقل لنا إلا أخبارًا مبتذلة وسيّئة فإمّا عن الحروب والمجاعات والأوبئة وإما عن الموضات والصرعات وآخر الترّهات. لكن علينا أن نثق بأن ما يبقى وما يدفع البشرية إلى الأمام إنّما يجري على الدوام في الخفاء وأنّ قلّةً من الناس يقدِّرون، حتّى بعد آلاف السنين، مقدار أهميّته للعالم ولتقدّم الفكر والمعرفة.

لا شكّ أنّ محاولاتٍ قد جرت قبل إقليدس لكنّ الأكيد بالمقابل هو أنّ إقليدس كان المهندس الأوّل الذي أخرج إلى العالم أوّل بناءٍ كبيرٍ في مدينة الرياضيات العتيدة. ومع أنّ الكثير من التشذيب والترميم قد طال هذا البناء مؤخّرًا إلا أنّه يبقى بكل تأكيد البناء الّذي صمَّمه إقليدس. فما هو كتاب المبادئ أو ما هي الهندسة؟

 

سبق أن شبّهت الهندسة ببناءٍ كبير وسأفصِّل ذلك كما يلي.

نستخدم في أيِّ بناءٍ عددًا محدودًا من المواد الأوليّة. إنّها أشياء نشتريها جاهزةً أو نجدها في الطبيعة ونستخدمها كما هي من أجل إشادة البناء. رمل، إسمنت، ماء، حجارة، حديد، الخ ... يقابل هذه المواد في الهندسة ما نسميه الكلمات أو المفاهيم الأساسية: النقطة، المستقيم، المستوي، يقع بين.

يقوم كلّ بناءٍ إسمنتيٍّ حديث على مجموعةٍ من الأعمدة الضخمة المسلّحة التي تسمّى أساسات والتي تحمل البناء كلّه. يقابل هذه الأساسات في الهندسة ما نسمّيه البديهيات والموضوعات والتي نعتمد عليها لبرهان كافّة النظريات والنتائج القادمة فهي بمعنًى ما تحمل كلّ البناء الهندسي أيضًا. أمّا الموضوعات في الهندسة الإقليدية فهي التالية:[5]

              1- من كل نقطتين يمر مستقيم واحد.

              2- يمكن مدّ أي مستقيم من نهايتيه بالقدر الذي نشاء.

              3- يمكن من أي نقطة إنشاء دائرة نصف قطرها أي طول معطى.

              4- جميع الزوايا القائمة متساوية.

              5- من نقطة غير واقعة على مستقيم يوجد موازٍ واحد لهذا المستقيم.

 نلاحظ ورود كلماتٍ ضمن هذه الموضوعات لا نعرف معناها فيجب تعريف الدائرة على سبيل المثال، وبدلالة المفاهيم الأوليّة (النقطة، المستقيم،...) قبل أن يكون من حقِّنا استخدام الكلمة في أيّ عبارة والحال فلا بدّ من إيراد بعض التعاريف المناسبة قبل طرح الموضوعات (تمامًا كما يجب ربط قضبان الحديد وخلط مزيج الإسمنت والرمل والماء قبل وضع الأساسات) فنعرّف الدائرة مثلاً بأنّها مجموعة النقاط في المستوي التي تبعد عن نقطة واحدة ثابتة البعد نفسه.

بعد إرساء الأساسات نبدأ بتشيّيد البناء فنقيم مجموعةً أولى من الأعمدة تقوم عليها الطبقة الأولى ويقابل ذلك في الهندسة أن نثبت مجموعةً من المبرهنات (النظريات) اعتمادًا على الموضوعات الأساسية. ولا بدّ لنا مرّةً أخرى هنا من تقديم بعض التعاريف (أي من تحضير بعض التجهيزات اللازمة للبناء) قبل رفع تلك الأعمدة. ثمّ ننطلق إلى الطبقة التالية بنفس الطريقة أي لمجموعةٍ جديدة من النظريات. وثمّة ملاحظتان لا بدّ أن يكون القارئ قد انتبه لهما لكنّني أذكرهما لمزيدٍ من التوضيح:

  1.   إن النظريات التي نتحدّث عنها ما هي غير خواص المستقيمات المتوازية والمتقاطعة والزوايا والأشكال الهندسية المختلفة وعلاقاتها بين بعضها البعض... وهي ما يدرسه طلاب المدارس الإعدادية (المتوسطة) في أيامنا هذه.

إنّ البناء الهندسي يزيد ديناميكيةً عن البناء العادي (الإسمنتي) فقد يحدث أن نستخدم في برهان نظريةٍ من المجموعة الثانية (أو الثالثة أو الرابعة...) موضوعةً من الموضوعات مباشرةً أي أنّه ليس من الضروري أن يكون البناء منتظمًا كليّاً وهذا الأمر نفسه نراه في بعض الأبنية الإسمنتية أيضًا كما يوضح ذلك الشكل (..   ..) لكنّ الهندسة اكثر ديناميكيةً حتّى من هذا إذ يمكن حتّى استبدال موضوعةً بنظرية وإعادة تركيب البناء من جديد ولعلّ الفرصة عن حديث أعمق حول هذا الموضوع ستتاح لنا فيما بعد عندما نتعرّض لموضوع الهندسات اللاإقليدية. أما الآن فكلّ ما بقي عليّ قوله، بشأن الهندسة هنا، هو أنّه لم يبقَ الكثير بعد إقليدس ليُعمَل إلا بعض التشذيبات والإضافات. ومحاولات لحلّ بعض المسائل التي حلّ الكثير منها في وقتٍ قصير وبقي بعضه القليل دون حلٍّ طوال ألفي عام تقريبًا والسبب هو أنّ هذه المسائل لم تكن قابلة للحلّ أصلاً كما سيتّضح بعد وقتٍ طويل لكنّنا سنترك الحديث عن ذلك لوقته.

المقال مأخوذ عن كتاب قيد التأليف للأستاذ أديب الخوري


 


[1] يقول لايبنتز في رسالة تعود لعام 1701 : "أرفق هنا محاولة في علم رقمي (هل سيكون مقبولاً يا ترى؟ ) جديد تمامًا. وهذا العلم يقوم باختصار () أكتب جميع الأعداد باستخدام الرمزين 0 و1 مستخدمًا تدريجًا ثنائيّاً من عددين بدلاً من عشرة أعداد. ولا أفعل ذلك من أجل التطبيق العام بل من أجل القيام باكتشافات جديدة () وبهذه الوسيلة يمكن الوصول إلى اكتشاف حقائق لا يمكن بلوغها بطرق أخرى ()

[2] في الأربعينات من القرن العشرين اجتمع خمسةٌ من كبار الرياضيين الفرنسيين ليشكِّلوا جماعةً كان هدفها الرئيس إعادة كتابة الرياضيات مصاغةً بالطريقة الموضوعاتية الاستنتاجية وبطريقةٍ أخرى فقد أرادت هذه المجموعة أن تصدر كتابًا (هو في الواقع مجموعةً ضخمة من الكتب) تمثِّل الرياضيات المعاصرة على نحوِ ما كان كتاب المبادئ لإقليدس يمثِّلُ الهندسة. ولعلم هؤلاء الرياضيين بأن مشروعًا كهذا ليس بالأمر السهل وأنّه يتطلّب الكثير جدّاً من الوقت والجهد، خصوصًا وأن ما يصدر من النشرات والأبحاث الرياضية يوميّاً يزيد عن إمكانية أن يتابعه شخصٌ واحد أو حتّى مجموعة ثابتة من الأشخاص، ولأن الرياضيات في تطوّرٍ مستمّر، مما يقضي أن تكون إصداراتهم مستمرّة وإلا فقدت قيمتها بعد وقتٍ قصير... فلقد جعلوا من أنفسهم جمعيةً تصدر الكتب الرياضية باسم مستعار هو نيكولا بورباكي. ولم تعد الجماعة محصورة بالمؤسسين بل إن الانتماء إليها يتم بقبول أعضائها للمرشّح إلى ذلك عندما ينسحب منها عضوٌ قديم بسبب رغبته الشخصية أو بسبب تجاوزه للسنّ المحدّدة لأعضاء المجموعة وهي الخمسين. من المهمّ أن نشير هنا إلى التأثير العظيم لبورباكي هذا على الرياضيات في القرن العشرين.

 

[3] لا بدّ لفهمٍ أكبر لما يلي من بعض المعرفة الرياضية حول معنى نظام العدّ الموضعي أو الخانِيّ، ولأجل ذلك أنصح المهتمّين، الذين يجدون صعوبةً في فهم بعض المصطلحات والمفردات بمراجعة الملحق الأوّل قبل متابعة القراءة في هذا الفصل.

[4] ولكن يمكن افتراض العكس أيضًا، أعني ربّما ساهم في تطوير الأعداد والحساب شخصًا أراد أن يجد طريقة لتقسيم أرضٍ بين عدّة أشخاص هو منهم، فكان همّه الأوّل الحصول بطريقةٍ ما على حصّةٍ زائدة. ولا بدّ من الاعتراف في نهاية الأمر أنّ العلم يتقدّم بالنوايا الحسنة للمشتغلين فيه لكنّ النيات الشريرة يمكن أن تولّد خيرًا أيضًا وهذا أمرٌ يجب أن يدعونا إلى التفاؤل وليس العكس فكما ذهبت معهم نواياهم، بقيت النتائج الرياضية الهامّة التي وضعها مجموعة من لاعبي الميسر الأذكياء في القرون الوسطى لتنجب فيما بعد نظرية الاحتمالات وكما تنمو علوم اليوم في مراكز البحث العسكرية في الدرجة الأولى، فإن مراكز البحث هذه ومن وراءها مع كل نواياهم ستصبح مع الوقت نسيًا منسيّا لكنّ النتائج العلمية الكبيرة التي يقدّمونها ستبقى لتقدم للبشرية القادمة خدماتها.

[5] الموضوعات التي نذكرها هنا هي الموضوعات كما تستخدم حاليّاً ويمكن الإطّلاع على البديهيات والموضوعات كما أوردها إقليدس في الملحق الخاص في نهاية هذا الفصل.

 

 

 

الصفحة الرئيسية

 

 

الصفحة الرئيسية اتصل بنا من نحن أحوال الطقس الخارطة الفلكية المنتدى المحاضرات

برنامج المحاضرات

               
   

Copyright © 2006 • All Rights Reserved • Syrian Cosmological Society •